|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع صـــ 40 الى صـــ 49 (71) (قال) وقال محمد - رحمه الله تعالى - ليس عليه أن يعيد طواف العمرة، وإن أعاد فهو أفضل، والدم عليه على كل حال؛ لأنه لا يمكن أن يجعل المعتد به الطواف الثاني؛ لأنه حصل بعد الوقوف، ولا يجوز طواف العمرة بعد الوقوف على ما بينا فالمعتبر هو الأول لا محالة، وهو ناقص، فعليه دم، ولم يذكر قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وقيل على قولهما ينبغي أن يسقط عنه الدم بالإعادة؛ لأن رفع النقصان عن طواف العمرة بعد الوقوف صحيح كما لو طاف للعمرة قبل الوقوف أربعة أشواط ثم أتم طوافه يوم النحر كان صحيحا فكذا هذا. وإذا ارتفع النقصان بالإعادة لا يلزمه الدم، وإن طافهما جنبا فعليه دم لطواف العمرة، ويعيد السعي للحج؛ لأنه أداه عقيب طواف التحية جنبا فعليه إعادته بعد طواف الزيارة قال فإن لم يعد فعليه دم، وهذا دليل على أن طواف الجنب للتحية غير معتبر أصلا فإنه جعله كمن ترك السعي حين أوجب عليه الدم فدل أن الصحيح أن الجنب إذا أعاد الطواف كان المعتد به الثاني دون الأول. مفرد أو قارن طاف للزيارة محدثا، ولم يطف للصدر حتى رجع إلى أهله فعليه دمان أحدهما للحدث في طواف الزيارة، والآخر لترك طواف الصدر. وإن كان طاف للصدر فعليه دم واحد لترك الطهارة في طواف الزيارة، ولا يجعل طوافه للصدر إعادة منه لطواف الزيارة؛ لأن إقامة هذا الطواف مقام طواف الزيارة غير مفيد في حقه فإنه إذا جعل هذا إعادة به لطواف الزيارة صار تاركا لطواف الصدر فيلزمه الدم لأجله، وإذا لم يكن مفيدا لا يشتغل به، وإن كان طاف للزيارة جنبا، ولم يطف للصدر حتى رجع إلى أهله فإنه يعود إلى مكة ليطوف طواف الزيارة، وإذا عاد فعليه إحرام جديد؛ لأن طوافه الأول معتد به في حق التحلل، وليس له أن يدخل مكة بغير إحرام فيلزمه إحرام جديد لدخول مكة ثم يلزمه دم لتأخيره طواف الزيارة عن وقته، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بمنزلة ما لو أخر الطواف حتى مضت أيام التشريق، وسنبين هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وهذه المسألة تدل على أن المعتبر هو الطواف الثاني، وإن لم يرجع إلى مكة فعليه بدنة لطواف الزيارة، وشاة لترك طواف الصدر، وعلى الحائض مثل ذلك للزيارة وليس عليها لترك طواف الصدر شيء لأن للحائض رخصة في ترك طواف الصدر، والأصل فيه حديث صفية - رضي الله عنها - «فإنه أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيام النحر أنها حاضت فقال - صلى الله عليه وسلم - عقرى حلقى أحابستنا هي؟ فقيل إنها قد طافت قال فلتنفر إذن» فهذا دليل على أن الحائض ممنوعة عن طواف الزيارة، وأنه ليس عليها طواف الصدر؛ لأنه لما أخبر أنها طافت للزيارة أمرها بأن تنفر معهم، وإن طاف للزيارة جنبا، وطاف للصدر طاهرا في آخر أيام التشريق كان طواف الصدر مكان طواف الزيارة؛ لأن الإعادة مستحقة عليه فيقع عما هو المستحق، وإن نواه عن غيره، وفي إقامة هذا الطواف مقام طواف الزيارة فائدة، وهي إسقاط البدنة عنه ثم يجب عليه دمان أحدهما لترك طواف الصدر عندهم جميعا، والآخر لتأخير طواف الزيارة إلى آخر أيام التشريق عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وكذلك الجواب في الحائض إذا طافت للزيارة ثم طهرت فطافت للصدر في آخر أيام التشريق، والحاصل أن طواف الزيارة مؤقت بأيام النحر فتأخيره عن أيام النحر يوجب الدم في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، ولا يوجب الدم في قولهما. وعلى هذا من قدم نسكا على نسك كأن حلق قبل الرمي أو نحر القارن قبل الرمي أو حلق قبل الذبح فعليه دم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعندهما لا يلزمه الدم بالتقديم، والتأخير، وحجتهما في ذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنه - «أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر حلقت قبل أن أرمي فقال ارم ولا حرج، وقال آخر حلقت قبل أن أذبح فقال اذبح ولا حرج، وما سئل عن شيء يومئذ قدم أو أخر إلا قال افعل ولا حرج» فدل أن التقديم والتأخير لا يوجب شيئا ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال «من قدم نسكا على نسك فعليه دم»، وتأويل الحديث المرفوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عذرهم في ذلك الوقت لقرب عهدهم بتعلم الترتيب وما يلحقهم من المشقة في مراعاة ذلك، ومعنى قوله افعل ولا حرج أي لا حرج فيما تأتي به، وبه يقول، وإنما الدم عليه بما قدمه على وقته، والمعنى فيه أن توقت النسك بزمان كتوقته بالمكان؛ لأنه لا يتأدى النسك إلا بمكان وزمان ثم ما كان مؤقتا بالمكان إذا أخره عن ذلك المكان يلزمه الدم كالإحرام المؤقت بالميقات إذا أخره عنه بأن جاوز الميقات حلالا ثم أحرم فكذلك ما كان مؤقتا بالزمان، وهو طواف الزيارة الذي هو مؤقتا بأيام النحر بالنص إذا أخره. قلنا يلزمه الدم، وهذا لأن مراعاة الوقت في الأركان واجب كمراعاة المكان. ألا ترى أن الوقوف لا يجوز في غير وقته كما لا يجوز في غير مكانه فبتأخر الطواف عن وقته يصير تاركا لما هو واجب، وترك الواجب في الحج يوجب الجبر بالدم ثم الأصل بعد هذا أن أكثر أشواط الطواف بمنزلة الكل في حكم التحلل به عن الإحرام عندنا. وكذلك في حكم الطهارة وغيرها من الإحكام، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يقوم الأكثر مقام الكمال بناء على أصله في اعتبار الطواف بالصلاة فكما أن أكثر عدد ركعات الصلاة لا يقوم مقام الكمال فكذلك أشواط الطواف لا تقوم مقام الكمال وهذا؛ لأن تقدير الطواف بسبعة أشواط ثابت بالنصوص المتواترة فكان كالمنصوص عليه في القرآن، وما يقدر شرعا بقدر لا يكون لما دون ذلك القدر حكم ذلك القدر كما في الحدود وغيرها، ولنا أن المنصوص عليه في القرآن الطواف بالبيت، وهو عبارة عن الدوران حوله، ولا يقتضي ظاهره التكرار إلا أنه ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا تقدير كمال الطواف بسبعة أشواط فيحتمل أن يكون ذلك التقدير للإتمام، ويحتمل أن يكون للاعتداد به فيثبت منه القدر المتيقن، وهو أن يجعل ذلك شرط الإتمام، ولئن كان شرط الاعتداد يقام الأكثر فيه مقام الكمال لترجح جانب الوجود على جانب العدم إذا أتى بالأكثر منه، ومثله صحيح في الشرع كمن أدرك الإمام في الركوع يجعل اقتداؤه في أكثر الركعة كالاقتداء في جميع الركعة في الاعتداد به، والمتطوع بالصوم إذا نوى قبل الزوال يجعل وجود النية في أكثر اليوم كوجودها في جميع اليوم، وكذلك في صوم رمضان عندنا. ومن أصحابنا من يقول الطواف من أسباب التحلل، وفي أسباب التحلل يقام البعض مقام الكل كما في الحلق إلا أنا اعتبرنا هنا الأكثر ليترجح جانب الوجود فإن الطواف عبادة مقصودة، والحلق ليس بعبادة مقصودة فيقام الربع مقام الكل هناك. إذا عرفنا هذا فنقول: إذا طاف للزيارة أربعة أشواط يتحلل به من الإحرام عندنا حتى لو جامع بعد ذلك لا يلزمه شيء بخلاف ما لو طاف ثلاثة أشواط، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يتحلل ما بقي عليه خطوة من شوط، ولو طاف ثلاثة أشواط للزيارة ولم يطف للصدر، ورجع إلى أهله فعليه أن يعود بالإحرام الأول، ويقضي بقية طواف الزيارة؛ لأن الأكثر باق عليه فكان إحرامه في حق النساء باقيا، ولا يحتاج هذا إلى إحرام جديد عند العود، ولا يقوم الدم مقام ما بقي عليه، ولكن يلزمه العود إلى مكة لبقية الطواف عليه ثم يريق دما لتأخيره عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن تأخير أكثر الأشواط عن أيام النحر كتأخير الكل، ويطوف للصدر، وإن كان طاف أربعة أشواط أجزأه أن لا يعود، ولكن يبعث بشاتين إحداهما لما بقي عليه من أشواط الطواف؛ لأن ما بقي أقل، وشرط الطواف الكمال فيقوم الدم مقامه، والدم الآخر لطواف الصدر، وإن اختار العود إلى مكة يلزمه إحرام جديد؛ لأن التحلل قد حصل له من الإحرام الأول فإذا عاد بإحرام جديد، وأعاد ما بقي من طواف الزيارة، وطاف للصدر أجزأه، وكان عليه لتأخير كل شوط من أشواط طواف الزيارة صدقة؛ لأن تأخير الكل لما كان يوجب الدم عنه فتأخير الأقل لا يوجب الدم، ولكن يوجب الصدقة، وفي كل موضع يقول تلزمه صدقة فالمراد طعام مسكين مدين من حنطة إلا أن يبلغ قيمة ذلك قيمة شاة فحينئذ ينقص منه ما أحب (قال) وإن طاف الأقل من طواف الزيارة، وطاف للصدر في آخر أيام التشريق يكمل طواف الزيارة من طواف الصدر؛ لأن استحقاق الزيارة عليه أقوى فما أتى به مصروف إلى إكماله، وإن نواه عن غيره، وعليه لتأخير ذلك دم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ثم قد بقي من طوافه للصدر ثلاثة أشواط فصار تاركا للأكثر من طواف الصدر، وذلك ينزل منزلة ترك الكل فعليه دم لذلك، وإن كان المتروك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط أكمل ذلك من طواف الصدر كما بينا، وعليه لكل شوط منه صدقة بسبب التأخير عن وقته؛ لأنه لا يجب في تأخير الأقل ما يجب في تأخير الكل ثم قد بقي من طواف الصدر أربعة أشواط فإنما ترك الأقل منها فيكفيه لكل شوط صدقة؛ لأن الدم يقوم مقام جميع طواف الصدر فلا يجب في ترك أقله ما يجب في ترك كله، ولو طاف للصدر جنبا فعليه دم لتفاحش النقصان بسبب الجنابة، ويكون هو كالتارك لطواف الصدر أصلا، ولو طاف للصدر وهو محدث فعليه صدقة لقلة النقصان بسبب الحدث. وفي رواية أبي حفص - رحمه الله تعالى - سوى بين الحدث والجنابة في ذلك؛ لأن طواف الجنب معتد به ألا ترى أن التحلل من الإحرام يحصل به في طواف الزيارة فلا يجب بسبب هذا النقصان ما يجب بتركه أصلا (قال) ولو طاف بالبيت منكوسا بأن استلم الحجر ثم أخذ على يسار الكعبة، وطاف كذلك سبعة أشواط عندنا يعتد بطوافه في حكم التحلل، وعليه الإعادة ما دام بمكة فإن رجع إلى أهله قبل الإعادة فعليه دم، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يعتد بطوافه بناء على أصله أن الطواف بمنزلة الصلاة فكما أنه لو صلى منكوسا بأن بدأ بالتشهد لا يجزيه فكذلك الطواف. ولنا الأصل الذي قلنا أن الثابت بالنص الدوران حول البيت، وذلك حاصل من أي جانب أخذ، ولكن بفعل - صلى الله عليه وسلم - حين أخذ على يمينه على باب الكعبة تبين أن الواجب هذا فكانت هذه صفة واجبة في هذا الركن بمنزلة شرط الطهارة عندنا فتركه لا يمنع الاعتداد به، ولكن يمكن فيه نقصانا يجبر بالدم، وهذا لأن المعنى فيه معقول، وهو تعظيم البقعة، وذلك حاصل من أي جانب أخذ فعرفنا أن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البداية بالجانب الأيمن لبيان صفة الإتمام لا لبيان صفة الركنية بخلاف أركان الصلاة، واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - علينا بما لو بدأ بالمروة في السعي حيث لا يعتد به لما أنه أداه منكوسا فمن أصحابنا رحمهم الله تعالى من قال: يعتد به، ولكن يكون مكروها. والأصح أنه لا يعتد بالشوط الأول لا لكونه منكوسا، ولكن لأن الواجب هناك صعود الصفا أربع مرات، والمروة ثلاث مرات فإذا بدأ بالمروة فإنما صعد الصفا ثلاث مرات فعليه أن يصعد الصفا مرة أخرى، ولا يمكن أن يأمر بذلك إلا بإعادة شوط واحد من الطواف بين الصفا والمروة فأما هنا ما ترك شيئا من أصل الواجب عليه فقد دار حول البيت سبع مرات فلهذا كان طوافه معتدا به (قال) وإن طاف راكبا أو محمولا فإن كان لعذر من مرض أو كبر لم يلزمه شيء، وإن كان لغير عذر أعاده ما دام بمكة فإن رجع إلى أهله فعليه الدم عندنا، وعلى قول الشافعي - رضي الله عنه - لا شيء عليه؛ لأنه صح في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «طاف للزيارة يوم النحر على ناقته، واستلم الأركان بمحجنه»، ولكنا نقول التوارث من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا الطواف ماشيا، وعلى هذا على قول من يجعله كالصلاة الدم؛ لأن أداء المكتوبة راكبا من غير عذر لا يجوز فكان ينبغي أن لا يتعد بطواف الراكب من غير عذر، ولكنا نقول المشي شرط الكمال فيه فتركه من غير عذر يوجب الدم لما بينا فأما تأويل الحديث فقد ذكر أبو الطفيل - رحمه الله تعالى - أنه طاف راكبا لوجع أصابه، وهو أنه وثبت رجله فلهذا طاف راكبا، وذكر ابن الزبير عن جابر - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما طاف راكبا ليشاهده الناس فيسألوه عن حوادثهم، وقيل إنما طاف راكبا لكبر سنه»، وعندنا إذا كان لعذر فلا بأس به، وكذلك إذا طاف بين الصفا، والمروة محمولا أو راكبا، وكذلك لو طاف الأكثر راكبا أو محمولا فالأكثر يقوم مقام الكل على ما بينا (قال) وإذا طاف المعتمر أربعة أشواط من طواف العمرة في أشهر الحج بأن كان أحرم للعمرة في رمضان فطاف ثلاثة أشواط ثم دخل شوال فأتم طوافه، وحج من عامه ذلك كان متمتعا، وإن كان طاف لأكثر في رمضان لم يكن متمتعا لما بينا أن الأكثر يقوم مقام الكل، وعلى هذا لو جامع المعتمر بعدما طاف لعمرته أربعة أشواط لم تفسد عمرته، ويمضي فيها وعليه دم، وإن جامع بعدما طاف لها ثلاثة أشواط فسدت عمرته فيمضي في الفاسد حتى يتمها، وعليه دم للجماع، وعمرة مكانها لما ذكرنا أن الأكثر يقوم مقام الكمال، وجماعه بعد إكمال طواف العمرة غير مفسد؛ لأنها صارت مؤداة بأداء ركنها فكذلك بعد أداء الأكثر من الطواف (قال) وإن طاف للعمرة في رمضان جنبا أو على غير وضوء لم يكن متمتعا إن أعاده في شوال أو لم يعده، وبهذه المسألة استدل الكرخي - رحمه الله -، وقد بينا العذر فيه أنه إنما لا يكون متمتعا لوقوع الأمن له من الفساد بما أداه في رمضان، ولو كان ذلك موقوفا لبطل بالإعادة في شوال (قال) كوفي اعتمر في أشهر الحج فطاف لعمرته ثلاثة أشواط، ورجع إلى الكوفة ثم ذكر بعد ذلك فرجع إلى مكة فقضى ما بقي عليه من عمرته من الطواف والسعي، وحج من عامه ذلك كان متمتعا؛ لأنه لما أتى بأكثر الأشواط بعدما رجع ثانيا فكأنه أتى بالكل بعد رجوعه، ولو كان طاف أولا أربعة أشواط لم يكن متمتعا كما لو أكمل الطواف، وهذا لوجود الإلمام بأهله بين النسكين، وإنشائه السفر لأداء كل نسك من بيته (قال) وترك الرمل في طواف الحج والعمرة والسعي في بطن الوادي بين الصفا والمروة لا يوجب عليه شيئا غير أنه مسيء إذا كان لغير عذر، وكذلك ترك استلام الحجر فالرمل واستلام الحجر، وهذه الخلال من آداب الطواف أو من السنن، وترك ما هو سنة أو أدب لا يوجب شيئا إلا الإساءة إذا تعمد (قال) وإذا طاف الطواف الواجب في الحج والعمرة في جوف الحطيم قضى ما ترك منه إن كان بمكة، وإن كان رجع إلى أهله فعليه دم؛ لأن المتروك هو الأقل فإنه إنما ترك الطواف على الحطيم فقط، وقد بينا أنه لو ترك الأقل من أشواط الطواف فعليه إعادة المتروك، وإن لم يعد فعليه الدم عندنا فهذا مثله ثم الأفضل عندنا أن يعيد الطواف من الأصل ليكون مراعيا للترتيب المسنون، وإن أعاده على الحطيم فقط أجزأه؛ لأنه أتى بما هو المتروك، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - يلزمه إعادة الطواف من الأصل بناء على أصله في أن مراعاة الترتيب في الطواف واجب كما هو في الصلاة فإذا ترك لم يكن طوافه معتدا به، وعندنا الواجب هو الدوران حول البيت، وذلك يتم بإعادة المتروك فقط، ولكن الترتيب سنة، والإعادة من الأصل أفضل، ويلزمون علينا بما لو ابتدأ الطواف من غير موضع الحجر لا يعتد بذلك القدر حتى ينتهى إلى الحجر، ولو لم يكن الترتيب واجبا لكان ذلك القدر معتدا به، ومن أصحابنا من يقول بأنه معتد به عندنا، ولكنه مكروه، ولكن ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في الرقيات أنه لا يعتبر طوافه إلى الحجر لا لترك الترتيب ولكن لأن مفتاح الطواف من الحجر الأسود على ما روي أن إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - قال لإسماعيل - عليه السلام - ائتني بحجر أجعله علامة افتتاح الطواف فأتاه بحجر فألقاه ثم بالثاني ثم بالثالث فناداه قد أتاني بالحجر من أغناني عن حجرك، ووجد الحجر الأسود في موضعه فعرفنا أن افتتاح الطواف منه فما أداه قبل الافتتاح لا يكون معتدا به. (قال) فإن طاف لعمرته ثلاثة أشواط وسعى بين الصفا والمروة ثم طاف لحجته كذلك ثم وقف بعرفة فالأشواط التي طافها للحج محسوبة عن طواف العمرة؛ لأنه هو المستحق عليه قبل طواف التحية فإذا جعلنا ذلك من طواف العمرة كان الباقي عليه شوطا واحدا حين وقف بعرفة فيكون قارنا، ويعيد طواف الصفا، والمروة لعمرته، ولحجته؛ لأن ما أدى من السعي بين الصفا، والمروة لعمرته كان عقيب أقل الأشواط فلا يكون معتدا به فيجب أن يعيد مع السعي للحج، ومع الشوط الواحد عن طواف العمرة، وإن رجع إلى الكوفة قبل أن يفعل ذلك فعليه دم لترك ذلك الشوط، ودم لترك سعي الحج، ولا يلزمه شيء لسعي العمرة؛ لأنه قد سعى لعمرته عقيب ستة أشواط؛ لأن موضوع المسألة فيما إذا كان سعى للحج، وذلك يقع عن سعي العمرة، وإن لم يكن سعى أصلا فعليه دم لترك السعي في كل نسك قال الحاكم - رحمه الله تعالى - قوله يعيد الطواف لعمرته غير سديد إلا أن يريد به الاستحباب يريد به بيان أن موضوع المسألة فيما إذا كان سعى بعد طواف التحية ثلاثة أشواط فكان ذلك سعيا معتدا به للعمرة فلا يلزمه إعادته، وإن كان يستحب له إعادة ذلك بعدما أكمل طواف العمرة بالشوط المتروك (قال)، ويكره أن يجمع بين أسبوعين من الطواف قبل أن يصلي في قول أبي حنيفة ومحمد رحمها الله تعالى، وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - لا بأس بذلك إذا انصرف على وتر ثلاثة أسابيع أو خمسة أسابيع لحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها طافت ثلاثة أسابيع ثم صلت لكل أسبوع ركعتين، ولأن مبنى الطواف على الوتر في عدد الأشواط فإذا انصرف على وتر لم يخالف انصرافه مبنى الطواف، واشتغاله بأسبوع آخر قبل الصلاة كاشتغاله بأكل أو نوم، وذلك لا يوجب الكراهة فكذا هنا إذا انصرف على ما هو مبنى الطواف بخلاف ما إذا انصرف على شفع؛ لأن الكراهة هناك لانصرافه على ما هو خلاف مبنى الطواف لا لتأخيره الصلاة وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا إتمام كل أسبوع من الطواف بركعتين فيكره له الاشتغال بالأسبوع الثاني قبل إكمال الأول كما أن إكمال كل شفع من التطوع لما كان بالتشهد يكره له الاشتغال بالشفع الثاني قبل إكمال الأول [الطواف قبل طلوع الشمس] (قال) وإذا طاف قبل طلوع الشمس لم يصل حتى تطلع الشمس، وقد بينا في كتاب الصلاة أن ركعتي الطواف سنة أو واجب بسبب من جهته كالمنذور، وذلك لا يؤدى عندنا بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، ولا بعد العصر قبل غروب الشمس. وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - طاف قبل طلوع الشمس ثم خرج من مكة حتى إذا كان بذي طوى، وارتفعت الشمس صلى ركعتين ثم قال: ركعتان مكان ركعتين، وكذلك بعد غروب الشمس يبدأ بالمغرب؛ لأن أداء ما ليس بمكتوبة قبل صلاة المغرب مكروه، ولا تجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف؛ لأنه واجب كالمنذور أو سنة كسنن الصلاة فالمكتوبة لا تنوب عنه (قال)، ويكره له أن ينشد الشعر في طوافه أو يتحدث أو يبيع أو يشتري فإن فعله لم يفسد عليه طوافه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق فمن نطق فلا ينطق إلا بخير»، وقد بينا أن المراد تشبيه الطواف بالصلاة في الثواب لا في الأحكام فلا يكون الكلام فيه مفسدا للطواف (قال)، ويكره له أن يرفع صوته بقراءة القرآن فيه؛ لأن الناس يشتغلون فيه بالذكر والثناء فقل ما يستمعون لقراءته. وترك الاستماع عند رفع الصوت بالقراءة من الجفاء فلا يرفع صوته بذلك صيانة للناس عن هذا الجفاء، ولا بأس بقراءته في نفسه هكذا روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان في طوافه يقرأ القرآن في نفسه، ولأن المستحب له الاشتغال بالذكر في الطواف، وأشرف الأذكار قراءة القرآن (قال) وإن طافت المرأة مع الرجل لم تفسد عليه طوافه يريد به بسبب المحاذاة؛ لأن الطواف في الأحكام ليس كالصلاة، ومحاذاة المرأة الرجل إنما يوجب فساد الصلاة إذا كانا يشتركان في الصلاة فأما إذا لم يشتركا فلا، وهنا لا شركة بينهما في الطواف (قال) وإذا خرج الطائف من طوافه لصلاة مكتوبة أو جنازة أو تجديد وضوء ثم عاد بنى على طوافه لما بينا أنه ليس كالصلاة في الأحكام فالاشتغال في خلاله بعمل لا يمنع البناء عليه، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه خرج لجنازة ثم عاد فبنى على الطواف (قال) وإن أخر الطائف ركعتين حتى خرج من مكة لم يضره لما روينا من حديث عمر - رضي الله عنه -. (قال) والصلاة لأهل مكة أحب إلي، وللغرباء الطواف فإن التطوع من الصلاة عبادة بجميع البدن تشمل على أركان مختلفة فالاشتغال بهذا أفضل من الاشتغال بطواف التطوع إلا أن في حق الغرباء الطواف يفوته، والصلاة لا تفوته؛ لأنه يتمكن من الصلاة إذا رجع إلى أهله، ولا يتمكن من الطواف إذا رجع إلى أهله، ولا يتمكن من الطواف إلا في هذا المكان، والاشتغال في هذا المكان بما يفوته أولى كالاشتغال بالحراسة في سبيل الله أولى من صلاة الليل إذا تعذر عليه الجمع بينهما فأما المكي لا يفوته الطواف، ولا الصلاة فكان الاشتغال بالصلاة في حقه أولى لما بينا (قال) رجل طاف أسبوعا، وشوطا أو شوطين من أسبوع آخر ثم ذكر له أنه لا ينبغي أن يجمع بين أسبوعين قال يتم الأسبوع الذي دخل فيه، وعليه لكل أسبوع ركعتان؛ لأنه صار شارعا في الأسبوع الثاني مؤكدا له بشوط أو شوطين فعليه أن يتمه كمن قام إلى الركعة الثالثة قبل التشهد، وقيد الركعة بالسجدة كان عليه إتمام الشفع الثاني ثم كل أسبوع سبب التزام ركعتين بمنزلة النذر فعليه لكل أسبوع ركعتان (قال) ولا بأس بأن يطوف، وعليه خفاه أو نعلاه إذا كانا طاهرين، وإنما أورد هذا ردا على المتشفعة فإنهم يقولون لا يطوف إلا حافيا، وإذا كان يجوز الصلاة مع الخفين أو النعلين إذا كانا طاهرين فالطواف أولى (قال) واستلام الركن اليماني حسن، وتركه لا يضره. وروي عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه يستلمه ولا يتركه، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يستلمه، ويقبل يده ولا يقبل الركن هكذا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استلم الركن اليماني، ولم يقبله»، وابن عباس - رضي الله عنه - يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استلم الركن اليماني، ووضع خده عليه»، وابن عمر - رضي الله عنه - يروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «استلم الركنين يعني الحجر الأسود، واليماني» فهو دليل لمحمد - رحمه الله تعالى -، ووجه ظاهر الرواية أن كل ركن يكون استلامه مسنونا فتقبيله كذلك مسنون كالحجر الأسود، وبالاتفاق هنا التقبيل ليس بمسنون فكذا الاستلام (قال) ولا يستلم الركنين الآخرين إلا على قول معاوية - رضي الله عنه - فإنه استلم الأركان الأربعة فقال له ابن عباس - رضي الله عنهما - لا تستلم الركنين فقال: ليس شيء منه بمهجور، ولكنا نقول القياس ينفي استلام الركن؛ لأن ذلك ليس من تعظيم البقعة كسائر المواضع من البيت، ولكنا تركنا القياس في الحجر بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبقي ما سواه على أصل القياس ثم الركنان الآخران ليسا من أركان البيت؛ لأن أهل الجاهلية قصروا البيت عن قواعد الخليل صلوات الله عليه، وعلى ما بينا فلا يستلمهما [الرمي أثناء الطواف] (قال) وإن رمل في طوافه كله لم يكن عليه شيء؛ لأن المشي على هيئته في الأشواط الأربعة من الآداب، وبترك الآداب لا يلزمه شيء (قال) وإن مشى في الثلاثة الأول أو في بعضها ثم ذكر ذلك لم يرمل فيما بقي؛ لأن الرمل في الأشواط الثلاثة سنة فإذا فاتت من موضعها لا تقضى، والمشي على هيئته في الأربعة الأخر من آداب الطواف أو من السنن فإن ترك في الثلاثة الأول ما هو سنتها لا يترك في الأربعة الأخر ما هو سنتها (قال) وإن جعل لله عليه أن يطوف زحفا فعليه أن يطوف ماشيا؛ لأنه إنما يلتزم بالنذر ما يتنفل به أو ما يكون قربة في نفسه، وأصل الطواف قربة فأما الزحف من أفعال أهل الجاهلية، وليس بقربة في شريعتنا فلا تلزمه هذه الصفة بالنذر، وإن طاف كذلك زحفا فعليه الإعادة ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله فعليه دم بمنزلة ما لو طاف محمولا أو راكبا على ما بينا (قال) وإن طاف بالبيت من، وراء زمزم أو قريبا من ظلة المسجد أجزأه عن ذلك؛ لأنه إذا كان في المسجد فطوافه يكون بالبيت فيصير به ممتثلا للأمر فأما إذا طاف من وراء المسجد فكانت حيطانه بينه، وبين الكعبة لم يجزه لأنه طاف بالمسجد لا بالبيت، والواجب عليه الطواف بالبيت أرأيت لو طاف بمكة كان يجزئه، وإن كان البيت في مكة أرأيت لو طاف في الدنيا أكان يجزئه من الطواف بالبيت لا يجزئه شيء من ذلك فهذا مثله، والله سبحانه، وتعالى أعلم بالصواب [باب السعي بين الصفا والمروة] (باب السعي بين الصفا والمروة) (قال) - رضي الله عنه - وإذا سعى بين الصفا والمروة ورمل في سعيه كله من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا فقد أساء، ولا شيء عليه. وكذلك إن مشى في جميع ذلك؛ لأن الواجب عليه الطواف بينهما قال الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] . فأما السعي في بطن الوادي، والمشي فيما سوى ذلك أدب أو سنة فتركه لا يوجب إلا الإساءة كترك الرمل في الطواف ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع صـــ 70 الى صـــ 79 (74) (قال) وإذا جاء يوم النحر، وليس على رأسه شعر أجرى الموسى على رأسه تشبها بمن يحلق؛ لأنه وسع مثله، والتكليف بحسب الوسع ألا ترى أن الأخرس يؤمر بتحريك الشفتين عند التكبير والقراءة في الصلاة فينزل ذلك منه منزلة قراءة الناطق فهذا مثله (قال) وإن حلق رأسه بالنورة أجزأه؛ لأن قضاء التفث فيه يحصل، والموسى أحب إلي؛ لأنه أقرب إلى موافقة فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قال) وأكره له أن يؤخر الحلق حتى تذهب أيام النحر والحاصل أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الحلق للتحلل في الحج مؤقت بالزمان، وهو أيام النحر، وبالمكان، وهو الحرم، وعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا يتوقت بالزمان، ولا بالمكان. وعند محمد - رحمه الله تعالى - يتوقت بالمكان دون الزمان، وعند زفر - رحمه الله تعالى - يتوقت بالزمان دون المكان فزفر - رحمه الله تعالى - يقول التحلل عن الإحرام معتبر بابتداء الإحرام، وابتداء الإحرام مؤقت بالزمان غير مؤقت بالمكان حتى يكره له أن يحرم بالحج في غير أشهر الحج، ولا يكره له أن يحرم بالحج في أي مكان شاء قبل أن يصل إلى الميقات فكذلك التحلل عنه بالحلق يتوقت من حيث الزمان دون المكان حتى إذا أخره عن أيام النحر يلزمه الدم، وإذا خرج من الحرم ثم حلق لا يلزمه شيء وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول ما كان للتحلل في الحج يتوقت بالزمان والمكان جميعا كالطواف الذي يتم به التحلل لا يكون إلا في المسجد، ويتوقت بأيام النحر فكما أنه لو أخر الطواف عن وقته يلزمه دم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فكذلك إذا أخر الحلق عن وقته، وعلى هذا كان ينبغي أن لا يعتد بحلقه خارج الحرم كما لا يعتد بطوافه، ولكن جعلناه معتدا به؛ لأن محل فعله الرأس دون الحرم فيحصل به التحلل، ولكنه جان بتأخيره عن مكانه فيلزمه دم بالتأخير عن المكان كما يلزمه عن وقته، وهذا لأن الحلق لا يعقل فيه معنى القربة، وإنما عرفناه قربة بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ما حلق للحج إلا في الحرم يوم النحر فما وجد بهذه الصفة يكون قربة، وما خالف هذا لا يتحقق فيه معنى القربة فيلزمه الجبر فيه بالدم. وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الحلق الذي هو نسك في أوانه بمنزلة الحلق الذي هو جناية قبل أوانه فكما أن ذلك لا يختص بزمان، ولا مكان فكذلك هذا لا يختص بزمان ولا مكان؛ لأنه لو اختص بزمان ومكان لم يكن معتدا به في غير ذلك المكان، ولا في غير ذلك الزمان كالوقوف بعرفة فسواء أخره عن أيام النحر أو خرج من الحرم فحلق لا يلزمه شيء ومحمد - رحمه الله تعالى - يقول تعلق المناسك بالمكان آكد من تعلقها بالزمان ألا ترى أن الطواف المختص بمكان لا يعتد به في غير ذلك المكان، والمؤقت من الطواف بزمان يكون معتدا به في غير ذلك الزمان فعرفنا أن تعلقه بالمكان أشد فالحلق الذي هو مختص بالحرم بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتى به خارج الحرم يتمكن فيه النقصان فيلزمه الجبر بالدم، وتأخيره عن أيام النحر لا يتمكن فيه كثير نقصان فلا يلزمه الجبر بالدم فأما في العمرة فلا يتوقت الحلق بزمان حتى لو أخر الحلق فيه شهرا لا يلزمه شيء؛ لأن أصل العمرة لا يتوقت بالزمان، وما هو الركن، وهو الطواف فيه أيضا لا يتوقت من حيث الزمان فكذلك الحلق فيه لا يتوقت بخلاف الحج، ولكنه يتوقت بالحرم حتى لو حلق للعمرة خارج الحرم فعليه دم عند أبي حنيفة ومحمد رحمها الله تعالى كما في الحج، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا شيء عليه (قال) وليس على المحصر حلق إذا حل وإن حلق أو قصر فحسن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - أرى عليه الحلق، وإن لم يفعل فلا شيء عليه، واحتج أبو يوسف - رحمه الله تعالى - بالحديث «فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحصر بالحديبية مع أصحابه فأمرهم بالحلق بعد بلوغ الهدايا محلها، وكره لهم تأخير ذلك حتى ذكر ذلك لأم سلمة - رضي الله عنها - فقالت ابدأ بنفسك يا رسول الله فإنهم يظنون أن في نفسك رجاء الوصول إلى البيت للحال فحلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأوا ذلك منه بادروا إلى الحلق»، ولأنه لو لم يحصر لكان يتحلل بالحلق عند أداء الأعمال فكذلك بعد الإحصار ينبغي أن يتحلل بالحلق لقدرته على أن يأتي به، وإن عجز عن سائر الأفعال وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا الحلق إنما يكون نسكا بعد أداء الأفعال فأما قبل أداء الأفعال فهو جناية فإذا تحقق عجزه عن ترتيب الحلق على سائر الأفعال لا يلزمه أن يأتي به وإنما تحلله بالهدي هنا، والدليل عليه أن الله تعالى نهى المحصر عن الحلق حتى يبلغ الهدي محله بقوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] فذلك دليل الإباحة بعد بلوغ الهدي محله لا دليل الوجوب فأما حلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية فقد ذكر أبو بكر الرازي أن عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى إنما لا يحلق المحصر إذا أحصر في الحل أما إذا أحصر في الحرم يحلق؛ لأن الحلق عندهما مؤقت بالحرم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان محصرا بالحديبية، وبعض الحديبية من الحرم على ما روي أن مضارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت في الحل، ومصلاه في الحرم فإنما حلق في الحرم، وبه نقول على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرهم بالحلق ليحقق به عزمهم على الانصراف، ويأمن المشركون من جانبهم، ولا يشتغلون بمكيدة أخرى بعد الصلح (قال) وليس على الحاج إذا قصر أن يأخذ شيئا من لحيته أو شاربه أو أظفاره أو يتنور؛ لأن التقصير قائم مقام الحلق، ولو أراد الحلق لم يكن عليه ذلك في لحيته، ولا في شاربه فكذلك التقصير، وإن فعل لم يضره؛ لأنه جاء أوان التحلل، وهذا كله مما يحصل به التحلل؛ لأنه من جملة قضاء التفث (قال) وإن حلق المحرم رأس حلال تصدق بشيء عندنا. وقال الشافعي - رضي الله عنه - لا شيء عليه؛ لأن المحرم ممنوع عن إزالة ما ينمو من البدن عن نفسه لما فيه من معنى الراحة والزينة له، ولا يحصل شيء من ذلك بحلق رأس الحلال فلا يلزمه به شيء ألا ترى أن الحلال لو حلق بنفسه لم يلزمه شيء، ولكنا نقول إن إزالة ما ينمو من بدن الآدمي من محظورات الإحرام فيكون المحرم ممنوعا عن مباشرة ذلك من بدن غيره كما يكون ممنوعا من مباشرته في نفسه بمنزلة قتل الصيد فإنه جان في قتل صيد غيره كما يكون جانيا في قتل صيد نفسه إلا أن كمال جنايته بانضمام معنى الراحة والزينة إلى فعله فإذا فعل ذلك في نفسه تكاملت جنايته فلزمه الدم، وإذا فعله بغيره لا تتكامل جنايته فتكفيه الصدقة (قال) وإذا حلق المحرم رأس محرم آخر فإن فعله بأمره فعلى المحلوق دم؛ لأن فعل الغير بأمره كفعله بنفسه، ومعنى الراحة والزينة له متحقق فيلزمه دم، وعلى الحالق رأسه صدقة لما بينا أنه جان في أصل فعله، وإن حلق بغير أمره بأن كان المحرم نائما فجاء، وحلق رأسه أو أكرهه على ذلك فعلى المحلوق رأسه دم عندنا، ولا شيء عليه عند الشافعي - رحمه الله تعالى - بناء على أصله أن الإكراه يخرج المكره من أن يكون مؤاخذا بحكم الفعل، والنوم أبلغ من الإكراه؛ لأن الإكراه يفسد قصده، وبالنوم ينعدم القصد أصلا، وعندنا بسبب الإكراه والنوم ينتفي عنه الإثم، ولكن لا ينتفي حكم الفعل إذا تقرر سببه، والسبب هنا ما نال من الراحة والزينة بإزالة التفث عن بدنه، وذلك حصل له فيلزمه الدم. ولا يتخير هنا بين أجناس الكفارات الثلاث بخلاف المضطر؛ لأن هناك العذر سماوي وجد ممن له الحق، وهنا العذر بسبب وجد من جهة العباد فيؤثر في إسقاط الذنب، ولا يخرج به الدم من أن يكون متعينا عليه ثم لا يرجع المحلوق رأسه بهذا الدم على الحالق، وقال بعض العلماء: يرجع به؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة، وألزمه هذا الغرم، ولكنا نقول إنما لزمه ذلك لمعنى الراحة والزينة، وهو حاصل له فلا يرجع به على غيره كما لا يرجع المغرور بالعقر؛ لأنه بمقابلة اللذة الحاصلة له بالوطء والجواب في قص الأظفار هنا كالجواب في الحلق (قال) وإذا أخذ المحرم من شاربه أو من رأسه شيئا أو من مس من لحيته فانتثر منها شعر فعليه في ذلك كله صدقة لوجود أصل الجناية بما أزاله من بدنه، ولكن لم تتم جنايته حين فعله؛ لأنه لم يكن مقصودا لتحصيل الراحة والزينة فتكفيه الصدقة (قال) وإن أخذ ثلث رأسه أو ثلث لحيته فعليه دم، ولم يذكر الربع في الكتاب، والجواب: في الربع كذلك لما بينا أن ما يتعلق بالرأس فالربع فيه بمنزلة الكمال كما في الحلق عند التحلل، وهذا لأن حلق بعض الرأس لمعنى الراحة والزينة معتاد فإن الأتراك يحلقون أوساط رءوسهم، وبعض العلوية يحلقون نواصيهم لابتغاء الراحة والزينة فتتكامل الجناية بهذا المقدار، والجناية المتكاملة توجب الجبر بالدم ثم الأصل بعد هذا أنه متى حلق عضوا مقصودا بالحلق من بدنه قبل أوان التحلل فعليه دم، وإن حلق ما ليس بمقصود فعليه الصدقة، ومما ليس بمقصود: حلق شعر الصدر أو الساق، ومما هو مقصود: حلق الرأس أو الإبطين فإن حلق أحدهما أو نتف أو أطلى بنورة فعليه الدم أيضا؛ لأن كل واحد منهما مقصود بالحلق لمعنى الراحة، وفيما ذكر إشارة إلى أن السنة في الإبطين النتف دون الحلق فإنه قال نتف إبطيه أو أحدهما، ولم يذكر الحلق فإن حلق موضع المحاجم فعليه دم في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وفي قولهما عليه صدقة؛ لأن ذلك الموضع غير مقصود بالحلق، وإنما يحلق للتمكن من الحجامة فهو بمنزلة حلق شعر الصدر والساق، وصح في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «احتجم، وهو محرم»، وما كان يرتكب في إحرامه الجناية المتكاملة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول إنه حلق مقصود؛ لأنه لا يتوصل إلى المقصود إلا به، وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودا فتتكامل الجناية، ولم ينقل «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق موضع المحاجم» إنما نقل عنه الحجامة، وليس من ضرورته الحلق فإن الحجام إذا كان حاذقا يشرط طولا فلا يحتاج إلى الحلق، وكذلك إذا لم يكن المحجوم أشعر البدن، ولم ينقل في «صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أشعر البدن»، والدليل عليه أنه كان يتحرز عن الجناية الموجبة للصدقة كما يتحرز عن الجناية الموجبة للدم وعندهما هذه جناية موجبة للصدقة (قال) فإن حلق الرقبة كلها فعليه دم؛ لأنه حلق مقصود للراحة والزينة فإن العلوية يفعلون ذلك، ولم يذكر في الكتاب ما إذا حلق شاربه إنما ذكر إذا أخذ من شاربه فعليه الصدقة فمن أصحابنا من يقول إذا حلق شاربه يلزمه الدم؛ لأنه مقصود بالحلق يفعله الصوفية، وغيرهم، والأصح أنه لا يلزمه الدم؛ لأنه طرف من أطراف اللحية، وهو مع اللحية كعضو واحد، وإن كانت السنة قص الشارب وإعفاء اللحى، وإذا كان الكل عضوا واحدا لا يجب بما دون الربع منه الدم، والشارب دون الربع من اللحية فتكفيه الصدقة في حلقه. (قال) وعلى القارن في ذلك كله كفارتان؛ لأنه محرم بإحرامين ففعله جناية على كل واحد منهما فيلزمه جزءان عندنا على ما نبينه في باب جزاء الصيد إن شاء الله تعالى (قال) وإن أصاب المحرم أذى في رأسه فحلق قبل يوم النحر فعليه أي الكفارات الثلاث شاء، والأصل فيه حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - «قال مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والقمل يتهافت على وجهي، وأنا أوقد تحت قدر لي فقال أتؤذيك هوام رأسك فقلت نعم فأنزل الله عز وجل قوله {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] فقلت ما الصيام يا رسول الله فقال ثلاثة أيام فقلت وما الصدقة قال ثلاثة آصع من حنطة على ستة مساكين فقلت وما النسك قال شاة»، وفي الآية دليل على أنه يتخير بين هذه الأشياء الثلاثة؛ لأنها ذكرت بحرف أو وذلك يوجب التخيير كما في كفارة اليمين، ولو لم يرد النص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتقدير الصوم بثلاثة أيام لكنا نقدره بستة أيام؛ لأنه لما تقدر الطعام بطعام ستة مساكين، وصوم يوم بمنزلة طعام المسكين فينبغي أن يلزمه صوم ستة أيام، ولكن ثبت بيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الصوم ثلاثة أيام فسقط اعتبار كل قياس بمقابلته، وكذلك الجواب في كل ما اضطر إليه مما لو فعله غير مضطر لزمه الدم فإذا فعله المضطر فعليه أي الكفارات الثلاثة شاء؛ لأنه في معنى المنصوص عليه من كل وجه فيكون ملحقا به فإن اختار الصيام يصوم في أي موضع شاء من الحرم أو غير الحرم؛ لأن الصوم عبادة في كل مكان. وإن اختار الطعام يجزئه ذلك أيضا في الحرم، وغير الحرم عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يجزئه ذلك إلا في الحرم؛ لأن المقصود به رفق فقراء الحرم ووصول المنفعة إليهم، ولكنا نقول التصديق بالطعام قربة في أي مكان كان فهو بمنزلة الصيام، وإن اختار النسك كان مختصا بالحرم بالاتفاق؛ لأن إراقة الدم لا تكون قربة إلا في وقت مخصوص، وهو أيام النحر أو مكان مخصوص هو الحرم، وهذا الدم غير مؤقت بالزمان فيكون مختصا بالمكان، وهو الحرم ليتحقق معنى القربة فيه فيكون كفارة لفعله قال الله تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] ولأن الله تعالى قال في جزاء الصيد {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] ، وذلك واجب بطريق الكفارة فصار أصلا في كل هدي وجب بطريق الكفارة في اختصاصه بالحرم، ولأنه بعد ذكر الهدايا قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] والمراد به الحرم، ومعلوم أنه ليس المراد من الاختصاص بالحرم عين إراقة الدم؛ لأن فيه تلويث الحرم إنما المقصود التصديق باللحم بعد الذبح فعليه أن يتصدق بلحمه، وكذلك كل دم وجب عليه بطريق الكفارة في شيء من أمر الحج أو العمرة فإنه لا يجزئه ذبحه إلا في الحرم، وعليه التصدق بلحمه بعد الذبح على فقراء الحرم، وإن تصدق على غيرهم من الفقراء أجزأه عندنا؛ لأن الصدقة على كل فقير قربة (قال) وإن سرق المذبوح لم يكن عليه شيء؛ لأن بالذبح قد بلغ محله، ووجوب التصدق كان متعلقا بالعين فيسقط بهلاك العين كما إذا هلك مال الزكاة سقطت عنه الزكاة (قال) وإن سرق قبل الذبح فعليه بدله؛ لأنه ما بلغ محله بعد، وهو نظير الأضحية الواجبة إذا سرقت قبل الذبح فعلى صاحبها مثلها، ولا خلاف أن دماء الكفارات لا يختص بيوم النحر، وأن دم المتعة، والقران مختص بيوم النحر؛ لأنه نسك يباح التناول منه كالأضحية، وهو من أسباب التحلل في أوانه كالحلق فأما دم الإحصار لا يتوقت بيوم النحر عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعلى قولهما يختص بيوم النحر؛ لأنه مشروع للتحلل فكان بمنزلة دم المتعة والقران وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول إنه في معنى دماء الكفارات بدليل أنه لا يباح التناول منه إلا للفقراء بخلاف دم المتعة والقران فإنه يباح التناول منه للأغنياء ثم وجوب هذا الدم للتحلل قبل أوانه فإن أوان التحلل ما بعد أداء الأفعال، والمحصر يتحلل قبل أداء الأفعال فكان في فعله معنى الجناية، وإن أبيح له ذلك للعذر فالدم الواجب عليه يكون كفارة لا يتوقت بيوم النحر كالدم في حق من كان برأسه أذى فأما التطوعات من الدم يجوز ذبحها قبل يوم النحر، وذبحها في يوم النحر أفضل؛ لأن التطوعات هدايا والواجب في الهدايا تبليغها إلى الحرم فإذا وجد ذلك يجوز ذبحها في غير أيام النحر، وفي أيام النحر أفضل؛ لأن معنى القربة في إراقة الدم في هذه الأيام أظهر (قال) ويباح التناول من هدي المتعة، والقران، والتطوع بمنزلة الأضحية، والجواب في الأضحية معلوم، وهو أن الواجب يتأدى بإراقة الدم فإنه يباح التناول منه للمضحي، ولمن شاء المضحي من غني أو فقير فإن أكل المضحي كلها لم يكن عليه شيء، والأفضل له أن يتصدق بالثلث، ويأكل الثلثين فكذلك فيما هو في معنى الأضحية من الهدايا ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تناول من هداياه حتى أمر أن يؤخذ من كل بدنة قطعة فتطبخ له، ولو كان الواجب التصدق بها على الفقراء لما أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها شيئا فكما يباح له تناول لحوم هذه الهدايا يباح له الانتفاع بجلودها أيضا، ولا ينتفع بجلود غيرها من دماء الكفارات بل يتصدق بذلك كله كما يتصدق بلحمها هكذا «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لناجية حين بعث بالهدايا على يديه، وقال تصدق بجلالها، وخطمها» فذلك دليل على وجوب التصدق بجلودها بطريق الأولى (قال) ولا يعطي أجرة الجزار منها، ولا من غيرها شيئا؛ لأن ما يأخذه الجزار إنما يأخذه عوضا عن عمله فيكون ذلك بمنزلة البيع. (قال) ولا ينبغي له أن يبيع شيئا من لحوم الهدايا بثمن؛ لأنها صارت لله تعالى خالصا فلا ينبغي له أن يشتغل بالتجارة فيها ولولا الإذن من قبل من له الحق لما أبيح له تناول بعضها، وليس من ضرورة الإذن في التناول الإذن في التجارة والمنصوص عليه الإذن في التناول بقوله تعالى {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] . (قال) وإذا باع شيئا من لحمها بثمن أو أعطى الجزار أجرة عمله من اللحم فعليه أن يتصدق بقيمة ذلك؛ لأنه متلف حق الفقراء في ذلك القدر بصرفه إلى قضاء ما هو مستحق عليه أو بتحصيل عوضه لنفسه، وهو الثمن فيلزمه التصدق بقيمته كمن قضى بنصاب الزكاة دينا عليه (قال) وإذا لم يبق على المحرم غير التقصير فبدأ بقص أظفاره فعليه كفارة ذلك؛ لأن إحرامه باق ما لم يحلق أو يقصر ففعله في قص الأظفار يكون جناية على الإحرام، وعلى قول الشافعي لا يلزمه شيء بناء على مذهبه أن تحلل الحاج يكون بالرمي فقص الأظفار بعد الرمي لا يكون جناية منه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [باب كفارة قص الأظفار] (باب كفارة قص الأظفار) (قال) - رضي الله عنه - وإذا قص المحرم أظفار يديه، ورجليه فعليه دم عندنا، وقال عطاء - رضي الله عنه - لا شيء عليه لأن قص الأظفار من الفطرة، ولم يصح حديث في النهي عنه بسبب الإحرام فكان نظير الختان، ولا بأس بالختان في الإحرام فكذلك قص الأظفار، ومذهبنا مروي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، ولأن قص الأظفار من قضاء التفث فإنه إزالة ما ينمو من البدن لمعنى الزينة والراحة كحلق الرأس فيكون مؤخرا إلى ما بعد التحلل، ومباشرته قبل ذلك جناية على الإحرام فيوجب الجبر بالدم. وإن قص ظفرا واحدا أو ظفرين فعليه لكل ظفر صدقة إلا أن يبلغ دما فينقص عنه ما شاء. وعن محمد - رحمه الله تعالى - قال في كل ظفر خمس الدم لأنه لما وجب الدم في قص خمسة أظفار ففي كل ظفر بحساب ذلك، ولكنا نقول إن جنايته لم تتكامل لأن معنى الراحة والزينة لا يحصل بقص ظفر أو ظفرين، والجناية الناقصة في الإحرام توجب الجبر بالصدقة. (قال) وإن قص ثلاثة أظفار فعليه دم في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأول استحسانا، وهو قول زفر - رحمه الله تعالى -، وفي قوله الآخر وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عليه لكل ظفر صدقة وجه قوله الأول أن قص أظفار يد واحدة يوجب الدم بالاتفاق، والأكثر منها ينزل منزلة الكمال فالثلاث أكثر الأظفار من اليد الواحدة، ولكنه رجع عن هذا فقال: الدم في الأصل إنما يجب بقص أظفار اليدين، والرجلين واليد الواحدة ربع ذلك فتجعل بمنزلة الكمال كربع الرأس في الحلق فكان هذا أدنى ما يتعلق به الدم فلا يمكنه أن يقام الأكثر فيه مقام الكمال إذ لو فعل أدى إلى ما لا يتناهى فيقال: إذا قص الظفرين فقد قص أكثر الثلاثة ثم إذا قص ظفرا أو نصفا فقد قص أكثر الظفرين ولكن يقال ما كان أدنى المقدار شرعا لا يتعلق بما دونه الحكم المتعلق به (قال) ولو قص خمسة أظفار متفرقة من اليدين، والرجلين يلزمه لكل ظفر صدقة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، وقال محمد - رحمه الله تعالى - يلزمه الدم لأن المقصوص خمسة أظفار فلا فرق بين أن يكون من عضو واحد أو عضوين أو من أعضاء متفرقة كما في الحلق لأنه لا فرق بين أن يحلق ربع الرأس من جانب واحد أو من جوانب متفرقة في إيجاب الدم، وكما في حكم الأرش لا فرق في إيجاب دية اليدين بين قطع خمسة أصابع من يد واحدة أو من يدين فهذا مثله، وهما يقولان جنايته لم تتكامل لأن معنى الزينة والراحة لا يحصل بقص بعض الأظفار من كل عضو لأنه لا يحسن في النظر أن يكون بعض الأظفار مقصوصا دون البعض فيزداد به شغل قلبه لا أن ينال به الراحة فإذا لم تتكامل الجناية كان عليه لكل ظفر صدقة حتى قالوا: لو قص ستة عشر ظفرا من كل عضو أربعة فعليه لكل ظفر طعام مسكين إلا أن يبلغ ذلك دما فحينئذ ينقص منه ما شاء بخلاف الحلق فإن تفريق الحلق من جوانب الرأس عادة فيتم به معنى الراحة. (قال) وإذا انكسر ظفر المحرم فانقطع منه شظية فقلعه لم يكن عليه شيء لأن ذلك المنكسر لا ينمو من البدن فقلعه لا يكون جناية بمنزلة ما لو تكسر من شجر الحرم ويبس إذا أخذه إنسان لا يجب فيه شيء لانعدام معنى النمو. (قال) وإن قص الأظفار كلها في مجالس متفرقة فإن كان حين قص أظفار يد واحدة كفر ثم قص أظفار أخرى فعليه كفارة أخرى لأن الجناية الأولى قد ارتفعت بالتكفير ففعله الثاني يكون جناية مبتدأة فيوجب كفارة أخرى، وإن لم يكفر حتى قص الأظفار كلها فعليه دم واحد في قول محمد - رحمه الله تعالى - بمنزلة ما لو قص الأظفار كلها في مجلس واحد لأن هذه الجنايات تستند إلى سبب واحد فلا توجب إلا كفارة واحدة كما في حلق جميع الرأس لا فرق أن يكون في مجالس متفرقة أو في مجلس واحد، وهذا لأن مبنى الواجب على التداخل، وفيما ينبني على التداخل المجلس الواحد، والمجالس المتفرقة فيه سواء كما في كفارة الفطر، وكما في الحدود. وفي قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى عليه أربعة دماء باعتبار كل عضو في مجلس دم لأن هذه الأفعال في محال مختلفة، وكل واحد منها جناية متكاملة منها فتوجب الدم، وكان بمنزلة ما لو حلق في مجلس، وقص الأظفار في مجلس آخر، وهذا لأن كفارات الإحرام يغلب فيها معنى العبادة، ولا يجري التداخل في العبادة إلا أنه إذا كان في مجلس واحد فالمقصود واحد، والمحال مختلفة فرجحنا جانب اتحاد المقصود بسبب اتحاد المجلس، وأما إذا اختلفت المجالس يترجح جانب اختلاف المحال فيوجب بكل فعل دماء بمنزلة من تلا آية السجدة مرارا فإن كان في مجلس واحد فعليه سجدة واحدة، وإن كان في مجالس متفرقة فعليه بكل تلاوة سجدة، وبه فارق الحلق فإن محل الفعل هناك واحد، والمقصود واحد، وعلى هذا الاختلاف لو جامع مرة بعد أخرى امرأة واحدة أو نسوة إلا أن مشايخنا رحمهم الله تعالى قالوا في الجماع بعد الوقوف في المرة الأولى عليه بدنة وفي المرة الثانية عليه شاة لأنه قد دخل فيه نقصان بالجناية الأولى فالجناية الثانية صادفت إحراما ناقصا فيجب الدم، ويكون قياس الجماع في إحرام العمرة، وإن أصابه أذى في أظفاره حتى قصها فعليه أي الكفارات الثلاث شاء للأصل الذي تقدم بيانه أن ما يكون موجبا للدم إذا فعله لعذر تخير فيه المعذور بين الكفارات الثلاث، والله سبحانه وتعالى أعلم وإليه المرجع والمآب. [باب جزاء الصيد] (قال) - رضي الله عنه - محرم دل محرما أو حلالا على صيد فقتله المدلول فعلى الدال الجزاء عندنا استحسانا، وفي القياس لا جزاء على الدال، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله تعالى - قال لأن الجزاء واجب بقتل الصيد بالنص قال الله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] الآية، والدلالة ليست في معنى القتل لأن القتل فعل متصل من القاتل بالمقتول فأما الدلالة والإشارة غير متصل بالمحل وهو الصيد والحكم الثابت بالنص لا يجوز إثباته فيما ليس في معنى المنصوص. والدليل عليه جزاء صيد الحرم يجب على القاتل الحلال، ولا يجب على الدال إذا كان حلالا بالاتفاق للمعنى الذي قلنا، والدليل عليه أن حرمة الصيد في حق المحرم لا تكون أقوى من حرمة مال المسلم ونفسه، ولا يضمن الدال على مال المسلم، ولا على نفسه شيئا بسبب الدلالة فكذلك هنا لا أنا تركنا القياس باتفاق الصحابة - رضي الله عنهم - فإن رجلا سأل عمر - رضي الله عنه - فقال إني أشرت إلى ظبي وأنا محرم فقتله صاحبي فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - ماذا ترى عليه فقال أرى عليه شاة فقال عمر - رضي الله عنه -، وأنا أرى عليه ذلك، وأن عليا وابن عباس - رضي الله تعالى عنه - سئلا عن محرم دل على بيض نعامة فأخذه المدلول عليه فشواه فقالا على الدال جزاؤه، والقياس يترك بقول الفقهاء من الصحابة - رضي الله عنهم -، وما نقل عنهم في هذا الباب كالمنقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لا أظن بهم أنهم قالوا جزافا، والقياس لا يشهد لقولهم حتى يقول قالوا ذلك قياسا فلم يبق إلا السماع ثم ثبت باتفاقهم أن الدلالة على الصيد من محظورات الإحرام، وذلك ثابت بالنص أيضا فإن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحاب أبي قتادة - رضي الله عنهم - في صيد أخذه أبو قتادة، وكانوا محرمين هل أعنتم هل أشرتم هل دللتم» فجعل الإشارة كالإعانة فعرفنا أنه من محظورات الإحرام، وذلك يوجب الجزاء، وبه فارق صيد الحرم فإن الموجب للحظر هناك معنى في الحل، وهو أمن الصيد بسبب الحرم فلا بد من أن يكون فعله متصلا بالمحل حتى يكون جناية في إزالة الأمن عن المحل. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |