المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         العقيدة الصحيحة لفضيلة الشيخ أبي بكر الحنبلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 19 - عددالزوار : 1005 )           »          يهدى للتى هي أقوم || الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 657 )           »          الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 10 - عددالزوار : 3016 )           »          10 خطوات للتوفير من مصروف البيت.. خليكى ست ناصحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 232 )           »          طريقة عمل كيكة اسفنجية هشة بخطوات بسيطة.. فرحى أطفالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 203 )           »          5 خطوات بسيطة للتخلص من روائح المطبخ الكريهة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 221 )           »          رايحة فرح صاحبتك بعد العيد؟.. 5 خطوات لمكياج شيك وبسيط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 195 )           »          نصائح لإنقاص الوزن الزائد بعد عيد الفطر.. اتخلص من تأثير الكحك والبسكويت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 224 )           »          طريقة عمل بيتزا بالخضروات فى ثالث أيام العيد.. لو زهقتى من الرنجة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 239 )           »          4 خطوات بسيطة لتنظيف المنزل من العاصفة الترابية.. عشان تستقبلى ضيوفك فى العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 219 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 13-11-2025, 02:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 158 الى صـــ 167
(41)






(وحجتنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «إياكم وكرائم أموال الناس، وقال: لا تأخذوا من حزرات أموال الناس شيئا» وإيجاب المسنة في الصغار يؤدي إلى هذا، ثم ربما تكون قيمة المسنة آتية على أكثر النصاب والواجب قليل من الكثير فأخذ المسنة من الصغار فيه إجحاف بأرباب الأموال بخلاف ما إذا كانت الواحدة مسنة، فإنه هو الأصل والصغار تبع له وقد ثبت الحكم في المحل تبعا، وإن كان لا يجوز إثباته مقصودا كالشرب والطريق في البيع وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - استدل بحديث أبي بكر - رضي الله عنه - قال: لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه فدل أن للعناق مدخلا في الزكاة ولا يكون ذلك إلا من الصغار، ثم اعتبر نقصان العين بنقصان الوصف، فإن كل واحد منهما ينقص المالية ولا يعدمها، ونقصان الوصف لا يسقط الزكاة أصلا حتى إن في العجاف والمهازيل تجب الزكاة من جنسها، فكذلك نقصان السن ولنا حديث سويد بن غفلة قال «إيانا مصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتبعته فسمعته يقول في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئا، وقال عمر - رضي الله عنه - للساعي: عد عليهم السخلة، ولو جاء بها الراعي يحملها على كتفه ولا تأخذها منهم فقد نهي عن أخذ الصغار» عند الاختلاط. والمعنى فيه أن هذا حق الله تعالى بأسنان معلومة فلا مدخل للصغار فيها مقصودا كالهدايا والضحايا، وهذا؛ لأن الأسنان التي اعتبرها صاحب الشرع لا تؤخذ في
الصغار وبه فارق العجاف، فإن تلك الأسنان تؤخذ فيها مع العجف وصاحب الشرع اعتبر السن في المأخوذ وحديث أبي بكر - رضي الله عنه - محمول على أنه قال ذلك على سبيل المبالغة والتمسك، ألا ترى أنه قال في بعض الروايات: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم عليه، وهذا لا يدل على أن للعقال مدخلا في الزكاة، ثم اختلفت الروايات عن أبي يوسف في الفصلان فروى محمد عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أنه لا يجب فيها الزكاة حتى تبلغ عددا لو كانت كبارا تجب فيها الواحدة، وذلك بأن تبلغ خمسا وعشرين، ثم ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ ستا وسبعين فحينئذ يجب ثنتان منها إلى مائة وخمس وأربعين فحينئذ يجب ثلاث منها قال محمد - رحمه الله: وهذا غير صحيح، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوجب في خمس وعشرين واحدة من مال اعتبر قبله أربعة نصب وأوجب في ست وسبعين ثنتين في موضع اعتبر ثلاثة نصب بينها وبين خمس وعشرين ففي المال الذي لا يمكن اعتبار هذه النصب لو أوجبنا كان بالرأي لا بالنص.
وجه قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن تعيين الواجب بالنص كان باعتبار العدد والسن وقد تعذر اعتبار أحدهما وهو السن في الفصلان فبقي الآخر وهو العدد معتبرا وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - قال يجب في خمس فصلان الأقل من واحد منها ومن شاة وفي العشر الأقل من واحد منها ومن شاتين وفي الخمسة عشر الأقل من واحد منها ومن ثلاث شياه، وفي العشرين الأقل من واحد منها ومن أربع شياه، وفي خمس وعشرين واحدة ووجهه أن في الكبار الواجب في الخمس شاة للتيسير حتى لو أدى واحدة منها جاز، وكذلك ما بعدها إلى خمس وعشرين، فكذلك في الصغار يؤخذ على ذلك القياس وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خمسا فصيل وهكذا إلى خمس وعشرين فكأنه اعتبر البعض بالجملة في هذه الرواية وكثير من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - خرجوا قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في هذه المسألة على قياس ما ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في الزيادات في زكاة المهازيل فقالوا: إذا ملك خمسا من الفصلان نظر إلى قيمة بنت مخاض والشاة، فإن كان قيمة بنت المخاض خمسين وقيمة الشاة عشرة فنقول: لو كانت الواحدة بنت المخاض لكان يجب فيها شاة تساوي عشرة، وذلك بمعنى خمس قيمة بنت المخاض، ثم ينظر إلى قيمة أفضلهن، فإن كانت عشرين يجب فيها شاة تساوي أربعة دراهم ليكون بمعنى خمس
أفضلهن فهذا هو الإيجاب في الصغار على قياس الإيجاب في الكبار
وإذا كان على صاحب السائمة دين يحيط بقيمتها فلا زكاة عليه فيها عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تجب الزكاة؛ لأن وجوب الزكاة باعتبار ملك النصاب الكامل النامي والمديون مالك لذلك، فإن دين الحر الصحيح يجب في ذمته لا تعلق له بماله ولهذا ملك التصرف فيه كيف شاء وصفة النماء بالإسامة، ولم ينعدم ذلك بسبب، ثم الدين مع الزكاة حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر كالدين مع العشر
(ولنا) حديث عثمان - رضي الله عنه - حيث قال في خطبته في رمضان، ألا إن شهر زكاتكم قد حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحتسب ماله بما عليه، ثم ليزك بقية ماله، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فكان إجماعا منهم على أنه لا زكاة في القدر المشغول بالدين، ثم المديون فقير ولهذا تحل له الصدقة مع تمكنه من ماله والصدقة لا تحل لغني ولا تجب إلا على الغني.
قال - صلى الله عليه وسلم - «لا صدقة إلا عن ظهر غنى»، وهذا لأن الواجب إغناء المحتاج، والخطاب بالإغناء لا يتوجه إلا على الغني ومن كان مستحقا للمواساة شرعا لا يلزمه أن يواسي غيره والشرع لا يرد بما لا يفيد ولا فائدة في أن يأخذ شاة من سائمة الغير صدقة ويعطي شاة من سائمته، ولأن ملكه في النصاب ناقص، فإن صاحب الدين يستحقه عليه من غير قضاء ولا رضا، وذلك أنه عدم الملك كما في الوديعة والمغصوب فلأن يكون دليل نقصان الملك كان أولى، وقد جعل مال المديون في حكم الزكاة كالمملوك لصاحب الدين حيث يجب عليه الزكاة بسببه ومحمد - رحمه الله تعالى - أشار في الكتاب إلى هذا، وقال: إيجاب الزكاة في مال المديون يؤدي إلى تزكية مال واحد في حول واحد مرارا.
بيانه فيمن له عبد للتجارة يساوي ألف درهم باعه بألف نسيئة، ثم باعه المشتري من آخر حتى تداولته عشر من الأيدي فعنده يجب على كل واحد منهم زكاة الألف إذا تم الحول والمال في الحقيقة ليس إلا العبد حتى إذا أقيلت البيوع رجع العبد إلى الأول، ولم يبق لأحد سواه شيء، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن الدين يمنع وجوب العشر وبعد التسليم فالعشر مؤنة الأرض النامية كالخراج لا معتبر فيه بغنى المالك، فإن أصل المالك فيه غير معتبر عندنا حتى يجب في الأرض الموقوفة وأرض المكاتب بخلاف الزكاة، فإن وجوبها في المال النامي بواسطة غنى المالك، وذلك ينعدم بسبب الدين، فإن لحقه دين في خلال الحول قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: لا ينقطع به الحول
حتى إذا سقط قبل تمام الحول تلزمه الزكاة إذا تم الحول، وقال زفر - رحمه الله تعالى: ينقطع الحول بلحوق الدين، وهذا لأن الدين يعدم صفة الغنى في المالك فيكون نظير نقصان النصاب، وعند زفر - رحمه الله تعالى - بنقصان النصاب في خلال الحول ينقطع الحول، وعندنا لا ينقطع على ما تبين فهذا مثله
(قال) فإن حضر المصدق، فقال: لم يحل الحول على السائمة أو قال: علي دين يحيط بقيمتها أو قال: ليست هذه السائمة لي وحلف صدق على جميع ذلك؛ لأنه أمين فيما يجب عليه من الزكاة، فإنها عبادة خالصة لله تعالى وكل أمين مقبول القول في العبادات التي تجب لحق الله تعالى، فإذا أنكر وجوب الزكاة عليه بما ذكر من الأسباب وجب على الساعي تصديقه ولكن يحلفه على ذلك إلا في رواية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - قال: لا يمين عليه؛ لأن في العبادات لا يتوجه اليمين كما لو قال: صمت أو صليت يصدق في ذلك من غير يمين، وفي ظاهر الرواية قال: القول قول الأمين مع اليمين، وفي سائر العبادات إنما لا يتوجه اليمين؛ لأنه ليس هناك من يكذبه وهنا الساعي مكذب له فيما يخبر به فلهذا يحلف على ذلك
(قال) وإن قال: أخذها مني مصدق آخر وحلف على ذلك، فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يقبل قوله؛ لأن الأمين إذا أخبر بما هو محتمل كان مصدقا، وإذا أخبر بما هو مستنكر لم يكن مصدقا، وهذا أخبر بما هو مستنكر، وإن كان في تلك السنة مصدق آخر فالقول قوله أتى بالبراءة أو لم يأت بها هكذا ذكره في المختصر وهو رواية الجامع الصغير، وفي كتاب الزكاة يقول: وجاء بالبراءة وفيه إشارة إلى أن المجيء بالبراءة شرط لتصديقه وهو رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - وجهه أنه أخبر بخبر ولصدقه علامة، فإن العادة أن المصدق إذا أخذ الصدقة دفع البراءة، فإن وافقته تلك العلامة قبل خبره وإلا فلا كالمرأة التي أخبرت بالولادة، فإن شهدت القابلة بها قبلت وإلا فلا ووجه الرواية الأخرى وهو أصح أن البراءة خط والخط يشبه الخط، وقد لا يأخذ صاحب السائمة البراءة غفلة منه، وقد تضل البراءة منه بعد الأخذ فلا يمكن أن تجعل حكما فبقي المعتبر قوله مع يمينه
(قال) فإن قال: دفعتها إلى المساكين لم يصدق وتؤخذ منه الزكاة عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يصدق في ذلك؛ لأن الزكاة إنما وجبت لحق الفقراء قال الله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] ، وقال {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] ، فإذا أوصل الحق إلى المستحق والمستحق من أهل أخذ حقه برئت ذمته
كالمشتري من الوكيل إذا أقبض الموكل الثمن، وهذا؛ لأن الساعي يقبض ليصرف إلى الفقراء فهو كفى الساعي هذه المئونة وأوصلها إلى محلها فلم يبق عليه سبيل
(ولنا) أن هذا حق مالي يستوفيه الإمام بولاية شرعية فلا يملك من عليه إسقاط حقه في الاستيفاء كمن عليه الجزية إذا صرف بنفسه إلى المقاتلة، ثم تقرير هذا الكلام من وجهين: أحدهما - أن الزكاة محض حق الله تعالى، فإنما يستوفيه من يعين نائبا في استيفاء حقوق الله تعالى وهو الإمام فلا تبرأ ذمته إلا بالصرف إليه، وعلى هذا نقول: وإن علم صدقه فيما يقول يؤخذ منه ثانيا ولا يبرأ بالأداء إلى الفقير فيما بينه وبين ربه وهو اختيار بعض مشايخنا - رحمهم الله تعالى - أن للإمام رأيا في اختيار المصرف فلا يكون له أن يبطل رأي الإمام بالأداء بنفسه.
والطريق الآخر أن الساعي عامل للفقير وفي المأخوذ حق الفقير ولكنه مولى عليه في هذا الأخذ حتى لا يملك المطالبة بنفسه ولا يجب الأداء بطلبه فيكون بمنزلة دين لصغير دفعه المديون إليه دون الوصي وعلى هذا الطريق يقول يبرأ بالأداء فيما بينه وبين ربه، وظاهر قوله في الكتاب "لم يصدق في ذلك" إشارة إلى ذلك وهو أنه إذا علم صدقه لم يتعرض له، وهذا لأن الفقير من أهل أن يقبض حقه ولكن لا يجب الإيفاء بطلبه فجعل الساعي نائبا عنه كان نظرا من الشرع له، فإذا أدى من عليه من غير مطالبة إليه حصل به ما هو المقصود بخلاف الصبي، فإنه ليس من أهل أن يقبض حقه فلا يبرأ بالدفع إليه
(قال) ولا زكاة على الصبي والمجنون في سائمتهما عندنا وهو قول علي وابن عباس - رضي الله عنهما - قالا: لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب الصلاة عليه، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - تجب الزكاة في مالهما ويؤديها الولي وهو قول ابن عمر وعائشة - رحمهما الله تعالى - وكان ابن مسعود - رحمه الله تعالى - يقول يحصي الولي أعوام اليتم فإذا بلغ أخبره وهو إشارة إلى أنه تجب عليه الزكاة، وليس للولي ولاية الأداء وهو قول ابن أبي ليلى - رحمه الله تعالى - حتى قال: إذا أداه الولي من ماله ضمن واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا تأكلها الصدقة، أو قال: تأكلها الزكاة»، وذلك دليل وجوب الزكاة في ماله.
والمعنى أن هذا حق مالي مستحق يصرف إلى أهل السهمان شرعا فالصغر لا يمنع وجوبه كالعشر وصدقة الفطر وبالصرف إلى أهل السهمان يتبين أنه حق مستحق لهم والصغر لا يمنع وجوب حق العباد، وإن كان بطريق الصلة كالنفقة، ولا فرق بينهما فالنفقة صلة وجبت للمحاويج الماسين له في القرابة، والزكاة صلة للمحاويج
الماسين له في الملة فإذا ثبت الوجوب كان للولي ولاية الأداء من ماله؛ لأن هذا مما تجري فيه النيابة في أدائه حتى إن بعد البلوغ يتأدى بأداء وكيله، والولي نائب عن الصبي وبه فارق العبادات البدنية فلا تجري فيه النيابة في أدائها
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى ينتبه وعن المجنون حتى يفيق» وفي إيجاب الزكاة عليه إجراء القلم عليه، فإن الوجوب يختص بالذمة ولا يجب في ذمة الولي فلا بد من القول بوجوبه على الصبي وفيه يوجد الخطاب عليه والمراد بقوله كي لا تأكلها الصدقة أي النفقة، ألا ترى أنه أضاف الأكل إلى جميع المال والنفقة هي التي تأتي على جميع المال دون الزكاة، والمعنى فيه أنها عبادة محضة فلا تجب على الصبي كسائر العبادات وتفسير الوصف أنها أحد أركان الدين والمقصود من أصل الدين معنى العبادة، فكذلك ما هو من أركان الدين، وهذا؛ لأن المتصدق يجعل ماله لله تعالى، ثم يصرفه إلى الفقير ليكون كفاية له من الله تعالى، قال الله تعالى {هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] ، وقال {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] وبجعل المال له خالصا يكون عبادة خالصة ولهذا يحصل به التطهير وبه تبين أنه ليس فيه حق العباد؛ لأن الشركة تنافي معنى العبادة، وإذا ثبت أنه عبادة فلا بد فيه من نية وعزيمة ممن هي عليه عند الأداء.
وولاية الولي على الصبي تثبت من غير اختياره شرعا ومثل هذه الولاية لا تتأدى بها العبادة بخلاف ما إذا وكل بالأداء بعد البلوغ فتلك نيابة عن اختيار، وقد وجدت النية والعزيمة منه وبه فارق صدقة الفطر، فإن وجوبها لمعنى المؤنة حتى تجب على الغير بسبب الغير وفيه حق للأب فإنا لو لم نوجب في ماله احتجنا إلى الإيجاب على الأب كما إذا لم يكن للصبي مال بخلاف الزكاة وبه فارق العشر، فإنه مؤنة الأرض النامية كالخراج، وكذلك النفقة وجوبها لحق العبد بطريق المؤنة بخلاف الزكاة
ثم المجنون الأصلي لا ينعقد الحول على ماله حتى يفيق، فإن كان جنونه طارئا فقد ذكر هشام في نوادره أن على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - العبرة لأكثر الحول، فإن كان مفيقا في أكثر الحول تجب الزكاة وإلا فلا وجعل هذا نظير الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة، فإن كان صحيحا في أكثر السنة تلزمه الجزية، وإن كان مريضا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية. وقال محمد - رحمه الله تعالى - إن كان مفيقا في جزء من السنة في أوله أو آخره قل أو كثر تلزمه الزكاة هكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وجعل هذا نظير الصوم فالسنة للزكاة كالشهر للصوم والإفاقة في جزء من الشهر
كالإفاقة في جميعه في وجوب صوم جميع الشهر فهذا كذلك، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن المجنون إذا أفاق ينعقد الحول على ماله ولكن المراد بهذا المجنون المجنون الأصلي فقد ذكر بعده في كتاب الحسن - رحمه الله تعالى - إذا اعترض جنونه إن كان مفيقا في جزء من آخر السنة تلزمه الزكاة، وإن تم الحول وهو مجنون فقد انقطع حكم ذلك الحول ففي هذه الرواية اعتبر الإفاقة في آخر السنة؛ لأن الوجوب عندها يكون
(قال) ولا زكاة على المكاتب في كسبه؛ لأنه مصرف للزكاة بقوله تعالى {، وفي الرقاب} [التوبة: 60] ولأنه ليس بغني بكسبه فإنه لا يملك كسبه حقيقة؛ لأن الرق المنافي للملك موجود فيه وبدون الملك لا تثبت صفة الغنى والمال النامي سبب لوجوب الزكاة بواسطة غنى المالك فبدون هذه الواسطة لا يكون سببا كشراء القريب إعتاق بواسطة الملك وبدونه لا يكون إعتاقا وهو ما إذا اشتراه لغيره.
وأما العبد المأذون فإن كان عليه دين محيط بكسبه فلا زكاة فيه على أحد عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن المولى لا يملك كسبه، وكذلك عندهما؛ لأن المولى، وإن كان يملك كسبه فهو مشغول بالدين والمال المشغول بالدين لا يكون نصاب الزكاة، وإن لم يكن عليه دين فكسبه لمولاه وعلى المولى فيه الزكاة إذا تم الحول
(قال) وإذا كان عند الرجل من السائمة مقدار ما يجب فيه الزكاة فاستفاد من ذلك الجنس في خلال الحول بشراء أو هبة أو ميراث ضمها إلى ما عنده وزكاها كلها عند تمام الحول عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يعتبر للمستفاد حول جديد من حين ملكه، فإذا تم الحول وجبت فيه الزكاة سواء كان نصابا أو لم يكن (وحجته) قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول فيه الحول» والمراد الحول المعهود وهو اثنا عشر شهرا، والمعنى فيه أن المستفاد أصل في الملك؛ لأنه أصل في سببه فيكون أصلا باعتبار الحول فيه كالمستفاد من خلاف الجنس بخلاف الأولاد والأرباح، فإنها متولدة من العين فيسري إليها حكم العين، وإنما لم يعتبر فيه النصاب؛ لأن اعتبار النصاب ليحصل الغنى به للمالك وذلك حاصل بالنصاب الأول فبالزيادة بعده يزداد الغنى، وذلك حاصل بالقليل والكثير واعتبار الحول لحصول النماء من المال حتى ينجبر بالنماء النقصان الحاصل بأداء الزكاة والمستفاد من هذا كأصل المال
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «اعلموا أن من السنة شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم فما حدث بعد ذلك من مال فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة» فهذا يقتضي أن عند مجيء رأس السنة تجب الزكاة في الحادث كما تجب في الأصل وأن وقت
الوجوب فيهما واحد، ثم الضم في خلال الحول بالعلة التي بها يضم في ابتداء الحول فضم بعض المال إلى البعض في ابتداء الحول باعتبار المجانسة دون التوالد فكذلك في خلال الحول ولو كان هذا مما يسري بعلة التوالد لكان الأولى أن يسري إلى الحادث بعد الحول لتقرر الزكاة في الأصل، ثم ما بعد النصاب الأول بناء على النصاب الأول وتبع له حتى يسقط اشتراط النصاب فيه، فكذلك يسقط اعتبار الحول فيه ويجعل حؤول الحول على الأصل حؤولا على التبع وتحريره أن كل مال لا يعتبر فيه كمال النصاب لإيجاب حق الله عز وجل لا يعتبر فيه الحول كالمستخرج من المعادن. وأما الحديث قلنا حؤول الحول عبارة عن آخر جزء منه، وقد حال ذلك على المستفاد؛ إذ حؤول الحول على الأصل يكون حؤولا على التبع معنى فإن كان إنما استفادها بعد تمام الحول فلا زكاة فيها لانعدام حؤول آخر جزء من الحول عليها، وإن كانت الفائدة من غير جنس ما عنده من السائمة لم يضمها إلى ما عنده؛ لأنها لو كانت موجودة في أول الحول لم يضمها إلى ما عنده، فكذلك إذا وجدت في خلال الحول كما لو كانت الفائدة من غير السائمة
(قال) وإذا لم تكن الإبل أو البقر أو الغنم سائمة فلا زكاة فيها، وذلك كالحوامل والعوامل، وقال مالك - رحمه الله تعالى: فيها الزكاة لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل شاة»، ثم وجوب الزكاة باعتبار الملك والمالية شكرا لنعمة المال، وذلك لا ينعدم بالاستعمال بل يزداد الانتفاع بالمال بالاستعمال
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة» والصفة متى قرنت بالاسم العلم تنزل منزلة العلم لإيجاب الحكم والمطلق في هذا الباب بمنزلة المقيد؛ لأنهما في حادثة واحدة وحكم واحد، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في الحوامل والعوامل صدقة» وفي الحديث المعروف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس في الجبهة ولا في النخة ولا في الكسعة صدقة» وفسر عبد الوارث بن سعيد الجبهة بالخيل والنخة بالإبل العوامل، وقال الكسائي - رحمه الله تعالى: النخة بضم النون وفسرها بالبقر العوامل وقال أبو عمرو غلام ثعلب: هو من النخ وهو السوق الشديد، وذلك إنما يكون في العوامل، ثم مال الزكاة ما يطلب النماء من عينه لا من منافعه، ألا ترى إلى دار السكنى وعبد الخدمة لا زكاة فيهما والعوامل إنما يطلب النماء من منافعها، وكذلك إن كان يمسكها للعلف في مصر أو غير مصر فلا زكاة فيها؛ لأن المئونة تعظم على صاحبها. ووجوب الزكاة في السائمة باعتبار خفة المئونة فلا تجب عند كثرة المئونة؛ لأن لخفة المئونة تأثيرا في
إيجاب حق الله تعالى قال - صلى الله عليه وسلم - «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب أو دالية ففيه نصف العشر» وإن كان يسيمها في بعض السنة ويعلفها في بعض السنة فالعبرة لأكثر السنة؛ لأن أصحاب السوائم لا يجدون بدا من أن يعفوا سوائمهم في زمان البرد والثلج فجعلنا الأقل تابعا للأكثر، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إن علفها بقدر ما يتبين فيه مؤنة علفه أكثر مما كانت سائمة فلا زكاة فيها
(قال) والصدقة واجبة في ذكران السوائم وإناثها؛ لأن النصوص جاءت باسم الإبل والبقر والغنم وذلك يتناول الذكور والإناث، ثم طلب النماء من العين متحقق في كل نوع، إما من الأولاد إذا كن إناثا بأن يستعار لها فحل أو من السمن إذا كانوا ذكورا فإنها مأكولة اللحم
(قال) وإذا باع السائمة قبل الحول بيوم بجنسها أو بخلاف جنسها انقطع الحول عندنا، وقال زفر - رحمه الله تعالى: إذا باعها بخلاف جنسها فكذلك، وإذا باعها بجنسها لم ينقطع الحول، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في القديم: سواء باعها بجنسها أو بخلاف جنسها لم ينقطع الحول؛ لأن الحكم الثابت في الأصل وهو غنى المالك به يبقى ببقاء البدل وقاسه بعروض التجارة وزفر - رحمه الله - يقول: إذا باعها بجنسها فحكم الزكاة في البدل لا يخالف حكم الزكاة في الأصل، وإذا باعها بخلاف جنسها فحكم الزكاة في البدل يخالف حكم الزكاة في الأصل ولا يمكن إبقاء ما كان ثابتا ببقاء البدل فوجب القول بالاستئناف، ألا ترى أن في ابتداء الحول يضم الجنس إلى الجنس ولا يضم إلى خلاف الجنس، فكذلك في أثناء الحول ينبني عند المجانسة ويستقل عند اختلاف الجنس.
(ولنا) أن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار العين حتى يعتبر نصابه من العين والنماء فيه مطلوب من العين والعين الثاني غير الأول بخلاف مال التجارة، فإن المعتبر فيه صفة المالية دون العين حتى يعتبر النصاب من قيمته، ثم الاستبدال يحقق ما هو المقصود من مال التجارة وهو الاسترباح ويضاد ما هو المقصود بالسائمة؛ لأن مقصود أصحاب السوائم استبقاؤها في ملكهم عادة، وذلك ينعدم بالاستبدال فيكون نظير ترك الإسامة فيها، وكذلك إن باعها بدراهم يريد به الفرار من الصدقة أو لا يريد به ذلك فلا زكاة عليه إلا بحول جديد، ولم يبين في الكتاب أنه هل يكره له هذا الصنيع فعلى قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - لا يكره وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يكره وهو نظير اختلافهم في الاحتيال لإبطال الشفعة ولإسقاط الاستبراء محمد - رحمه الله تعالى - يقول الزكاة عبادة محضة والفرار من العبادة ليس من أخلاق المؤمنين وأبو يوسف - رحمه الله -
يقول: هذا امتناع من التزام الحق مخافة أن لا يخرج منه إذا التزمه فلا يكون مكروها كمن امتنع من جمع المال حتى لا يلزمه حج أو زكاة، وهذا لأن المذموم منع الحق الواجب وليس في هذا الاستبدال من منع الحق الواجب شيء
(قال) وإن حال الحول على سائمته، وعنده نصاب من الدراهم فزكى السائمة، ثم باعها بدراهم ثم تم الحول على الدراهم التي كانت عنده لم يزك معها أثمان الإبل في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ويزكيها في قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - قالا: الضم لعلة المجانسة وهي موجودة في ثمن الإبل السائمة، وأداء الصدقة عن أصله لا يمنع ضم الثمن إلى ما عنده كمن أدى صدقة الفطر عن عبد الخدمة، ثم باعه بدراهم أو أدى عشر الطعام عن الخارج من أرضه، ثم باعه بدراهم أو جعل السائمة علوفة بعد أداء الزكاة عنها، ثم باعها بدراهم وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ثنا في الصدقة» غير ممدود. وإيجاب الزكاة في ثمن السائمة في هذا الحول بعد ما أدى الزكاة عن أصلها يؤدي إلى الثنى في الصدقة ولأن وجوب الزكاة باعتبار صفة المالية وإنما يبقى بالثمن المالية التي كانت له بملك الأصل إلا أن يتجدد له ملك المالية، وإنما يتجدد له بالبيع ملك العين والعين بدون صفة المالية لا زكاة فيها، ثم زيادة الزكاة باعتبار زيادة الغنى، ولم يستفد ذلك بالبيع؛ لأنه كان غنيا بأصل هذا المال حقيقة وشرعا بخلاف المستفاد بهبة أو وراثة فقد استفاد به زيادة الغنى وبخلاف أداء صدقة الفطر عن عبد الخدمة فالمالية غير معتبرة فيه حتى تجب عن الحر والعبد المستغرق انتقص بالدين وإن كانت مالية مستحقة بخلاف الزكاة ولا معتبر للحول فيه حتى لو ملك عبدا ليلة الفطر أدى عنه صدقة الفطر والعشر كذلك لا معتبر بالحول فيه ووجوبه ليس باعتبار المالية بل هو مؤنة الأرض النامية، ثم هو لم يكن غنيا بما عنده من الطعام حتى إذا بقي في ملكه أحوالا لا شيء فيه فالبيع أفاده الغنى شرعا وكذلك السائمة إذا جعلها علوفة فقد خرج من أن يكون غنيا بها شرعا فبالبيع استفاد صفة الغنى فهو والمستفاد بالهبة سواء بخلاف ما نحن فيه على ما بينا
(قال) وإذا قتل الرجل فقضي على عاقلة القاتل لولده بالدية من الإبل ثم قبضها بعد الحول فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول من حين يقبضها؛ لأن وجوب الزكاة في الإبل بصفة الإسامة وما يكون في الذمة لا يكون سائمة، ولأن الدية على العاقلة ليست بدين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات منهم فالملك للوارث يحصل بالقبض حقيقة
وكذلك لو تزوج امرأة على إبل بغير أعيانها لم يكن عليه فيها زكاة
حتى يحول الحول بعد القبض لما بينا أن ما في الذمة لا يكون سائمة، فإن تزوجها على إبل سائمة بأعيانها وحال الحول وهي في يد الزوج كان أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول أولا إذا قبضت منها نصابا كاملا فعليها الزكاة لما مضى، ثم رجع وقال: لا زكاة عليها حتى يحول عليها الحول بعد القبض. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: إذا قبضت منها شيئا يلزمها أداء الزكاة بقدر المقبوض لما مضى سواء كان نصابا أو دونه وجه قولهما أنها بالعقد ملكت الصداق ملكا تاما بدليل أنها تملك التصرف فيه على الإطلاق وإنما انعدم اليد، وذلك غير مانع من انعقاد الحول، ووجوب الزكاة فيه كالمبيع قبل القبض والمغصوب إذا كان الغاصب مقرا، وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنها ملكت المالية ابتداء بعقد النكاح فلا يتم ملكها فيه إلا بالقبض كالدية على العاقلة بخلاف المبيع، فإن ملك المالية لا يثبت ابتداء بالبيع بل يتحول من أصل كان مالا إلى بدله وهذا لأن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار معنى النماء وقبل القبض الحكم متردد بين أن يسلم لها بالقبض أو ينتصف بالطلاق قبل الدخول بخلاف ما بعد القبض




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 13-11-2025, 02:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 168 الى صـــ 177
(42)








، ولهذا لو مر يوم الفطر على العبد المجعول صداقا، ثم طلقها قبل الدخول لم يكن عليها صدقة الفطر بخلاف ما بعد القبض فصار الحاصل أن بالعقد يحصل أصل الملك، وتمام ما هو المقصود لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورته نصاب الزكاة ينبني على تمام المقصود لا على حصول أصل الملك بخلاف التصرف فإن نفوذه ينبني على ثبوت أصل الملك، وقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في المبيع قبل القبض أنه لا يكون نصاب الزكاة؛ لأن الملك فيه غير نام حتى لا يملك التصرف فيه، ثم وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأول إن الصدق بمنزلة مال البدل، فإن أصله لم يكن مال الزكاة ومن أصله أن مال البدل تجب فيه الزكاة ولا يلزمه الأداء حتى يقبض نصابا تاما على ما بيناه ولكنه رجع عن هذا، فقال: هناك أصله كان مالا، وهذا أصله وهو ملك النكاح لم يكن مالا متقوما، والصداق جعل صلة من وجه فلا يتم ملكها المال إلا بالقبض.
فإن طلقها الزوج قبل الدخول بها والصداق خمس من الإبل فليس عليها زكاة في نصيبها في قول أبي حنيفة؛ لأنه دون النصاب ولو كان عشرا كان عليها الزكاة في نصيبها في قوله الأول وفي قوله الآخر لا زكاة عليها في الوجهين وعلى قولهما يلزمها زكاة نصيبها في الوجهين
(قال): رجل له إبل سائمة فأراد أن يستعملها أو يعلفها فلم يفعل ذلك حتى حال عليه الحول فعليه زكاة السائمة؛ لأنها كانت سائمة في جميع
الحول وما نوى كان حديث النفس، وقال - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا»، ثم الاستعمال فعل، وذلك لا يحصل بالنية ما لم يفعل، ألا ترى أن من نوى في عبد الخدمة أن يكون للتجارة لا يصير للتجارة ما لم يتجر فيه بخلاف ما إذا كان للتجارة فنواه للخدمة؛ لأنه نوى ترك التجارة وهو تارك لها فاقترنت النية بالعمل وهو نظير الكافر ينوي الإسلام لا يصير مسلما ما لم يأت بكلمة الشهادة، والمسلم لو نوى أن يكفر - والعياذ بالله - صار كافرا بنيته ترك الإسلام
(قال) رجل له عشر من الإبل السائمة فحل عليها حولان فعليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة، ولم يبين في الكتاب أنه هل يأثم بما صنع؟ فكان أبو الحسن الكرخي - رحمه الله تعالى - يقول: هو آثم بتأخير الأداء بعد الوجوب، وهكذا ذكره في المنتقى.
، وروى عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه قال: من أخر أداء الزكاة من غير عذر لم تقبل شهادته وفرق محمد - رحمه الله تعالى - على مذهبه بين الزكاة والحج، فقال: في الزكاة حق الفقراء، وفي تأخير الأداء إضرار بهم ولا يسعه ذلك بخلاف الحج وكان أبو عبد الله البلخي يقول يسعه التأخير في الزكاة؛ لأن الأمر به مطلق عن الوقت، وهكذا رواه هشام عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - وفرق على قوله بين الزكاة وبين الحج، وقال: أداء الحج يختص بوقت وفي التأخير عنه تفويت؛ لأنه لا يدري هل يبقى إلى السنة الثانية أم لا؟ وليس في تأخير الزكاة تفويت فكل وقت صالح لأدائها، ثم في السنة الأولى وجب عليه شاتان فانتقص بقدرهما من العشر فلا يلزمه في الثانية إلا شاة، وهذا عندنا وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يلزمه شاتان للسنة الثانية، فإن دين الزكاة عنده لا يمنع وجوب الزكاة قال: لأنه دين وجب لله تعالى - كالنذور والكفارات والفقه فيه أنه ليس بدين على الحقيقة حتى يسقط بموته قبل الأداء وكان البلخي يفرق على أصل زفر - رحمه الله تعالى - بين دين الزكاة عن الأموال الظاهرة والباطنة، فقال: في الأموال الظاهرة للساعي حق المطالبة بها فكان نظير دين العباد بخلاف الأموال الباطنة وقيل لأبي يوسف - رحمه الله تعالى: ما حجتك على زفر - رحمه الله تعالى -، فقال: ما حجتي على رجل يوجب في مائتي درهم أربعمائة درهم ومراده إذا ملك مائتي درهم فحال عليها ثمانون حولا. ثم دين الزكاة من الأموال الباطنة بمنزلته عن الأموال الظاهرة، فإن المصدق كان يأخذ منها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده - رضي الله عنهما - حتى فوض عثمان - رضي الله عنه - الأداء إلى أرباب الأموال لما خاف المشقة
والحرج في تفتيش الأموال عليهم من سعاة السوء فكان ذلك توكيلا منه لصاحب المال بالأداء فنفذ توكيله؛ لأنه كان عن نظر صحيح، وقد تثبت المطالبة به للمصدق إذا مر بالمال عليه في سفره فلهذا منع وجوب الزكاة، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن دين الزكاة عن المال القائم يمنع وجوب الزكاة، وعن المال المستهلك لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن المال القائم يتصور أن يمر به على العاشر حتى يثبت له حق الأخذ بخلاف المستهلك
(قال) وإن كانت الإبل خمسا وعشرين فعليه للحول الأول بنت مخاض وللحول الثاني أربع شياه لما بينا
(قال) رجل له أربع وعشرون فصيلا وناقة مسنة فعليه فيها بنت مخاض؛ لأن الصغار تبع للمسنة تعد معها كما قال - صلى الله عليه وسلم - «وتعد صغارها وكبارها»، وهذا لأن ما هو الواجب موجود في ماله فإذا أوجبنا لم يخرج الواجب من أن يكون جزءا من النصاب بخلاف ما إذا كان الكل صغارا.
، فإن كان له خمس وسبعون فصيلا وناقة مسنة فعلى قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - لا يجب إلا تلك الواحدة؛ لأن الوجوب باعتبارها وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجب تلك الواحدة مع فصيل؛ لأنه يوجب في الصغار منها، وقد بينا هذا
(قال): رجل له إبل سائمة قد اشتراها للتجارة فعليه فيها زكاة التجارة عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: فيها زكاة السائمة إلا أن لا يكون نصاب السائمة تاما فحينئذ عليه زكاة التجارة إذا كانت القيمة نصابا ولا خلاف في أنه لا تلزمه الزكاتان جميعا؛ لأن وجوب كل واحد منهما باعتبار صفة المالية، ثم قال الشافعي - رحمه الله تعالى: زكاة السائمة أقوى؛ لأن وجوبها باتفاق الأمة والنصوص الظاهرة، والضعيف لا يعارض القوي، فإذا أمكن إيجاب زكاة السائمة لا تظهر زكاة التجارة وفي ترجيح زكاة السائمة منفعة للفقراء؛ لأن الساعي يأخذها وزكاة التجارة مفوض أداؤها إلى من وجبت عليه وربما لا يؤدي وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - قالوا: إن بنية التجارة ينعدم ما هو المقصود بالسوم وما لأجله أوجب زكاة السائمة؛ لأن النماء في السائمة مطلوب من عينها، وذلك لا يحصل إلا باستبقاء الملك فيها وبنية التجارة ينعدم هذا فكانت سائمة صورة لا معنى وهو مال التجارة صورة ومعنى فترجح زكاة التجارة لهذا وحق الأخذ ثابت للساعي سواء أوجب فيها زكاة السائمة أو زكاة التجارة، فإنه مال ظاهر يحتاج صاحبه إلى حماية الإمام وثبوت حق الأخذ باعتبار الحاجة إلى الحماية بخلاف سائر أموال التجارة حتى إذا احتاج إلى الحماية فيها بالمرور على العاشر كان له أن يأخذ الزكاة منها
قال) وإن كانت السائمة بين رجل مسلم عاقل وبين صبي أو مجنون أو كافر فعلى الرجل المسلم العاقل زكاة نصيبه لو بلغ نصابا ولا شيء على الآخر لما بينا أن حالة الاختلاف معتبرة بحالة الانفراد
(قال) وإذا ذهب العدو بالسائمة أو غصبها غاصب ثم رجعت إلى صاحبها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى عندنا.
، وقال زفر - رحمه الله تعالى - كذلك في الذي ذهب بها العدو؛ لأنهم ملكوها بالإحراز، وفي المغصوب المجحود تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت إلى يده. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزمه فيها الزكاة لما مضى إذا وصلت إلى يده بناء على أصله أنهم لا يملكون أموالنا بالإحراز. وجه قولهما إن وجوب الزكاة في السائمة باعتبار الملك دون اليد، ألا ترى أن ابن السبيل تلزمه الزكاة لما مضى إذا وصلت يده إلى الأموال لقيام ملكه فيها، فكذلك في المغصوب، فإن بالغصب تنعدم اليد بالمغصوب منه دون الملك. وجه قولنا حديث علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا زكاة في مال الضمار» ومعناه مال يتعذر الوصول إليه مع قيام الملك من قولك بعير ضامر إذا كان نحيفا مع قيام الحياة فيه وأن عمر بن عبد العزيز في خلافته لما أمر برد أموال بيت المال على أصحابها قيل أفلا نأخذ منهم زكاتها لما مضى قال: لا، فإنها كانت ضمارا والمعنى فيه أن وجوب الزكاة في السائمة كان باعتبار معنى النماء، وقد انسد على صاحبها طريق يحصل النماء منها بجحود الغاصب إياها فانعدم ما لأجله كان نصاب الزكاة بخلاف ابن السبيل، فإن النماء يحصل له بيد ثانية كما يحصل بيده فكان نصاب الزكاة لهذا، وكذلك الضالة وما سقط منه في البحر من مال التجارة إذا وصلت يده إليه بعد الحول فليس عليه الزكاة لما مضى؛ لأن معنى المالية في النمو والانتفاع، وذلك منعدم فكان مستهلكا معنى، وإن كان قائما صورة وكذلك الدين المجحود وأطلق الجواب فيه في الكتاب، وروى هشام عن محمد - رحمهما الله تعالى - قال: إن كان معلوما للقاضي فعليه الزكاة لما مضى لتمكنه من الأخذ بعلم القاضي. وجه رواية الكتاب أنه لا زكاة عليه سواء كانت له بينة أو لم تكن له بينة إذ ليس كل شاهد يعدل ولا كل قاض يعدل، وفي المحاباة بين يديه في الخصومة ذل فكان له أن لا يذل نفسه وكثير من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - قالوا: إذا كانت له عليه بينة تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن التقصير جاء منه. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إن المديون إذا كان يقر معه سرا ويجحد في العلانية فليس عليه
الزكاة لما مضى إذا أخذه بمنزلة الجاحد سرا وعلانية
(قال) وإذا كان النصاب كاملا في أول الحول وآخره فالزكاة واجبة، وإن انتقص فيما بين ذلك وقتا طويلا ما لم ينقطع أصله من يده ومال السائمة والتجارة فيه سواء عندنا. وقال زفر - رحمه الله تعالى: لا تلزمه الزكاة إلا أن يكون النصاب من أول الحول إلى آخره كاملا، وقال الشافعي - رحمه الله - في السائمة كذلك، وفي مال التجارة قال: إنما يعتبر كمال النصاب في آخر الحول خاصة ولا يعتبر في أوله. وجه قول زفر - رحمه الله تعالى - أن حولان الحول على المال شرط لوجوب الزكاة وكل جزء من الحول بمنزلة أوله وآخره، ألا ترى أنه لو هلك جميع النصاب في خلال الحول يجعل كهلاكه في أول الحول وآخره، وكذلك السائمة إذا جعلها حمولة أو علوفة في وسط الحول انقطع به الحول كما لو فعل ذلك في أوله وآخره وهذا لأن ما دون النصاب ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه كالعلوفة. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - في السائمة كذلك، وفي مال التجارة قال: القياس هكذا ولكني أزكيه؛ لأن النصاب فيها معتبر من القيمة ويشق على صاحب المال تقويم ماله في كل يوم فلدفع المشقة قلنا: إنما يعتبر كمال النصاب عند وجوب الزكاة، وذلك في آخر الحول.
(ولنا) أن اشتراط كمال النصاب ليحصل به صفة الغنى للمالك، والغنى معتبر عند ابتداء الحول لينعقد الحول على المال وعند كماله لتجب الزكاة فأما فيما بين ذلك فليس بحال انعقاد الحول ولا بحال وجوب الزكاة فلا يشترط غنى المالك فيه إنما هو حال بقاء الحول المنعقد فلا بد من بقاء شيء من المحل لبقاء الحول، فإذا هلك كله لم يبق شيء من المحل صالحا لبقاء الحول، وكذلك إذا جعلها علوفة أو أعدها للاستعمال لم يبق شيء من المحل صالحا لبقاء الحول، فأما بعد هلاك البعض فبقي المحل صالحا لبقاء الحول وهو نظير عقد المضاربة يبقي على الألف ببقاء بعضها حتى إذا ربح فيها يحصل جميع رأس المال أولا بخلاف ما إذا هلكت كلها وما اعتبره الشافعي - رحمه الله تعالى - من المشقة صالح لإسقاط اعتبار كمال النصاب في خلال الحول لا في أوله؛ لأنه لا يشق عليه تقويم ماله عند ابتداء الحول ليعرف به انعقاد الحول كما لا يشق عليه ذلك في آخر الحول ليعرف به وجوب الزكاة في ماله
(قال) ويحتسب على الرجل في سائمته العمياء والعجفاء والصغيرة وما أشبهها ولا يؤخذ شيء منها؛ لأن المعتبر فيها كمال النصاب من حيث العدد، وذلك حاصل بالكل والأصل فيه حديث عمر - رضي الله عنه -، فإن الناس شكوا إليه من السعاة فقالوا: إنهم يعدون علينا السخال ولا يأخذونها
فقال عمر - رضي الله عنه - للساعي: عد عليهم السخلة، وإن جاء بها الراعي يحملها على كتفه ألسنا تركنا لكم الربى والأكيلة والماخض وفحل الغنم، وذلك عدل بين خيار المال ورذاله فبقول عمر - رضي الله عنه - أخذنا وقلنا لا تؤخذ الربى وهي التي تربي ولدها ولا الأكيلة وهي التي تسمن للأكل قال يونس - رحمه الله تعالى - هي الأكولة وأما الأكيلة فهي التي تكثر تناول العلف ولكن في عادة العوام أنهم يسمون التي تسمن للأكل الأكيلة ومقصود محمد - رحمه الله تعالى - تعليم العوام فاختار ما كان معروفا في لغتهم ليكون أقرب إلى أفهامهم مع ما فيه من اتباع الأثر إلا أن يشكل عليه هذه اللغة والماخض هي التي في بطنها ولد وفحل الغنم ظاهر لا يؤخذ من ذلك شيء؛ لأنها من أعز الأموال عند أرباب المواشي. وقال - صلى الله عليه وسلم - «إياكم وكرائم أموال الناس»، ثم كما نظرنا لأرباب الأموال في ترك الأخذ من الكرائم نظرنا للفقراء في ترك الأخذ من الصغار والعجاف مع عدها عليهم ليعتدل النظر من الجانبين
(قال) وإذا وجبت الصدقة في السائمة، ثم باعها صاحبها جاز بيعه عندنا، ولم يجز في قدر الزكاة عند الشافعي - رحمه الله تعالى - قولا واحدا وله فيما وراء ذلك قولان. وحجته أن نصاب الزكاة صار مشغولا بحق الفقراء فيمتنع على صاحبها بيعها كالعبد المديون والنصاب لوجوب الزكاة فيه يصير كالمرهون بما وجب فيه وبيع المرهون لا يجوز. وعلماؤنا - رحمهم الله تعالى - استدلوا بحديث حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دفع إليه دينارا وأمره أن يشتري به أضحية فاشترى شاة بالدينار، ثم باعها بدينارين فاشترى شاة أخرى بدينار وجاء بالشاة والدينار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «بارك الله لك في صفقتك» فقد جوز بيع الأضحية بعد ما وجب حق الله تعالى فيها فصار هذا أصلا لنا أن تعلق حق الله تعالى في المال لا يمنع جواز البيع فيه والمعنى أن البيع يعتمد الملك والقدرة على التسليم وملكه باق بعد وجوب الزكاة فيها وقدرته على التسليم باعتبار يده ولم يختل ذلك بوجوب الزكاة فيه فكان بيعه نافذا بخلاف المرهوق، فإن اليد هناك مستحقة عليه للمرتهن فلم يكن مقدور التسلم له بخلاف العبد المديون فإن ماليته مستحقة عليه للغريم بدينه وجواز البيع باعتبار المالية، ثم الزكاة في المال لا تتعلق بالمال تعلقا يتعين فيه حتى إن لصاحب المال اختيار الأداء من موضع آخر فهو نظير تعلق حق أولياء الجناية برقبة الجاني، وذلك لا يمنع صحة بيع المولى فيه كما قلنا فكذلك هذا
(قال) وإذا حضر المصدق بعد البيع فالقياس أن يأخذ
الصدقة من البائع ولا سبيل له على عين السائمة؛ لأنها صارت مملوكة للمشتري ولا زكاة عليه ولكن البائع صار متلفا محل حق الفقراء فيضمنه ولكن استحسن فقال: إن حضر المصدق قبل أن يتفرقا عن المجلس فله الخيار إن شاء أخذ الصدقة من العين ورجع المشتري على البائع بحصته من الثمن، وإن شاء أخذ من البائع، وإن حضر بعد التفرق أخذ الصدقة من البائع ولا سبيل له على العين، وهذا؛ لأن العلماء - رحمهم الله تعالى - اختلفوا في زوال الملك قبل التفرق وظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» يدل على عدم زوال ملك البائع والساعي مجتهد فإن شاء اعتبر ظاهر الحديث وأخذ الصدقة من العين، وإن شاء اعتمد القياس الظاهر أن عقد البيع يوجب زوال الملك بنفسه وأخذ الصدقة من البائع، وذكر ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله تعالى - أن العبرة بنقل الماشية، فإن حضر بعد ما نقلها المشتري لم يأخذ شيئا، وإن حضر قبل أن ينقلها يخير؛ لأنها إنما تصير داخلة في ضمان المشتري حقيقة بالنقل حتى إذا هلكت قبل النقل ثم استحقت لم يضمن المشتري شيئا بخلاف ما بعد النقل، وهذا بخلاف العشر، فإن صاحب الطعام إذا باعه، ثم حضر المصدق فله أن يأخذ العشر من العين تفرقا أو لم يتفرقا نقله المشتري أو لم ينقله؛ لأن الواجب عشر الطعام بعينه ولا معتبر بالملك فيه وفي الزكاة الوجوب على المالك حتى لا تجب إلا باعتبار المالك فلهذا افترقا
(قال) وإذا نفقت السائمة كلها بعد حول الحول عليها سقطت الزكاة عنها، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إن هلكت بعد التمكن من الأداء ضمن صاحبها الزكاة، فأما قبل التمكن فلا ضمان وله قولان في وجوب الزكاة قبل التمكن من الأداء قال في كتاب الأم: لا تجب الزكاة إلا بثلاث شرائط كمال النصاب وحولان الحول والتمكن من الأداء، وقال في الإملاء: التمكن شرط الضمان لا شرط وجوب الزكاة، وحجته أن هذا حق مالي وجب بإيجاب الله تعالى فلا يسقط بهلاك المال بعد التمكن من الأداء كصدقة الفطر واستدل بالحج، فإنه إن كان موسرا وقت خروج القافلة من بلده، ثم هلك ماله لا يسقط عنه الحج ولأن أكثر ما في الباب أن قدر الزكاة أمانة في يده وهو مطالب شرعا بالأداء بعد التمكن منه، فإذا امتنع بعد توجه المطالبة عليه صار ضامنا كسائر الأمانات والخلاف ثابت فيما إذا طالبه الفقير بالأداء والحق ثابت للفقير، فإذا امتنع بعد وجوب الطلب ممن له الحق صار ضامنا.
(وحجتنا) فيه أن محل الزكاة هو النصاب والحق لا يبقى بعد فوات محله كالعبد الجاني
أو المديون إذا مات والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا بطل حق الشفيع ولا يجوز أن يصير ضامنا؛ لأن وجوب الضمان بتفويت ملك أو يد كسائر الضمانات وهو بهذا التأخير ما فوت على الفقير يدا ولا ملكا فلا يصير ضامنا له شرعا بخلاف صدقة الفطر والحج، فإن محل الوجوب هناك ذمته لا ماله وذمته باقية بعد هلاك المال، ولأن وجوب الزكاة لمواساة الفقراء وبعد هلاك المال استحق المواساة معهم فلا يلزمه أن يواسي غيره والواجب قليل من كثير على وجه لا يكون أداؤه ملحقا الضرر به ولهذا اختص بالمال النامي حتى ينجبر بالنماء ما يلحقه من الخسران بالأداء، وهذا لا يتحقق بعد هلاك المال فلو استوفى كان المستوفي غير ما وجب، وذلك لا يجوز بخلاف صدقة الفطر والحج فإن المال هناك شرط الوجوب لا شرط الأداء فإذا تقرر الوجوب في ذمته لم يسقط بهلاك ماله. أما إذا طالبه الفقير فهذا الفقير ما تعين مستحقا له وله رأي في الصرف إلى من شاء من الفقراء، وإنما امتنع من الأداء إليه ليصرفه إلى من هو أحوج منه، فإن طالبه الساعي وامتنع من الأداء إليه حتى هلك المال فالعراقيون من أصحابنا - رحمهم الله تعالى - يقولون: يصير ضامنا؛ لأن الساعي متعين للأخذ فيلزمه الأداء عند طلبه وبالامتناع يصير مفوتا، ومشايخنا - رحمهم الله تعالى - يقولون: لا يصير ضامنا وهو الأصح فقد قال في الكتاب: إذا حبسها بعد ما وجبت الزكاة حتى ماتت لم يضمنها وليس مراده بهذا الحبس أنه يمنعها العلف والماء، فإن ذلك استهلاك وبه يصير ضامنا إنما مراده بهذا الحبس بعد طلب الساعي والوجه فيه أنه ما فوت بهذا الحبس على أحد ملكا ولا يدا فلا يصير ضامنا وله رأي في اختيار محل الأداء إن شاء من السائمة وإن شاء من غيرها، فإنما حبس السائمة ليؤدي من محل آخر فلا يصير ضامنا، فإن هلك نصفها فعليه في الباقي حصته من الزكاة إذا لم يكن في المال فضل على النصاب ولا خلاف فيه والبعض معتبر بالكل فكما أنه إذا هلك النصاب كله سقط جميع الزكاة فكذلك إذا هلك البعض يسقط بقدره، فإن قيل ما هو شرط الوجوب وهو ملك المال جعلتموه شرط الأداء، فكذلك كمال النصاب شرط الوجوب فينبغي أن يجعل شرط الأداء حتى لا يلزمه أداء شيء إذا انتقص النصاب قلنا كمال النصاب ليس بشرط الوجوب لعينه ولكن لحصول الغنى للمالك به وغنى المالك إنما يعتبر وقت الوجوب، فإن الغنى ليس شرطا لتحقق أداء الصدقة
(قال) وإن كان المال مشتملا على النصاب والوقص فهلك منه شيء فعلى
قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يجعل الهالك من الوقص دون النصاب حتى لا يسقط شيء من الزكاة إذا لم ينقص من النصاب ومحمد وزفر - رحمهما الله تعالى - يجعلان الهالك من الكل حتى إذا كان له تسع من الإبل فحال الحول فهلك منها أربع فعليه في الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر - رحمهم الله تعالى - في الباقي خمسة أتساع شاة. (حجتهما) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل السائمة شاة إلى تسع» أخبر أن الوجوب في الكل، والمعنى يشهد له، فإن المال النامي لا يخلو عن الزكاة وما زاد على النصاب مال نام لا يجب بسببه زيادة فعرفنا أن الوجوب في الكل وهو نظير ما لو شهد له ثلاثة نفر بحق فقضى به القاضي، فإن القضاء يكون بشهادة الكل، وإن كان القاضي يستغني عن الثالث وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته وما بقي يبقى بزكاته كالمال المشترك وأبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله تعالى - استدلا بحديث عمرو بن حزم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى يكون عشرا فهذا» تنصيص على أن الواجب في النصاب دون الوقص، والمعنى فيه أن الوقص تبع للنصاب والنصاب باسمه وحكمه يستغني عن الوقص، والوقص لا يستغني باسمه وحكمه عن النصاب، والمال متى اشتمل على أصل وتبع فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع دون الأصل كمال المضاربة إذا كان فيها ربح فهلك شيء منها يصرف الهلاك إلى الربح دون رأس المال فكذا هذا، ثم الأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن أول النصاب يجعل أصلا وما بعده بناء وتبعا فيجعل الهلاك فيما زاد على أول النصاب كأنه لم يكن في ملكه إلا أول النصاب، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - هو كذلك ما لم يأت نصاب آخر، فإذا أتى نصاب آخر فحينئذ يجعل آخر النصاب أصلا، وبيانه أن من له خمس وثلاثون من الإبل فحال الحول، ثم هلك خمسة عشر فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في الباقي أربع شياه وما هلك صار كأن لم يكن وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الباقي أربعة أخماس بنت مخاض؛ لأنه يجعل آخر النصاب أصلا والهالك فيما زاد عليه يصير كأن لم يكن، وعند محمد - رحمه الله تعالى - في الباقي أربعة أسباع بنت مخاض؛ لأن بنت المخاض واجبة في الكل عنده فيسقط حصة ما هلك ويبقى حصة ما بقي
(قال) وتعجيل الزكاة عن المال الكامل الموجود في ملكه من سائمة أو غيرها جائز عن سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك والكلام في هذه المسألة في فصول (أحدها)
في جواز التعجيل، فإن مالكا - رحمه الله تعالى - لا يجوز التعجيل أصلا ويعتبر العبادة المالية بالعبادة البدنية ويقول أداء الزكاة إسقاط الواجب عن ذمته فلا يتصور قبل الوجوب.
(ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه استسلف من العباس صدقة عامين، ثم بكمال النصاب» حصل الوجوب على أحد الطريقين لاجتماع شرائط الزكاة من النصاب النامي وغنى المالك وحولان الحول تأجيل وتعجيل الدين المؤجل صحيح وعلى الطريق الآخر إن سبب الوجوب قد تقرر وهو المال والأداء بعد تقرر سبب الوجوب جائز كالمسافر إذا صام في رمضان والرجل إذا صلى في أول الوقت جاز لوجود سبب الوجوب، وإن كان الوجوب متأخرا، أو لأن تأخر الوجوب لتحقق النماء، فإذا تحقق استند إلى أول السنة فكان التعجيل صحيحا، ولهذا قلنا إن تعجيل الزكاة قبل كمال النصاب لا يجوز؛ لأن سبب الوجوب لا يتحقق إلا بعد كمال النصاب وبعد كمال النصاب يجوز التعجيل لسنتين عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لا يجوز إلا لسنة واحدة فإن التعجيل عنده على آخر الحول لا على أوله قال: ألا ترى أن التعجيل قبل كمال النصاب لا يجوز؛ لأن الحول غير منعقد عليه، فكذلك الحول الثاني بعد كمال النصاب.
(ولنا) حديث العباس - رضي الله عنه -، والمعنى فيه أن ملك النصاب سبب لوجوب الزكاة في كل حول ما لم ينتقص عنه وجواز التعجيل باعتبار تمام السبب وفي ذلك الحول الثاني كالحول الأول بخلاف ما قبل كمال النصاب، ثم بعد كمال النصاب يجوز التعجيل عن النصب عندنا وعلى قول زفر - رحمه الله - لا يجوز التعجيل إلا عن النصاب الموجود في ملكه حتى إذا كان له خمس من الإبل فعجل أربع شياه، ثم تم الحول، وفي ملكه عشرون من الإبل عندنا يجوز التعجيل عن الكل، وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا يجوز إلا عن زكاة الخمس قال: لأن جواز التعجيل بعد وجود ملك بدليل النصاب الأول. (وحجتنا) فيه أن ملك النصاب كما هو سبب لوجوب الزكاة فيه عند كمال الحول فهو سبب لوجوب الزكاة فيه في نصب يملكها عند كمال الحول، فإذا جعل الملك الحاصل في خلال الحول كالموجود في أوله في وجوب الزكاة، فكذلك في جواز التعجيل يجعل المستفاد في خلال الحول كالموجود في أوله.
وإذا لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول لهلاك ماله فليس له أن يسترد من الفقير ما أداه إليه عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: له أن يسترد المال من الفقراء الذين دفع إليهم إن بين له أنه يعطي معجلا وإن أطلق عند الأداء لم يكن له أن يرجع عليه، وقال: إذا بين له أنه يعطيه ما يستحقه
عليه بوجوب الزكاة، فإذا لم يثبت الاستحقاق كان له أن يرجع عليه كمن قضى دين إنسان، ثم انفسخ السبب الموجب للدين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 13-11-2025, 02:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 178 الى صـــ 187
(43)






(ولنا) أن المتصدق يجعل ما يؤديه لله تعالى خالصا، ثم يصرفه إلى الفقراء ليكون كفاية لهم من الله تعالى وقد تم ذلك بالوصول إلى يد الفقير فلا يرجع عليه بشيء بل إن وجبت الزكاة كان مؤديا للواجب، وإن لم تجب كان متنفلا كما لو أطلق الأداء
(قال) وينظر في السائمة إلى كمال النصاب فتجب الزكاة فيه وإن كانت قيمتها ناقصة عن مائتي درهم وينظر إلى قيمتها إن أراد بها التجارة، فإن كانت أقل من مائتي درهم لم تجب الزكاة، وإن كان العدد كاملا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتبر في السائمة كمال العدد دون القيمة ولأن النماء في السائمة مطلوب من عينها وفي مال التجارة إنما يطلب النماء من ماليتها فاعتبرنا النصاب في الموضعين من حيث يطلب النماء، فإذا كانت قيمتها أقل من مائتي درهم لم تجب فيها زكاة التجارة لنقصان النصاب ولا زكاة السائمة، وإن كان العدد كاملا؛ لأن النصاب فيها غير معتبر من حيث العدد، فإن قيل إذا لم تجب فيها زكاة التجارة صار وجود نية التجارة كعدمها فتجب زكاة السائمة. قلنا نية التجارة معتبرة في إخراجها من أن تكون سائمة معنى على ما بينا والصورة بدون المعنى لا تكفي لإيجاب الزكاة
(قال) وإذا اشترى الإبل للتجارة فلما مضت طائفة من الحول بدا له فجعلها سائمة فرارا من الصدقة فلا زكاة عليه حتى يحول عليها الحول من حين جعلها سائمة؛ لأنه نوى ترك التجارة فيها وهو تارك لها في ذلك الوقت حقيقة فاقترنت النية بالفعل وزكاة السائمة ليست من جنس زكاة التجارة فلا يمكن بناء أحدهما على الآخر فقلنا باستئناف الحول من حين جعلها سائمة
(قال) ويؤخذ من بني تغلب صدقة سائمتهم ضعف ما يؤخذ من المسلم إذا بلغت مقدار ما يجب في مثله الصدقة على المسلم وبنو تغلب قوم من النصارى من العرب كانوا بقرب الروم فلما أراد عمر - رضي الله عنه - أن يوظف عليهم الجزية أبوا وقالوا: نحن من العرب نأنف من أداء الجزية فإن وظفت علينا الجزية لحقنا بأعدائك من الروم، وإن رأيت أن تأخذ منا ما يأخذ بعضكم من بعض وتضعفه علينا فعلنا ذلك فشاور عمر - رضي الله عنه - الصحابة في ذلك وكان الذي يسعى بينه وبينهم كردوس التغلبي، فقال: يا أمير المؤمنين صالحهم، فإنك إن تناجزهم لم تطقهم فصالحهم عمر - رضي الله عنه - على أن يأخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين، ولم يتعرض لهذا الصلح بعده عثمان - رضي الله عنه - فلزم أول الأمة وآخرها، فإن قيل أليس عليا - رضي الله عنه - أراد أن ينقض
صلحهم حين رآهم قلوا وذلوا قلنا قد شاور الصحابة - رضي الله عنهم - في ذلك، ثم اتفق معهم على أنه ليس لأحد أن ينقض هذا الصلح، وذكر محمد - رحمه الله تعالى - في النوادر أن صلحهم في الابتداء كان ضغطة ولكن تأيد بالإجماع وبقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ملكا ينطق على لسان عمر - رضي الله عنه -، وقال: أينما دار عمر - رضي الله عنه - فالحق يدور معه. إذا عرفنا هذا فنقول لا يؤخذ من المسلم مما دون النصاب شيء، فكذلك منهم ويؤخذ من النصاب من المسلم ما قدره الشرع في كل مال فيؤخذ منهم ضعف ذلك؛ لأن الصلح وقع على هذا ويؤخذ من نسائهم مثل ما يؤخذ من رجالهم.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنها لا تؤخذ من نسائهم قال: لأنها بدل عن الجزية ولا جزية على النساء وجه ظاهر الرواية أن هذا مال الصلح والنساء فيه كالرجال «قال - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله تعالى عنه - خذ من كل حالم وحالمة دينارا أو عدله معا فرية» وهو نظير الدية على العاقلة لا شيء منها على النساء فإن صالحت امرأة عن قصاص على مال أخذت به وهذا لأن الوفاء بالعهد واجب من الجانبين، والعهد على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين والصدقة تؤخذ من المسلمات كما تؤخذ من الرجال، فكذلك في حقهم. ولا يؤخذ من صبيانهم شيء؛ لأنه لا تؤخذ الصدقة من سوائم الصبيان من المسلمين، فكذلك منهم. أما مواليهم فلا تؤخذ منهم الصدقة ولكن توضع على رءوسهم الجزية بمنزلة سائر الكفار فإن ظاهر قوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] يتناول كل كافر إلا أنه خص من هذا الظاهر بنو تغلب باتفاق الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وإنما يتناول هذا الاسم من كان منهم نسبا لا ولاء فبقيت مواليهم على حكم ظاهر الآية، فإن قيل أليس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «مولى القوم من أنفسهم» قلنا المراد مولى بني هاشم في حرمة الصدقة عليهم كرامة لهم، ألا ترى أن موالي بني تغلب لا يكونون أعلى حالا من موالي المسلمين ومولى المسلمين إذا كان ذميا توضع عليه الجزية فمولى التغلبي أولى.
(قال) وما أخذ من صدقات بني تغلب يوضع موضع الجزية؛ لأن عمر - رضي الله تعالى عنه - لما صالحهم قال: هذه جزية فسموها ما شئتم معناه جزية في حقنا فنضعه موضع الجزية ولأنه ليس بصدقة حقيقية؛ لأن الصدقة اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل وهو ليس بأهل لهذا التقرب وهو جزية معنى فالجزية اسم لمال مأخوذ بسبب الكفر على وجه العقوبة والتضعيف عليهم بهذه الصفة حتى يسقط إذا أسلموا فلهذا يوضع موضع الجزية
قال) وإذا ظهر الخوارج على بلد من بلاد أهل العدل فأخذوا منهم صدقة أموالهم، ثم ظهر عليهم الإمام لم يأخذ منهم ثانيا؛ لأنه عجز عن حمايتهم والجباية تكون بسبب الحماية، وهذا بخلاف التاجر إذا مر على عاشر أهل البغي فعشره، ثم مر على عاشر أهل العدل يعشره ثانيا؛ لأن صاحب المال هو الذي عرض ماله حين مر به عليه فلم يعذر وهناك صاحب المال لم يصنع شيئا ولكن الإمام عجز عن حمايته فلهذا لا يأخذ ولكن يفتى فيما بينه وبين الله تعالى بالأداء ثانية؛ لأنهم لا يأخذون أموالنا على طريق الصدقة بل على طريق الاستحلال ولا يصرفونها إلى مصارف الصدقة فينبغي لصاحب المال أن يؤدي ما وجب عليه لله تعالى، فإنما أخذوا منه شيئا ظلما وكذلك إن أخذوا من أهل الذمة في ذلك البلد خراج رءوسهم لم يأخذهم الإمام بما مضى لعجزه عن حمايتهم. فأما ما يأخذ سلاطين زماننا هؤلاء الظلمة من الصدقات والعشور والخراج والجزية فلم يتعرض له محمد - رحمه الله تعالى - في الكتاب وكثير من أئمة بلخي يفتون بالأداء ثانيا فيما بينه وبين الله تعالى كما في حق أهل البغي لعلمنا أنهم لا يصرفون المأخوذ مصارف الصدقة وكان أبو بكر الأعمش يقول في الصدقات يفتون بالإعادة فأما في الخراج فلا؛ لأن الحق في الخراج للمقاتلة وهم المقاتلة حتى إذا ظهر عدو ذبوا عن دار الإسلام، فأما الصدقات فللفقراء والمساكين وهم لا يصرفون إلى هذه المصارف والأصح أنه يسقط ذلك عن جميع أرباب الأموال إذا نووا بالدفع التصدق عليهم؛ لأن ما في أيديهم من أموال المسلمين وما عليهم من التبعات فوق مالهم فلو ردوا ما عليهم لم يبق في أيديهم شيء فهم بمنزلة الفقراء حتى قال محمد بن سلمة: يجوز أخذ الصدقة لعلي بن عيسى بن يونس بن ماهان والي خراسان وكان أميرا ببلخ وجب عليه كفارة يمين فسأل عنها الفقهاء عما يكفر به فأفتوه بصيام ثلاثة أيام فجعل يبكي ويقول لحشمه: إنهم يقولون لي ما عليك من التبعات فوق ما لك من المال وكفارتك كفارة يمين من لا يملك شيئا، وكذلك ما يؤخذ من الرجل من الجبايات إذا نوى عند الدفع أن يكون ذلك من عشره وزكاته جاز على الطريق الذي قلنا
(قال) وتقسم صدقة كل بلد على فقراء بلادهم ولا يخرج إلى غيرهم «لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ - رضي الله تعالى عنه - خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم»، ولأن لفقراء تلك البلدة حق القرب والمجاورة، واطلاعهم على أرباب أموالهم أكثر فالصرف إليهم أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أدناك فأدناك ولما سأله رجل، فقال: إن لي جارين أيهما أبر؟ فقال: إلى أقربهما منك بابا، وإن أخرجها إلى غيرهم جاز
وهو مكروه» وللشافعي - رحمه الله تعالى - قول: إنه لا يجوز لحديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - من نقل عشره وصدقته من مخلاف عشيرته إلى غير مخلاف عشيرته فعشره وصدقته في مخلاف عشيرته أي مردودة عليهم.
(ولنا) ظاهر قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] وتخصيص فقراء البلدة ليس لمعنى في أعيانهم فلا يمنع جواز الصرف إلى غيرهم؛ لأن ما هو المقصود وهو سد خلة المحتاج قد حصل وقول معاذ - رضي الله عنه - محمول على بيان الأولى، ألا ترى أنه حين كان باليمن كان ينقل الصدقة إلى المدينة على ما قال في خطبته وأنفع لمن في المدينة من المهاجرين والأنصار، وإنما كان ينقل إلى المدينة؛ لأن فقراءها كانوا أشرف الفقراء حيث هجروا أوطانهم وهاجروا لنصرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلم أحكام الدين وعلى هذا روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه إذا كان لصاحب المال قرابة محتاجون في بلدة أخرى فلا بأس بأن يصرف الصدقة إليهم وهو أفضل له لما فيه من صلة الرحم مع إسقاط الفرض عن نفسه
(قال) ومن كان في عسكر الخوارج سنين فلم يؤد صدقة ماله، ثم تاب لم يؤخذ بها؛ لأنه لم يكن تحت حماية الإمام حين وجبت عليه فحكمه كان لا يجري عليه وعليه أن يؤدي فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الحق قد لزمه بتقرر سببه فلا يسقط عنه إلا بالأداء وصارت الأموال الظاهرة في حقه حين لم يثبت للإمام حق الأخذ منها كالأموال الباطنة
(قال) والعاشر يأخذ الصدقة من رسول أهل البغي إذا مر عليه كما يأخذها من المسلم؛ لأن أهل البغي مسلمون كما قال الله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] إلى قوله {فإن بغت إحداهما على الأخرى} [الحجرات: 9] . وقال علي - رضي الله عنه: إخواننا بغوا علينا، وإنما يأخذ من سائر المسلمين ما لزمهم من الزكاة من المال الممرور به عليه، فكذلك من أهل البغي
(قال) ومن أسلم في دار الحرب وأقام في تلك الدار سنين، فإن عرف وجوب الزكاة عليه فلم يؤدها، ثم خرج إلينا لم يؤخذ بها؛ لأنه لم يكن تحت حماية الإمام في ذلك الوقت ولكنه يفتي بأدائها فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا لم يعلم بوجوب الزكاة عليه فليس عليه أداؤها إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى - والقياس ما قاله؛ لأنه بقبول الإسلام صار قابلا لأحكامه وجهله عذر في دفع المأثم لا في إسقاط الواجب بعد تقرر سببه ولكنا استحسنا وقلنا توجه خطاب الشرع يتوقف على البلوغ إليه، ألا ترى أن أهل قباء كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد تحول القبلة إلى الكعبة وجوز لهم ذلك؛ لأنه لم يبلغهم، وهذا لأن التكليف بحسب الوسع ولا وسع في حق العمل
به قبل البلوغ إليه فصار كأن الخطاب غير نازل في حقه، وهذا لأن الخطاب غير شائع في دار الحرب؛ لأن أحكام الإسلام غير شائعة في دار الحرب لقيام الشيوع مقام الوصول إليه
(قال) وإذا حلف الرجل أنه قد أدى صدقة ماله إلى المصدق الذي كان في تلك السنة فكف عنه المصدق، ثم اطلع على كذبه بعد سنين أخذه بتلك الصدقة؛ لأن السبب المثبت لحق الأخذ له قد تقرر فلا يسقط باليمين الكاذبة كسائر حقوق العباد، والتأخير ليس بمسقط حق الأخذ بعد ثبوته فلهذا أخذه بالصدقة والله أعلم.
[باب زكاة الغنم]
(قال) - رحمه الله تعالى: الأصل في وجوب الزكاة في الغنم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها»، وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه شاة تيعر يقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت» إذا عرفنا هذا فنقول ليس في أقل من أربعين من الغنم السائمة صدقة، فإذا كانت أربعين ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ثم ليس في الزيادة شيء إلى أربعمائة فبعد ذلك في كل مائة شاة، وقال الحسن بن حي - رحمه الله تعالى - إذا زادت على ثلاثمائة ففيها أربع شياه، وفي أربعمائة خمس شياه. (وحجتنا) حديث أنس - رضي الله عنه - «أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب كتاب الصدقات الذي كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه وفي أربعين من الغنم شاة وفي مائة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه»، وقد بينا أن طريق معرفة النصب لا تكون بالرأي والاجتهاد بل بالنص
(قال) ولا تؤخذ الجذعة من الغنم في الصدقة، وإنما يؤخذ الثني فصاعدا والجذعة هي التي تم لها حول واحد وطعنت في الثانية والثني الذي تم له سنتان وطعن في الثالثة وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا يؤخذ من المعز إلا الثني فأما من الضأن فتؤخذ الجذعة وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - وهو الذي ذكره الطحاوي في مختصره قال: ولا يؤخذ في زكاة الغنم إلا ما يجزي في الضحايا. وجه تلك الرواية قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما حقنا في الجذعة والثني»، ولأن الجذعة
من الضأن تجزي في الضحايا وهي أدعى للشروط من الأخذ في الزكاة فجواز التضحية بها يدل على أخذها في الزكاة بطريق الأولى. وجه ظاهر الرواية حديث علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لا يؤخذ في الزكاة إلا الثني فصاعدا، ثم ما دون الثني قاصر في نفسه»، ألا ترى أنه لا يجوز أخذه من المعز ولا يؤخذ في الزكاة إلا البالغ كما لا يؤخذ من المعز ما دون الثني، وكذلك في الضأن وهو القياس في الأضحية أيضا ولكن ترك لنص خاص ورد، وذلك إذا كان سمينا لو اختلط بالثنيات لا يمكن تمييزه قبل التأمل ومثل هذا يقارب الثني فيما هو المقصود بإراقة الدم وهنا ما دون الثني لا يقارب الثني فيما هو المقصود بإراقة الدم من كل وجه، فإن منفعة النسل لا تحصل به
(قال) ويجوز في زكاة الغنم أخذ الذكور والإناث عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لا يؤخذ الذكر إلا إذا كان النصاب كله ذكورا؛ لأن منفعة النسل لا تحصل به ويجوز في زكاة الذكور؛ لأن الواجب جزء من النصاب.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «في أربعين شاة شاة» واسم الشاة يتناول الذكر والأنثى جميعا بالدليل الموجب فيه
(قال) فإن اختلط المعز بالضأن فلا خلاف أن نصاب البعض يكمل بالبعض، ثم لا يؤخذ إلا الوسط عندنا، وذلك الأدون من الأرفع والأرفع من الأدون ذكره في المنتقى، وكذلك في البقر مع الجواميس وللشافعي فيه قولان في أحدهما يقول يؤخذ من جنس الأغلب منهما؛ لأن المغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب وفي القول الآخر تقوم واحدة من الأرفع والأخرى من الأدون، ثم ينظر إلى نصف القيمتين فيؤخذ واحدة بتلك القيمة قال: وهو العدل وبه يتم النظر من الجانبين.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تأخذوا من حزرات أموال الناس وخذوا من حواشي أموالهم» والأخذ من الحواشي فيما قلنا
(قال) والمتولد من الظبي والغنم يكون نصابا إذا كانت الأم نعجة، وكذلك المتولد من البقر الوحشي والبقر الأهلي عندنا العبرة للأم وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه تجاذبه جانبان أحدهما يوجب والآخر لا يوجب، والأصل عدم الوجوب والوجوب بالشك لا يثبت ولكنا نقول المتولد من جنس الأم يشبهها عادة ويتبعها في الحكم حتى يكون لمالك الأم وحتى يتبع الولد الأم في الرق والحرية، وهذا لما عرف أن ماء الفحل يصير مستهلكا بمائها فالولد يكون منها
(قال) رجل تزوج امرأة على غنم سائمة ودفعها إليها وحال الحول، ثم طلقها قبل الدخول بها فعليها زكاة النصف ولا شيء على
الزوج؛ لأنه لم يكن مالكا لها في الحول إنما عادت إليه بعده وأما المرأة فكانت مالكة للكل فكان النصاب كاملا فوجب عليها الزكاة، ثم استحق البعض من يدها بسبب حادث بعد الحول فعليها الزكاة فيما بقي كما لو نقص النصاب فإن كان لم يدفعها إليها حتى حال الحول ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله - الآخر لا زكاة عليها، وفي قوله الأول عليها الزكاة في نصيبها إذا قبضت وكان نصابا تاما، فإن كان دون ذلك فلا زكاة عليها وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - عليها الزكاة في نصيبها سواء كان نصابا أو دونه بعد أن كان الكل نصابا، وقد بينا هذا في زكاة الإبل وأوضحه في الكتاب بما لو كان الصداق عبدا للخدمة فمر يوم الفطر وهو عندها، ثم طلقها قبل أن يدخل بها فعليها صدقة الفطر ولو كان عند الزوج حين مر يوم الفطر ثم طلقها قبل أن يدخل بها فليس على واحد منهما صدقة الفطر عنه قبل هذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أما عندهما فينبغي أن تجب عليها صدقة الفطر وما قبل القبض كما بعده في حكم الزكاة والأصح أنه قولهم جميعا وهما فرقا، وقالا: صدقة الفطر تعتمد الولاية التامة لا مجرد الملك، وذلك لا يحصل بدون اليد بخلاف الزكاة، فإنها وظيفة الملك وملكها في الصداق قبل القبض تام بدليل أنها تتصرف كيف شاءت
(قال) رجل له مائتا درهم وعليه مثلها دين وله أربعون من الغنم سائمة فحال الحول فعليه الزكاة في الغنم؛ لأن الدين يصرف إلى الدراهم فإنه مخلوق للتقلب والتصرف معد له، فأما السائمة فمعدة لاستبقاء الملك فيها، وهذا إذا حضره المصدق، فإن لم يحضره فالخيار لرب المال إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما سواء، وإنما الاختلاف في حق المصدق، فإن له ولاية أخذ الزكاة من السائمة دون الدراهم فلهذا صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من السائمة.
(قال): رجل له أربعون شاة سائمة فحل عليها حولان فعليه للحول الأول شاة ولا شيء عليه للحول الثاني؛ لأن نصابه قد انتقص بما وجب عليه في الحول الأول، وقد بينا قول زفر - رحمه الله تعالى - في نظيره في زكاة الإبل فكذلك في زكاة الغنم
(قال) في الكتاب وتفسير قوله "لا يفرق بين مجتمع أن يكون للرجل مائة وعشرون شاة ففيها شاة، وليس للمصدق أن يفرقها في ثلاثة مواطن ليأخذ من كل أربعين شاة وتفسير قوله ولا يجمع بين متفرق أن يكون بين رجلين أربعون شاة فليس للمصدق أن يجمعها ويأخذ منها الزكاة، وقد بينا أن المراد به الجمع"
والتفريق في الملك لا في المكان، وقد تقدم بيان هذا وبينا تفسير قوله وما كان بين الخليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ونزيده وضوحا فنقول المراد إذا كان بين رجلين إحدى وستون من الإبل لأحدهما ست وثلاثون وللآخر خمس وعشرون، فإن المصدق يأخذ منها بنت لبون وبنت مخاض، ثم يرجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف ما أخذ من ماله بزكاة صاحبه وحمله على هذا أولى، فإن التراجع على وزن التفاعل فينبغي أن يثبت من الجانبين في وقت واحد، وذلك فيما قلنا
(قال) والشريك المفاوض والعنان وغير ذلك كلهم سواء في حكم الصدقة؛ لأن وجوبها باعتبار حقيقة الملك وغنى المالك به ولا ملك للشريك في نصيب شريكه مفاوضا كان أو غيره
(قال) وإذا مر المسلم على العاشر بالماشية وغيرها من الأموال، فقال: ليس شيء من هذا للتجارة وحلف على ذلك لا يأخذ منه شيئا؛ لأنه أمين فيما يلزمه من الزكاة، فإذا أنكر وجوبها عليه فالقول قوله مع يمينه والعاشر لا يأخذ إلا الزكاة، ووجوب الزكاة بصفة الإسامة أو التجارة وما يمر به على العاشر لا يكون سائمة، وقد انتفى صفة التجارة في حقه بحلفه فلا يأخذ منه شيئا، وكذلك الذمي والتغلبي؛ لأنهما من أهل دارنا فمرورهما على العاشر قد يكون بغير مال التجارة كما يكون بمال التجارة كالمسلم، وأما الحربي فلا يصدق في ذلك ويؤخذ منه العشر؛ لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة وهم لا يصدقون في هذا من يمر به منا عليهم، فكذلك نحن لا نصدقهم، ولأن الحربي في دارنا لا يدخل إلا على قصد التجارة؛ لأنه ليس من أهل دارنا فما معه يكون للتجارة فلهذا أخذ منه
(قال): رجل مات بعد ما وجبت عليه الصدقة في سائمته فجاء المصدق وهي في يد الورثة فليس له أن يأخذ منهم صدقتها إلا أن يكون الميت أوصى بذلك فحينئذ يأخذ من ثلث ماله، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يأخذ الصدقة من جميع ماله أوصى أو لم يوص. وحجته قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث «الخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه قالت نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدين الله أحق» فقد شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دين الله بدين العباد، ثم دين العباد يقضى من التركة بعد الوفاة مقدما على الميراث فكذلك دين الله تعالى وهذا الفقه وهو أن هذا حق كان مطالبا في حال حياته وتجري النيابة في إيفائه فيستوفى من تركته بعد وفاته كديون العباد. وتقريره أن المال خلف عن الذمة بعد الموت في الحقوق التي تقتضى بالمال والوارث قائم مقام المورث في أداء ما تجري
النيابة في أدائه، ألا ترى أن بعد الإيصاء يقوم مقامه في الأداء، فكذلك قبله. (وحجتنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «يقول ابن آدم: مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت وما سوى ذلك فهو مال الوارث»، وهذا يقتضي أن ما لم يمضه من الصدقة يكون مال الوارث بعد موته وبه علل في الكتاب قال: لأنها خرجت من ملكه الذي كان له يعني أن المال صار ملك الوارث، ولم يجب على الوارث شيء ليؤخذ ملكه به، وهذا لأن حقوق الله تعالى مع حقوق العباد إذا اجتمعا في محل تقدم حقوق العباد على حقوق الله تعالى. ثم الواجب عليه فعل الإيتاء وفعل الإيتاء لا يمكن إقامته بالمال ليقوم المال فيه مقام الذمة بعد موته والوارث لا يمكن أن يجعل نائبا في أداء الزكاة؛ لأن الواجب ما هو عبادة. ومعنى العبادة لا يتحقق إلا بنية وفعل ممن يجب عليه حقيقة أو حكما وخلافة الوارث المورث تكون جبرا من غير اختيار من المورث وبه لا تتأدى العبادة واستيفاء الواجب لا يجوز إلا من الوجه الذي وجب، فإذا لم يمكن استيفاؤه من ذلك الوجه لا يستوفى إلا أن يكون أوصى فحينئذ يكون بمنزلة الوصية بسائر التبرعات تنفذ من ثلثه ويظهر بما ذكرنا الفرق بين ديون الله تعالى وبين ديون العباد إذا تأملت.
فإن كان موت صاحب السائمة في وسط الحول ينقطع به حكم الحول عندنا لخروجها عن ملكه كما لو باعها. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يبنى على حوله، فإذا تم فعلى الوارث الزكاة قال؛ لأن ملك الوارث بناء على ملك المورث، وليس بابتداء ملك بدليل ثبوت حق الرد بالعيب وغيره ولكنا نقول صفة المالكية للوارث متجددة، وفي حكم الزكاة المالك معتبر فلتجدد صفة المالكية قلنا يستقبل الحول في ملك الوارث والله سبحانه وتعالى أعلم
[باب زكاة البقر]
(الأصل في وجوب الزكاة في البقر) حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مانعي الزكاة «لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بعير له رغاء فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بقرة لها ثغاء فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت ولا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه فرس لها حمحمة فيقول يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا ألا
قد بلغت» إذا عرفنا هذا فنقول ليس فيما دون ثلاثين بقرة سائمة صدقة وفي ثلاثين منها تبيع أو تبيعة وهي التي لها سنة وطعنت في الثانية وفي أربعين منها مسنة وهي التي تم لها سنتان وبهذا «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن واختلفت الروايات فيما زاد على الأربعين فقال في كتاب الزكاة وما زاد على الأربعين ففي الزيادة بحساب ذلك»، ولم يفسر هذا الكلام وفي كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى - رحمهما الله تعالى - قال: إذا كان له إحدى وأربعون بقرة فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - عليه مسنة وربع عشر مسنة أو ثلث عشر تبيع وهذا يدل على أنه لا نصاب عنده في الزيادة على الأربعين فإنه تجب فيه الزكاة قل أو كثر بحساب ذلك. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع، وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه ليس في الزيادة شيء حتى تكون ستين ففيها تبيعان وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهما الله تعالى - ثم لا خلاف أنه ليس في الزيادة شيء إلى سبعين ثم بعد ستين الأوقاص تسع تسع وأن الواجب في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة حتى إذا كانت سبعين ففيها مسنة وتبيع وفي ثمانين مسنتان وفي تسعين ثلاثة أتبعة وفي المائة مسنة وتبيعان وفي مائة وعشر مسنتان وتبيع وفي مائة وعشرين إن شاء أدى ثلاث مسنات وإن شاء أدى أربعة أتبعة فإنها ثلاث مرات أربعون وأربع مرات ثلاثون. وجه قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - حديث معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تأخذوا من أوقاص البقر شيئا» وفسروا الأوقاص بما بين الأربعين إلى الستين، ولأن مبنى زكاة السائمة على أنه لا يجب فيها الإشقاص دفعا للضرر عن أرباب الأموال حتى إن في الإبل عند قلة العدد أوجب من خلاف الجنس تحرزا عن إيجاب الشقص فكذلك في زكاة البقر لا تجوز الإشقاص؛ لأنها عيب.
ووجه رواية الحسن - رحمه الله تعالى - أن الأوقاص في البقر تسع تسع بدليل ما قبل الأربعين وبعد الستين فكذلك فيما بين ذلك؛ لأنه يلحق بما قبله أو بما بعده. ووجه الرواية الأخرى أن نصب النصاب بالرأي لا يكون وإنما يكون طريق معرفته النص، ولا نص فيما بين الأربعين إلى الستين فإذا تعذر اعتبار النصاب فيه أوجبنا الزكاة في قليله وكثيره بحساب ما سبق، وحديث معاذ - رضي الله عنه - المراد به حال قلة العدد في الابتداء فإن الوقص في الحقيقة اسم لما لم يبلغ نصابا، وذلك
في الابتداء يكون، وقيل: المراد بالأوقاص الصغار وهي العجاجيل وبه نقول إنه لا شيء فيها (قال) والجواميس بمنزلة البقر، وقد بينا هذا فيما سبق من زكاة الغنم
(قال) وذكورها وإناثها في الصدقة سواء وكذلك في الأخذ لا فرق بين الذكور والإناث في زكاة البقر بخلاف زكاة الإبل فإنه لا يؤخذ فيها إلا الإناث وهذا لتقارب ما بين الذكور والإناث في الغنم والبقر وتباين ما بينهما في الإبل، وقد بينا هذا في زكاة الإبل.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 13-11-2025, 02:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 188 الى صـــ 197
(44)






فأما الخيل السائمة إذا اختلط ذكورها وإناثها ففيها الصدقة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن شاء صاحبها أدى عن كل فرس دينارا وإن شاء قومها وأدى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله تعالى - لا شيء فيها. فإن كانت إناثا كلها فعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيه روايتان ذكرهما الطحاوي - رحمه الله تعالى - وإن كانت ذكورا كلها فليس فيها شيء إلا في رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ذكرها في كتاب الآثار. وجه قولهم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «عفوت لأمتي عن صدقة الخيل والرقيق إلا أن في الرقيق صدقة الفطر» ولأنه لا يثبت للإمام حق الأخذ بالاتفاق ولا يجب من عينها شيء، ومبنى زكاة السائمة على أن الواجب جزء من العين وللإمام فيه حق الأخذ بدليل سائر الحيوانات واحتج أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بحديث ابن الزبير عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم، وليس في المرابطة شيء»، وإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - وأمره بأن يأخذ من الخيل السائمة عن كل فرس دينارا أو عشرة دراهم ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصحابة - رضي الله عنهم - فروى أبو هريرة «ليس على الرجل في عبده ولا في فرسه صدقة» فقال مروان لزيد بن ثابت: ما تقول يا أبا سعيد، فقال أبو هريرة: عجبا من مروان أحدثه بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول ماذا تقول يا أبا سعيد، قال زيد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما أراد فرس الغازي، فأما ما حبست لطلب نسلها ففيها الصدقة، فقال: كم، فقال: في كل فرس دينار أو عشرة دراهم والمعنى فيه أنه حيوان سائم في أغلب البلدان فتجب فيه زكاة السائمة كالإبل والبقر والغنم، إلا أن الآثار فيها لم تشتهر لعزة الخيل ذلك الوقت وما كانت إلا معدة للجهاد.
وإنما لم يثبت أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - للإمام ولاية الأخذ؛ لأن الخيل مطمع كل طامع فإنه سلاح، والظاهر أنهم إذا علموا به لا يتركونه
لصاحبه وإنما يؤخذ من عينه؛ لأن مقصود الفقير لا يحصل به؛ لأن عينه غير مأكول اللحم عنده. وأما الإناث، قال في إحدى الروايتين التي ذكرها الطحاوي - رحمه الله تعالى - أنه لا شيء فيها؛ لأن معنى النماء فيها من حيث النسل، وذلك لا يحصل بالإناث المفردات وفي الأخرى قال: يمكن أن يستعار لها فحل فيحصل النماء من حيث النسل. وأما في الذكور المنفردين لا شيء فيها في ظاهر الرواية؛ لأن معنى النسل لا يحصل بها وبزيادة السن لا تزداد القيمة في الخيل بخلاف سائر الحيوانات ومعنى السمن غير معتبر؛ لأن عينه غير مأكول عنده فلهذا قال لانعدام النماء لا شيء عليه فيها، وفي رواية الآثار جعل هذا قياس سائر أنواع السائمة فإن بسبب السوم تخف المؤنة على صاحبها وبه يصير مال الزكاة فكذلك في الخيل
(قال) وليس في الحمير والبغال السائمة صدقة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال حين سئل عن البغال والحمير لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية الجامعة {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] » ولأنها لا تسام في غالب البلدان مع كثرة وجودها، والنادر لا يعتبر إنما يعتبر الحكم العام الغالب فلهذا لا تجب فيها زكاة السائمة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[باب زكاة المال]
(قال) وليس في أقل من مائتي درهم زكاة فإذا بلغت مائتي درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم لحديث عمرو بن حزم - رضي الله تعالى عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال في الورقة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي درهم فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم» وحين بعث معاذا - رضي الله تعالى عنه - إلى اليمن قال: «ليس فيما دون مائتي درهم من الورق شيء وفي مائتين خمسة وما زاد على المائتين فليس فيه شيء حتى تبلغ أربعين ففيها درهم مع الخمسة»، وفي قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وهكذا في كل أربعين درهما درهم وهو قول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي يجب في الزيادة بحساب ذلك قل أو كثر حتى إذا كانت الزيادة درهما ففيها جزء من أربعين جزءا من درهم وهو قول علي وابن عمر وإبراهيم النخعي - رحمهما الله تعالى - وقال طاوس اليماني - رحمه الله تعالى - لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ مائتي درهم ويجب في كل مائتي درهم خمسة دراهم واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في مائتي درهم خمسة دراهم وما زاد
فبحساب ذلك» ولأن نصب النصاب لا يكون إلا بالتوقيف ولم يشتهر الأثر باعتبار نصيب المائتين ثم اعتبار النصاب في الابتداء لحصول الغنى للمالك به ففي الزيادة المعتبرة زيادة الغنى، وذلك حاصل بالقليل والكثير واحتج أبو حنيفة بحديث عمرو بن حزم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم خمسة دراهم، وفي كل أربعين درهما درهم» ولم يرد به في الابتداء فعلم أن المراد به بعد المائتين، وفي حديث معاذ - رضي الله تعالى عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: له لا تأخذ من الكسور شيئا، وفي مائتي درهم خمسة دراهم فما زاد على ذلك ففي كل أربعين درهما درهم» وقاس بالسوائم ففيها وقص بعد النصاب الأول وكذلك في النقود بعلة أن الزكاة واجبة في الكل على وجه يحصل به النظر للفقراء وأرباب الأموال وحديث علي - رضي الله تعالى عنه - لم ينقله أحد من الثقات مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمصير إلى ما رويناه أولى
(قال) وليس في أقل من عشرين مثقالا من الذهب زكاة لحديث عمرو بن حزم قال: فيه «، وفي الذهب ما لم تبلغ قيمته مائتي درهم فلا صدقة فيه» والدينار كان مقوما بعشرة دراهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك تنصيص على أنه لا شيء في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال ثم ليس في الزيادة شيء حتى تبلغ أربعة دنانير ففي قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فيها قيراطان، وهكذا في كل أربعة مثاقيل. وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - فيما زاد بحساب ذلك هذا والدراهم سواء كما بينا وكذلك زكاة مال التجارة تجب بالقيمة والكلام فيه في فصول (أحدها) أن الزكاة تجب في عروض التجارة إذا حال الحول عندنا. وقال مالك - رحمه الله تعالى: إذا باعها زكى لحول واحد وإن مضى عليها في ملكه أحوال، وقال نفاة القياس: لا شيء فيها، والدليل على وجوب الزكاة فيها حديث سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق، وفي كل مال يتبعه» وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «، وفي البر صدقة إذا كان للتجارة».
وفي حديث عمر - رضي الله عنه - أنه قال لحماس ما مالك يا حماس؟ فقال: ضأن وأدم، قال: قومها وأد الزكاة من قيمتها والدليل على اعتبار الحول قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ثم معنى النماء مطلوب في أموال التجارة في قيمتها كما أنه مطلوب في السوائم من عينها وكما يتجدد وجوب الزكاة في السوائم باعتبار كل حول يتجدد النماء بمضيه فكذلك في مال التجارة ويعتبر أن
تكون قيمتها نصابا في أول الحول وآخره كما في السوائم عندنا وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى: المعتبر كمال النصاب آخر الحول فقط، وقد بينا هذا قال في الكتاب ويقومها يوم حال الحول عليها إن شاء بالدراهم وإن شاء بالدنانير وعن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يقومها بما اشتراها إن كان اشتراها بأحد النقدين فيقومها به وإن كان اشتراها بغير نقود قومها بالنقد الغالب في البلد وعن محمد - رحمه الله تعالى - أنه يقومها بالنقد الغالب على كل حال. وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - أن التقويم في حق الله تعالى معتبر بالتقويم في حق العباد ومتى وقعت الحاجة إلى تقويم المغصوب والمستهلك يقوم بالنقد الغالب في البلد فهذا مثله وأبو يوسف يقول البدل معتبر بأصله فإن كان اشترى بأحد النقدين فتقويمه بما هو أصله أولى. وجه قول أبي حنيفة أن المال كان في يد المالك وهو المنتفع به في زمان طويل فلا بد من اعتبار منفعة الفقراء عند التقويم لأداء الزكاة فيقومها بأنفع النقدين. ألا ترى أنه لو كان بتقويمه بأحد النقدين يتم النصاب وبالآخر لا يتم فإنه يقوم بما يتم به النصاب لمنفعة الفقراء فهذا مثله. وجه رواية الكتاب أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك على السواء فكان الخيار إلى صاحب المال يقومها بأيهما شاء. ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة - وهو ما إذا بلغت الإبل مائتين - الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء أدى خمس بنات لبون فهذا مثله ثم وجوب الزكاة عندنا في عين مال التجارة باعتبار قيمتها، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - الوجوب في قيمتها؛ لأن النصاب معتبر بالقيمة فعرفنا أن الواجب فيها.
(ولنا) أن الواجب في ملكه، وملكه العين فكان الواجب باعتبار صفة المالية
(قال وما كان من الدراهم والدنانير والذهب والفضة تبرا مكسورا أو حليا مصوغا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ الذهب عشرين مثقالا أو من الفضة مائتي درهم نوى به التجارة أو لم ينو والأصل فيه قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] والكنز اسم لمال مدفون لا يراد به التجارة، وقد ألحق الله الوعيد بمانعي الزكاة منها فذلك دليل على وجوب الزكاة فيها بدون نية التجارة ثم سائر الأموال مخلوقة للابتذال والانتفاع بأعيانها فلا تصير معدة للنماء إلا بفعل من العباد من إسامة أو تجارة. وأما الذهب
والفضة فخلقا جوهرين للأثمان لمنفعة التقلب والتصرف فكانت معدة للنماء على أي صفة كانت فتجب الزكاة فيها
[زكاة الحلي]
(قال والحلي عندنا نصاب للزكاة سواء كان للرجال أو للنساء مصوغا صياغة تحل أو لا تحل. وللشافعي - رحمه الله تعالى - في حلي النساء قولان في أحد القولين لا شيء فيه وهو مروي عن عمر وعائشة - رحمهما الله تعالى - قال: إنه مبتذل في مباح فلا يكون مال الزكاة كمال البذلة بخلاف حلي الرجال فإنه مبتذل في محظور وهذا؛ لأن الحظر شرعا يسقط اعتبار الصنعة والابتذال حكما فيكون مال الزكاة بخلاف ما إذا كان مباحا شرعا وهو نظير ذهاب العقل يسقط اعتباره شرعا بخلاف ذهاب العقل بسبب شرب دواء فإنه لا يسقط اعتباره شرعا.
(ولنا) حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رأى امرأتين تطوفان بالبيت وعليهما سواران من ذهب، فقال: أتؤديان زكاتهما، فقالتا: لا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار، فقالتا: لا، فقال: - صلى الله عليه وسلم - أديا زكاتهما»، والمراد الزكاة دون الإعارة؛ لأنه ألحق الوعيد بهما، وذلك لا يكون إلا بترك الواجب، والإعارة ليست بواجبة، وفي حديث أم سلمة «أنها كانت تلبس أوضاحا لها من ذهب فسألت - صلى الله عليه وسلم - أكنز هي، فقال: إن أديت منها الزكاة فليست بكنز»، والمعنى فيه أن الزكاة حكم تعلق بعين الذهب والفضة فلا يسقط بالصنعة كحكم التقابض في المجلس عند بيع أحدهما بالآخر وجريان الربا وبيان الوصف أن صاحب الشرع ما اعتبر في الذهب والفضة مع اسم العين وصفا آخر لإيجاب الزكاة فعلى أي وجه أمسكهما المالك للنفقة أو لغير النفقة تجب عليه الزكاة ولو كان للابتذال فيهما عبرة لم يفترق الحال بين أن يكون محظورا أو مباحا كما في السوائم إذا جعلها حمولة ثم الابتذال هاهنا لمقصود الحمل زائد لا يتعلق به حياة النفس أو المال فلا تنعدم به صفة التنمية الثابتة لهذين الجوهرين باعتبار الأصل
(قال وإن كان له عشرة مثاقيل ذهب ومائة درهم ضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب عندنا، وعلى قول الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يضم أحدهما إلى الآخر بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما على حدة؛ لأنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما إلى الآخر ليكمل النصاب كالسوائم، وبيان الوصف من حيث الحقيقة غير مشكل ومن حيث المعنى أنه لا يجري بينهما ربا الفضل.
(ولنا) حديث بكير بن عبد الله بن الأشج - رضي الله عنه - قال: «من السنة أن يضم الذهب إلى الفضة لإيجاب الزكاة، ومطلق السنة ينصرف إلى
سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ولأنهما مالان يكمل نصاب أحدهما بما يكمل به نصاب الآخر فيكمل نصاب أحدهما بالآخر كالسود مع البيض والنيسابوري من الدنانير مع الهروي، وبيان الوصف أن نصاب كل واحد منهما يكمل بمال التجارة، وهذا لأنهما وإن كانا جنسين مختلفين صورة ففي حكم الزكاة هما جنس واحد حتى يتفق الواجب فيهما فيتقدر بربع العشر على كل حال ووجوب الزكاة فيهما باعتبار معنى واحد وهو المالية القائمة باعتبار أصلهما فإذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما إلى الآخر اختلفت الرواية فيما يؤدى فروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه يؤدي من مائة درهم درهمين ونصفا ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع مثقال وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، ووجهه أنه أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في رواية أخرى أنه يقوم أحدهما بالآخر ثم يؤدي الزكاة من نوع واحد وهذا أقرب إلى موافقة نصوص الزكوات. ثم اختلفوا في كيفية الضم، فقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة، وقال أبو يوسف ومحمد باعتبار الأجزاء وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ذكره في نوادر هشام - رحمه الله تعالى -. وبيان ذلك أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل ذهب تساوي مائة درهم أو خمسون درهما وعشرة مثاقيل ذهب تساوي مائة وخمسين درهما فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يضم أحدهما إلى الآخر وتجب الزكاة وعندهما يضم باعتبار الأجزاء، وقد ملك نصف نصاب أحدهما وربع نصاب الآخر فلا يجب فيهما شيء ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله حتى روي عنه أنه إذا كان للرجل مائة وخمسة وتسعون درهما ودينار يساوي خمسة دراهم أنه تجب الزكاة، وذلك بأن يقوم الذهب بالفضة.
وجه قولهما أن التقويم في النقود ساقط الاعتبار كما في حقوق العباد فإن سائر الأشياء تقوم بها، ألا ترى أن من ملك إبريق فضة وزنه مائة وخمسون وقيمته مائتا درهم لا يجب فيه الزكاة ولو كان للتقويم عبرة في باب الزكاة من الذهب والفضة لوجبت الزكاة ههنا وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: هما عينان وجب ضم أحدهما إلى الآخر لإيجاب الزكاة فكان الضم باعتبار القيمة كعروض التجارة، وهذا لأن كمال النصاب لا يكون إلا عند اتحاد الجنس، وذلك لا يكون إلا باعتبار صفة المالية دون العين فإن الأموال أجناس باعتبار أعيانها جنس واحد
باعتبار صفة المالية فيها وهذا بخلاف الإبريق فإنه ما وجب ضمه إلى شيء آخر حتى تعتبر فيه القيمة، وهذا لأن القيمة في الذهب والفضة إنما تظهر شرعا عند مقابلة أحدهما بالآخر فإن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت بجنسها لقوله - صلى الله عليه وسلم: «جيدها ورديئها سواء».
فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر فيظهر للجودة قيمة، ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم الذهب والفضة في حقوق العباد يقوم بخلاف جنسه فكذا في حقوق الله تعالى وجميع ما ذكرنا في نصاب الذهب والفضة المعتبر فيهما الوزن دون العدد؛ لأن في النص ذكر الدرهم والدينار وهو يشتمل على ما لا يعلم إلا بالوزن من الدوانيق والحبات، والمعتبر في الدنانير وزن المثقال، وفي الدراهم وزن سبعة وهو أن يكون كل عشرة منها بوزن سبعة مثاقيل وهو الوزن المعروف في الدراهم في غالب البلدان وأصله وهو أنه كان في الجاهلية نوعان من الدراهم يقال لهما مثاقيل وخفاف فلما أرادوا في الإسلام ضرب الدراهم جمعوا أحدهما إلى الآخر وجعلوه درهمين فكان وزن سبعة ولم يبين في الكتاب صفة الدراهم. وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أن الزكاة تجب في الجياد من الدراهم والزيوف والمبهرجة والمكحلة والمزيفة، قال: لأن الغالب في كلها الفضة وما يغلب فضته على غشه يتناوله اسم الدراهم مطلقا، أما في الستوقة وهو ما يغلب غشه على فضته نظر إلى ما يخلص منه من الفضة فإن بلغ وزنه مائتي درهم تجب فيها الزكاة، وإلا فلا ومراده إذا لم تكن للتجارة فإن كانت تلك الدراهم للتجارة، فالعبرة بقيمتها كما في عروض التجارة، وقد ذكر في روايته في الفلوس والدراهم المضروبة من الصفر إذا كان لا يخلص منها فضة فإن لم تكن للتجارة فلا شيء فيها وإن كانت للتجارة فإن بلغت قيمتها مائتي درهم مما يغلب فيها الفضة ففيها الزكاة، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري - رحمه الله تعالى - يفتي بوجوب الزكاة في المائتين من الدراهم الغطريفية عددا وكان يقول هي من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم ونحن أعرف بنقودنا وهو اختيار شيخنا الإمام الحلواني - رحمه الله تعالى - وهو الصحيح عندي
(قال رجل له على رجل ألف درهم قرض أو ثمن متاع كان للتجارة فحال الحول ووجبت الزكاة عليه لا يلزمه الأداء قبل القبض عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: يلزمه الأداء؛ لأن صيرورة المال دينا كان بتصرفه واختياره، وذلك غير معتبر في تأخير حق الفقراء فإنه كما لا يملك إبطال حقهم لا يملك التأخير ولأن هذا مال مملوك كالعين.
(ولنا) أن
الواجب جزء من النصاب فإذا كان النصاب دينا فيده مقصورة عما هو حق الفقراء فلا يلزمه الأداء ما لم تصل يده إليه بالقبض كابن السبيل. ثم الديون على ثلاث مراتب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى: دين قوي وهو ما يكون بدلا عن مال كان أصله للتجارة لو بقي في ملكه، ودين وسط وهو أن يكون بدلا عن مال لا زكاة فيه لو بقي في ملكه كثياب البذلة والمهنة، ودين ضعيف وهو ما يكون بدلا عما ليس بمال كالمهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ففي الدين القوي لا يلزمه الأداء ما لم يقبض أربعين درهما فإذا قبض المقدار أدى درهما وكذلك كلما قبض أربعين درهما، وفي الدين المتوسط لا يلزمه الأداء ما لم يقبض مائة درهم فحينئذ يؤدي خمسة دراهم، وفي الدين الضعيف لا تلزمه الزكاة ما لم يقبض ويحول الحول عنده. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أن الدين نوعان وجعل الوسط كالضعيف وهو اختيار الكرخي على ما ذكره في المختصر، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: الديون كلها سواء لا تجب الزكاة فيها قبل القبض وكلما قبض شيئا يلزمه الأداء بقدره قل أو كثر ما خلا دين الكتابة فإنه لا يجب عليه فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض، وذكر الكرخي أن المستثنى عندهما دينان الكتابة والدية على العاقلة.
وجه قولهما أن الديون في المالية كلها سواء من حيث إن المطالبة تتوجه بها في الحياة وبعد الوفاة وتصير مالا بالقبض حقيقة فتجب الزكاة في كلها ويلزمه الأداء بقدر ما يصل إليه كابن السبيل بخلاف دين الكتابة فإنه ليس بدين على الحقيقة حتى لا تتوجه المطالبة به ولا تصح الكفالة به، وهذا لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا، وكذلك الدية على العاقلة وجوبها بطريق الصلة لا أنه دين على الحقيقة حتى لا يستوفى من تركة من مات من العاقلة. وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن ما هو بدل عما ليس بمال فملك المالية يثبت فيه ابتداء فهو دين والدين ليس بمال على الحقيقة حتى لو حلف صاحبه أن لا مال له لا يحنث في يمينه، وإنما تتم المالية فيه عند تعيينه بالقبض فلا يصير نصاب الزكاة ما لم تثبت فيه صفة المالية، والحول لا ينعقد إلا على نصاب الزكاة فأما ما كان بدلا عن مال التجارة فملك المالية كان تاما في أصله قبل أن يصير دينا فبقي على ما كان؛ لأن الخلف يعمل عمل الأصل فيجب فيه الزكاة قبل القبض ولكن وجوب الأداء يتوقف على القبض ونصاب الأداء يتقدر بأربعين درهما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كما بينا في الزيادة على المائتين وأما بدل ثياب البذلة والمهنة فذهب الكرخي إلى أن
أصله لم يكن مالا شرعا حتى لم يكن محلا للزكاة فهو وما لم يكن أصله مالا على الحقيقة سواء. وجه ظاهر الرواية أنه أخذ شبها من أصلين من عروض التجارة باعتبار أن أصله مال على الحقيقة ومن المهر باعتبار أن أصله ليس بمال في حكم الزكاة شرعا فيوفر حظه منهما، ويقال أن وجوب الزكاة فيه ابتداء فيعتبر في المقبوض أن يكون نصاب الزكاة وهو المائتان ويجب فيها الزكاة قبل القبض من حيث إن ملك المالية لم يثبت في الدين ابتداء. وفي الأجرة ثلاث روايات عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في رواية جعلها كالمهر؛ لأنها ليست ببدل عن المال حقيقة؛ لأنها بدل عن المنفعة، وفي رواية جعلها كبدل ثياب البذلة؛ لأن المنافع مال من وجه لكنه ليس بمحل لوجوب الزكاة فيه. والأصح أن أجرة دار التجارة أو عبد التجارة بمنزلة ثمن متاع التجارة كلما قبض منها أربعين تلزمه الزكاة اعتبارا لبدل المنفعة ببدل العين.
وإن كان الدين وجب له بميراث أو وصية أوصي له به ففي كتاب الزكاة جعله كالدين الوسط، وقال: إذا قبض مائتي درهم تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن ملك الوارث ينبني على ملك المورث، وقد كان في ملك المورث بدلا عما هو مال، وفي نوادر الزكاة جعله كالدين الضعيف؛ لأن الوارث ملكه ابتداء وهو دين فلا تجب فيه الزكاة حتى يقبض ويحول عليه الحول عنده وإن كان الدين ضمان قيمة عبد أعتق شريكه نصيبه منه فاختار تضمينه فهذا والدين الواجب بسبب بيعه نصيبه من شريكه سواء؛ لأن هذا الضمان يوجب الملك لشريكه في نصيبه وإن كان الدين سعاية لزم ذمة العبد بعتق شريكه وهو معسر ففي الكتاب يقول هو ودين الكتابة سواء لا يجب فيه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض، قيل: هو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فإن المستسعى عنده مكاتب، فأما عندهما فالمستسعى حر عليه دين فيجب فيه الزكاة عندهما قبل القبض، وقيل: هو قولهم جميعا وعذرهما أن سبب وجوب هذا الدين لم يكن من العبد فكان صلة في حقه فلا يتم الملك فيه إلا بالقبض كالدية على العاقلة
(قال): رجل له ألف درهم فحال عليها الحول ثم اشترى بها عبدا للتجارة فمات العبد لم يضمن الزكاة وإن اشترى بها عبدا للخدمة فهو ضامن للزكاة؛ لأن المشترى للتجارة محل لحق الفقراء فهو بتصرفه حول حقهم من محل إلى محل فلم يكن مستهلكا وكان هلاك البدل في يده كهلاك الأصل، فأما عبد الخدمة فليس بمحل لحق الفقراء حتى صار هو بتصرفه مفوتا محل حقهم فيصير ضامنا للزكاة مات العبد في يده أو بقي. ألا ترى أن في خلال الحول لو اشترى عبدا للتجارة لم ينقطع فيه
الحول بخلاف ما إذا اشترى بالألف عبدا للخدمة ولو أبدل الدراهم بالدنانير أو الدنانير بالدراهم في خلال الحول لم ينقطع الحول عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: إذا بادل بالدنانير انقطع الحول وهو بناء على أصله أنهما جنسان في باب الزكاة حتى لا يضم أحدهما إلى الآخر فهو كالسوائم، وعندنا هما جنس واحد في حكم الزكاة حتى يضم أحدهما إلى الآخر فكانا بمنزلة عروض التجارة يبادل بها في خلال الحول
(قال): رجل له ألف درهم وعليه ألف درهم وله دار وخادم لغير التجارة بقيمة عشرة آلاف درهم فلا زكاة عليه؛ لأن الدين مصروف إلى المال الذي في يده؛ لأنه فاضل عن حاجته معد للتقليب والتصرف به فكان الدين مصروفا إليه فأما الدار والخادم فمشغول بحاجته فلا يصرف الدين إليه.
(قال) في الكتاب أرأيت لو تصدق عليه أنه يكون موضعا للصدقة؛ لأنه معدوم يريد به أن المال مشغول بالدين فهو كالمعدوم وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة؛ لأنه لا يزيل حاجته بل يزيد فيها فالدار تسترم والعبد يستنفق فلا بد له منهما وهو في معنى ما نقل عن الحسن البصري - رحمه الله تعالى - أن الصدقة كانت تحل للرجل وهو صاحب عشرة آلاف درهم، قيل: وكيف يكون ذلك قال: يكون له الدار والخادم والكراع والسلاح وكانوا ينهون عن بيع ذلك فعلى هذا قال مشايخنا - رحمهم الله تعالى: إن الفقيه إذا ملك من الكتب ما يساوي مالا عظيما ولكنه محتاج إليها يحل له أخذ الصدقة إلا أن يملك فضلا عن حاجته ما يساوي مائتي درهم
(قال وإن كان للرجل التاجر ديون على الناس وفيهم المليء وغير المليء وحال الحول فمن كان منهم مقرا مليا وجبت فيه الزكاة على صاحبه ولزمه الأداء إذا قبض أربعين درهما ومن كان منهم جاحدا فليس فيه الزكاة على صاحبه إلا على قول زفر - رحمه الله تعالى -، وقد بينا هذا في تفسير مال الضمار ومن كان منهم مقرا مفلسا فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - يجب على صاحبها الزكاة قبل القبض وعند محمد - رحمه الله تعالى - إذا فلسه الحاكم فلا زكاة على صاحبها قبل القبض مر محمد - رحمه الله تعالى - على أصله أن التفليس يتحقق فيصير المال تاويا ومر أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - على أصله أن التفليس لا يتحقق؛ لأن المال غاد ورائح فلا يصير به المال تاويا وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول التفليس وإن كان يتحقق عندي ولكن لا يسقط به الدين إنما تتأخر المطالبة فهو نظير الدين المؤجل والزكاة في الدين قبل القبض المؤجل، ثم قد بينا أنه لا يلزمه الأداء قبل القبض عندنا وإن فعل كان فضلا كمن عجل الزكاة بعد كمال النصاب قبل حولان الحول
قال وليس على التاجر زكاة مسكنه وخدمه ومركبه وكسوة أهله وطعامهم وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ وفرس ومتاع لم ينو به التجارة؛ لأن نصاب الزكاة المال النامي ومعنى النماء في هذه الأشياء لا يكون بدون نية التجارة، وكذلك الفلوس يشتريها للنفقة فإنها صفر والصفر ليس بمال الزكاة باعتبار عينه بل باعتبار طلب النماء منه، وذلك غير موجود فيما إذا اشتراه للنفقة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 13-11-2025, 02:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 198 الى صـــ 207
(45)





وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران ليصبغ بهما ثياب الناس فعليه فيهما الزكاة؛ لأن ما يأخذه عوض عن الصبغ القائم بالثوب، ألا ترى أن عند فساد العقد يصار إلى التقويم فكان هذا مال التجارة بخلاف القصار إذا اشترى الحوض والصابون والقلي؛ لأن ذلك آلة عمله فيصير مستهلكا ولا يبقى في الثوب عينه فما يأخذ من العوض يكون بدل عمله لا بدل الآلة، ونخاس الدواب إذا اشترى الجلال والبراقع والمقاود فإن كان يبيعها مع الدواب فعليه فيها الزكاة وإن كان يحفظ الدواب بها ولا يبيعها فليس عليه فيها الزكاة إذا لم ينو التجارة عند شرائها، ثم لا خلاف أن نية التجارة إذا اقترنت بالشراء أو الإعارة صار المال للتجارة؛ لأن النية اقترنت بعمل التجارة، ولو ورث مالا فنوى به التجارة لا يكون للتجارة؛ لأن النية تجردت عن العمل فالميراث يدخل في ملكه من غير صنعه ولو قبل الهبة والوصية في مال بنية التجارة عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يكون للتجارة وعند محمد - رحمه الله تعالى - لا يكون للتجارة، وكذلك في المهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد فمحمد - رحمه الله تعالى - يقول: نية التجارة لا تعمل إلا مقرونة بعمل التجارة، وهذه الأسباب ليست بتجارة وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: التجارة عقد اكتساب المال فما لا يدخل في ملكه إلا بقبوله فهو كسبه فيصح اقتران نية التجارة بفعله كالشراء والإجارة.
(قال وما كان عنده من المال للتجارة فنواه للمهنة خرج من أن يكون للتجارة؛ لأنه نوى ترك التجارة وهو تارك لها للحال فاقترنت النية بالعمل، وإن كان عنده عبيد للخدمة فنوى التجارة لم تكن للتجارة ما لم يبعهم؛ لأن النية تجردت عن عمل التجارة وهو نظير المسافر ينوي الإقامة فإنه يصير مقيما والمقيم ينوي السفر فلا يصير مسافرا ما لم يخرج إلى السفر، والله أعلم بالصواب.
[باب العشر]
قال - رحمه الله - العاشر من ينصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار وتأمن التجار بمقامه من اللصوص، وقد روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أراد أن يستعمل أنس بن مالك - رحمه الله تعالى - على هذا العمل، فقال له أتستعملني على المكس من عملك، فقال: ألا ترضى أن أقلدك ما قلدنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي روي من ذم العشار محمول على من يأخذ مال الناس ظلما كما هو في زماننا دون من يأخذ ما هو حق وهو الصدقة إذا عرفنا هذا فنقول العاشر يأخذ مما يمر به المسلم عليه الزكاة إذا استجمعت شرائط الوجوب؛ لأن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - لما نصب العشار، قال لهم: خذوا مما يمر به المسلم ربع العشر ومما يمر به الذمي نصف العشر فقيل له: فكم نأخذ مما يمر به الحربي، فقال: كم يأخذون منا فقالوا: العشر، فقال: خذوا منهم العشر. وفي رواية خذوا منهم مثل ما يأخذون منا فقيل له فإن لم يعلم كم يأخذون منا، فقال: خذوا منهم العشر وإن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - كتب إلى عماله بذلك، وقال: أخبرني به من سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم المسلم حين أخرج مال التجارة إلى المفاوز فقد احتاج إلى حماية الإمام فيثبت له حق أخذ الزكاة منه لأجل الحماية كما في السوائم يأخذ الإمام الزكاة لحاجته إلى حمايته، وكما أن المسلم يحتاج إلى الحماية فكذلك الذمي بل أكثر؛ لأن طمع اللصوص في أموال أهل الذمة أكثر وأبين.
(قال وما يؤخذ من المسلم إذا وجب أخذه من الكافر يضعف عليه كصدقات بني تغلب فأما أهل الحرب فالأخذ منهم على طريق المجازاة كما أشار إليه عمر - رضي الله عنه - ولسنا نعني بهذا أن أخذنا بمقابلة أخذهم فأخذهم أموالنا ظلم وأخذنا بحق، ولكن المراد أنا إذا عاملناهم بمثل ما يعاملوننا به كان ذلك أقرب إلى مقصود الأمان واتصال التجارات وإذا لم نعلم كم يأخذون منا نأخذ منهم العشر؛ لأن حال الحربي مع الذمي كحال الذمي مع المسلم فإن للذمي منا دارا دون الحربي فكما يضعف على الذمي ما يؤخذ من المسلم فكذلك يضعف على الحربي ما يؤخذ من الذمي
(قال فإن مر على العاشر بأقل من مائتي درهم لم يأخذ منه شيئا، وإن علم أن له في منزله مالا؛ لأن حق الأخذ إنما يثبت باعتبار المال الممرور به عليه لحاجته إلى الحماية، وهذا غير موجود فيما في بيته وما مر به عليه لم يبلغ نصابا، وهذا إذا كان المار مسلما أو ذميا، وقال
في الحربي في كتاب الزكاة هكذا، وفي الجامع الصغير والسير الكبير قال: إلا أن يكونوا هم يأخذون من تجارنا من أقل من مائتي درهم فنحن نأخذ أيضا حينئذ، ووجهه أن الأخذ منهم بطريق المجازاة، ووجه رواية كتاب الزكاة أن القليل عفو شرعا وعرفا فإن كانوا يظلموننا في أخذ شيء من القليل فنحن لا نأخذ منهم، ألا ترى أنهم لو كانوا يأخذون جميع الأموال من التجار لا نأخذ منهم مثل ذلك؛ لأن ذلك يرجع إلى غدر الأمان وإذا كان المرور به نصابا كاملا أخذ من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي مثل ما يأخذون من تجارنا عشرا كان أو أقل أو أكثر
(قال فإن ادعى المسلم أن عليه دينا يحيط بماله أو إن حوله لم يتم أو أنه ليس للتجارة صدقه على ذلك إذا حلف لإنكاره وجوب الزكاة عليه، وقد بينا مثله في السوائم، وكذلك إذا قال: هذا المال ليس لي، صدقه مع يمينه ولم يأخذ منه شيئا؛ لأن ثبوت حق الأخذ له إذا حضره المالك والملك فكما أن حضور المالك بدون الملك لا يثبت له حق الأخذ فكذلك حضور الملك بدون المالك ولأن المستبضع فوض إليه التصرف في المال دون أداء الزكاة، وليس للعاشر أن يأخذ غير الزكاة
(قال ويصدق الذمي أيضا فيما يصدق فيه المسلم؛ لأنه من أهل دارنا فأما الحربي فلا يصدق على شيء من ذلك؛ لأنه إن قال: لم يتم الحول ففي الأخذ منه لا يعتبر الحول؛ لأنه لا يمكن من المقام في دارنا حولا، وإن قال: علي دين فالدين الذي وجب عليه في دار الحرب لا يطالب به في دارنا، وإن قال: ليس للتجارة فهو ما دخل دارنا إلا لقصد التجارة فما معه يكون للتجارة إلا أن يقول لغلام في يده هذا ولدي أو لجارية في يده هذه أم ولدي؛ لأن النسب يثبت في دار الحرب كما يثبت في دار الإسلام فأمومية الولد تثبت بناء على نسب الولد فتنعدم المالية فيهما بإقراره فلا يأخذ منه شيئا.
فإن قال المسلم: دفعت صدقتها إلى المساكين صدقه على ذلك لو حلف بخلاف السوائم؛ لأن في عروض التجارة كان الدفع إلى المساكين مفوضا إليه قبل المرور به على العاشر، وفي السوائم كان حق الأخذ للإمام
(قال ولا يأخذ العاشر مما يمر به المكاتب واليتيم، وإن كان وصيه معه لما بينا أنه إنما يأخذ الزكاة ولا تجب الزكاة في كسب المكاتب ولا في مال اليتيم
(قال وإذا أخبر التاجر العاشر أن متاعه مروي أو هروي واتهمه العاشر، وفي فتحه ضرر عليه حلفه وأخذ الصدقة على قوله؛ لأنه ليس له ولاية الإضرار به، وقد نقل عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال لعماله لا تفتشوا على الناس متاعهم، ثم لو أنكر وجوب الزكاة فيه
صدقه مع اليمين فكذلك لو أنكر الزيادة
(قال والتغلبي والذمي في المرور على العاشر سواء؛ لأن الصلح مع بني تغلب على أن يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلم فلا تجوز الزيادة عليه
(قال وإن أخذ من الحربي العشر لم يطالب به مرة أخرى ما دام في أرض الإسلام لما روي أن نصرانيا خرج بفرس من الروم ليبيعه في دارنا فأخذ منه العاشر العشر، ثم لم يتفق له بيعه فلما عاد به ليدخل دار الحرب طالبه العاشر بعشره، فقال: إني كلما مررت عليك لو أديت إليك عشره لم يبق لي شيء فترك الفرس عنده وجاء إلى المدينة فوجد عمر - رضي الله عنه - في المسجد مع أصحابه ينظرون في كتاب فوقف على باب المسجد، فقال: أنا الشيخ النصراني، فقال عمر: وأنا الشيخ الحنفي فما وراءك، فقص عليه القصة فعاد عمر إلى ما كان فيه فظن أنه لم يلتفت إلى كلامه فرجع عازما على أداء العشر ثانيا فلما انتهى إلى العاشر إذا كتاب عمر سبقه أنك إن أخذت مرة فلا تأخذ مرة أخرى. (قال) النصراني: إن دينا يكون العدل فيه بهذه الصفة لحقيق أن يكون حقا فأسلم.
ولأن تجدد حق الأخذ باعتبار تجدد الحول والحربي لا يمكن من المقام في دارنا حولا، قال في الكتاب: إلا أن يتجدد الحول، ومراده إذا لم يعلم الإمام بحاله حتى حال الحول فحينئذ يأخذ منه ثانيا لتجدد الحول كما يأخذ من الذمي
(قال فإن رجع إلى دار الحرب، ثم عاد عشره ثانية، وإن كان في يومه ذلك؛ لأنه بالرجوع التحق بحربي لم يدخل دارنا قط. ألا ترى أنه في الدخول يحتاج إلى استئمان جديد، ولأن الأخذ منه لأجل الأمان، وقد انتهى ذلك برجوعه فدخوله ثانيا يكون بأمان جديد فلهذا يأخذ منه
(قال وإذا مر العبد بمال مولاه يتجر به لم يأخذ منه العشر إلا أن يكون المولى حاضرا، أما إذا كان المال بضاعة في يد العبد للمولى فهو غير مشكل كما لو كان بضاعة مع أجنبي. وأما إذا كان المال كسب العبد وهو مأذون فإن كان عليه دين يحيط به فلا زكاة عليه فيه، وإن لم يكن عليه دين فإن كان المولى معه يأخذ منه الزكاة، وإن لم يكن المولى معه ففي كتاب الزكاة يقول: لا يأخذ منه الزكاة ثم رجع، وقال: لا يأخذ منه شيئا. وفي الجامع الصغير يقول يأخذ منه ربع العشر في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ولا يأخذ منه في قولهما، وفي المضارب إذا مر على العاشر بمال المضاربة كان أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول أولا: يأخذ منه الزكاة، ثم رجع، وقال: لا يأخذ منه شيئا وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ولا أعلمه رجع في العبد أم لا، وقياس قوله الثاني في المضارب يوجب أن لا يأخذ من العبد شيئا أيضا.

وجه قوله الأول أن المضارب له حق قوي يشبه الملك فإنه شريك في الربح، وإذا صار المال عروضا يملك التصرف على وجه لو نهاه رب المال لا يعمل نهيه فكان حضور المضارب كحضور المالك. وجه قوله الآخر أن المضارب أمين في المال كالمستبضع والأجير، وإنما فوض إليه التجارة في المال لا أداء الزكاة، والزكاة تستدعي نية من عليه فإن كان قوله الثاني في العبد أنه لا يأخذ منه أيضا فلا حاجة إلى الفرق، وإن لم يرجع في العبد فوجه الفرق أن المأذون يتصرف لنفسه حتى إذا لحقته العهدة لا يرجع به على المولى فكان في أداء ما يجب في كسبه كالمالك بخلاف المضارب فإنه نائب في التصرف يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال فلا يكون له ولاية أداء الزكاة
(قال): وإذا مر على العاشر بمال ومعه براءة بغير اسمه يقول هذه براءة من عاشر كذا مر به رجل كان هذا المال معه مضاربة في يده فإن حلف على ذلك كف عنه؛ لأنه أخبر بخبر محتمل وهو أمين فيصدقه على ذلك كما لو قال: أديتها إلى المساكين
(قال، وإن مر به على عاشر الخوارج فعشره لم يحسبه له عاشر أهل العدل، قال: لأن ذلك لا يجزئه من زكاته، ومعناه أنهم يأخذون أموالنا بطريق الاستحلال لا بطريق الصدقة ولا يصرفونه مصارف الصدقة، وصاحب المال هو الذي عرض ماله للأخذ بالمرور عليه فلا يسقط به حق عاشر أهل العدل في الأخذ منه
(قال ولا يجزئ في الزكاة عتق رقبة ولا الحج ولا قضاء دين ميت ولا تكفينه ولا بناء مسجد، والأصل فيه أن الواجب فيه فعل الإيتاء في جزء من المال ولا يحصل الإيتاء إلا بالتمليك فكل قربة خلت عن التمليك لا تجزي عن الزكاة وإعتاق الرقبة ليس فيه تمليك شيء من العبد؛ لأن العبد يعتق على ملك المولى ولهذا كان الولاء له، وكذلك الحج فإن ما ينفقه الحاج في الطريق لا يملكه غيره، وإن أحج رجلا فالحاج ينفق على ملك المحجوج عنه ذلك المال، وكذلك قضاء دين الميت فإنه لا يملك الميت شيئا وما يأخذه صاحب الدين يأخذه عوضا عن ملكه، وكذلك تكفين الميت فإنه ليس فيه تمليك من الميت فإنه ليس من أهل الملك ولا من الورثة؛ لأنهم لا يملكون ما هو مشغول بحاجة الميت، وكذلك بناء المسجد ليس فيه تمليك من أحد
(قال ولا يعطى من الزكاة كافر إلا عند زفر - رحمه الله تعالى - فإنه يجوز دفعها إلى الذمي وهو القياس؛ لأن المقصود إغناء الفقير المحتاج على طريق التقرب، وقد حصل.
(ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم» فذلك تنصيص على الدفع إلى فقراء من
تؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون.
(قال): ولا بأس بأن يعين به حاجا منقطعا أو غازيا أو مكاتبا؛ لأن التمليك على سبيل التقرب يحصل به والمكاتب من مصارف الصدقات بالنص. قال الله تعالى - {، وفي الرقاب والغارمين، وفي سبيل الله} [التوبة: 60] ويدخل في هذا الحاج المنقطع أيضا، ثم هو بمنزلة ابن السبيل، وابن السبيل من مصارف الصدقات، وكذلك يقضى دين مغرم بأمره ويجوز ذلك إذا كان المديون فقيرا؛ لأنه يملكه أولا، ثم يقضى دينه بأمره بملكه. ألا ترى أن من أمر إنسانا بقضاء دينه كان له أن يرجع عليه إذا قضاه ولا يكون ذلك إلا بعد التمليك منه
(قال): ويجزئه أن يعطي من الواجب جنسا آخر من المكيل والموزون أو العروض أو غير ذلك بقيمته، وهذا عندنا، وقد بيناه. (قال ، وإن أعطى من جنس ماله وكان من الأموال الربوية فلا معتبر بالقيمة عندنا خلافا لزفر - رحمه الله تعالى -. بيانه إذا كان له مائتا درهم نبهرجة فأدى منها أربعة دراهم جيادا تبلغ قيمتها خمسة نبهرجة لا يجوز عندنا إلا عن أربعة دراهم، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يجوز عن الكل؛ لأن في القيمة وفاء بالواجب ولا ربا بين الله تعالى وبين العبد، ولكنا نقول ليس للجودة قيمة في الأموال الربوية عند مقابلتها بجنسها، وأداء أربعة جياد كأداء أربعة نبهرجة فلا تجزيه إلا عن مثل وزنه
(قال): رجل له على آخر دين فتصدق به عليه ينوي أن يكون من زكاة ماله لا يجزئه إلا عن مقدار الدين إن كان المديون فقيرا؛ لأن الواجب في المال العين جزء منه والدين أنقص في المالية من العين، ولا يجوز أداء الناقص عن الكامل فإن أراد الحيلة فالوجه أن يتصدق عليه بقدر الزكاة من العين، ثم يسترده من يده بحساب دينه، وكذلك أداء زكاة الدين عن دين آخر لا يجوز بأن كان له مائتا درهم على رجل وخمسة على فقير فأبرأه من تلك الخمسة ينوي به زكاة المائتين لم يجزئه؛ لأن هذا الدين يتعين بالقبض وما أبرأ الفقير منه لا يتعين فكأن دونه في المالية ولأن مبادلة الدين بالدين لا تجوز في حق العباد فكذلك في حقوق الله تعالى والواجب من كل دين جزء منه. فأما إذا كان الدين كله على الفقير فوهبه له أو أبرأه منه ينوي عن زكاة ذلك الدين يجزئه؛ لأن الواجب جزء من ذلك الدين، وقد أوصله إلى مستحقه فيجوز وهو كما لو وهب النصاب العين كله من الفقير
(قال): وإن كان المديون غنيا فوهب له ما عليه بعد وجوب الزكاة قال في الجامع: يضمن مقدار الزكاة للفقراء، وقال في نوادر الزكاة: لا يضمن شيئا؛ لأن وجوب الأداء ينبني على القبض وهو لم يقبض شيئا، وفي رواية الجامع، قال: صار مستهلكا حق الفقراء بما صنع فهو كما لو وجبت الزكاة
عليه في مال عين فوهبه لغني، وهذا أصح؛ لأنه بتصرفه يجعل قابضا حكما كالمشتري إذا أعتق العبد المشترى قبل القبض يصير قابضا. وأما مال المضاربة فعلى رب المال زكاة رأس المال، وحصته من الربح، وعلى المضارب زكاة حصته من الربح إذا وصلت يده إليه إن كان نصابا أو كان له من المال ما يتم به النصاب عندنا.
وللشافعي - رحمه الله تعالى - ثلاثة أقاويل في نصيب المضارب: قول مثل قولنا، وقول إن زكاة ذلك على رب المال؛ لأنه موقوف لحقه حتى لا يظهر الربح ما لم يصل إليه رأس المال، ولأن الربح تبع، وزكاة الأصل عليه فكذلك التبع، وقول آخر إنه لا زكاة في نصيب المضارب على أحد؛ لأنه متردد بينه وبين رب المال يسلم له إن بقي كله ويكون لرب المال إن هلك بعضه فهو نظير كسب المكاتب فليس فيه زكاة على أحد؛ لأنه متردد بينه وبين المولى، وفي الحقيقة هذه المسألة بناء على أصله أن استحقاق المضارب الربح بطريق الجعالة لا بطريق الشركة؛ إذ ليس له رأس مال ولا بطريق الأجرة؛ لأن عمله غير معلوم عند العقد، والجعالة لا تملك إلا بالقبض كالعمالة لعامل الصدقات.
(ولنا) أن المضارب شريكه في الربح فكما يملك رب المال نصيبه من الربح في حكم الزكاة فكذلك المضارب؛ لأن مطلق الشركة يقتضي المساواة، وبيان الوصف أن رأس ماله العمل ورأس مال الثاني المال والربح يحصل بهما فقد تحققت الشركة، وقد نصا في العقد على هذا وتنصيصهما معتبر بالإجماع، والدليل عليه أن المضارب يملك المطالبة بالقسمة ويتميز به نصيبه ولا حكم للشركة إلا هذا، واستدل الشافعي - رحمه الله تعالى - بما لو اشترى بألف المضاربة عبدين كل واحد منهما يساوي ألفا فإنه لا شيء على المضارب هنا، والربح موجود ولكنا نقول عند زفر - رحمه الله تعالى: تجب عليه الزكاة في نصيبه، وكذلك عند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى -؛ لأنهما يريان قسمة الرقيق. أما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فلا يرى قسمة الرقيق فكل واحد من العبدين في حق المضارب مشغول برأس المال كأنه ليس معه غيره فلا يظهر الربح حتى إن في حق رب المال لما كانا كشيء واحد كان عليه زكاة رأس المال وحصته من الربح
(قال): ويأخذ العاشر من مال الصبي الحربي إذا مر به عليه إلا أن يكونوا لا يأخذون من مال صبياننا شيئا، وكذلك المكاتب؛ لأن الأخذ منهم بطريق المجازاة فنعاملهم بمثل ما يعاملوننا به كما بينا فيما دون النصاب
(قال وإذا مر التاجر على العاشر بالرمان والبطيخ والقثاء والسفرجل والعنب والتين قد اشتراه للتجارة وهو يساوي نصابا لم يعشره في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -
ولكن يأمره بأداء الزكاة بنفسه وعندهما يعشره؛ لأن الزكاة تجب في هذه الأموال إذا كانت للتجارة، والعاشر يأخذ الزكاة الواجبة فيأخذ من هذه الأموال كما يأخذ من سائر الأموال، وإنما يأخذ لحاجة صاحب المال إلى حمايته، وذلك موجود في هذه الأشياء ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - حرفان: أحدهما - أن حق الأخذ للعاشر باعتبار المال الممرور به عليه خاصة وهذه الأشياء لا تبقى حولا فلا تجب الزكاة فيها إلا باعتبار غيرها مما لم يمر به عليه فهو نظير ما لو مر عليه بما دون النصاب، وقال: في بيتي ما يتم به النصاب. والثاني - أن العاشر يأخذ من عين ما يمر به عليه، وليس بحضرته فقراء ليصرفه إليهم ولا يمكنه أن يدخره إلى أن يأتيه الفقراء؛ لأن ذلك يفسد فقلنا لا يأخذ منه شيئا ولكن يأمره بالأداء بنفسه، وكذلك لا يأخذ من الذمي والحربي، أما على الأول فظاهر، وكذلك على الطريق الثاني؛ لأنه ليس بحضرته من المقاتلة من يصرف إليهم المأخوذ
(قال): وإن مر الذمي على العاشر بالخمر والخنزير للتجارة عشر الخمر من قيمتها ولم يعشر الخنازير، ورواه في الخمر عن إبراهيم وكان مسروق يقول: يأخذ من عين الخمر. وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - إن مر على العاشر بالخنازير وحدها لم يأخذ منه شيئا، وإن مر بها مع الخمر أخذ منها جميعا من القيمة وكأنه جعل الخنازير في هذا تبعا للخمر وهو نظير مذهبه في وقف المنقول أنه لا يجوز إلا تبعا للعقار. وجه قوله أن كل واحد منهما مال في حق أهل الذمة يضمن بالإتلاف له. وجه ظاهر الرواية ما روي عن عمر بن الخطاب أنه بلغه أن عماله يأخذون العشر من خمور أهل الذمة، فقال: ولوهم بيعها وخذوا العشر من أثمانها، ثم الخمر عين هو قريب من المالية في حق المسلمين؛ لأن العصير قبل التخمير كان مالا وهو بعرض المالية إذا تخلل بخلاف الخنزير فإنه ليس له عرضية المالية في حق المسلمين والعاشر مسلم فلهذا لا يأخذ منها
(قال): رجل له مائتا درهم مكثت عنده أشهرا، ثم وهبها لرجل ودفعها إليه، ثم رجع فيها، قال: يستأنف لها الحول من وقت رجوعه فيها؛ لأن ملكه زال بالهبة والتسليم ولم يبق شيء مما انعقد عليه الحول له ولا يتصور بقاء الحول إلا بمحل. (قال) : وإن مكثت عند الموهوب له سنة ثم رجع فيها لم يكن على واحد منهما زكاة تلك السنة، أما على الواهب فلأنها لم تكن في ملكه في الحول، وأما على الموهوب له فلأن مال الزكاة استحق من يده بغير اختباره، ويستوي إن كان رجوع الواهب بقضاء أو بغير قضاء عندنا.
وقال زفر - رحمه الله تعالى: إن كان رجوعه بقضاء
فكذلك، وإن كان رجوعه بغير قضاء القاضي فعلى الموهوب له زكاة تلك السنة، وقال سفيان الثوري - رضي الله عنه - ليس للواهب أن يرجع في مقدار الزكاة؛ لأنها صارت مستحقة للفقراء، وتعلق حق الفقراء بالموهوب يمنع الواهب من الرجوع كما لو جعله الموهوب له مرهونا. وجه قول زفر - رحمه الله تعالى - أن الرجوع إذا كان بغير قضاء فالموهوب له أزال ملكه باختياره بعد وجوب الزكاة فيضمن الزكاة كما لو وهبه ابتداء، ألا ترى أنه لو كان في مرضه كان معتبرا من ثلث ماله. وجه قولنا أن حق الواهب مقصور على العين وفي مثله القضاء وغير القضاء سواء؛ لأنهما فعلا بدون القاضي عين ما يأمر به القاضي لو رفعا الأمر إليه، والموهوب له نظر لنفسه حين لم ير في الخصومة فائدة فلم يكن متلفا حق الفقراء، وإن كان في مرضه ففيه روايتان كلاهما في كتاب الهبة والأصح أنه يعتبر من جميع ماله سواء رجع بقضاء أو بغير قضاء
(قال وإذا أخرجت الأرض العشرية طعاما فباعه قبل أن يؤدي عشره فجاء العاشر والطعام عند المشتري فإن شاء أخذ عشر الطعام من المشتري ورجع المشتري على البائع بعشر الثمن، وإن شاء أخذه من البائع؛ لأن على أحد الطريقين الحب ينبت على الحقين عشره للفقراء وتسعة أعشاره للمالك فلم ينفذ بيعه في مقدار العشر فكان للمصدق أن يأخذ العشر من المشتري قبل الافتراق وبعد الافتراق بخلاف زكاة السائمة. وعلى الطريق الثاني يجب إيتاء العشر إلى الفقراء من غير اعتبار حال من يجب عليه فكان العين هو المقصود فلا يبطل الحق عنه بالبيع بخلاف الزكاة فإن الفعل هو المقصود فيه بدليل اعتبار حال من يجب عليه، وإن شاء أخذ من البائع لإتلافه محل حق الفقراء
(قال): وإذا باع الأرض وفيها زرع قد أدرك فعشر الزرع على البائع؛ لأن حق الفقراء قد ثبت في الزرع وهو ملك البائع عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بنفس الخروج كما قال الله تعالى {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بالإدراك قال الله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وعند محمد - رحمه الله تعالى - بالاستحكام، وذلك كله حصل في ملك البائع وهو نماء أرضه فوجب عليه عشره. وأما المشتري فقد استحقه عوضا عما أعطى من الثمن فلا شيء عليه فإن باعها والزرع بقل فعشره على المشتري إذا حصده بعد الإدراك؛ لأن وجوب العشر في الحب وانعقاده كان في ملك المشتري وهو نماء أرضه، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عشر مقدار البقل على البائع؛ لأن ذلك القدر من النماء حصل في ملكه، أما عشر الحب فعلى المشتري، وكذلك إن باع الزرع وهو
قصيل فإن قصله المشتري في الحال فالعشر على البائع، وإن تركه على الأرض بإذن البائع حتى استحصد فالعشر على المشتري، وكذلك كل شيء من الثمار وغيره مما فيه العشر يبيعه صاحبه في أول ما يطلع فإن قطعه المشتري فالعشر على البائع، وإن تركه بإذن البائع حتى أدرك فالعشر على المشتري، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عشر مقدار الطلع والبقل على البائع والزيادة على المشتري وحاصل مذهب أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن بانعقاد الحب وإدراك الثمار يزداد النماء فيزداد الواجب لا أنه يسقط ما كان واجبا أو يتحول إلى غيره، وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - الحب هو المقصود فإذا انعقد كان الواجب فيه دون غيره وانعقاده كان في ملك المشتري فلهذا كان العشر عليه
(قال): وإذا اشترى أرض عشر أو خراج للتجارة لم يكن عليه زكاة التجارة عندنا. وعند محمد - رحمه الله تعالى - أن عليه زكاة التجارة مع العشر والخراج وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - ووجهه أن العشر محله الخارج والزكاة محلها عين مال التجارة وهو الأرض فلم يجتمعا في محل واحد فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر كالدين مع العشر. وجه ظاهر الرواية أن العشر والخراج مؤنة الأرض النامية. ألا ترى أنه يقال: عشر الأرض وخراج الأرض، وكذلك الزكاة وظيفة المال النامي وهي الأرض فكل واحد منهما يجب حقا لله تعالى فلا يجب بسبب ملك مال واحد حقان لله تعالى كما لا تجب زكاة السائمة وزكاة التجارة باعتبار مال واحد وإذا ثبت أنه لا وجه للجمع بينهما قلنا العشر والخراج صار وظيفة لازمة لهذه الأرض لا يسقط بإسقاط المالك وهو أسبق ثبوتا من زكاة التجارة التي كان وجوبها بنيته، فلهذا بقيت عشرية وخراجية كما كانت
(قال وإن اشترى دارا للتجارة فحال عليها الحول زكاها من قيمتها؛ لأنه ما تعلق برقبة الدار حق آخر لله تعالى وهي وسائر العروض سواء
(قال ولا يجتمع العشر والخراج في أرض واحدة عندنا، وقال ابن أبي ليلى في الأرض الخراجية: يجب أداء العشر من الخارج منها مع الخراج، وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - واستدلا في ذلك بظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «ما أخرجت الأرض ففيه العشر» ولأن العشر مع الخراج حقان اختلفا محلا ومستحقا وسببا، فإن الخراج في ذمة المالك مصروف إلى المقاتلة والعشر في الخارج مصروف إلى الفقراء فوجوب أحدهما لا ينفي وجوب الآخر كالدين مع العشر، ثم الخراج بمنزلة الأجرة للأرض، ولهذا لا يجب إلا في الأراضي المفتوحة عنوة ووجوب الأجرة لا ينفي وجوب
العشر في الخارج. وجه قولنا ما روي أن ابن مسعود - رحمه الله تعالى - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يجتمع العشر والخراج في أرض رجل مسلم»، ولأن أحدا من أئمة العدل والجور لم يأخذ العشر من أرض السواد مع كثرة احتيالهم لأخذ أموال الناس وكفى بالإجماع حجة، ثم الخراج والعشر كل واحد منهما مؤنة الأرض النامية ولا يجتمع المؤنتان بسبب أرض واحدة وسببهما لا يجتمع فإن سبب وجوب الخراج فتح الأرض عنوة وثبوت حق الغانمين فيها، وسبب وجوب العشر إسلام أهل البلدة البلدة طوعا وعدم ثبوت حق الغانمين فيها، وبينهما تناف فإذا لم يجتمع السببان لا يثبت الحكمان جميعا
(قال): رجل مات وله أرض عشرية قد أدرك زرعها قال: يؤخذ منها العشر. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة - رحمهما الله تعالى - أنه لا يؤخذ منها العشر؛ لأنها صارت لغير من وجب عليه فهو بمنزلة صدقة السائمة. وجه ظاهر الرواية أن العين هي المقصودة هنا دون الفعل،





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 13-11-2025, 02:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثانى
صـــ 208 الى صـــ 217
(46)






والعين باقية بعد موته فيبقى مشغولا بحق الفقراء بخلاف الزكاة فإن الواجب هناك فعل الإيتاء، والفعل لا يمكن إبقاؤه مستحقا ببقاء المال فلهذا سقط بالموت
(قال رجل له رطبة في أرض العشر وهي تقطع في كل أربعين يوما قال: يأخذ منها العشر كلما قطعت، وهذا بناء على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في إيجاب العشر في الرطب فأما عندهما فلا يجب العشر إلا فيما له ثمرة باقية على ما نبينه، ومقصوده في هذه المسألة أن الحول لا يعتبر لإيجاب العشر وهو ظاهر على مذهب أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فإنه لا يعتبر النصاب لإيجاب العشر. وأما عندهما فالنصاب معتبر والحول لا يعتبر؛ لأن اعتبار الحول لتحقق النماء في السوائم وعروض التجارة والعشر لا يجب إلا فيما هو نماء محض فلا حاجة إلى اعتبار الحول فيه
(قال وإذا كان صاحب العنب يبيعه مرة عنبا ومرة عصيرا ومرة زبيبا بأقل من قيمته أو بأكثر أخذ العشر في جميع ذلك من الثمن إذا لم يكن حابى فيه محاباة فاحشة، وهذا على قول أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه يوجب العشر في القليل والكثير وفيما لا يبقى أو لا يبقى، أما عندهما فلا يجب العشر فيما دون خمسة أوسق مما يبقى فينظر إلى هذا العنب فإن كان مقدار يكون فيه من الزبيب خمسة أوسق أو أكثر يجب العشر فيؤخذ ذلك من الثمن، كما قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن وجوب حق الله تعالى في المال لا يمنع صحة البيع من صاحبه، وإن كان دون ذلك أو كان عنبا رطبا رقيقا لا يصلح إلا للماء ولا يتأتى منه الزبيب فلا شيء فيه عندهما
قال): رجل له على رجل دين فدافعه سنين، وليس له عليه بينة، ثم أعطاه فليس عليه زكاة ما مضى، وكذلك الوديعة، ومعنى قوله "دافعه" أي أنكره فإنه قال في بعض نسخ لزكاة فكابره به سنين وهو عبارة عن الجحود، وقد بينا أن المجحود ضمار ولا زكاة في الضمار، وفي قوله "وليست له عليه بينة" دليل على أنه إذا كان لصاحب الحق بينة فلم يقمها سنين أنه تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن التفريط من قبله جاء، وقد بينا في هذا اختلاف الروايات
(قال): رجل تزوج امرأة على ألف درهم بعينها ولم يدفعها إليها حتى حال الحول، ثم قبضت فليس عليها فيما مضى زكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الآخر ولا على الزوج، وفي قولهما عليها زكاة الألف، وقد بينا هذا في السوائم ففي النقود مثله فإن كانت قبضتها وحال عليها الحول عندها، ثم طلقها قبل الدخول بها لم يسقط عنها شيء من الزكاة عندنا، وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يسقط عنها زكاة النصف كما في السوائم، وهذا بناء على أن النقود تتعين عنده بالتعيين فعند الطلاق يلزمها رد نصف المقبوض بعينه واستحقاق مال الزكاة بعد الحول من يد صاحبه يسقط الزكاة، وعندنا النقود لا تتعين في العقود فعند الطلاق لا يلزمها رد شيء من المقبوض بعينه إنما عليها خمسمائة دينا للزوج فهذا دين لحقها بعد الحول، وذلك غير مسقط للزكاة
(قال وإذا حال الحول على مال الشريكين المفاوضين فأدى كل واحد منهما زكاة جميع المال فإن أدى كل واحد منهما بغير أمر صاحبه ضمن لصاحبه؛ لأن كل واحد منهما بسبب الشركة صار نائبا عن صاحبه في التجارات دون إقامة العبادات، وإن كان كل واحد منهما قد أمر صاحبه بأداء الزكاة فهذا على وجهين: إما أن يؤديا معا، أو على التعاقب فإن أديا معا ضمن كل واحد منهما لصاحبه حصته مما أدى في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ولم يضمن عندهما، وإن أديا على التعاقب فلا ضمان على المؤدي أولا منهما لصاحبه ويضمن المؤدي آخرا لصاحبه حصته مما أدى في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - سواء علم بأدائه أو لم يعلم، وعندهما إن علم بأداء صاحبه يضمن وإلا فلا، هكذا أشار إليه في كتاب الزكاة، وفي الزيادات يقول لا ضمان عليه سواء علم بأداء شريكه أو لم يعلم وهو الصحيح عندهما، وكذلك الخلاف في الوكيل بأداء الزكاة إذا أدى بعد أداء الموكل بنفسه، وكذلك الخلاف في الوكيل يعتق العبد عن الظهار إذا أعتقه بعد ما كفر الموكل بنفسه أو بعد ما عمي العبد، عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا ينفذ عتقه، وعندهما ينفذ سواء علم بتكفير الموكل أو لم يعلم على ما ذكره في الزيادات. وجه قولهما أن أداء
الزكاة بنفسه يتضمن عزل الوكيل فلا يثبت حكمه في حقه قبل العلم به ولأنه كان عن قصد وفعل من الموكل فهو كالتصريح بالعزل ونظيره لوكيل بقضاء الدين إذا قضى الموكل بنفسه، ثم قضى الوكيل فإن علم بأداء الموكل فهو ضامن، وإلا لم يضمن شيئا.
أما على رواية الزيادات قال: هو مأمور بدفع المال إلى الفقير على وجه يكون صدقة وقربة، وأداء الموكل بنفسه لا ينفي هذا المعنى فلا يوجب عزل الوكيل فكان هو في الأداء ممتثلا أمره فلا ضمان عليه سواء علم بأدائه أو لم يعلم بخلاف المأمور بقضاء الدين فإنه مأمور بأن يملكه ما في ذمته بما يدفع إليه، وذلك لا يتصور بعد قضاء الموكل بنفسه الدين فكان قضاؤه عزلا للوكيل ولكن لا يثبت حكمه في حقه قبل العلم به دفعا للضرر عنه. فأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - قال: هو مأمور بأداء الزكاة، وقد أدى غير الزكاة فكان مخالفا ضامنا، أن بيانه موجب أداء الزكاة سقوط الفرض عن ذمته، وقد سقط بأداء الموكل بنفسه فلا يتصور إسقاطه بأداء الوكيل وكان أداء الموكل عزلا للوكيل من طريق الحكم لفوات المحل، وذلك لا يختلف بالعلم والجهل كالوكيل ببيع العبد إذا أعتق الموكل العبد انعزل الوكيل علم به أو لم يعلم بخلاف الوكيل بقضاء الدين فإنه مأمور بأن يجعل المؤدى مضمونا على القابض على ما هو الأصل بأن الديون تقضى بأمثالها، وذلك لا يتصور بعد أداء الموكل فلم يكن أداؤه موجبا عزل الوكيل حكما. يوضح الفرق أن هناك لو لم نوجب الضمان على الوكيل لجهله بأداء الموكل لا يلحق الموكل فيه ضرر فإنه يتمكن من استرداد المقبوض من القابض ويضمنه إن كان هالكا، وهنا لو لم نوجب الضمان أدى إلى إلحاق الضرر بالموكل؛ لأنه لا يتمكن من استرداد الصدقة من الفقير ولا تضمينه والضرر مدفوع فلهذا أوجبنا الضمان بكل حال
(قال): رجل دفن ماله في بعض بيوته فنسيه حتى مضى على ذلك سنون، ثم تذكر فعليه الزكاة لما مضى بخلاف ما إذا دفنه في الصحراء؛ لأن البيت حرز فالمدفون فيه يكون في يده حكما، وقيام الملك واليد يمنع أن يكون المال تاويا فأما الصحراء فليس بحرز فانعدم به يده حين عدم طريق الوصول إليه وهو العلم فكان تاويا. يوضحه أن المدفون في بيته يتيسر طريق الوصول إليه بنبش كل جانب منه بخلاف المدفون في الصحراء، وكذلك لو أودعه عند إنسان، ثم نسيه إن كان المودع من معارفه فعليه الزكاة لما مضى إن تذكره، وإن كان ممن لا يعرفه فلا زكاة عليه فيما مضى لما بينا من تيسر الوصول إليه وتعذره، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
[باب المعادن وغيرها]
اعلم أن المستخرج من المعادن أنواع ثلاثة منها جامد يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، ومنها جامد لا يذوب بالذوب كالجص والنورة والكحل والزرنيخ، ومنها مائع لا يجمد كالماء والزئبق والنفط. فأما الجامد الذي يذوب بالذوب ففيه الخمس عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - فيما سوى الذهب والفضة لا يجب شيء وفي الذهب والفضة يجب ربع العشر والنصاب عنده معتبر حتى إذا كان دون المائتين من الفضة لا يجب شيء، وفي اعتبار الحول له وجهان. حجته قوله - صلى الله عليه وسلم - «في الرقة ربع العشر» وهو اسم للذهب والفضة. وفي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أعطى بلال بن الحارث معادن القبلية وهي يؤخذ منها ربع العشر» إلى يومنا هذا، والمعنى فيه أنه مباح لم تحرزه يد قط فكان لمن وجده ولا شيء فيه كالصيد والحطب والحشيش، وهذا لأن الناس في المباحات سواء، وإنما يظهر التقوم فيها بالإحراز فكانت للمحرز إلا أن الزكاة واجبة في الذهب والفضة باعتبار أعيانهما دون سائر الجواهر ولكن يشترط تكميل النصاب والحول على أحد الوجهين، وفي الوجه الآخر قال: كم من حول مضى على هذا العين قبل أخذه واعتبار الحول لحصول النماء، وهذا كله نماء فلا معنى لاعتبار الحول فيه بخلاف الكنز فإنه كان في يد أهل الحرب، وقد وقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب ووجب فيها الخمس ولم يؤخذ لخفاء مكانه حتى ظهر الآن فلهذا يؤخذ منه الخمس، فأما الذهب والفضة من المعدن فحادث يحدث بمرور الزمان من غير أن كان في يد أحد فهو كالحطب والحشيش.
(وأصحابنا) احتجوا بحديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «، وفي الركاز الخمس» واسم الركاز يتناول الكنز والمعدن جميعا؛ لأنه عبارة عن الإثبات يقال ركز رمحه في الأرض إذا أثبته والمال في المعدن مثبت كما هو في الكنز، ولما «قيل: يا رسول الله وما الركاز قال: الذهب والفضة اللذين خلقهما الله في الأرض يوم خلقها». ولما «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما يوجد في الخرب العادي قال: فيه وفي الركاز الخمس» فعطف الركاز على المدفون فعلم أن المراد بالركاز المعدن والمعنى فيه أن هذا مال نفيس مستخرج من الأرض فيجب فيه الخمس كالكنز، وهذا لأن المعنى الذي لأجله وجب الخمس في الكنز موجود في المعدن فإن الذهب والفضة
تحدث في المعدن من عروق كانت موجودة حين كانت هذه الأرض في يد أهل الحرب، ثم وقعت في يد المسلمين بإيجاف الخيل فتعلق حق مصارف الخمس بتلك العروق فيثبت فيما يحدث منها فكان هذا والكنز سواء من هذا الوجه، ثم يستوي إن كان الواجد حرا أو عبدا مسلما أو ذميا صبيا أو بالغا رجلا أو امرأة فإنه يؤخذ منه الخمس والباقي يكون للواجد سواء وجده في أرض العشر أو أرض الخراج؛ لأن استحقاق هذا المال كاستحقاق الغنيمة ولجميع من سمينا حق في الغنيمة إما سهما وإما رضخا فإن الصب والعبد والذمي والمرأة يرضخ لهم إذا قاتلوا ولا يبلغ بنصيبهم السهم تحرزا عن المساواة بين التابع والمتبوع، وهنا لا مزاحم للواجد في الاستحقاق حتى يعتبر التفاضل فلهذا كان الباقي له. والذي روى أن عبدا وجد جرة من ذهب على عهد عمر - رضي الله عنه - فأدى ثمنه منه وأعتقه وجعل ما بقي منه لبيت المال، تأويله أنه كان وجده في دار رجل فكان لصاحب الخطة ولم يبق أحد من ورثته فلهذا صرفه إلى بيت المال ورأى
المصلحة
في أن يعطي ثمنه من بيت المال ليوصله إلى العتق وأما الجامد الذي لا يذوب بالذوب فلا شيء فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في الحجر» ومعلوم أنه لم يرد به إذا كان للتجارة، وإنما أراد به إذا استخرجه من معدنه فكان هذا أصلا في كل ما هو في معناه، وكذلك الذائب الذي لا يتجمد أصلا فلا شيء فيه؛ لأن أصله الماء والناس شركاء فيه شرعا، قال - صلى الله عليه وسلم - «الناس شركاء في ثلاث في الماء والكلاء والنار» فما يكون في معنى الماء وهو أنه يفور من عينه ولا يستخرج بالعلاج ولا يتجمد كان ملحقا بالماء فلا شيء فيه
(قال): وإذا عمل الرجل في المعادن يوما ثم جاء آخر من الغد فعمل فيها حتى أصاب المال أخذ منه خمسه والباقي للثاني دون الأول؛ لأن الواجد هو الثاني، والمعدن لمن وجده، فأما الأول فحافر للأرض لا واجد للمعدن وبحفر الأرض لا يستحق المعدن، وقد جاء في الحديث الصيد لمن أخذه لا لمن أثاره، والأول كالمثير والثاني كالآخذ فكان المأخوذ له
(قال): وليس في السمك واللؤلؤ والعنبر يستخرج من البحر شيء في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وقال أبو يوسف في العنبر الخمس، وكذلك في اللؤلؤ عنده ذكره في الجامع الصغير. أما السمك فهو من الصيود، وليس في صيد البر شيء على من أخذه فكذلك في صيد البحر. وأما العنبر واللؤلؤ فقد احتج أبو يوسف - رحمه الله تعالى - بما روي أن يعلى بن أمية كتب إلى عمر بن الخطاب
رضي الله عنه - يسأله عن عنبر وجد على الساحل فكتب إليه في جوابه أنه مال الله يؤتيه من يشاء وفيه الخمس، ولأن نفيس ما يوجد في البحر معتبر بنفيس ما يوجد في البر وهو الذهب والفضة فيجب فيه الخمس. وأبو حنيفة ومحمد استدلا بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في العنبر: إنه شيء دسره البحر فلا شيء فيه، وحديث عمر محمول على الجيش دخلوا أرض الحرب فيصيبون العنبر في الساحل، وعندنا في هذا الخمس؛ لأنه غنيمة، ثم وجوب الخمس فيما يوجد في الركاز لمعنى لا يوجد ذلك المعنى في الموجود في البحر وهو أنه كان في يد أهل الحرب وقع في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب وما في البحر ليس في يد أحد قط؛ لأن قهر الماء يمنع قهر غيره، ولهذا قال مشايخنا: لو وجد الذهب والفضة في قعر البحر لم يجب فيهما شيء. ثم الناس تكلموا في اللؤلؤ فقيل: إن مطر الربيع يقع في الصدف فيصير لؤلؤا فعلى هذا أصله من الماء، وليس في الماء شيء، وقيل: إن الصدف حيوان تخلق فيه اللؤلؤ، وليس في الحيوان شيء وهو نظير ظبي المسك يوجد في البر فإنه لا شيء فيه، وكذلك العنبر فقيل أنه نبت ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر، وقيل: إنه شجرة تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها على الساحل، وليس في الأشجار شيء، وقيل: إنه خثى دابة في البحر، وليس في أخثاء الدواب شيء
(قال): وليس في الياقوت والزمرد والفيروزج يوجد في المعدن أو الجبل شيء؛ لأنه جامد لا يذوب بالذوب ولا ينطبع بالطبع كالتراب، وليس في التراب شيء فكذلك ما يكون في معناه لا يكون فيه شيء ولأنه حجر، وليس في الحجر صدقة، وإن كان بعض الحجر أضوأ من بعض وأما الزئبق إذا أصيب في معدنه ففيه الخمس في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله تعالى - وقال أبو يوسف - رحمه الله: لا شيء فيه وحكى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة كان يقول: لا شيء فيه وكنت أقول فيه الخمس فلم أزل به أناظره وأقول أنه كالرصاص حتى قال: فيه الخمس ثم رأيت أن لا شيء فيه فصار الحاصل أن عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في قوله الآخر، وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد فيه الخمس، وعند أبي يوسف في قوله الآخر وهو قول أبي حنيفة الأول لا شيء فيه قال: لأنه ينبع من عينه ولا ينطبع بنفسه فهو كالقير والنفط. وجه قول من أوجب الخمس أنه يستخرج بالعلاج من عينه وينطبع مع غيره فكان كالفضة فإنها لا تنطبع ما لم يخالطها شيء، ثم يجب فيها الخمس فهذا مثله
(قال): إذا وجد الرجل الركاز من الذهب والفضة والجواهر مما يعرف أنه قديم فاستخرجه من أرض الفلاة ففيه
الخمس وما بقي فهو له فهذا على وجهين: إما أن يكون فيه من علامات الإسلام كالمصحف والدرهم المكتوب عليه كلمة الشهادة فيكون بمنزلة اللقطة فعليه أن يعرفها، أو يكون فيه شيء من علامات الشرك كالصنم والصليب فحينئذ فيه الخمس. لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما يوجد في الأرض الميتة فهو لقطة» تعرف وما يوجد في الخراب العادي ففيه «، وفي الركاز الخمس» ولأنه إذا كان فيه شيء من علامات الشرك عرفنا أنه من وضع أهل الحرب وقع في أيدي المسلمين بإيجاف الخيل والركاب ففيه الخمس، وإذا كان فيه شيء من علامات الإسلام عرفنا أنه من وضع المسلمين ومال المسلم لا يغنم والموجود في باطن الأرض كالموجود على ظاهرها فإن لم يكن به علامة يستدل بها فهو لقطة في زماننا؛ لأن العهد قد تقادم والظاهر أنه لم يبق شيء مما دفنه أهل الحرب ويستوي إن كان الواجد ذميا أو مكاتبا أو صبيا أو حرا أو مسلما، وقد بيناه في المعدن فكذلك في اللقطة، وكذلك في الركاز
(قال وإن وجده في دار رجل فإن قال صاحب الدار: أنا وضعته فالقول قوله؛ لأنه في يده، وإن تصادقا على أنه ركاز ففيه الخمس والباقي لصاحب الخطة سواء كان الواجد ساكنا في الدار بعارية أو إجارة أو شراء وصاحب الخطة هو الذي أصاب هذه البقعة بالقسمة حين افتتحت البلدة فسمي صاحب الخطة؛ لأن الإمام يخط لكل واحد من الغانمين حيزا ليكون له فإن كان هو باقيا أو وارثه دفع إليه، وإلا فهو لأقصى مالك يعرف لهذه البقعة في الإسلام، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - الباقي للواجد قال: أستحسن ذلك وأجعل الموجود في الدار والأرض كالموجود في المفازة بعلة أن الواجد هو الذي أظهره وحازه، ولا يجوز أن يقال: إن الإمام قد ملكه صاحب الخطة في القسمة؛ لأن الإمام عادل في القسمة فلو جعلناه مملكا للكنز منه لم يكن عدلا هذا معنى الاستحسان وإذا لم يملكه بقي على أصل الإباحة فمن سبقت يده إليه كان أحق به فأما وجه قولهما فما روي أن رجلا أتى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بألف وخمسمائة درهم وجدها في خربة، فقال علي: إن وجدتها في أرض يؤدي خراجها قوم فهم أحق بها منك، وإن وجدتها في أرض لا يؤدي خراجها أحد فخمسها لنا وأربعة أخماسها لك، وهذا مراد محمد من قوله، وهذا قياس الأثر عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -، والمعنى فيه أن صاحب الخطة ملك البقعة بالحيازة فملك ظاهرها وباطنها ثم المشتري منه يملك بالعقد فيملك الظاهر دون الباطن كمن اصطاد سمكة فوجد
في بطنها لؤلؤة فهي له بخلاف ما لو اشترى سمكة وإذا لم يتملك المشتري عليه بقي على ملك صاحب الخطة ثم الإمام مأمور بالعدل بحسب الإمكان، فما وراء ذلك ليس في وسعه ولا نقول الإمام يملكه الكنز بالقسمة بل يقطع مزاحمة سائر الغانمين عن تلك البقعة ويقرر يده فيها وتقرر يده في المحل يوجب ثبوت يده على ما هو موجود في المحل فصار مملوكا له بالحيازة على هذا الطريق
(قال): مسلم دخل دار الحرب بأمان فوجد ركازا فإن كان وجده في دار بعضهم رده عليه؛ لأن ما في الدار في يد صاحب الدار وهو قد ضمن بعقد الأمان أن لا يخونهم فعليه الوفاء بما ضمن، وإن كان وجده في الصحراء فهو له؛ لأنه مباح ليس في يد أحد منهم فلا يكون هو في أخذه غادرا بهم كالحطب والحشيش، وليس فيه خمس؛ لأن الخمس فيما كان وقوعه في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب، وذلك غير موجود هنا، وإن كان المعدن في دار الإسلام للمسلم أو الذمي فهو له، وليس فيه خمس في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى: فيه الخمس، وإن كان في أرض المسلم فكذلك الجواب في رواية كتاب الزكاة، وفي الجامع الصغير فرق أبو حنيفة - رحمه الله - بين الموجود في الأرض والدار وجه قولهما قوله - صلى الله عليه وسلم - «، وفي الركاز الخمس»، وقد بينا أن اسم الركاز يتناول المعدن، ثم قاسه بالموجود في الفلاة بعلة أنه مال نفيس يستخرج من معدنه، وقد كانت عزوفة في يد أهل الحرب وقعت في يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب. ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - طريقان: أحدهما - أن المعدن جزء من أجزاء ملكه وسائر أجزاء هذه البقعة مملوكة له لا شيء عليه فيها فكذلك هذا الجزء بخلاف الموجود في الفلاة وبخلاف الكنز، وعلى هذا الطريق يسوى بين الدار والأرض. والطريقة الثانية - أن الدار ملكت بشرط قطع حقوق الله تعالى حتى لا يجب فيها خراج ولا عشر إذا كان فيها نخيل يخرج أكرارا من تمر، وعلى هذه الطريق يقول في الأرض يجب الخمس في المعدن؛ لأن الأرض ما ملكت بشرط قطع حقوق الله تعالى عنه ألا ترى أنه يجب فيها الخراج أو العشر فكذلك الخمس فيما يوجد فيه حق الله تعالى
(قال): حربي دخل دارنا بأمان فأصاب كنزا أو معدنا يؤخذ منه كله؛ لأن هذا في معنى الغنيمة ولا حق لأهل الحرب في غنائم المسلمين رضخا ولا سهما بخلاف أهل الذمة، وإن عمل في المعدن بإذن الإمام أخذ منه الخمس وما بقي فهو له؛ لأن الإمام شرط له ذلك
لمصلحة
رأى فيه لصارف الخمس فعليه الوفاء بما شرط له، ألا ترى
أنه لو استعان بهم في قتال أهل الحرب رضخ لهم فهذا مثله
(قال): ولا شيء في العسل إذا كان في أرض الخراج، وإن كان في أرض العشر أو في الجبال ففيه العشر كيف كان صاحبه، وذكر الشافعي - رحمه الله تعالى - في كتابه أن ما روي في إيجاب العشر في العسل لم يثبت، وما روي من أنه لا شيء فيه لم يثبت فهذا منه إشارة إلى أنه لا عشر في العسل. ووجهه أنه منفصل من الحيوان فلا شيء فيه كالإبريسم الذي يكون من دود القز.
(ولنا) ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رحمهما الله تعالى - أن بني سامر قوم من جرهم كانت لهم نحل عسالة فكانوا يؤدون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كل عشر قرب قربة وكان يحمي لهم واديهم فلما كان في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استعمل عليهم سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يعطوه شيئا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر أن النحل ذباب غيث يسوقه الله تعالى إلى من يشاء فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاحم لهم واديهم وإلا فخل بينهم وبين الناس فدفعوا إليه العشر. وعن أبي سلمة عن أبي هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن أن في العسل العشر»، والمعنى فيه أن النحل تأكل من نوار الشجر وثمارها كما قال الله تعالى {ثم كلي من كل الثمرات} [النحل: 69] فما يكون منها من العسل متولد من الثمار، وفي الثمار - إذا كانت في أرض عشرية - العشر فكذلك فيما يتولد منها، ولهذا لو كانت في أرض خراجية لم يكن فيها شيء فإنه ليس في ثمار الأشجار النابتة في أرض الخراج شيء وبهذا فارق دود القز فإنه يأكل الورق، وليس في الأوراق عشر فكذلك ما يتولد منها
(قال ولا شيء في القير والنفط والملح؛ لأنها فوارة كالماء، وأما ما حولها من الأرض فقد قال بعض مشايخنا: لا شيء فيها من الخراج، وإن كانت هذه العيون في أرض الخراج؛ لأنها غير صالحة للزراعة فكانت كالأرض السبخة وما لا يبلغها الماء، وكان أبو بكر الرازي - رضي الله عنه - يقول: لا شيء في موضع القير، وأما حريمه مما أعده صاحبه لإلقاء ما يحصل له فيه يمسح فيوجب فيه الخراج؛ لأنه في الأصل صالح للزراعة إنما عطله صاحبه لحاجته فلا يسقط الخراج عنه
(قال): ولا شيء في الطرفاء والقصب الفارسي؛ لأنه لا يستنبت في الجنان بماء ولا يقصد به استغلال الأراضي عادة بل لا يبقى على الأرض فإنه مفسد لها، والعشر إنما يجب فيما يقصد به استغلال الأراضي عادة
(قال): ولا يسقط فيه الخمس عن الركاز والمعدن، وإن كان واجده معسرا أو فقيرا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «وفي الركاز الخمس» ولأنه
ليس يجب على الواحد ولكن الخمس صار حقا لمصارف الخمس حين وقع هذا في يد المسلمين من يد أهل الحرب فلا يختلف باختلاف حال من يظهره
(قال وإذا تقبل الرجل من السلطان معدنا، ثم استأجر فيه أجراء واستخرجوا منه مالا قال: يخمس وما بقي فهو للمتقبل؛ لأن عمل أجرائه كعمله بنفسه، ولأن عملهم صار مسلما إليه حكما بدليل وجوب الأجرة لهم عليه، وإن كانوا عملوا فيه بغير أمره فالأربعة الأخماس لهم دونه؛ لأنهم وجدوا المال والأربعة الأخماس للواجد والتقبل من السلطان لم يكن صحيحا؛ لأن المقصود منه ما هو عين والتقبل في مثله لا يصح كمن تقبل أجمة فاصطاد فيها السمك غيره كان للذي اصطاده، وكذلك من تقبل بعض المقانص من السلطان فاصطاد فيها غيره كان الصيد لمن أخذه، ولا يصح ذلك التقبل منه فهذا مثله والله أعلم





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 13-11-2025, 02:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 2 الى صـــ 14
(47)







[باب عشر الأرضين]
قال): الأصل في وجوب العشر قوله تعالى {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] قيل المراد بالمكسوب مال التجارة ففيه بيان زكاة التجارة، والمراد بقوله، ومما أخرجنا لكم من الأرض العشر. وقال الله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وقال: - صلى الله عليه وسلم - «ما أخرجت الأرض ففيه العشر»، ثم الأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن كل ما يستنبت في الجنان ويقصد به استغلال الأراضي ففيه العشر الحبوب والبقول والرطاب والرياحين والوسمة والزعفران والورد والورس في ذلك سواء، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه - وقد روي أنه حين كان واليا بالبصرة أخذ العشر من البقول من كل عشر دستجات دستجة وأخذ فيه أبو حنيفة بالحديث العام «ما سقت السماء ففيه العشر وما أخرجت الأرض ففيه العشر» وكان يقول: العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فكما أن هذا كله يعد من نماء الأرض في وجوب الخراج فكذلك في وجوب العشر والمستثنى عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - خمسة أشياء: السعف فإنه من أغصان الأشجار، وليس في الشجر شيء والتبن فإنه ساق للحب كالشجر للثمار والحشيش فإنه ينقى من الأرض، ولا يقصد به استغلال الأراضي والطرفاء والقصب فإنه لا يقصد استغلال الأراضي بهما عادة والمراد القصب الفارسي فأما قصب السكر ففيه العشر وكذلك على قولهما إذا كان يتخذ منه السكر وكذلك في قصب الذريرة العشر. وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه ليس فيه شيء، والأصل عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى أن ما ليست له ثمرة باقية مقصودة فلا شيء فيه كالبقول والخضر والرياحين إنما العشر فيما له ثمرة باقية مقصودة. واحتجا فيه بحديث موسى بن طلحة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: - صلى الله عليه وسلم - «ليس في الخضراوات صدقة».
وتأويله عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - صدقة تؤخذ أي لا يأخذ العاشر من الخضراوات إذا مر بها
عليه، ثم قال: ما كان تافها عادة يتيسر وجوده على الغني والفقير فلا يجب فيه حق الله تعالى كما لا تجب الزكاة في الصيود والحطب والحشيش وإنما يجب حق الله تعالى فيما يعز وجوده فيناله الأغنياء دون الفقراء كالسوائم ومال التجارة فكذلك هنا ما له ثمرة باقية يعز وجوده فأما الخضراوات والرياحين فتافهة عادة ولهذا أوجبنا في الزعفران، ولم نوجب في الورس والوسمة؛ لأنه لا ينتفع بهما انتفاعا عاما
وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - أوجب في الحناء؛ لأنه ينتفع به انتفاعا عاما، ولم يوجبه فيه محمد - رحمه الله -؛ لأنه من الرياحين وفي الثوم والبصل روايتان عن محمد - رحمه الله تعالى - قال في إحدى الروايتين: هما من الخضر فلا شيء فيهما، وفي الرواية الأخرى قال يقعان في الكيل ويبقيان في أيدي الناس من حول إلى حول فيجب فيها العشر والبطيخ والقثاء والخيار لا شيء فيها عندهما؛ لأنها من الرطاب وبزرها غير مقصود فلا يكون معتبرا وكذلك في الثمار قال: لا شيء في الكمثرى والخوخ والمشمش والإجاص وما يجفف منها لا يعتبر وأوجبنا في الجوز واللوز العشر وفي الفستق على قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - يجب العشر وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - لا يجب ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - العشر يجب في القليل من الخارج وكثيره، ولا يعتبر فيه النصاب لعموم الحديثين كما روينا؛ ولأن النصاب في أموال الزكاة كان معتبر لحصول صفة الغنى للمالك بها، وذلك غير معتبر لإيجاب العشر فإن أصل المال هنا لا يعتبر فهو وخمس الركاز سواء، والأصل عندهما أنه لا يجب العشر فيما دون خمسة أوسق مما يدخل تحت الوسق والوسق ستون صاعا فخمسة أوسق ألف ومائتا من واحتجا فيه بقوله - صلى الله عليه وسلم - «فيما دون خمسة أوسق صدقة» وأبو حنيفة يقول: تأويل الحديث زكاة التجارة فإنهم كانوا يتبايعون بالأوساق كما ورد به الحديث فقيمة خمسة أوسق مائتا درهم، ثم قالا: هذا حق مالي وجب بإيجاب الله تعالى فيعتبر فيه النصاب كالزكاة، وهذا؛ لأن القليل تافه عادة، وهو عفو شرعا ومروءة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - قال: العشر مؤنة الأرض النامية وباعتبار الخارج قل أو كثر تصير الأرض نامية فيجب العشر كما يجب الخراج، ثم المذهب عند محمد - رحمه الله تعالى -، وهو رواية عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - إن ما يحرم التفاضل فيه بالبيع بضم بعضه إلى بعض وما لا يحرم التفاضل فيه كالحنطة والشعير لا يضم بعضه إلى بعض؛ لأنهما مختلفان فيعتبر كمال النصاب من كل واحد منهما كالسوائم. وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن الكل إذا أدرك في وقت واحد يضم بعضه إلى بعض؛ لأن العشر وجوبه
باعتبار منفعة الأرض فإذا أدركت في وقت واحد فهي منفعة واحدة فيضم بعضها إلى بعض كأموال التجارة.
وإذا تفرقت الأراضي لرجل واحد فالمروي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن ما كان من عمل عامل واحد يجمع وما كان من عمل عاملين يعتبر فيه النصاب في كل واحد منهما على حدة فإنه ليس للعامل ولاية الأخذ مما ليس في عمله وما في عمله دون النصاب. والمروي عن محمد - رحمه الله تعالى - أنه يضم بعض ذلك إلى البعض لإيجاب العشر؛ لأن المالك واحد ووجوب العشر عليه فكان مراد محمد - رحمه الله تعالى - من هذا فيما بينه وبين الله تعالى فأما في حق الأخذ للعامل فعلى ما قاله أبو يوسف - رحمه الله تعالى -
وإن كانت الأرض مشتركة بين جماعة فأخرجت طعاما فعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - يعشر إن بلغ نصيب كل واحد منهم خمسة أوسق كما بينا في السوائم. وقال أبو يوسف: إذا كان الخارج كله خمسة أوسق ففيه العشر؛ لأنه لا معتبر بالمالك في العشر، وإنما المعتبر بالخارج حتى يجب العشر في الأراضي الموقوفة التي لا ملك لها، ثم العشر يجب فيما سقته السماء أو سقي سيحا فأما ما سقي بغرب، أو دالية، أو سانية ففيه نصف العشر وبه ورد الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر» وفي رواية «ما سقي بعلا، أو سيحا ففيه العشر وما سقي بالرشاء ففيه نصف العشر» وعلل بعض مشايخنا بقلة المؤنة فيما سقته السماء وكثرة المؤنة فيما سقي بغرب، أو دالية وقالوا لكثرة المؤنة تأثير في نقصان الواجب، وهذا ليس بقوي فإن الشرع أوجب الخمس في الغنائم والمؤنة فيها أعظم منها في الزراعة ولكن هذا تقدير شرعي فنتبعه ونعتقد فيه
المصلحة
وإن لم نقف عليه وكان ابن أبي ليلى يقول: لا عشر إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر إذا بلغ خمسة أوسق لظاهر الحديث الخاص فإن اعتبار الوسق للنصاب دليل على أنه لا يجب إلا فيما يدخل تحت الوسق.
(قال): وإذا أخرجت الأرض العشرية طعاما وعلى صاحبها دين كثير لم يسقط عنه العشر، وكذلك الخراج؛ لأن الدين يعدم غنى المالك بما في يده وقد بينا أن غنى المالك غير معتبر لإيجاب العشر
(قال): وإن كانت الأرض لمكاتب، أو صبي، أو مجنون وجب العشر في الخارج منها عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: لا شيء في الخارج من أرض المكاتب والعشر عنده قياس الزكاة لا يجب إلا باعتبار المالك أما عندنا فالعشر مؤنة الأرض النامية كالخراج والمكاتب والحر فيه سواء، وكذلك الخارج من الأراضي الموقوفة على الرباطات والمساجد
يجب فيها العشر عندنا. وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يجب إلا في الموقوفة على أقوام بأعيانهم فإنهم كالملاك أما الموقوفة على أقوام بغير أعيانهم فلا شيء فيها.
(قال): رجل استأجر أرضا من أرض العشر وزرعها قال عشر ما خرج منها على رب الأرض بالغا ما بلغ سواء كان أقل من الأجر، أو أكثر في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى العشر في الخارج على المستأجر.
وجه قولهما أن الواجب جزء من الخارج والخارج كله للمستأجر فكان العشر عليه كالخارج في يد المستعير للأرض وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول وجوب العشر باعتبار منفعة الأرض والمنفعة سلمت للآجر؛ لأنه استحق بدل المنفعة، وهي الأجرة وحكم البدل حكم الأصل أما المستأجر فإنما سلمت له المنفعة بعوض فلا عشر عليه كالمشتري للزرع، ثم العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج وخراج أرض المؤاجر على المؤاجر فكذلك العشر عليه أما أذا أعار أرضه من مسلم فالعشر على المستعير في الخارج عندنا. وقال زفر - رحمه الله تعالى: على المعير وقاسه بالخراج وقال: حين سلط المستعير على الانتفاع بالأرض فكأنه انتفع به بنفسه ولكنا نقول: منفعة الأرض سلمت للمستعير بغير عوض، ووجوب العشر باعتبار حقيقة المنفعة حتى لا يجب ما لم يحصل الخارج بخلاف المستأجر فإن سلامة المنفعة له كان بعوض وبخلاف الخراج فإن وجوبه باعتبار التمكن من الانتفاع وقد تمكن المعير من ذلك، ثم محل الخراج الذمة، ولا يمكن إيجابه في ذمة المستعير؛ لأنه ليس له حق لازم في الأرض ومحل العشر الخارج، وهو مستحق للمستعير فإن كان أعار الأرض من ذمي فالعشر على المعير؛ لأن العشر صدقة لا يمكن إيجابها على الكافر والمعير صار مفوتا حق الفقراء بالإعارة من الكافر فكان ضامنا للعشر.
(قال): مسلم اشترى من كافر أرض خراج فهي خراجية عندنا. وقال مالك - رحمه الله: تصير عشرية؛ لأن في الخراج معنى الصغار، وهذا لا يبدأ به المسلم فكذلك لا يبقى بعد الإسلام إذا أسلم مالكه، أو باعه من مسلم، وقاس خراج الأرض بخراج الرءوس ولكنا نستدل بحديث ابن مسعود - رحمه الله تعالى - أنه كان له أرض خراج بالسواد فكان يؤدي فيها الخراج وكذلك روي عن الحسن بن علي وأبي هريرة رحمهما الله تعالى ثم معنى الصغار في ابتداء وضع الخراج دون البقاء كما أن معنى العقود في ابتداء الاسترقاق دون البقاء حتى إذا أسلم الرقيق يبقى رقيقا بخلاف خراج الرءوس فإنه ذل ابتداء وبقاء فلهذا لا يبقى بعد الإسلام والمرجع في معرفة ما قلنا إلى
عادات الناس.
(قال) وإن اشترى ذمي من مسلم أرض عشر فإن أخذها مسلم بالشفعة، أو كان في البيع خيار للبائع، أو كان البيع فاسدا فرجعت إلى المسلم فهي عشرية كما كانت؛ لأن حق المسلم لم ينقطع عنها فإن بقيت في ملك الكافر وانقطع حق المسلم عنها فهي خراجية في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -. وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - عليه عشران وقال محمد - رحمه الله تعالى: يؤخذ منه عشر واحد. وقال مالك - رحمه الله تعالى: يجبر على بيعها من المسلمين وعلى أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يجوز البيع أصلا، وفي القول الآخر، وهو قول ابن أبي ليلى يؤخذ منه العشر والخراج جميعا وكان شريك بن عبد الله يقول لا شيء فيها وجعل هذا قياس السوائم إذا اشتراها الكافر من مسلم ولكن هذا ليس بصحيح فإن الأراضي النامية في دارنا لا تخلو عن وظيفة بخلاف سائر الأموال والشافعي في أحد قوليه لا يجوز البيع أصلا كما هو مذهبه في الكافر يشتري عبدا مسلما وفي قوله الآخر يقول: بأن ما كان وظيفة لهذه الأرض يبقى وباعتبار كفر المالك الحادث يجب الخراج بناء على أصله في الجمع بينهما. ومالك يقول: يجبر على بيعه من المسلمين؛ لأن حق الفقراء تعلق بها، ومال الكافر لا يصلح لذلك فيجبر على بيعها لإبقاء حق الفقراء فيها، وأما محمد - رحمه الله تعالى - فقال: ما صار وظيفة للأرض لا يتبدل بتبدل المالك كالخراج في الأراضي الخراجية، ثم العشر الذي يؤخذ منه عند محمد - رحمه الله تعالى - يوضع موضع الصدقات كما ذكره في السير؛ لأن حق الفقراء تعلق بها فهو كتعلق حق المقاتلة بالأراضي الخراجية وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن هذا العشر يوضع في بيت مال الخراج؛ لأنه إنما يصرف إلى الفقراء ما كان لله تعالى بطريق العبادة ومال الكافر لا يصلح لذلك فيوضع موضع الخراج كمال يأخذه العاشر من أهل الذمة وإنما قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - يؤخذ منه عشران؛ لأن ما كان مأخوذا من المسلم إذا وجب أخذه من الكافر يضعف عليه كصدقة بني تغلب وما يمر به الذمي على العاشر أما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فقال: الأراضي النامية لا تخلو عن وظيفة في دارنا والوظيفة إما الخراج، أو العشر، ولا يمكن إيجاب العشر عليه؛ لأنه صدقة والكافر ليس من أهل الصدقة فتعين الخراج بخلاف الخراج في الأراضي الخراجية؛ لأن استيفاءها بعد الوجوب كاستيفاء الأجرة باعتبار التمكن من الانتفاع ومال المسلم يصلح لذلك.
(قال): وإن اشترى تغلبي أرض عشر من مسلم ضوعف عليه العشر للصلح الذي جرى بيننا وبينهم
وذكر ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن تضعيف العشر عليهم في الأراضي التي كانت لهم في الأصل فأما من اشترى منهم أرضا عشرية من مسلم فعليه عشر واحد بناء على أصله أن ما صار من وظيفة للأرض يقرر، ولا يتغير بتغير المالك فإن أسلم عليها، أو باعها من مسلم فعليه العشر مضاعفا في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف - رضي الله تعالى عنه - عشر واحد. وذكر في رواية أبي سليمان المسألة بعد هذا وذكر قول محمد - رحمه الله تعالى - كقول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -. وتأويله ما بينا أن عند محمد في الأراضي التي كانت لهم في الأصل سواء أسلموا عليها أو باعوها من مسلم يجب العشر مضاعفا؛ لأنها صارت وظيفة لهذه الأرض أما أبو يوسف - رحمه الله تعالى - فقال: تضعيف العشر باعتبار كفر المالك وقد زال ذلك بإسلامه، أو بيعه من المسلم فهو نظير السوائم إذا أسلم عليها التغلبي أو باعهم من المسلم لا يجب فيها إلا صدقة واحدة وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - قال: التضعيف على بني تغلب في العشر بمنزلة الخراج حتى يوضع موضع الخراج وبعد ما صارت خراجية لا تتبدل بإسلام المالك، ولا ببيعها من المسلم فهذا كذلك بخلاف السوائم فإنه لا وظيفة فيها باعتبار الأصل حتى إذا كانت لغير التغلبي من الكفار لا يجب فيها شيء فعرفنا أن التضعيف فيها كان باعتبار المالك فيسقط بتبدل المالك، أو بتبدل حاله بالإسلام.
أما بيان الأرض العشرية والخراجية فنقول أرض العرب كلها أرض عشرية وحدها من العذيب إلى مكة ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة وكان ينبغي في القياس أن تكون أرض مكة أرض خراج؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحها عنوة وقهرا ولكنه لم يوظف عليها الخراج فكما لا رق على العرب لا خراج على أرضهم وكل بلدة أسلم أهلها طوعا فهي أرض عشرية؛ لأن ابتداء الوظيفة فيها على المسلم والمسلم لا يبدأ بالخراج صيانة له عن معنى الصغار فكان عليه العشر وكل بلدة افتتحها الإمام عنوة وقسمها بين الغانمين فهي أرض عشرية لما بينا وكذلك المسلم إذا جعل داره بستانا، أو أحيا أرضا ميتة فهي أرض عشرية وفي النوادر ذكر اختلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وقال عند أبي يوسف إن كانت هذه الأراضي تقرب من الأراضي العشرية فهي عشرية وإن كانت بالقرب من الأراضي الخراجية فهي خراجية؛ لأن للقرب عبرة ألا ترى أن ما يقرب من القرية ليس لأحد إحياؤها لحق أهل القرية، والمرء أحق بالانتفاع بفناء داره وقال محمد: - رحمه الله تعالى - إن أحياها بماء السماء، أو عين استنبطها، أو نهر شقه لها من الأودية
العظام كالفرات ودجلة وجيحون فهي عشرية وإن شق لها نهرا من بعض الأنهار الخراجية فهي خراجية؛ لأن الخراج لا يوظف على المسلم إلا بالتزامه فإذا ساق إلى أرضه ماء الخراج فهو ملتزم للخراج فيلزمه وإلا فلا وأما أرض السواد والجبل فهي أرض خراج وحد السواد من العذيب إلى عقبة حلوان ومن الثعلبية إلى عبادان؛ لأن عمر - رضي الله عنه - حين فتح السواد وظف عليها الخراج وبعث لذلك عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان.
(قال): وكل بلدة فتحها الإمام عنوة وقهرا، ثم من بها على أهلها فهي أرض خراج؛ لأن ابتداء الوظيفة فيها على الكافر، ولا يمكن إيجاب العشر؛ لأنهما صدقة والكافر ليس من أهلها فيوظف الخراج عليها؛ ولأن خراج الأراضي تبع لخراج الجماجم، والذمي إذا جعل داره بستانا، أو أحيا أرضا ميتة بإذن الإمام فعليه فيها الخراج لما بينا.
(قال): وإذا قال صاحب الأرض: قد أديت العشر إلى المساكين لم يقبل قوله وإن حلف على ذلك؛ لأن حق الأخذ فيه إلى السلطان فكان نظير زكاة السوائم على ما بينا.
(قال): وإن وضع العشر، أو الزكاة في صنف واحد من غير أن يأتي به السلطان وسعه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
واعلم أن مصارف العشر والزكاة ما يتلى في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] الآية وللناس كلام في الفرق بين الفقير والمسكين فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الفقير هو الذي لا يسأل والمسكين هو الذي يسأل قال الله تعالى في صفة الفقراء {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] قيل لا إلحافا، ولا غير إلحاف وفي المسكين قال الله تعالى {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] وقد جاء يسأل وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الفقير هو الذي يسأل ويظهر افتقاره وحاجته إلى الناس قال الله تعالى {وأنتم الفقراء} [محمد: 38] والمسكين هو الذي به زمانة لا يسأل، ولا يعطى له قال الله تعالى: {، أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 16] أي لاصقا بالتراب من الجوع والعري. فالحاصل أن المذهب عندنا أن المسكين أسوأ حالا من الفقير وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - الفقير أسوأ حالا من المسكين وبين أهل اللغة فيه اختلاف ومن قال بأن المسكين أسوأ حالا قال الفقير الذي يملك شيئا ولكن لا يغنيه قال الراعي
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
والمسكين من لا يملك شيئا ومن قال الفقير أسوأ حالا من المسكين قال: المسكين من يملك مالا يغنيه قال الله تعالى {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] وقال الراجز
هل لك في أجر عظيم تؤجره ... تغيث مسكينا كثيرا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره
والفقير الذي لا يملك شيئا مشتق من انكسار فقار الظهر، والحديث يشهد لهذا، وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» وفائدة هذه الخلاف إنما تظهر في الوصايا والأوقاف أما الزكاة فيجوز صرفها إلى صنف واحد عندنا فلا يظهر هذا الخلاف. والعاملين عليها، وهم الذين يستعملهم الإمام على جمع الصدقات ويعطيهم مما يجمعون كفايتهم وكفاية أعوانهم، ولا يقدر ذلك بالثمن عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -؛ لأنهم لما فرغوا أنفسهم لعمل الفقراء كانت كفايتهم في مالهم، ولهذا يأخذون مع الغنى، ولو هلك ما جمعوه قبل أن يأخذوا منه شيئا سقط حقهم كالمضارب إذا هلك مال المضاربة في يده بعد التصرف، وكانت الزكاة مجزية عن المؤدين؛ لأنهم نائبون عن الفقراء بالقبض. وأما المؤلفة قلوبهم فكانوا قوما من رؤساء العرب كأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وكان يعطيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بفرض الله سهما من الصدقة يؤلفهم به على الإسلام فقيل كانوا قد أسلموا وقيل كانوا وعدوا أن يسلموا فإن قيل كيف يجوز أن يقال بأنه يصرف إليهم وهم كفار قلنا الجهاد واجب على الفقراء من المسلمين والأغنياء لدفع شر المشركين فكان يدفع إليهم جزءا من مال الفقراء لدفع شرهم وذلك قائم مقام الجهاد في ذلك الوقت، ثم سقط ذلك السهم بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا قال الشعبي انقضى الرشا بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى أنهم في خلافة أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - استبذلوا الخط لنصيبهم فبذل لهم وجاءوا إلى عمر فاستبذلوا خطه فأبى ومزق خط أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وقال: هذا شيء كان يعطيكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأليفا لكم وأما اليوم فقد أعز الله الدين فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف فعادوا إلى أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - وقالوا له: أنت الخليفة أم عمر بذلت لنا الخط ومزقه عمر فقال: هو إن شاء ولم يخالفه.
وأما قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة: 60] فالمراد إعانة المكاتبين على أداء بدل الكتابة بصرف الصدقة إليهم عندنا. وقال مالك - رحمه الله تعالى - المراد أن يشتري بالصدقة عبدا فيعتقه، وهذا فاسد؛ لأن التمليك لا بد منه، وما يأخذه بائع العبد عوض عن ملكه، والعبد يعتق على ملك المولى فلا يوجد التمليك
والدليل عليه ما روي «أن رجلا قال أي رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة فقال: فك الرقبة وأعتق النسمة قال: أو ليسا سواء يا رسول الله قال: لا، فك الرقبة أن تعين في عتقه». وأما قوله تعالى {والغارمين} [التوبة: 60] فهم المديونون الذين لا يملكون نصابا فاضلا عن دينهم. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: المراد من تحمل غرامة في إصلاح ذات البين وإطفاء الثائرة بين القبيلتين. وأما قوله تعالى {وفي سبيل الله} [التوبة: 60] فهم فقراء الغزاة هكذا قال أبو يوسف. وقال محمد: هم فقراء الحاج المنقطع بهم. لما روي «أن رجلا جعل بعيرا له في سبيل الله فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمل عليه الحاج» وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: الطاعات كلها في سبيل الله تعالى ولكن عند إطلاق هذا اللفظ المقصود بهم الغزاة عند الناس.
ولا يصرف إلى الأغنياء من الغزاة عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله تعالى -. واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة وذكر من جملتهم الغازي في سبيل الله تعالى» ولكنا نقول: المراد الغنى بقوة البدن والقدرة على الكسب إنما تكون بالبدن لا بملك المال بدليل الحديث الآخر «وردها في فقرائهم». وأما ابن السبيل فهو المنقطع عن ماله لبعده منه والسبيل الطريق فكل من يكون مسافرا على الطريق يسمى ابن السبيل كمن يكون فقيرا، أو غنيا يسمى ابن الفقر وابن الغنى، وابن السبيل غني ملكا حتى تجب الزكاة في ماله ويؤمر بالأداء إذا وصلت يده إليه، وهو فقير يدا حتى تصرف إليه الصدقة للحال لحاجته، ثم هؤلاء الأصناف مصارف الصدقات لا مستحقون لها عندنا حتى يجوز الصرف إلى واحد منهم. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: هم مستحقون لها حتى لا تجوز ما لم تصرف إلى الأصناف السبعة من كل صنف ثلاثة واستدل بالآية وبحديث «إن الله تعالى لم يرض في الصدقات بقسمة ملك مقرب، ولا نبي مرسل حتى تولى قسمتها من فوق سبعة أرقعة» واعتبر أمر الشرع بأمر العباد فإن من أوصى بثلث ماله لهؤلاء الأصناف لم يجز حرمان بعضهم فكذلك في أمر الشرع.
(ولنا) قوله تعالى {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم} [البقرة: 271] . وقال - صلى الله عليه وسلم - «لمعاذ - رضي الله عنه - وردها في فقرائهم» وبعث عمر - رضي الله عنه - بصدقة إلى بيت أهل رجل واحد هكذا نقل عن ابن عباس وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - وقد بينا أن المقصود إغناء المحتاج، وذلك حاصل بالصرف إلى واحد، وبه فارق أوامر العباد؛ لأن المعتبر فيها اللفظ دون المعنى فقد تقع خالية عن حكمة حميدة بخلاف أوامر الشرع أما الآية فقد قال ابن عباس:
رضي الله عنه - المراد بيان المصارف فإلى أيهم انصرفت أجزأت كما أن الله تعالى أمره باستقبال الكعبة في الصلاة، وإذا استقبل جزءا كان ممتثلا للأمر.
ألا ترى أن الله تعالى ذكر الأصناف بأوصاف تنبئ عن الحاجة فعرفنا أن المقصود سد خلة المحتاج. .
(قال): ولا يجوز تعجيل عشر ما لم يزرع وعشر ثمر لم يخرج أما تعجيل عشر الثمار قبل ظهور الطلع فلا يجوز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ويجوز في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - ذكره في الإملاء قال؛ لأنه لم يبق بينه وبين الوجوب إلا مجرد مضي الزمان فهو كتعجيل الزكاة بعد كمال النصاب وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى قالا: السبب الموجب لم يوجد؛ لأن الموجود ملك رقاب النخيل، وهو ليس بسبب للعشر حتى لو قطعها لم يلزمه شيء وتعجيل الحق قبل وجود سبب وجوبه لا يجوز كتعجيل الزكاة قبل تمام النصاب أما تعجيل عشر الزرع قبل الزراعة فلا يجوز بالاتفاق؛ لأن الأرض ليست بسبب لوجوب العشر وقد بقي بينه وبين الوجوب عمل سوى مضي الزمان، وهو الزراعة وبعد نبات الزرع يجوز التعجيل بالاتفاق، وأما بعد ما زرع قبل أن ينبت فيجوز في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ لأنه لم يبق بينه وبين وجوب العشر إلا مضي الزمان، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى؛ لأن السبب لم يوجد؛ لأن الحب في الأرض كهو في الحب ليس بسبب لوجوب العشر.
(قال): ولا يعطي زكاته وعشره ولده وولد ولده وأبويه وأجداده وكل من ينسب إلى المؤدي بالولادة، أو ينسب إليه بالولادة، ولا يجوز صرف الزكاة إليه؛ لأن تمام الإيتاء بانقطاع منفعة المؤدي عما أدى والمنافع بين الآباء والأبناء متصلة. قال الله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة} [النساء: 11] فلم يتم الإيتاء بالصرف إليهم فأما من سواهم من القرابة فيتم الإيتاء بالصرف إليه، وهو أفضل لما فيه من صلة الرحم (قال) : ولا يعطي مدبره وعبده وأم ولده؛ لأنهم مماليكه كسبهم له، وكذلك لا يعطي مكاتبه؛ لأن كسب المكاتب دائر بينه وبين المولى فلم يتم الإيتاء بالصرف إليه، وهذا بخلاف ما لو دفع إلى مكاتب غني؛ لأن هناك الإيتاء تم بانقطاع منفعة المؤدي عما أدى، ولم يثبت فيه للغني ملك، ولا يد للحال وكذلك لا يصرف إلى زوجته؛ لأن الإيتاء لا يتم فمال الزوجة من وجه لزوجها قال الله تعالى: {ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى: 8] قيل بمال خديجة. وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - يجوز بناء على أن شهادة الزوج لزوجته جائزة فأما المرأة فلا تعطي زوجها في قول أبي حنيفة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعطيه (واستدلا) بحديث «زينب امرأة عبد الله بن مسعود رحمهما
الله تعالى فإنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصدق على زوجها فقال: يجوز ولك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة»؛ ولأنه لا حق للزوجة في مال زوجها فيتم الإيتاء كما يتم بالصرف إلى الإخوة بخلاف الزوج يصرف إلى زوجته على ما بينا.
وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: لزوجته أصل الولاد، ثم ما يتفرع من هذا الأصل يمنع صرف زكاة كل واحد منهما إلى صاحبه فكذلك الأصل. ألا ترى أن كل واحد منهما متهم في حق صاحبه لا تجوز شهادته له وإن كل واحد منهما يرث صاحبه من غير حجب كما بالولاد وحديث زينب - رضي الله عنها - محمول على صدقة التطوع فقد روي أنها كانت امرأة ضيقة اليد تعمل للناس وتتصدق من ذلك وبه نقول أنه يجوز صرف صدقة التطوع لكل واحد منهما إلى صاحبه وكذلك لو أعطى غنيا، أو ولدا صغيرا لغنى مع علمه بحاله لا يجوز؛ لأن مصرف الصدقات الفقراء بالنص فإن صرف إلى زوجة غني وهي فقيرة، أو إلى بنت بالغة لغنى، وهي فقيرة جاز في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى؛ لأنه صرفها إلى الفقير واستحقاقها النفقة على الغنى لا يخرجها من أن تكون مصرفا كأخت فقيرة لغني فرض عليه نفقتها وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - قال: لا يجوز؛ لأنها مكفية المؤنة باستحقاق النفقة على الغني بالإنفاق فهو نظير ولد صغير لغني وكذلك لو صرفها إلى هاشمي أو مولى هاشمي، وهو يعلم بحاله لا يجوز لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تحل الصدقة لمحمد، ولا لآل محمد» وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعمل الأرقم بن أبي الأرقم على الصدقات فاستتبع أبا رافع فجاء معه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: يا أبا رافع إن الله تعالى كره لبني هاشم غسالة الناس، وإن مولى القوم من أنفسهم».
وهذا في الواجبات فأما في التطوعات والأوقاف فيجوز الصرف إليهم وذلك مروي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى في النوادر؛ لأن في الواجب المؤدي يطهر نفسه بإسقاط الفرض فيتدنس المؤدى بمنزلة الماء المستعمل وفي النفل يتبرع بما ليس عليه فلا يتدنس به المؤدى كمن تبرد بالماء فإن أعطاه غنيا، وهو لا يعلم بحاله فإنه يجزي إن وقع عنده أنه فقير، أو سأله فأعطاه، أو كان جالسا مع الفقراء، أو كان عليه زي الفقراء، ثم تبين أنه غني جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولم يجز عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى -، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -؛ لأن الخطأ ظهر له بيقين؛ لأن المصرف في الصدقات الفقراء دون الأغنياء فلا يجزئه كمن توضأ بالماء، ثم تبين أنه نجس، أو قضى القاضي في حادثة باجتهاد، ثم ظهر نص بخلافه ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما
الله تعالى أن الواجب عليه الصرف إلى من هو فقير عنده وقد فعل فيجوز كما إذا صلى الإنسان إلى جهة بالتحري، ثم ظهر الأمر بخلافه، وهذا؛ لأن الغنى والفقر لا يوقف عليهما وقد لا يقف الإنسان على غنى نفسه فضلا عن غيره والتكليف إنما يثبت بحسب الوسع بخلاف النص فإنه مما يوقف على حقيقته وكذلك يوقف على نجاسة المال وطهارته.
وإن تبين أنه دفع إلى أبيه، أو ابنه جاز في ظاهر الرواية عندهما وذكر ابن شجاع رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا يجوز. وجه تلك الرواية أن النسب مما يحكم به ويمكن معرفته حقيقة فيتبين الخطأ بيقين كما لو ظهر أنه عبده، أو مكاتبه. وجه ظاهر الرواية حديث «معن بن يزيد - رضي الله عنه - قال دفع أبي صدقته إلى رجل ليصرفها ويفرقها على المساكين فأعطاني فلما رآه أبي في يدي فقال: ما إياك أردت يا بني فقلت ما أنا بالذي أرده عليك فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا معن لك ما أخذت ويا يزيد لك ما نويت» فقد جوز الصرف إلى الولد عند الاشتباه وكان المعنى فيه أن الصرف إلى الولد قربة بدليل التطوع فأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكثر مما هو مستحق عن المؤدي عند الاشتباه مقام الكمال في حكم الجواز وكذلك إذا تبين أن المدفوع إليه هاشمي فهو على هاتين الروايتين وإن تبين أن المدفوع إليه ذمي فهو على هاتين الروايتين أيضا؛ لأن الكفر يحكم به ويوقف على حقيقته وإن تبين أن المدفوع إليه حربي قال في كتاب الزكاة يجوز. وتأويله أنه إذا كان مستأمنا في دارنا فهو كالذمي وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - ذكر في جامع البرامكة عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا يجزئه؛ لأن التصدق على الحربي ليس بقربة أصلا فلا يمكن أن يقام مقام ما هو قربة عند الاشتباه.
(قال): ويكره أن يعطي رجلا من الزكاة مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين، أو له عيال وإن أعطاه جاز وعند زفر - رحمه الله تعالى - لا يجزئه إعطاء المائتين وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه لا بأس بإعطاء المائتين إليه إنما يكره أن يعطيه فوق المائتين وزفر - رحمه الله تعالى - يقول: غنى المدفوع إليه يقترن بقبضه وذلك مانع من جوازه، ولكنا نقول الغنى يحصل بالملك، وذلك حكم يثبت بعد قبضه فلم يقترن الغنى بالدفع والقبض فلا يمنع الجواز ولكن يعقبه متصلا به فأوجب الكراهة للقرب كمن صلى وبقربه نجاسة جازت الصلاة للموقوف على مكان طاهر، وكان مكروها للقرب من النجاسة وأبو يوسف يقول: جزء من المائتين مستحق لحاجته للحال والباقي دون المائتين فلا تثبت به صفة الغنى إلا أن يعطيه فوق
المائتين.
، ثم الغنى الذي يثبت به حرمة أخذ الصدقة أن يملك مائتي درهم أو ما يساويها فضلا عن حاجته عندنا. وقال سفيان الثوري: أن يملك خمسين درهما وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - إذا كان صاحب عيال لا تغنيه المائتان جاز صرف الزكاة إليه وإن كان يملك المائتين لقيام حاجته كابن السبيل تصرف إليه الزكاة وإن كان مالكا للمال. وسفيان - رحمه الله تعالى - استدل بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من سأل الناس، وهو غني عن المسألة جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا، أو خموشا، أو كدوشا في وجهه قيل وما الغنى يا رسول الله قال أن يملك خمسين درهما». وتأويله عندهما في حرمة السؤال والطلب وبه نقول: «قال - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله تعالى عنه: ما أتاك من هذا المال من غير طلب، ولا استشراف فخذه فإنه مال الله تعالى يؤتيه من يشاء» وذم السوال لقوله - صلى الله عليه وسلم - «السؤال آخر كسب العبد أي يبقى في ذله إلى يوم القيامة».
وإن كان قادرا على الكسب وليس له عيال، ولا مال يجوز صرف الزكاة إليه عندنا، ولا يجوز عند الشافعي - رحمه الله تعالى - لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوى». وتأويله عندنا حرمة الطلب والسؤال. ألا ترى ما روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقسم الصدقات فقام إليه رجلان يسألانه فنظر إليهما ورآهما جلدين فقال: أما أنه لا حق لكما فيه وإن شئتما أعطيتكما، معناه لا حق لكما في السؤال». ألا ترى أنه جوز الإعطاء لهما وقيل كان الحكم في الابتداء أن حرمة الأخذ كانت متعلقة بقوة البدن، ثم انتسخ بملك خمسين، ثم انتسخ ذلك واستقر الأمر على ملك النصاب وإنما حملنا على هذا ليكون الناسخ أخف من المنسوخ كما قال الله تعالى {نأت بخير منها، أو مثلها.} [البقرة: 106]
(قال): رجل له على رجل دين فتصدق به على آخر عن زكاة ماله وأمره بقبضه فقبضه أجزأه؛ لأنه في القبض وكيله فتعين المقبوض ملكا لصاحب المال فكأنه قبض بنفسه، ثم صرف إليه بنية الزكاة فيكون مؤديا العين دون الدين.
(قال): رجل تصدق على رجل بدراهم من ماله عن زكاة مال رجل بغير أمره، ثم علم بعد ذلك ورضي به لم يجزه من زكاته؛ لأن رضاه في الانتهاء إنما يؤثر فيما كان موقوفا عليه، والصدقة عن المتصدق كان تاما غير موقوف فلا يؤثر فيه رضا الآخر به وإن كان تصدق عليه بأمره أجزأه؛ لأنه يصير مستقرضا المال منه إن شرط له الرجوع عليه، أو مستوهبا منه إن لم يشترط له ذلك والفقير يكون نائبا عنه في القبض يقبض له أولا، ثم لنفسه بخلاف ما إذا انعدم
الأمر في الابتداء،



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 13-11-2025, 02:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 15 الى صـــ 27
(48)






ثم لا يرجع المؤدي على الآمر هنا إلا بالشرط بخلاف المأمور بقضاء الدين فهناك أمره أن يملك ما في ذمته بما يؤدي فله حق الرجوع عليه بدون الشرط، وهنا لا يصير مملكا منه شيئا في ذمته بما يؤدي. يوضح الفرق بينهما أن هناك هو مطالب بقضاء الدين يجبر عليه في الحكم فهو بالأداء بأمره سقطت عنه هذه المطالبة فثبت له حق الرجوع عليه وهنا من عليه الزكاة لا يطالب بأداء الزكاة، ولا يجبر عليه في الحكم فلا يثبت للمؤدي بأمره حق الرجوع عليه إلا بالشرط كمن يقول: لغيره عوض هبتي من مالك لفلان فعوضه لا يرجع إلا بالشرط.
(قال): رجل له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال الحول عليها، ثم رجعت قيمتها إلى مائة درهم فإن أراد أداء الزكاة من العين تصدق بربع عشرها خمسة أقفزة بالاتفاق، وإن أراد أداء الزكاة من القيمة قال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى: يؤدي خمسة دراهم معتبرا وقت الوجوب، وقال أبو يوسف: ومحمد رحمهما الله تعالى يؤدي درهمين ونصفا معتبرا وقت الأداء فالأصل عندهما أن الواجب جزء من العين، وهو ربع العشر جاء في الأثر هاتوا ربع عشر أموالكم؛ ولأن الواجب فيما هو مملوك له، وهو العين إلا أن له ولاية نقل الحق من العين إلى القيمة باختياره فتعتبر قيمة العين وقت الاختيار زائدا كان، أو ناقصا وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: الواجب عند حولان الحول إما ربع عشر العين، أو ربع عشر القيمة يتعين ذلك باختياره والمخير بين الشيئين إذا أدى أحدهما تعين ذلك من الأصل واجبا. والدليل على هذا أن تأثير القيمة في إيجاب الزكاة هنا أكثر من تأثير العين حتى إذا كمل النصاب من حيث القيمة تجب الزكاة سواء كان كاملا من حيث العين، أو لم يكن وقد فرع على هذه المسألة بابا في الجامع فما زاد على هذا فيما أمليناه في شرح الجامع وقررنا الفرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد على أصل الكل.
(قال): والعشر واجب في قليل العسل وكثيره عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إذا كان في أرض العشر كما هو مذهبه في باب العشر وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى: ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل العشر ومراده من هذا اللفظ أن تبلغ قيمته قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل تحت الوسق فالحاصل أن ما لا يدخل تحت الوسق كالقطن والزعفران والسكر والعسل عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى - تعتبر القيمة فيه وعند محمد - رحمه الله تعالى - يعتبر فيه خمسة أمثال أعلى ما يقدر به ذلك الشيء ففي القطن يعتبر خمسة أحمال وفي الزعفران خمسة أمنان وفي السكر كذلك وفي العسل
خمسة أفراق والفرق ستة وثلاثون رطلا فخمسة أفراق تكون تسعين منا هكذا ذكره في نوادر هشام وعن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في الأمالي أن في العسل المعتبر عشرة أرطال وروى عشر قرب كما ورد به الحديث. وجه قول محمد - رحمه الله تعالى - أن غير المنصوص عليه يقاس على المنصوص عليه لمعنى مؤثر يجمع بينهما والمنصوص عليه خمسة أوسق فيما يدخل تحت الوسق؛ لأن الوسق أعلى ما يقدر به ذلك الجنس فكذلك في كل مال يعتبر فيه خمسة أمثال أدنى ما يقدر به وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: نصب النصاب بالرأي لا يكون ولكن فيما فيه نص يعتبر المنصوص وما لا نص فيه المعتبر هو القيمة كما في عروض التجارة مع السوائم في حكم الزكاة.
(قال): رجل له أرض عشرية وفيها نحل لا يعلم به صاحبها فجاء رجل وأخذ عسلها فهو لصاحب الأرض، وفيه العشر وإن كانت لم تتخذ لذلك أما كونه لصاحب الأرض فلأنه صار محرزا له بملكه فكانت يده إليه أسبق حكما فيكون هو أولى بملكه، وهذا بخلاف الطير إذا فرخ في أرض رجل فجاء رجل، وأخذه فهو للآخذ؛ لأن الطير لا يفرخ في موضوع ليتركه فيه بل ليطيره إذا قوي ذلك فلم يصر صاحب الأرض محرزا للفرخ بملكه فكان للآخذ فأما النحل فيعسل في الموضع ليتركه فيه فصار صاحب الأرض محرزا له بملكه كالماء إذا اجتمع في أرض فاجتمع منه الحمأ والطين فهو لصاحب الأرض، ووجوب العشر عليه باعتبار أنه نماء في أرض العشر. وقال في كتاب الزكاة: إذا وجد الجوز، أو اللوز في جبل ففيه العشر وروي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه لا شيء فيه؛ لأنه مباح كالصيود والعشر فيما يكون من نماء أرض العشر. وجه ظاهر الرواية أن الموجود نماء كله فلا فرق في وجوب حق الله تعالى بين أن يكون في ملكه، أو في غير ملكه كخمس المعادن.
(قال): ومن أحيا أرضا ميتة فهي له إذا كان بإذن الإمام في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى هي له سواء أذن له الإمام، أو لا لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ومثل هذا اللفظ لبيان السبب في لسان صاحب الشرع كقوله - صلى الله عليه وسلم - «من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر» وقال - صلى الله عليه وسلم: «ألا إن عادي الأرض لله ورسوله، ثم هي لكم مني» وبعد وجود الإذن من صاحب الشرع لا حاجة إلى إذن أحد من الأئمة وأبو حنيفة استدل بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ليس لأحدكم إلا ما طابت به نفس إمامه» فتبين بهذا الحديث شرط الملك، وهو إذن الإمام كما تبين بما ورد السبب، وهو
الإحياء والحكم بعد وجوب السبب يتوقف على وجود شرطه، ثم الناس في الموات من الأراضي سواء فلو لم يشترط فيه إذن الإمام أدى إلى امتداد المنازعة والخصومة بينهم فيها فكل واحد منهم يرغب في إحياء ناحية وجعل التدبير في مثله إلى الأئمة يرجع إلى
المصلحة
لما فيه من إطفاء ثائرة الفتنة، وهذه المسألة تعود في كتاب الشرب مع بيان حد الموات فما زاد على هذا نبينه هناك إن شاء الله تعالى.
[باب ما يوضع فيه الخمس]
(قال) من أصاب ركازا وسعه أن يتصدق بخمسه على المساكين وإذا أطلع الإمام على ذلك أمضى له ما صنع؛ لأن الخمس حق الفقراء والمساكين وقد أوصله إلى مستحقه، وهو في إصابة الركاز غير محتاج إلى حماية الإمام فكان هو في الحكم كزكاة الأموال الباطنة وإن كان محتاجا إلى جميع ذلك وسعه أن يمسكه لنفسه لقول علي - رضي الله تعالى عنه - وإن وجدتها في قرية خربت على عهد فارس فخمسها لنا وأربعة أخماسها لك وسنتمها لك أي نعطيك الخمس منها أيضا؛ ولأن وجوب الخمس في المصاب باعتبار أنه مما أوجف عليه المسلمون فلا يكون الوجوب على المصيب خاصة فهو في كونه مصرفا كغيره ولو رأى الإمام في خمس الغنائم أن يصرفها إلى الغانمين لحاجتهم وسعه ذلك فكذلك هذا المصيب في الخمس وإن تصدق بالخمس على أهل الحاجة من أولاده وآبائه جاز؛ لأنه لما جاز له وضعه في نفسه عند حاجته ففي آبائه وأولاده أولى، وهو نظير خمس الغنائم إذا رأى الإمام أن يضعه في أولاد الغانمين وآبائهم.
(قال): وما جبي من الخراج فهو لجميع المسلمين يعطي الإمام منه أعطية المقاتلة وفي نوائب المسلمين. والحاصل أن ما يجبى إلى بيت المال أنواع أربع أحدها الخمس ومصرفه ما قال الله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] الآية قال عطاء بن أبي رباح سهم الله وسهم الرسول واحد. وقال قتادة: ذكر اسم الله تعالى لافتتاح الكلام فكان الخمس يقسم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسة، ثم سقط سهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموته عندنا. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى: هو مصروف إلى كل خليفة بعده؛ لأنهم نائبون منا به محتاجون إلى ما كان محتاجا إليه من جوائز الوفود والرسل.
(ولنا) أن الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ما رفعوا هذا السهم لأنفسهم وكان لرسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بسبب النبوة ولم ينتقل ذلك إلى أحد بعده فهو نظير الصفي الذي كان يصطفيه لنفسه وكذلك سهم ذوي القربى بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا. وبيانه في كتاب السير وبقي المصرف لليتامى والمساكين وابن السبيل. وجاء في الحديث أن الخلفاء الراشدين قسموا الخمس على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وأبناء السبيل. والنوع الثاني الصدقات والعشور وقد بينا مصارفها. والنوع الثالث الخراج والجزية وما يؤخذ من صدقات بني تغلب وما يأخذ العاشر من أهل الذمة ومن أهل الحرب إذا مروا عليه فهذا النوع مصروف إلى نوائب المسلمين.
ومنها إعطاء المقاتلة كفايتهم وكفاية عيالهم؛ لأنهم فرغوا أنفسهم للجهاد ودفع شر المشركين عن المسلمين فيعطون الكفاية من أموالهم ومن هذا النوع إيجاد الكراع والأسلحة وسد الثغور وإصلاح القناطر والجسور وسد البثق وكري الأنهار العظام. ومنه أرزاق القضاة والمفتين والمحتسبين والمعلمين وكل من فرغ نفسه للعمل من أعمال المسلمين على وجه الحسبة فكفايته في هذا النوع من المال. والنوع الرابع تركة من لا وارث له من المسلمين، أو من يرثه الزوج، أو الزوجة فقط فإن الباقي مصروف إلى بيت المال، وما يوجد من اللقطة إذا لم يعرفها أحد فهو موضوع في هذا النوع من بيت المال ومصروف هذا النوع نفقة اللقيط وتكفين من يموت من المسلمين، ولا مال له، وهو معنى قول محمد - رحمه الله تعالى - فعلى الإمام أن يتقي الله في صرف الأموال إلى المصارف فلا يدع فقيرا إلا أعطاه حقه من الصدقات حتى يغنيه وعياله وإن احتاج بعض المسلمين، وليس في بيت المال من الصدقات شيء أعطى الإمام ما يحتاجون إليه من بيت مال الخراج، ولا يكون ذلك دينا على بيت مال الصدقة لما بينا أن الخراج وما في معناه يصرف إلى حاجة المسلمين بخلاف ما إذا احتاج الإمام إلى إعطاء المقاتلة، ولا مال في بيت مال الخراج صرف ذلك من بيت مال الصدقة وكان دينا على بيت مال الخراج؛ لأن الصدقة حق الفقراء والمساكين فإذا صرف الإمام منها إلى غير ذلك للحاجة كان ذلك دينا لهم على ما هو حق المصروف إليهم، وهو مال الخراج.
(قال): وما أخذ من صدقات بني تغلب وضع موضع الخراج لما مر وما أخذ من صدقات أهل بلد رد على فقرائهم كما «أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عنه» وحكى ابن المبارك عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى قال لا تخرج الزكاة من بلد إلى بلد إلا لذي قرابة وقد بينا هذا (قال) وإذا لم يبق محتاج من أهل تلك البلدة
فإن كان بقرب منهم محتاج فهو أحق من فقراء غيرهم لقربهم فلو وضعها الإمام في أهل الحاجة من غيرهم وسعه ذلك فإن أخرجها إلى غيرهم جاز، وهو مكروه وقد تقدم بيان هذا الفصل
(قال): ومن كان غنيا ولم يقر وليس في الديوان اسمه، ولا يلي للمسلمين شيئا لم يعط من الخراج شيئا؛ لأنه مشغول بالكسب لنفسه، ولا يعمل للمسلمين عملا فلا يستحق شيئا من مالهم.
(قال): وتجب للإمام نفقته في بيت المال قدر ما يغنيه يفرض له ذلك لما روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - لما استخلف رآه عمر يحمل شيئا من متاع أهله فقال: إلى أين يا خليفة رسول الله فقال: إلى السوق أبيع متاعا لأهلي لأنفقه في حوائجي فجمع الصحابة وفرضوا له كل يوم درهمين وثلثي درهم، أو ثلاثة دراهم وثلثا درهم على ما اختلفت الروايات فيه إلا أنه روي أنه أوصى إلى عائشة عند موته أن ترد ذلك كله حتى قال عمر - رضي الله عنه: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من بعدك وعمر في خلافته كان يأخذ الكفاية من بيت المال على ما روي عنه أنه قال: إن الجزور ينحر كل يوم والعنق منه لآل عمر أما عثمان - رضي الله عنه - فكان لا يأخذ شيئا من بيت المال لثروته ويساره وأما علي فكان يأخذ على ما روي أنه قال: إن مالي من مالكم كل يوم قصعتا ثريد فالحاصل أن الإمام إذا كان غنيا فالأولى أن لا يأخذ وإن كان محتاجا أخذ كفايته وكفاية عياله على ما أشار الله تعالى إليه في حق الأوصياء {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6]
(قال)، ولا شيء لأهل الذمة في بيت المال وإن كانوا فقراء؛ لأنه مال المسلمين فلا يصرف إلى غيرهم وكذلك لا يرد عليهم مما أخذ منهم العاشر شيئا؛ لأن المأخوذ صار حقا للمسلمين ومن الناس من قال: إذا كان محتاجا عاجزا عن الكسب يعطى قدر حاجته لما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى شيخا من أهل الذمة يسأل فقال: ما أنصفناه أخذنا منه في حال قوته ولم نرد عليه عند ضعفه وفرض له من بيت المال ولكن الحديث شاذ فلم يأخذ به علماؤنا، ورأوا أن من الترغيب له في الإسلام أن لا يعطى من مال المسلمين شيئا ما لم يسلم.
(قال): وأمير الجيش في الغنيمة بمنزلة رجل من الجند إن كان فارسا فله سهم الفرسان وإن كان راجلا فله سهم الرجالة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل سهمه في الغنيمة كسهم واحد من المسلمين وكذلك من جاهد بعده من الخلفاء الراشدين وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الغنائم ثلاث حظوظ: خمس الخمس وصفي يصطفيه لنفسه من درع، أو سيف، أو جارية وسهم كسهم أحدهم فخمس الخمس والصفي كان هو مختصا به أخذهما
بولاية النبوة فليس من ذلك شيء لأمراء الجيوش وبعده بقي السهم فهو لأمراء الجيوش كما كان يأخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم بالصواب.
[كتاب نوادر الزكاة]
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله تعالى - اعلم أن مسائل أول الكتاب مبنية على الأصل الذي بيناه في كتاب الزكاة، وهو أن ضم النقود بعضها إلى بعض في تكميل النصاب باعتبار معنى المالية فإن الذهب والفضة، وإن كانا جنسين صورة ففي معنى المالية هما جنس واحد على معنى أنه تقوم الأموال بهما، وأنه لا مقصود فيهما سوى أنهما قيم الأشياء وبهما تعرف خيرة الأموال ومقاديرها ووجوب الزكاة باعتبار المالية قال الله تعالى: {في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] ثم اعتبار كمال النصاب لأجل صفة الغنى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» والغنى بهما يكون بصفة واحدة واعتبار كمال النصاب لمعرفة مقدار الواجب، وهما في مقدار الواجب فيهما كشيء واحد فإن الواجب فيهما ربع العشر على كل حال، وكذلك وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء فإنها لا تجب إلا في المال النامي ومعنى النماء فيها بطريق التجارة، وربما يحصل بالتجارة في الذهب النماء من الفضة أو على عكس ذلك فكانا بمنزلة عروض التجارة في معنى النماء وعروض التجارة، وإن كانت أجناسا مختلفة صورة يضم بعضها إلى بعض في حق حكم الزكاة، فكذلك النقود.
ألا ترى أن نصاب كل واحد منهما يكمل بما يكمل به نصاب الآخر، وهو العروض فكذلك يكمل نصاب أحدهما بالآخر بخلاف السوائم ثم على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يضم أحد النقدين إلى الآخر باعتبار القيمة وعندهما باعتبار الأجزاء؛ لأن المقصود تكميل النصاب، ولا معتبر بالقيمة فيه.
ألا ترى أن من كانت له عشرة دنانير وهي تساوي مائتي درهم لا تجب عليه الزكاة، والدليل عليه أن المعتبر صفة المالية والمالية من الذهب والفضة باعتبار الوزن إليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله «جيدها ورديئها سواء» وباعتبار الوزن لا يمكن تكميل النصاب إلا من حيث الأجزاء.
وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - يقول: ضم الأجناس المختلفة بعضها إلى بعض في تكميل النصاب لا يكون إلا باعتبار القيمة
كما في عروض التجارة، وهذا؛ لأن المعتبر صفة المالية، وصفة الغنى للمالك، ذلك إنما يحصل باعتبار القيمة، وإنما لا تعتبر قيمة النقد عند الانفراد فأما عند مقابلة أحدهما بالآخر فتعتبر القيمة
ألا ترى أن من كسر على إنسان قلب فضة جيدة فإنه يجب عليه قيمته من الذهب فلما كان في حقوق العبادة تعتبر القيمة عند مقابلة أحدهما بالآخر فكذلك في حق الله تعالى تعتبر القيمة عند ضم أحدهما إلى الآخر. إذا عرفنا هذا فنقول: رجل له ثمانية دنانير ثمنها مائة درهم ومائة درهم حال عليهما الحول فعليه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن نصابه بلغ مائتي درهم باعتبار القيمة وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا زكاة عليه؛ لأن نصابه ناقص باعتبار الأجزاء فإنه يملك نصف نصاب من الفضة وخمسي نصاب الذهب فإذا جمعت بينهما كانت أربعة أخماس نصاب ونصف خمس.
وقد روي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أيضا أنه إذا كانت له خمسة وتسعون درهما ودينار قيمته خمسة دراهم فإنه يلزمه الزكاة باعتبار أن كل دينار ثمن خمسة دراهم فثمن خمسة وتسعين درهما تسعة عشر دينارا فإن ضمها إلى الدينار يكون عشرين دينارا، وبهذه الرواية يتبين أن على أصله يقوم الذهب تارة بالفضة والفضة تارة بالذهب، ذلك لأجل الاحتياط وتوفير المنفعة على الفقراء (قال) : وإن كان له مائة وخمسون درهما وخمسة دنانير ثمنها خمسون درهما فعليه الزكاة بالاتفاق؛ لأن النصاب كامل من حيث القيمة، ومن حيث الأجزاء فإنه يملك ثلاثة أرباع نصاب الفضة وربع نصاب الذهب، وكذلك إن كانت له خمسة عشر دينارا وخمسون درهما ثمنها خمسة دنانير، أو كانت له عشرة دنانير ومائة درهم ثمنها عشرة دنانير فعليه الزكاة بالاتفاق لكمال النصاب سواء اعتبر الضم بالأجزاء أو بالقيمة ولم يبين في الكتاب أنه من أي الجنسين تؤدى الزكاة، والصحيح أنه يؤدي من كل واحد منهما ربع عشره؛ لأن الواجب فيهما ربع العشر بالنص قال - صلى الله عليه وسلم - «في الرقة ربع العشر» وقال عمر - رضي الله تعالى عنه: هاتوا عشور أموالكم وفي أداء ربع العشر من كل نوع
مراعاة النظر
لصاحب المال والفقراء
ألا ترى أن بعد تمام الحول لو هلك أحد النوعين لم يكن عليه أن يؤدي من النوع الآخر إلا ربع عشره فكذلك في حال بقاء النوعين.
(قال): ولو أن رجلا له ألف درهم حال عليها الحول ثم أضاف إليها ألفا أخرى ثم خلطهما ثم ضاعت منها ألف درهم فعليه أن يزكي خمسمائة إذا لم يعرف الذي ضاع من
الذي بقي؛ لأن نصف المال كان مشغولا بحق الفقراء ونصفه كان فارغا عن حقهم، وليس صرف الهلاك إلى أحد النوعين بأولى من الآخر فيجعل الهالك منهما والباقي منهما كما هو الأصل في المال المشترك فإنما بقي من مال الزكاة خمسمائة، وهذا بخلاف ما إذا اشتمل المال على النصاب والوقص فهلك منهما شيء يجعل الهالك من الوقص خاصة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى نحو ما إذا كان له فوق النصاب ثمانون من الغنم فحال عليها الحول ثم هلك أربعون فعليه في الباقي شاة؛ لأن هناك الوقص تبع للنصاب باسمه وحكمه فإنه لا يتحقق الوقص إلا بعد النصاب، وهذا هو علامة الأصل مع التبع فإن التبع يقوم بالأصل والأصل يستغني عن التبع ثم لا يتحقق المعارضة بين التبع والأصل وجعل الهالك من المالين باعتبار المعارضة فأما هنا فأحد الألفين ليس بتبع للآخر فتتحقق المعارضة بينهما فلهذا يجعل الهالك منهما، وهو بمنزلة مال المضاربة إذا كان فيها ربح فهلك منها شيء يجعل الهالك من الربح خاصة؛ لأنه تبع لرأس المال والمال المشترك بين الشريكين إذا هلك منه شيء يجعل الهالك من نصيب الشريكين والباقي من نصيبهما.
فإن قيل لماذا لم يجعل صاحب المال بهذا الخلط مستهلكا لمال الزكاة حتى يكون ضامنا اعتبارا لحقوق العباد فإنه لو غصب ألف درهم وخلطها بألف من ماله كان ضامنا. قلنا؛ لأن هناك حق المغصوب منه في عين الدراهم حتى لو أراد أن يمسك تلك الدراهم ويعطيه غيرها لم يكن له ذلك، والخلط استهلاك العين على معنى أنه لا يتوصل بعده إلى تلك العين فأما حق الفقراء هنا ففي معنى المالية بدليل أن لصاحب المال أن يؤدي الزكاة من دراهم غير تلك الدراهم، ومن جنس آخر من المال، وليس في هذا الخلط تفويت معنى المالية، ولا إخراج المال من أن يكون محلا لحق الفقراء فلهذا لا يضمن بالخلط شيئا فإن عرف مائة درهم من الباقي أنها من دراهمه الأولى ولم يعرف غيرها فإنه يزكي هذه المائة درهمين ونصفا؛ لأنه يعرف أن ربع عشرها حق الفقراء ويزكي تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي؛ لأنه لما عرف المائة بقي المشتبه ألف وتسعمائة فإذا جعلت كل مائة سهما كانت عشرة أسهم من ذلك فارغة عن الزكاة وتسعة أسهم مشغولة بالزكاة فما هلك يكون منها بالحصة، وما بقي كذلك فلهذا يزكي تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي، ولو عرف مائة درهم أنها من دراهمه الأخرى ولم يعرف غير ذلك فلا شيء عليه في هذه المائة؛ لأنه لم يحل عليها الحول وعليه أن يزكي عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءا مما بقي؛ لأن المشتبه تسعة عشر
سهما عشرة من ذلك مال الزكاة وتسعة فارغة فيكون الهلاك منهما بالحصة والباقي كذلك.
(قال): رجل له ألف درهم سود وألف درهم بيض فلما كان قبل الحول بشهر زكى خمسة وعشرين درهما من البيض فهذه المسألة على ثلاثة أوجه إما أن يهلك البيض قبل كمال الحول أو تستحق، أو يتم الحول على المالين فإن ضاعت البيض قبل الحول، وتم الحول على السود يجزئه ما أدى عن زكاة السود؛ لأنه إنما عجل ما يجب عليه من الزكاة عند كمال الحول، وهو زكاة السود فالمعجل يجزي من ذلك بمنزلة ما لو أدى بعد كمال الحول خمسة وعشرين درهما بيضا بزكاة السود، وهذا؛ لأن البيض والسود جنس واحد في حكم الزكاة فلهذا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب والمعتبر في الجنس الواحد أصل النية فأما نية التعيين فغير معتبرة في الجنس الواحد إذا لم يكن مفيدا كمن عليه قضاء أيام من رمضان وصام بعددها ينوي القضاء يجزئه، وإن لم يعين في نيتة يوم الخميس والجمعة، وهذا بخلاف ما إذا كانت له خمس من الإبل وأربعون من الغنم فعجل زكاة الغنم شاة ثم ضاعت الغنم، وتم الحول على الإبل فإن المعجل لا يجزئ عن زكاة الإبل؛ لأنهما جنسان مختلفان في حكم الزكاة ولهذا لا يضم أحدهما إلى الآخر وعند اختلاف الجنس تعتبر نية التمييز.
ولو استحقت البيض قبل كمال الحول لم يجز المعجل عن زكاة السود؛ لأنه إنما عجل الزكاة من مال الغير فلا يجزئ ذلك عن زكاة ماله وكيف يجزئ، وهو ضامن لما أدى من البيض إلى الفقراء أما هنا إنما عجل الزكاة من مال نفسه؛ لأن بالهلاك لا يتبين أنه لم يكن ملكا له فيجزي المعجل عما يلزمه عند كمال الحول، ولو حال الحول على المالين جميعا ففي رواية هذا الكتاب قال: المعجل يكون من زكاة البيض حتى إذا هلكت البيض بعد كمال الحول فعليه زكاة السود خمسة وعشرون درهما. وقال في الجامع الكبير: المعجل يكون بينهما حتى إذا هلكت البيض فعليه نصف زكاة السود اثنا عشر درهما ونصف درهم.
وجه هذه الرواية أن بعد ما وجبت الزكاة فيهما يجعل الأداء بطريق التعجيل كالأداء بعد كمال الحول، ولو أدى بعد كمال الحول زكاة البيض كان المؤدى عما نواه خاصة فكذلك إذا عجل، وهذا؛ لأن المعارضة قد تحققت حين وجبت الزكاة فيهما فاعتبرنا نيته في التمييز في ترجيح أحدهما عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ولكل امرئ ما نوى» بخلاف ما إذا هلك أحدهما قبل كمال الحول؛ لأن هناك لم تتحقق المعارضة بينهما في حكم الزكاة فإن الزكاة وجبت في إحداهما دون الأخرى.
وجه رواية الجامع، وهي الأصح ما بينا أن السود
والبيض جنس واحد في حكم الزكاة فيسقط اعتبار نية التمييز فيهما فكأنه قصد عند الأداء تعجيل الزكاة فقط فيجعل المؤدى من المالين جميعا إذا وجبت الزكاة فيها، وهذا بخلاف الأداء بعد الوجوب فإنه تفريغ للمال عن حق الفقراء؛ لأن بوجوب الزكاة يصير المال مشغولا بحق الفقراء فكانت نية الأداء عن زكاة البيض مفيدة من حيث إنه قصد به تفريغ البيض دون السود بخلاف التعجيل قبل الوجوب فإنه لا فائدة في نية التمييز هناك، وباعتبار هذا المعنى لو أدى زكاة البيض بعد الوجوب ثم هلكت البيض لم يكن المؤدى عن السود، ولو عجل قبل الوجوب ثم هلكت البيض، وتم الحول على السود كان المعجل من زكاة السود والذي بينا في السود والبيض كذلك الجواب في الذهب والفضة إذا كانت له مائتا درهم وعشرون مثقالا من ذهب فعجل زكاة أحد المالين، أو أدى بعد الوجوب فهي في جميع الفصول مثل ما سبق وعلى هذا لو كان له ألف درهم عينا وألف درهم دينا على إنسان فعجل زكاة العين ثم ضاعت قبل كمال الحول فالمعجل يجزي عن زكاة الدين ولو أدى زكاة العين بعد كمال الحول ثم ضاعت قبل الحول لم يجز المؤدى عن الدين؛ لأنه في الأداء بعد الوجوب إنما قصد تطهير ماله العين وقد حصل مقصوده فكان بقاؤه بعد ذلك وهلاكه سواء في التعجيل وقبل الوجوب إنما قصد إسقاط ما يلزمه من الزكاة عند كمال الحول، وإنما لزمته الزكاة في الدين وأداء العين عن زكاة الدين جائز. وعلى هذا لو كان له عبد وجارية للتجارة قيمة كل واحد منهما ألف فعجل زكاة أحدهما قبل الحول ثم مات الذي عجل الزكاة عنه قبل كمال الحول وتم الحول على الآخر فالمعجل يجزئ عنه بخلاف ما إذا زكى أحدهما بعد الحول ثم مات الذي زكى عنه ولو عجل زكاة أحدهما قبل الحول ثم مات الذي زكى عنه بعد كمال الحول فعليه أن يزكي الباقي على هذه الرواية وعلى رواية الجامع عليه نصف زكاة الباقي؛ لأن المعجل يجزئ عنهما إذا وجبت الزكاة فيهما على تلك الرواية.
(قال): ولو أن رجلا له مائتا درهم فتصدق بدرهم منها قبل الحول بيوم ثم تم الحول وفي يده مائتا درهم إلا درهما فلا زكاة عليه؛ لأن المعجل خرج عن ملكه بالوصول إلى كف الفقير فتم الحول ونصابه ناقص وكمال النصاب عند تمام الحول معتبر لإيجاب الزكاة فإذا لم يجب عليه الزكاة كان المؤدى تطوعا لا يملك استرداده من الفقير لأنه وصل إلى كف الفقير بطريق القربة فلا يملك الرجوع فيه، وهذا؛ لأنه نوى أصل التصديق والصفة فيسقط اعتبار الصفة حين لم يجب عليه الزكاة عند كمال الحول
فيبقى أصل نية الصدقة.
(قال): ولو أن رجلا له جارية للتجارة حال عليه الحول إلا يوما ثم اعورت فتم الحول، وهي كذلك قال: يزكيها عوراء ومراده إذا كانت قيمتها بعد العور نصابا فأما إذا كانت دون النصاب فلا شيء عليه؛ لأن بالعور فات نصفها، وكمال النصاب في آخر الحول معتبر لإيجاب الزكاة فإذا كانت قيمتها مع العور نصابا فعليه أن يزكيها عوراء؛ لأن ما هلك منها قبل كمال الحول يصير في حكم الزكاة كما لم يكن فإن ذهب العور بعد كمال الحول فلا شيء عليه باعتبار ذهاب العور؛ لأن هذه زيادة متصلة بعد كمال الحول وحكم الزكاة لا يسري إلى الزيادة الحادثة بعد كمال الحول متصلة كانت أو منفصلة.
ألا ترى أنه لو كانت قيمتها بعد العور أقل من نصاب فتم الحول، وهي كذلك ثم ذهب العور لم تلزمه الزكاة فكما لا يعتبر ذهاب العور بعد كمال الحول لإيجاب أصل الزكاة فكذلك لا يعتبر لإيجاب أصل الزيادة ولو ذهب العور قبل كمال الحول فتم الحول، وهي صحيحة العينين فعليه زكاة قيمتها صحيحة؛ لأن الزيادة إنما حدثت قبل كمال الحول ومثل هذه الزيادة يضم إلى أصل المال في حكم الزكاة متصلة كانت، أو منفصلة متولدة كانت أو غير متولدة.
ألا ترى أنه لو كانت له ألفا درهم فضاع ألف منهما قبل الحول ثم حال الحول على الباقية فزكاها ثم وجد المال الذي كان ضاع لم يكن عليه فيه زكاة بخلاف ما إذا وجد المال الذي ضاع قبل كمال الحول، وهذا؛ لأن المال الذي ضاع صار تاويا في حكم الزكاة فإذا وجده كان بمنزلة استفادة استفادها من جنس ماله وحكم الزكاة إنما يتقرر بآخر الحول فإذا تقرر حكم الزكاة عليه في الألف لا يلزمه بعد ذلك في الألف الأخرى شيء، وإن وجدها أما إذا وجدها قبل كمال الحول فإنما يقرر حكم الزكاة عليه في ألفين.
ولو كانت الجارية اعورت بعد كمال الحول فعليه أن يزكيها عوراء؛ لأنه هلك نصفها ولو هلكت كلها بعد كمال الحول سقطت عنه الزكاة فكذلك إذا هلك البعض فإن ذهب العور فعليه أن يزكيها صحيحة؛ لأنه تقرر عليه حكم الزكاة في قيمتها صحيحة ثم انتقض بالخسران الذي لحقه، وقد ارتفع ذلك الخسران بذهاب العور فهو نظير ما لو ضاع أحد الألفين بعد كمال الحول فزكى ما بقي ثم وجد الذي كان ضاع فعليه أن يزكيه، وهذا الأصل الذي بيناه في كتاب الغصب أن الزيادة إذا حدثت في محل النقصان كانت جابرة للنقصان وينعدم بها النقصان معنى. يوضحه أن وجوب الزكاة باعتبار المالية، وهي قد عادت بذهاب العور إلى المالية الأولى التي تقررت عليه الزكاة
فيها عند كمال الحول فعليه أن يؤدي ذلك كله
(قال) رجل له ألف درهم حال عليهم الحول ثم ابتاع بها جارية للتجارة قيمتها ثمانمائة فعليه زكاة الألف فإن ماتت الجارية فليس عليه إلا زكاة المائتين؛ لأنه حابى في الشراء بقدر المائتين، وذلك لا يتغابن الناس في مثله فصار مستهلكا محل حق الفقراء في ذلك القدر فيضمن زكاة المائتين وفي مقدار ثمانمائة حول حقهم من محل إلى محل يعدله فإن الجارية التي للتجارة بمنزلة الدراهم في كونها مال الزكاة فيكون هلاك الجارية في يده كهلاك الدراهم، وهذا بخلاف السوائم فإن من وجب عليه الزكاة في خمس من الإبل فاشترى بها أربعين من الغنم ثم هلكت الغنم فهو ضامن للزكاة؛ لأن وجوب الزكاة في السوائم باعتبار العين فإنما النماء مطلوب من عينها والعين الثاني غير الأول.
ألا ترى أن هذا التصرف لو وجد منه في خلال الحول انقطع به الحول فكذلك إذا وجد بعد كمال الحول صار مستهلكا ضامنا للزكاة وهنا وجوب الزكاة في الدراهم وعروض التجارة باعتبار المالية والنماء مطلوب بالتصرف ولهذا لو وجد منه هذا التصرف في خلال الحول لم ينقطع به الحول فإذا وجد بعد كمال الحول لا يصير ضامنا لزكاة أيضا فإن كان ابتاع بالألف جارية لغير التجارة والمسألة على حالها فعليه زكاة الألف ماتت الجارية أو بقيت؛ لأنه صار مستهلكا حق الفقراء بتصرفه فالجارية التي للخدمة ليست بمال الزكاة ألا ترى أن هذا التصرف لو وجد منه في خلال الحول انقطع به الحول فإذا وجد بعد كمال الحول صار ضامنا للزكاة
(قال) رجل عنده جارية للتجارة فولدت ولدا قبل الحول بيوم ثم حال الحول عليها فعليه زكاتهما جميعا؛ لأن الولد إنما ينفصل عن الأم بصفتها وهي عنده للتجارة فولدها كذلك ثم المستفاد في خلال الحول يضم إلى أصل النصاب بعلة المجانسة، وإن لم يكن متولدا من الأصل فالمتولد أولى فإن ولدت بعد الحول بيوم فإنه يزكيها، ولا يزكي ولدها لأن الحول قد انتهى قبل انفصال الولد، وإنما يسري من الأصل إلى الولد ما كان قائما لا ما كان منتهيا.
ألا ترى أن الرق ينتهي بالعتق فالولد الذي ينفصل بعد العتق لا يكون رقيقا، ولا لنا هذا بمنزلة مال استفاده من جنس النصاب بعد كمال الحول فلا تجب فيه الزكاة إلا باعتبار حول جديد فإن قيل لما ولدت بعد الحول بيوم فقد علمنا أن حدوث الولد كان قبل كمال الحول فينبغي أن يثبت فيه حكم الحول قلنا نعم لكن وجوب الزكاة في الولد باعتبار صفة المالية لا باعتبار عينه وصفة المالية
تحدث بعد الانفصال فإن الجنين في البطن لا يكون مالا منقولا ولهذا لا يضمن بالغصب فما به صار الولد محل وجوب الزكاة حادث بعد كمال الحول فلا يسري إليه حكم الزكاة
(قال) رجل له جارية قيمتها ألف درهم فباعها قبل الحول بيوم بثمانمائة درهم فعليه زكاة ثمانمائة درهم؛ لأن وجوب الزكاة عند كمال الحول وماله عند ذلك ثمانمائة ولو استهلك الكل قبل كمال الحول لم يضمن شيئا من الزكاة فكذلك إذا استهلك البعض بتصرفه.
ولو باعها بعد الحول فعليه زكاة الألف؛ لأنه بقدر المحاباة صار مستهلكا ولو استهلك الكل بعد الحول كان ضامنا للزكاة فكذلك إذا استهلك البعض (قال) ، وإن كانت عنده لغير التجارة فباعها قبل الحول بيوم بثمانمائة درهم فإنه يضم هذا إلى ماله فيزكيه مع ماله إذا تم الحول؛ لأن هذا مستفاد من جنس النصاب في خلال الحول ولو باعها بعد الحول بيوم لم يكن عليه زكاة في ثمنها حتى يحول عليه الحول؛ لأنه مستفاد بعد تمام الحول، وهذا؛ لأن الجارية لما لم تكن للتجارة عنده فإنما حدثت المالية له في حكم الزكاة بتصرفه هذا فيكون ثمنها بمنزلة مال وهب له في حكم الزكاة
(قال) ولو كانت الجارية عنده للتجارة وقيمتها ألف درهم فباعها بعد الحول بمائة درهم فعليه زكاة الألف قال؛ لأن هذا مما لا يتغابن الناس فيه بقدره يشير بهذا الفرق بين هذه وبين مسألة الجامع، وهو ما إذا باعها بتسعمائة وخمسين فإنه لا يكون ضامنا شيئا من الزكاة لأن الخمسين ونحوها مما يتغابن الناس فيه وصاحب المال مسلط على التصرف في ماله شرعا بمنزلة الأب والوصي في مال اليتيم وكما أن هنالك يفصل بين ما يتغابن الناس فيه وما لا يتغابن الناس فيه في تصرفها فكذلك هنا يفصل بينهما فإذا كانت المحاباة بقدر ما يتغابن الناس فيه لم يكن مستهلكا شيئا، وإن كانت بقدر ما لا يتغابن الناس فيه كان مستهلكا محل حق الفقراء في مقدار المحاباة فكان ضامنا للزكاة. ولو باعها قبل الحول بيوم بمائة درهم ضم المائة إلى ماله ثم زكاه، ولا شيء عليه في مقدار المحاباة لأنه صار مستهلكا قبل وجوب الزكاة
(قال) ولو كانت له جارية قيمتها خمسمائة فباعها بألف درهم واشتراها المشتري للتجارة ثم حال الحول عليها ثم وجد بها عيبا فردها بقضاء أو بغير قضاء فعلى البائع زكاة الألف؛ لأن حق المشتري عند رد الجارية بالعيب يثبت دينا في ذمة البائع ويتخير هو بين أداء الألف وبين أداء ألف أخرى بناء على الأصل المعروف أن النقود لا تتعين في العقود والفسوخ فهذا دين لحقه بعد الحول فلا يسقط عنه شيء من الزكاة




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 13-11-2025, 03:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي



الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 28 الى صـــ 40
(49)






قال وعلى الراد زكاة خمسمائة درهم لأنه تم الحول وفي ملكه الجارية فقط، وإنما استفاد الزيادة بردها بعد كمال الحول فلهذا لا يلزمه إلا زكاة الخمسمائة فإن قيل إنما كانت قيمة الجارية خمسمائة حين كانت لا عيب فيها فأما مع وجود العيب تكون قيمتها دون الخمسمائة فينبغي أن لا تجب على المشتري زكاة خمسمائة قلنا مراد محمد - رحمه الله تعالى - من هذا الجواب ما إذا كانت قيمتها خمسمائة مع وجود هذا العيب على أن المشتري يستحق الرجوع بحصة العيب إذا تعذر رد الجارية فبهذا الطريق يكون الجزء الفائت بسبب العيب كالقائم حكما فلهذا يلزمه زكاة خمسمائة (قال) ، وإن كانت قيمتها ألف درهم فباعها بخمسمائة ثم حال الحول فوجد المشتري بها عيبا فردها فعلى المشتري زكاة ألف درهم؛ لأنه تم الحول والجارية في ملكه وهي تساوي ألف درهم فتلزمه زكاة الألف سواء ردها بقضاء أو بغير قضاء؛ لأنه مختار في الرد فيكون هذا بمنزلة بيعه إياها بخمسمائة بعد كمال الحول وعلى البائع زكاة خمسمائة؛ لأنه تم الحول وفي ملكه خمسمائة ثم استفاد الزيادة بعد ذلك بالرد عليه فلا يلزمه إلا زكاة خمسمائة
(قال) ولو كان لرجل عبد ثمنه ألف درهم ولآخر جارية ثمنها ألف درهم فتبايعا العبد بالجارية وتقابضا وهما للتجارة جميعا فحال الحول ثم وجد الذي قبض العبد بالعبد عيبا فرده فإن كان رده بقضاء قاض وأخذ جاريته فعلى كل واحد منهما زكاة ألف درهم أما الراد فلأنه تم الحول وفي ملكه العبد ثم استفاد الزيادة بعد ذلك فلا يلزمه إلا زكاة الألف وأما المردود عليه فلأن عين الجارية استحقت من يده من غير اختياره، وذلك مسقط للزكاة عنه فلا يلزمه إلا زكاة ما عاد إليه من المالية، وذلك ألف درهم (قال) ، وإن ردها بغير قضاء قاض فعلى الراد زكاة الألف لما قلنا وعلى المردود عليه زكاة الألفين؛ لأنه تم الحول وفي ملكه جارية قيمتها ألفا درهم ثم أخرجها من ملكه باختياره حين أقال العقد بالعيب بغير قضاء القاضي فيلزمه زكاة الألفين، وهذا؛ لأن الرد بالعيب بغير القضاء فيلزمه زكاة الألفين، وهذا؛ لأن الرد بالعيب بغير قضاء بمنزلة الإقامة، وهو في حق غيرهما كبيع مستقل، وهذا بخلاف ما سبق في الدراهم لأن حق الراد هناك لا يتعين في الدراهم المدفوعة فلا يكون ذلك بمنزلة الاستحقاق وها هنا حق الراد يتعين في الجارية فلهذا جعل بمنزلة الاستحقاق إذا رد العبد بقضاء القاضي ولو كان الذي قبض الجارية هو الذي وجد العيب بها فردها بقضاء، أو بغيره فعليه زكاة الألفين؛ لأنه هو المختار للرد وقد تم الحول وماله ألفا درهم فلا يسقط عنه
شيء من الزكاة بإخراجها من ملكه باختياره
(قال) رجل له جارية للتجارة باعها بألف درهم ثم باعها المشتري من آخر بألف درهم واشتراها كل واحد منهما للتجارة ثم استحقت بعد الحول فعلى المشتري الآخر زكاة ألف درهم، ولا زكاة على واحد من البائعين؛ لأنها لما استحقت من يد المشتري الآخر فقد استوجب الرجوع بثمنها على بائعها، وذلك مال سالم له فعليه زكاته وأما بائعها فقد تبين أنه كان له حق الرجوع على بائعها أيضا بألف درهم فإنما كان ماله ألفا وعليه ألف درهم دين للمشتري الآخر فلا تلزمه الزكاة، وكذلك الأول كان في يده ألف درهم في الحول وعليه ألف درهم دين للمشتري الأول فلا تلزمه الزكاة ومال المديون لا يكون نصاب الزكاة
(قال) رجل له جارية للتجارة بثمن ألفي درهم فباعها بألف درهم بيعا فاسدا واشتراها المشتري بنية التجارة وتقابضا فحال الحول فعلى المشتري أن يردها على البائع بفساد العقد وعلى البائع زكاة ألفي درهم؛ لأنها كانت مضمونة على المشتري بقيمتها وقيمتها ألفا درهم فهي بمنزلة المغصوبة وتبين أن مال البائع عند كمال الحول ألفا درهم وعلى المشتري زكاة الألف؛ لأن قيمتها دين في ذمته فإنما ماله الذي يسلم له ما دفع في ثمنها، وهو ألف درهم فلهذا لا يلزمه إلا زكاة الألف ويستوي إن ردها بقضاء، أو بغير قضاء أو لم يردها ولكن أعتقها المشتري بعد الحول؛ لأن المعتبر هو المالية والمالية التي تسلم للبائع عند كمال الحول مقدارها ألفان فإنه إما أن يرد عليه الجارية أو قيمتها إذا تعذر رد عينها والذي يسلم للمشتري مقدار الألف درهم فيلزمه زكاة الألف
(قال) ولو أن رجلا له مائتا درهم فضاع نصفها قبل كمال الحول بيوم ثم أفاد مائة فتم الحول وعنده مائتا درهم فعليه الزكاة؛ لأن المعتبر كمال النصاب في آخر الحول مع بقاء شيء منه في خلال الحول وقد وجد والمستفاد لو كان قبل هلاك بعض النصاب كان مضمونا إلى النصاب لعلة المجانسة فكذلك بعد هلاك بعض النصاب لبقاء حكم الحول في الموضعين فإن تم الحول ولم يستفد هذه المائة ثم مضت السنة الثانية إلا يوما ثم استفاد مائة ثم تم الحول فلا شيء عليه في الحولين لأنه تم الحول الأول وماله دون النصاب فلم تلزمه الزكاة ولم ينعقد الحول الثاني على ماله لنقصان النصاب في أول هذا الحول، وإنما استفاد المائة وليس على ماله حول ينعقد فلا تلزمه الزكاة ولكن ينعقد الحول من حين استفاد المائة لأنه تم نصابه الآن فإذا تم الحول من هذا الوقت زكى المائتين
(قال) ولو أن رجلا وهب لرجل ألف درهم ثم حال عليها الحول عنده ثم وهبها الموهوب
له لغيره فعليه زكاتها لأنه صار مستهلكا محل حق الفقراء بما صنع حين أخرج المال من ملكه بغير عوض ومراده ما إذا وهبها لغني فأما إذا وهبها لفقير لم يكن ضامنا شيئا لأن الهبة من الفقير صدقة لا رجوع فيها ومن تصدق بجميع المال بعد كمال الحول لم يكن ضامنا للزكاة، وإن لم ينو الزكاة؛ لأنه في مقدار الزكاة أوصل الحق إلى مستحقه فلو رجع فيها الواهب الآخر فضاعت عنده لم يكن عليه فيها زكاة لأن بالرجوع يعود إلى قديم ملكه ويخرج به من أن يكون مستهلكا محل حق الفقراء فهلاكه في يده بعد الرجوع كهلاكه في يده قبل الهبة، وكذلك لو لم يضع ولكن رجع فيها الأول فلا زكاة على الواهب الثاني، ولا على الأول لأنها استحقت من يد الثاني بغير اختيار فالدراهم تتعين في الهبة والرجوع فيها، ولا زكاة على الأول؛ لأنها لم تكن في ملكه حين تم الحول ويستوي إن كان الأول رجع فيها بقضاء، أو بغير قضاء عندنا خلافا لزفر - رحمه الله تعالى - وعلى قول سفيان الثوري - رحمه الله - ليس للواهب الأول أن يرجع في مقدار الزكاة إذا أدى ولكن الموهوب له يتصدق به على الفقراء وقد بينا هذا في كتاب الهبة
(قال) ولو كان له عبد للتجارة فحال عليه الحول ثم باعه بمثل قيمته فعليه أداء الزكاة من ثمنه إذا قبضه؛ لأنه حول حق الفقراء من محل إلى محل يعدله فلو رده المشتري بخيار الرؤية واسترد الثمن فمات في يد البائع فلا زكاة عليه؛ لأن الرد بخيار الرؤية فسخ من الأصل فإنما عاد العبد إلى قديم ملكه وهلاكه في يده بعد ما عاد كهلاكه قبل البيع، وكذلك لو مات العبد قبل أن يقبض المشتري؛ لأن البيع ينتقض من الأصل بفوات القبض المستحق بالعقد، وكذلك لو رده المشتري بخيار الشرط فمات عند البائع فإن خيار الشرط يمنع تمام الصفقة فالرد بحكمه يكون فسخا من الأصل سواء كان بقضاء، أو بغير قضاء
(قال) رجل له عبد للتجارة فحال الحول، وهو عنده ثم تزوج عليه امرأة ودفعه إليها ثم فجر بها ابن زوجها قبل الدخول فعليها رد العبد لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل الدخول فيلزمها رد الصداق فإن ردته فمات عند الزوج فلا زكاة عليه؛ لأن الفرقة من جهتها قبل الدخول في حكم الفسخ فإنما عاد العبد إلى قديم ملك الزوج فيكون هلاكه بعد الاسترداد كهلاكه قبل النكاح، وهذا؛ لأنه لا بد للملك الجديد من سبب جديد ولم يوجد هنا سبب جديد لملك الزوج في العبد فلا بد من القول بعوده إلى قديم ملكه فلو مات في يدها فهي ضامنة قيمته للزوج؛ لأنه تعذر عليها رد العبد بعد تقرر
السبب الموجب للرد فتلزمه القيمة؛ لأنها قبضته على وجه الملك لنفسها بعوض فيدخل المقبوض في ضمانها فلو قبض الزوج منها القيمة فضاعت في يده فعليه الزكاة لأنه صار مستهلكا محل حق الفقراء بتصرفه حين تزوج على رقبة العبد فإنه أخرجه من ملكه بعوض لا يكون محلا لحق الفقراء فكان ضامنا للزكاة إلا أنه متى عاد إلى قديم ملكه يرتفع حكم الاستهلاك به ولم يعد إلى قديم ملكه حتى هلك في يدها فبقي مستهلكا وهلاك القيمة المقبوضة في يده كهلاك مال آخر، وهو نظير ما لو اشترى جارية للخدمة ثم هلكت الجارية قبل التسليم فاسترد القيمة لم يكن ضامنا للزكاة ولو كان العبد مات في يد بائع الجارية فاسترد قيمته فهلكت القيمة في يده كان ضامنا للزكاة ولو كان مكان العبد عنده ألف درهم فحال عليها الحول ثم تزوج امرأة على ألف درهم ودفع إليها ثم قبلت ابن زوجها بشهوة قبل الدخول فردت الألف إلى الزوج فضاعت منه فعليه الزكاة بخلاف ما سبق لأن هناك لا يجب عليها رد الألف المقبوضة بعينها ولكن لها الخيار إن شاءت ردت تلك الألف، وإن شاءت ردت مثلها فلم يخرج الزوج من أن يكون مستهلكا محل حق الفقراء، وإن ردت تلك الألف وفي الأول عليها رد العبد بعينه فيخرج الزوج من أن يكون مستهلكا بعود العبد إلى قديم ملكه
(قال) ولو حال الحول بعد التسليم إليها ثم قبلت ابنه بشهوة فردت عليه الألف فعليها زكاة الألف للسنة الثانية لأنه لما لم يلزمها رد الألف بعينها كان هذا دينا لحقها بعد الحول فلا يسقط الزكاة عنها وعلى الزوج الزكاة للسنة الأولى، ولا زكاة عليه فيها للسنة الثانية؛ لأنها في السنة الثانية كانت في ملك المرأة ويدها وفي مسألة العبد لو نوت هي التجارة وحققت ذلك وحال الحول عندها ثم قبلت ابن الزوج فردت العبد عليه لم يكن عليها زكاة؛ لأن عين العبد استحقت من يدها بعد وجوب الزكاة، وذلك مسقط للزكاة وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - لا تسقط الزكاة عنها هنا لأن الفرقة جاءت من قبلها فهي التي اكتسبت سبب زوال ملكها عن العبد فتكون متلفة حق الفقراء فتلزمها الزكاة ولكنا نقول لم يوجد منها صنع في إبطال ملكها في العبد؛ لأن صنعها تقبيل ابن الزوج، وذلك غير مبطل ملكها العبد
ألا ترى أنه لو حصل ذلك منها بعد الدخول لم يبطل ملكها في شيء من العبد ولكن المبطل لملكها انفساخ النكاح، ذلك أمر حكمي فلهذا يجعل هذا بمنزلة الاستحقاق من يدها
(قال) رجل له ألف درهم ومائة درهم حال عليها الحول
إلا شهرا فزكى الألف عما يستفيد فيما يستقبل ثم أفاد أربعين ألفا وحال عليها الحول فالمعجل يجزئ من زكاة المستفاد وعليه زكاة المائة؛ لأن بما عجل لم ينقطع حكم الحول فقد بقي في ملكه بعض النصاب، وهو المائة ثم المستفاد مضموم إلى ما بقي عنده في حكم الحول بعلة المجانسة فعند كمال الحول تلزمه الزكاة في الكل وزكاة أربعين ألف درهم ألف درهم وقد عجلها فإنما بقي عليه زكاة المائة درهمان عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ودرهمان ونصف عندهما وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - تعجيل الزكاة إنما يجوز عن المال القائم في ملكه، ولا يجوز عما يستفيده فعليه زكاة المستفاد عند كمال الحول ونحن نقول لما جعل المستفاد بمنزلة الموجود عنده في أول الحول في حكم وجوب الزكاة فيه فكذلك يجعل بمنزلة الموجود عنده في حكم جواز التعجيل فإن تم الحول قبل أن يستفيد شيئا ثم أفاد أربعين ألفا فالمعجل لا يجزي من زكاتها ويجزي من زكاة المائة خاصة، وهذا غلط؛ لأنه تم الحول وفي ملكه مائة درهم فالمعجل قد تم خروجه عن ملكه بالوصول إلى الفقير فلا تجب عليه الزكاة في المائة أصلا إلا أن يكون المعجل يجزي من زكاة المائة ثم حين استفاد أربعين ألفا نعقد الحول على ماله فإذا تم الحول من هذا الوقت كان عليه أن يزكي الكل
(قال) ولو كانت له مائة درهم فتصدق بها عما يفيد ثم أفاد ألف درهم من عامة ذلك فالمعجل لا يجزي من زكاته لأنه إنما عجل قبل كمال النصاب وتعجيل الزكاة قبل النصاب لا يجوز لمعنى، وهو أن جواز التعجيل بعد تقرر السبب والسبب هو كمال النصاب فالأداء قبله يكون تعجيلا قبل وجود السبب، وذلك باطل بمنزلة أداء الصلاة قبل دخول الوقت والصوم قبل دخول شهر رمضان
(قال) فإن كانت له مائتا درهم فتصدق بها كلها عما يفيد ثم أفاد عشرة آلاف درهم من عامة ذلك فإنه يستقبل بها حولا، ولا يجزيه المعجل عما يلزمه من زكاتها؛ لأنه لما تصدق بجميعها فقد انقطع حكم الحول إذ لم يبق في ملكه شيء مما انعقد عليه الحول فإذا انقطع حكم الحول كان المؤدى تطوعا، ولا يجزيه عما يلزمه من الزكاة من مال آخر، وهذا بخلاف ما لو عجل عن المائتين عشرة دراهم زكاة حولين ثم استفاد عشرة دراهم فمضى حولان فالمعجل يجزيه عن زكاة الحولين جميعا؛ لأن هناك قد بقي حكم الحول ببقاء بعض النصاب وملك النصاب الواحد سبب لوجوب الزكاة باعتبار كل حول وحولان الحول شرط لا سبب فلهذا جاز التعجيل أما هنا لم يبق في ملكه شيء مما انعقد عليه الحول وملك ذلك النصاب ليس بسبب لوجوب الزكاة
في مال آخر مقصودا فلهذا لا يجزي المعجل حتى لو بقي عنده درهم من المائتين ثم استفاد عشرة آلاف فتم الحول تلزمه الزكاة ويجزي المعجل عما يلزمه؛ لأنه بقي الحول منعقدا ببقاء جزء من النصاب في ملكه وقد استفاد من جنسه فتم الحول ونصابه كامل فتلزمه الزكاة ويجزيه المعجل عما يلزمه باعتبار هذا الحول
(قال) ولو كانت له مائتا درهم فضاع نصفها بعد كمال الحول فعليه أداء درهمين ونصف اعتبارا للبعض بالكل فإنه لو ضاع الكل يسقط عنه جميع الزكاة فإن ضاع النصف سقط عنه نصف الزكاة ثم هذا على أصلهما واضح فإنما يوجبان الكسور في زكاة الدراهم ابتداء فالبقاء أولى وأبو حنيفة - رحمه الله تعالى - لا يوجب الكسور في زكاة الدراهم ابتداء ولكن يقول ببقاء الكسور بعد الوجوب؛ لأن كمال النصاب معتبر لوجوب الزكاة، وهو غير معتبر لبقاء الواجب
(قال) رجل له ألف درهم حال عليها خمسة أحوال ثم ضاع نصفها فعليه نصف ما وجب عليه في هذه الخمس سنين، وهذا ظاهر؛ لأن هلاك النصف معتبر بهلاك الكل، وإنما الكلام في بيان ما يلزمه فيها في هذه الأحوال فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يلزمه في الحول الأول خمسة وعشرون درهما وفي الحول الثاني أربعة وعشرون درهما؛ لأن مقدار خمسة وعشرين درهما صار دينا عليه ودين الزكاة يمنع وجوب الزكاة عنده، وهو لا يرى الزكاة في الكسور، وإنما يلزمه في السنة الثانية زكاة تسعمائة وستين درهما وهكذا في كل سنة لا يعتبر في ماله ما وجب عليه من الزكاة للسنين الماضية والكسور في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا يعتبر من ماله ما وجب عليه من الزكاة للسنين الماضية وتعتبر الكسور؛ لأنهما يوجبان الزكاة في الكسور، ولا يعتبران بعد النصاب الأول نصابا وعلى قول زفر - رحمه الله تعالى - يلزمه في كل سنة خمسة وعشرون درهما؛ لأن دين الزكاة عنده لا يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة وقد بينا هذا الأصل في كتاب الزكاة
(قال): رجل له ألف درهم حال عليها الحول ثم استفاد ألفا أخرى فحال الحول عليها ثم استفاد ألفا أخرى فحال الحول عليها ثم ضاع نصفها فإنه يزكي في السنة الأولى نصف المال الأول، وفي السنة الثانية ما بقي من نصف المال الأول ونصف المال الآخر، وفي السنة الثالثة ما بقي من المال الأول والمال الثاني ونصف المال الآخر كله؛ لأن الألف الأولى حال عليها ثلاثه أحوال ثم هلك نصفها فعليه فيها للسنة الأولى زكاة نصف الألف وفي السنة الثانية كذلك إلا مقدار
ما وجب فيها للسنة الأولى فإن ذلك صار دينا عليه، وفي السنة الثالثة كذلك إلا مقدار ما وجب عليه للحولين والألف الثانية حال عليها حولان ثم هلك نصفها فعليه أن يزكي للحول الأول نصفها وللحول الثاني كذلك إلا مقدار ما وجب عليه للحول الأول، والألف الثالثة حال عليها حول واحد ثم هلك نصفها فعليه أن يزكي نصفها؛ لأن هلاك بعض المال بعد وجوب الزكاة معتبر بهلاك الكل.
(قال): ولو أن رجلا له أربعون ألف درهم حال عليها الحول ثم أخرج ألف درهم منها يزكيها فتصدق بخمسمائة درهم ثم ضاع عشرون ألف درهم من المال، وبقي تسعة عشر ألفا، وهذه الخمسمائة التي بقيت من الألف التي أخرجها للزكاة فالخمسمائة التي زكى عن تسعة وثلاثين ألفا وخمسمائة؛ لأنه حين أدى كان في ملكه تسعة وثلاثون ألفا سوى الألف التي أخرجها للزكاة فإذا ضمت هذه الخمسمائة المؤداة إلى تسعة وثلاثين ألفا كان الكل تسعة وثلاثين ألفا وخمسمائة، وإنما قصد أداء الزكاة عن جميع ذلك فلهذا تتوزع تلك الخمسمائة على هذه الجملة فما أصاب عشرين ألفا التي هلكت بطل عنه؛ لأنه أدى بعض زكاتها، وهلك البعض وما أصاب تسعة عشر ألفا وخمسمائة يحتسب له من زكاتها، ويؤدي ما بقي من زكاتها اعتبارا لهلاك البعض بهلاك الكل.
(قال): ولو أن رجلا له ثلثمائة درهم فحال عليها ثلاثة أحوال ثم ضاع نصفها فإنه يزكي خمسين ومائة درهم لسنة واحدة، وهذا إنما يستقيم على أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ لأن عنده النصاب الأول يجعل أصلا ويجعل الهلاك فيما زاد على النصاب الأول كأن لم يكن فكأنه كان في ملكه، في الأحوال الثلاثة مائتا درهم فلا يجب فيها إلا خمسة دراهم للحول الأول ثم هلك ربعها فيسقط عنه ربع الواجب، ويبقى ثلاثة أرباعه أما على قول محمد، وهو رواية عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى يجمع بين ما وجب عليه في الأحوال الثلاثة ثم يسقط نصف ذلك بهلاك نصف المال ويبقى النصف لبقاء نصف المال
(قال): ولو أن رجلا تصدق بمال لا ينوي به زكاته فإنه لا يجزيه من زكاته لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ولكل امرئ ما نوى»؛ ولأن الزكاة عبادة مقصودة فلا تتأدى بدون النية ومراده إذا تصدق بمال آخر سوى النصاب فأما إذا تصدق بجميع النصاب الذي وجبت فيه الزكاة فإنه يسقط عنه الزكاة نوى أو لم ينو استحسانا؛ لأن الواجب جزء منه، وقد أوصله إلى مستحقه فإن تصدق ببعض النصاب ففيه اختلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى عند أحدهما لا يسقط شيء
من الزكاة وعند الآخر يسقط عنه مقدار زكاة المؤدى وقد بينا هذا في كتاب الزكاة
(قال): وإن تصدق رجل عنه بأمره من مال نفسه جاز؛ لأن الصدقة تجزي فيها النيابة فأداء الغير بأمر كأدائه بنفسه، وهذا لحصول المقصود به، وهو إغناء المحتاج ثم لا يكون للمؤدي أن يرجع عليه بدون الشرط بخلاف ما لو قضى دينه بأمره فإن الدين كان واجبا في ذمته، وكان هو مطلوبا به مجبرا على قضائه فإذا ملكه المؤدي ببدل أداه من عند نفسه بأمره رجع به عليه، ولا يوجد مثله في الزكاة فإنه كان مخيرا بأدائه، ولا يجبر عليه في الحكم فلم يكن المؤدي مملكا شيئا منه فلا يرجع بدون شرط كما لو عوض عن هبته بأمره، وإن تصدق عنه بغير أمره لم يجز عن الزكاة لانعدام النية منه، وهذا؛ لأن معنى الابتلاء مطلوب في العبادة، ذلك لا يتحقق بأداء الغير بدون أمر من وجبت عليه الزكاة
(قال): ولو أن رجلا له جارية للتجارة حال عليها الحول وهي تساوي مائتي درهم فصارت تساوي أربعمائة درهم ثم اعورت فصارت قيمتها مائة درهم فعليه أن يؤدي الزكاة عن مائة درهم؛ لأن الزيادة الحادثة كانت تبعا للأصل فيجعل ما هلك من الزيادة أولا ويصير ذلك كأن لم يكن فكأنها اعورت حين كان قيمتها مائتي درهم، وتراجعت قيمتها إلى مائة فيسقط عنه نصف الزكاة باعتبار ما هلك، ويبقى النصف باعتبار ما بقي.
ولو كانت عنده جارية قيمتها مائتا درهم حال عليها الحول ثم باعها بثلثمائة درهم ثم توت منه مائتا درهم فعليه أن يزكي المائة؛ لأن الربح كان تبعا للأصل فما توي من الربح صار كأنه لم يكن، وكأنه باعها بمائتين فتوت مائة واستوفى مائة فيلزمه زكاة المائة اعتبارا للبعض بالكل
(قال): رجل له ألف درهم على غني أو فقير فحال عليها الحول ثم تصدق بها عليه، أو أبرأه منها فلا زكاة عليه فيها، ولا تجزيه من زكاة غيرها، وإن نوى ذلك وقد بينا أن أداء الدين بزكاة المال العين لا يجوز؛ لأن العين أكمل من الدين في المالية أما زكاة هذه الألف فلا إشكال أنها تسقط عنه إذا كان المديون فقيرا لأنه أوصل الحق إلى مستحقه، وإن كان المديون غنيا فكذلك الجواب في رواية هذا الكتاب وفي رواية الجامع قال يكون ضامنا زكاتها. وجه تلك الرواية أنه كان المال عينا في يده فوهبه من غني بعد وجوب الزكاة عليه صار مستهلكا حق الفقراء ضامنا للزكاة فكذلك إذا كان دينا فأبرأه منه؛ لأنه لا حق في الزكاة للغني فلا يكون في فعله إيصال الحق إلى مستحقه.
وجه هذه الرواية أن أداء الزكاة عن الدين
لا يجب إلا بعد القبض وحين أبرأه المديون منه فقد انعدم القبض فلا يلزمه أداء الزكاة عنه والأصح ما ذكر في الجامع أنه بالإبراء صار مبطلا الدين بتصرفه فيكون بمنزلة القابض المستهلك كالمشتري إذا أعتق المبيع قبل القبض يصير قابضا حتى يتقرر عليه جميع الثمن ولو تصدق بها على فقير آخر وأمر بقبضها منه ينوي عن زكاته فإن ذلك يجزيه؛ لأن ذلك الفقير وكيل من جهته في القبض فكأنه قبضها بنفسه ثم تصدق بها عليه ينوي من زكاته، وكذلك إن قبضها ثم تصدق بها على المديون، وهو ينوي من زكاته فإنه يجزيه إذا كان فقيرا كما لو تصدق بها على غيره، وإن كان غنيا، وهو يعلم بذلك لم يجزه عن الزكاة ويكون ضامنا زكاة هذه الألف على الروايتين جميعا أما على رواية الجامع فلا يشك فيه وعلى رواية هذا الكتاب فلأنه بالقبض وجب عليه أداء الزكاة فكان هبته منه كهبته من غني آخر، وإن كان لا يعلم بغناه ثم علم بعد الأداء إليه فذلك يجزيه من الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى خلافا لأبي يوسف - رحمه الله تعالى - ومراده إذا تحرى ودفع إليه على أنه فقير وقد بينا هذا في كتاب التحري، وكذلك لو كان المتصدق عليه ذميا فإن دفع الزكاة إلى الذمي مع العلم لا يجوز كدفعه إلى الغني.
وإن تصدق بها على والده، أو ولده أو زوجته، أو تصدقت المرأة بذلك على زوجها وهم لا يعلمون بذلك ثم علموا فإنه لا يجزيهم من الزكاة في رواية هذا الكتاب وفي رواية كتاب الزكاة والتحري قال يجزي ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى واستدلا فيه بحديث معن بن يزيد وقد بينا وجه تلك الرواية ووجه هذه الرواية أن النسب، وإن كان طريق معرفته في الأصل الاجتهاد فإنه بمنزلة المقطوع به شرعا ولهذا لو نفى نسب رجل عن أبيه لزمه الحد فإنما تحول من اجتهاد إلى يقين، ولا معتبر بالاجتهاد بعد اليقين كما لو قضى القاضي في حادثة باجتهاد ثم ظهر نص بخلافه بخلاف مسألة الغني لأن الغني والفقير مما لا يمكن الوقوف على حقيقته فإنما تحول هناك من اجتهاد إلى اجتهاد، وكذلك لو تصدق به على عبد أبيه، أو أمه، وهو لا يعلم به ثم علم بعده لم يجزه عندهم جميعا، وهذا على رواية هذا الكتاب فإن التصدق بالزكاة على عبد بمنزلة التصدق على مولاه ولهذا لو تصدق به على عبد غني، وهو يعلم به فإنه لا يجزيه ولو تصدق به على حربي دخل إلينا بأمان، أو بغير أمان لم يجزه على رواية هذا الكتاب إذا كان لا يعلم وفي رواية كتاب الزكاة جعله بمنزلة التصدق به على الذمي فقال يجزيه في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ووجه هذه الرواية أن التصدق على
الحربي لا يكون قربة
ألا ترى أنه لا يتنفل به، وقد نهينا عن مبرة أهل الحرب قال الله تعالى {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين} [الممتحنة: 9] فلا يقع فعله موقع الصدقة بخلاف التصدق به على الذمي فإنه يقع موقع الصدقة؛ لأنا لم ننه عن المبرة مع من لا يقاتلنا ولهذا جاز التنفيل به
(قال): ولو دخل مسلم دار الحرب بأمان فمكث فيها سنتين فعليه الزكاة في المال الذي خلف وفيما أفاد في دار الحرب؛ لأنه مخاطب بحكم الإسلام حيث ما يكون إلا أن ماله الذي خلف في دار الإسلام إذا كان من السوائم فللسلطان حق أخذ الزكاة منه بخلاف ما أفاد في دار الحرب؛ لأن فيما أفاد في دار الحرب قد انعدمت الحماية من إمام المسلمين فلا يكون له أن يأخذ الزكاة منها ولكن يعني من عليه بالأداء إلى فقراء المسلمين الذين يسكنون في دار الإسلام بخلاف ما إذا وجبت عليه الزكاة في دار الإسلام فإنه يؤمر بالدفع إلى أهل بلده لأن فقراء أهل بلده لهم حق المجاورة مع الحاجة وقد بينا هذا في كتاب الزكاة فأما في دار الحرب قل ما يجد فقراء المسلمين، ولو وجدهم فالفقراء الذين يسكنون في دار الإسلام أفضل من الذين يسكنون في دار الحرب وقد بينا أن من في دار الإسلام لو نقل صدقة بلده إلى فقراء بلدة أخرى هم أفضل من فقراء أهل بلدته فذلك أولى به ولو أن رجلا له مائة درهم وسيف فيه فضة مائة درهم، ولا مال له غيره فعليه فيه الزكاة؛ لأن وجوب الزكاة في الفضة باعتبار العين فحلية السيف وغيرها من ذلك سواء في تكميل النصاب به
(قال): ولو كانت له أوان من الذهب والفضة للاستعمال لا للتجارة فعليه فيها الزكاة بخلاف اللؤلؤ والياقوت والجواهر إذا لم تكن للتجارة فإنه لا زكاة فيها؛ لأن وجوب الزكاة فيها باعتبار معنى النماء، ولا يتحقق ذلك إلا بنية التجارة فيها كسائر العروض فأما وجوب الزكاة في الذهب والفضة باعتبار عينها والعين لا تتبدل بالصنعة، ولا بالاستعمال ثم لم يبين هنا، ولا في كتاب الزكاة أنه كيف يؤدي الزكاة من الأواني المصوغة. وقد روي عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: إذا كان له إناء مصوغ من الفضة وزنه مائتا درهم فإما أن يتصدق بربع عشره على فقير فيكون شريكا له في ذلك، أو يؤدي قيمة ربع عشره من الذهب فإن أدى خمسة دراهم لم يسقط عنه جميع الزكاة، وعليه أن يؤدي فضل القيمة، وهذا صحيح على أصل محمد وزفر رحمهما الله تعالى في اعتبار القيمة فيما يؤدى مع المجانسة فإنه لا ربا في أداء الزكاة فأما على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - إن أدى خمسة دراهم تسقط عنه
الزكاة؛ لأنه يعتبر الوزن دون الجودة والصنعة فإن أدى قيمة خمسة دراهم من الذهب لم يسقط عنه جميع الزكاة؛ لأن عند اختلاف الجنس تعتبر القيمة فلا بد من أداء الفضل.
(قال): رجل له مائتا درهم فقال: هي في المساكين صدقة إن كلمت فلانا فكلمه ثم حال عليها الحول فعليه فيها الزكاة؛ لأنه، وإن لزمه التصدق بها بحكم النذر فملكه كامل فيها فإن ديون الله تعالى لا تمكن نقصانا في الملك خصوصا ما لا تتوجه المطالبة به بحال فلا يمنع ذلك وجوب الزكاة في ماله بخلاف دين الزكاة فإن تصدق بها عما أوجب على نفسه فعليه زكاتها خمسة دراهم؛ لأنه صرف حق الفقراء إلى حاجته فإن الوفاء بالنذر من جملة حاجته فهو بمنزلة إنفاقه المال على نفسه فيكون ضامنا للزكاة، وإن تصدق بخمسة دراهم منها ينوي عن زكاتها ثم تصدق بما بقي مما أوجب على نفسه فعليه خمسة دراهم يتصدق بها؛ لأن التصدق بالخمسة الأولى كان عن الزكاة دون النذر فإنه نواها عن الزكاة وللمرء ما نوى ثم تصدق عن نذره بمائة وخمسة وتسعين، وإنما التزم التصدق بمائتين عن نذره فعليه أن يؤدي خمسة أخرى. وإن ضاع المال بعد الحول فلا شيء عليه من الزكاة، ولا مما أوجب على نفسه؛ لأن كل واحد منهما كان غنيا في هذا المحل فلا يبقى بعد فوات المحل بخلاف ما سبق؛ لأن هناك وجد منه تصرف، وهو الأداء، ولا وجه لتجويز المؤدى عنها جميعا؛ لأن المحل الواحد لا يتسع لذلك فجعلنا المؤدى عما نواه، وصار هو في حق الآخر كالمستهلك للمحل وهنا لم يوجد منه تصرف، وإنما فات المحل لضياع المال ومعنى فوات المحل يتحقق في كل واحد من الحقين فلهذا لا يلزمه شيء آخر.
(قال): ولو أن أم ولد لرجل لها حلي من ذهب، أو فضة فعلى المولى أن يزكي ذلك مع ماله إذا حال الحول؛ لأن أم الولد في حكم الملك كالأمة القنة فكسبها وما في يدها يكون ملكا للمولى، وكذلك كسب العبد الذي لا دين عليه فإن كان على العبد دين كثير محيط بما في يده فلا زكاة على سيده فيما في يده أما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ فلأن المولى لا يملك ما في يده وأما عندهما؛ فلأن ما في يده مشغول بحق الغرماء، والمال المشغول بالدين لا يكون نصاب الزكاة فإن كان في يده أكثر مما عليه فالفضل مملوك للمولى فارغ عن حق الغرماء فيضمه إلى ماله ويزكيه ولكن هذا بعد ما يقضي العبد ديونه؛ لأنه لا يسلم للمولى شيء من كسبه قبل قضاء ديونه فإذا قضى ديونه فالآن يسلم الفضل للمولى فيؤدي الزكاة عنه بمنزلة مال له على رجل فقضاه فإنه يلزمه أداء الزكاة عنه بعد الاستيفاء
قال): والمجنون إذا كان له مال فحال عليه الحول ثم برئ فلا زكاة عليه للحول الماضي سواء كان مجنونا جنونا أصليا، أو جنونا طارئا، وإن أفاق في يوم من الحول في أوله، أو في آخره فعليه الزكاة قال: وهو بمنزلة رمضان يعني إذا كان مفيقا في يوم من رمضان في أوله، أو في آخره فعليه صوم جميع الشهر ويتبين بما ذكر هنا أن في الصوم لا فرق بين الجنون الأصلي والجنون الطارئ وقد بينا اختلاف الروايات فيه في كتاب الصوم، والذي قال هنا في كتاب الزكاة قول محمد - رحمه الله تعالى -، وهو رواية ابن سماعة عن أبي يوسف - رحمه الله - وروى هشام عن أبي يوسف أن المعتبر أكثر الحول، وقال: إن كان مفيقا في أكثر الحول تلزمه الزكاة هو إن كان مجنونا في أكثر الحول لا تلزمه الزكاة، وقاس الأهلية فيمن تجب عليه بالمحلية فيما تجب فيه الزكاة، وهي السائمة فإن صاحب السائمة إذا كان يعلفها بعض الحول اعتبر نافيه أكثر الحول فإن كانت سائمة في أكثر الحول تجب فيها الزكاة وإلا فلا، وهذا لأن الأقل تبع للأكثر وللأكثر حكم الكل ألا ترى أن الذمي إذا كان صحيحا في أكثر السنة تلزمه الجزية، وإن كان مريضا في أكثر السنة لا تلزمه الجزية وجه ظاهر الرواية أن الحول للزكاة كالشهر للصوم ثم لو أدرك جزءا من الشهر مفيقا يلزمه صوم جميع الشهر فكذلك إذا أدرك جزءا من الحول مفيقا تلزمه الزكاة، والدليل عليه المستفاد فإن وجود المستفاد في ملكه في جزء من الحول، وإن قل كوجوده في جميع الأحوال في حكم الزكاة فكذلك حكم الإفاقة
(قال): والأجير والمضارب وصاحب البضاعة والمستودع والعبد والمكاتب لا يعتبر أحد من هؤلاء أما الأجير وصاحب البضاعة والمستودع؛ فلأنهم أمناء لا حق لهم في المال، والعاشر إنما يأخذ الزكاة، ذلك لا يكون إلا بنية صاحب المال وأدائه أو أمره بذلك، ولم يوجد، وأما المضارب ففي قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الأول يأخذ العاشر منه الزكاة وفي قوله الآخر لا يأخذ نص عليه في الجامع الصغير قال يعقوب: ولا أعلمه رجع في العبد وقياس قوله الآخر يوجب أن يعتبر العبد أيضا، وهنا نص على التسوية بين العبد والمضارب فعرفنا أن الصحيح رجوعه في العبد أيضا، وأما المكاتب فلا شك؛ لأن العاشر لا يأخذ منه شيئا؛ لأنه لا مالك لكسبه فالمكاتب ليس من أهل الملك والمولى لا يملك كسبه ما بقي عقد الكتابة فلا يأخذ منه شيئا سواء كان السيد معه، أو لم يكن فأما المتفاوضان والشريكان شركة عنان فعلى كل واحد منهما أن يزكي نصف ما في أيديهما؛ لأن ملك كل واحد منهما في
النصف المشترك بالكامل، وإن أخذ العاشر من المضارب شيئا فكذلك لا يجزئ رب المال من زكاته؛ لأن العاشر غاصب فيما أخذ منه بغير حق، ومن غير الزكاة غصب بعض ماله لم يجزه ذلك من الزكاة، ولا ضمان على المضارب؛ لأنه أمين أخذ منه المال بغير اختيار ولكن لا ربح له حتى يستوفي رب المال ماله لأن ما أخذ العاشر تاو فكأنه هلك بعض المال من يد المضارب، وإن كان المضارب هو الذي دفع ذلك إليه كان ضامنا لرب المال ما دفعه إليه إلا أنه خائن في دفع المال إلى غير من أمر بالدفع إليه
(قال): ولو أن أحد المتفاوضين، أو أحد الشريكين شركة عنان أدى الزكاة عن المال كله بغير إذن الشريك فهو ضامن لنصيب الشريك فيما أدى؛ لأن كل واحد منهما نائب عن صاحبه في التجارة واستنماء المال لا في أداء الزكاة فكان متعديا فيما أدى من نصيب الشريك وذلك لا يجزئ من زكاة الشريك لانعدام نيته وأمره فإن كان كل واحد منهما فعل ذلك كان كل واحد منهما ضامنا لصاحبه نصيبه فيتعاوضان ويكون كل منهما متطوعا فيم أدى الزكاة على ما عليه حتى لا يرجع واحد منهما على الفقير بشيء، وإن كان واحد منهما أمر صاحبه بأداء الزكاة عن جميع المال فإن أدى أحدهما جاز المؤدى عن زكاتها، وإن أديا جميعا معا فكل واحد منها يكون مؤديا زكاة نصيبه، ولا رجوع لواحد منهما على صاحبه بشيء سواء أديا من المال المشترك، أو أدى كل واحد منهما من خالص ماله فإن أدى أحدهما أولا من خالص ملكه لم يرجع على صاحبه بشيء إلا أن يكون كل واحد منهما شرط عند الأمر أن يرجع عليه بما يؤدي عنه وقد بينا هذا في المأمور إذا لم يكن شريكا فكذلك إذا كان شريكا في المال، وإن أدى أحدهما من المال المشترك ثم أدى الآخر من المال المشترك أيضا فالثاني ضامن لنصيب صاحبه في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - سواء علم بذلك أو لم يعلم وعندهما لا يكون ضامنا سواء علم بأدائه أو لم يعلم نص عليه في الزيادات وفي كتاب الزكاة فرق بين أن يعلم بأدائه أو لم يعلم، وقد بينا المسألة هناك
(قال): ولو أن رجلين بينهما عبد قيمته ألف درهم فأعتقه أحدهما، وهو معسر فاستسعى الآخر العبد في حصته منه بعد حول فلا زكاة عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لأن من أصله أن المستسعى في بعض قيمته مكاتب وما عليه بمنزلة بدل الكتابة، ولا زكاة في بدل الكتابة حتى يحول عليه الحول بعد القبض، وأما عندهما المستسعى في بعض قيمته حر عليه دين؛ لأن العتق عندهما لا يتجزأ فتجب الزكاة فيه قبل القبض
ويلزمه الأداء إذا قبضه بمنزلة دين له على آخر فإن كان المعتق موسرا فضمنه الشريك نصف قيمته وقبضه بعد الحول تلزمه الزكاة عندهم جميعا؛ لأنه صار مملكا نصيبه من شريكه باختيار تضمينه فهو بمنزلة ما لو ملك نصيبه بالبيع بالدراهم إذا قبض الثمن بعد الحول تلزمه الزكاة لما مضى



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 13-11-2025, 03:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,814
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الثالث
صـــ 41 الى صـــ 49
(50)






(قال): ولو أن رجلا ورث عن أبيه ألف درهم فأخذها بعد سنين فلا زكاة عليه لما مضى في قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى الآخر وفي قولهما عليه الزكاة لما مضى ففي هذا الرواية جعل الموروث بمنزلة الدين الضعيف مثل الصداق وبدل الخلع، وفي ذلك قولان لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فكذلك في هذا وفي كتاب الزكاة جعل الموروث كالدين المتوسط عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وهو ثمن مال البذلة والمهنة فقال: إذا قبض نصابا كاملا بعد كمال الحول تلزمه الزكاة لما مضى وجه تلك الرواية أن الوارث يخلف المورث في ملكه، وذلك الدين كان مال الزكاة في ملك المورث فكذلك في ملك الوارث، ووجه هذه الرواية أن الملك في الميراث يثبت للوارث بغير عوض فيكون هذا بمنزلة ما يملك دينا عوضا عما ليس بمال، وهو الصداق فلا يكون نصاب الزكاة حتى يقبض يوضحه أن الميراث صلة شرعية والصدقة للمرأة في معنى الصلة أيضا من وجه قال الله تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] أي عطية وما يستحق بطريق الصلة لا يتم فيه الملك قبل القبض فلا يكون نصاب الزكاة
(قال): ولو باع جارية بألف درهم لغير التجارة فأخذها بعد سنين فعليه الزكاة لما مضى عندهم جميعا، وهذا ذكره في كتاب الزكاة وذكر ابن سماعة أن على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - لا تلزمه الزكاة حتى يحول عليه الحول بعد القبض قال الكرخي وهو الصحيح وقد بينا وجه الروايتين في كتاب الزكاة ثم على هذه الرواية ما لم يقبض مائتين لا تلزمه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - بخلاف الدين الذي هو عوض عن مال التجارة فإنه إذا قبض منه أربعين درهما تلزمه الزكاة؛ لأن أصل ذلك المال كان نصاب الزكاة فعوضه يكون بناء في حكم الزكاة ونصاب البناء يتقدر بأربعين درهما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وهنا أصل هذا المال لم يكن مال الزكاة فكان ثمنه في حكم الزكاة أصلا مبتدأ ونصاب الابتداء يتقدر بمائتين فلا يلزمه أداء الزكاة ما لم يقبض مائتين وعندهما إذا قبض شيئا قليلا، أو كثيرا تلزمه الزكاة بقدر ما قبض في الديون كلها، وقد بينا هذا في كتاب الزكاة.
(قال): ولو أن رجلا أوصى لرجل بوصية ألف درهم فمكث سنين ثم بلغه فقبل الوصية ثم أخذها فلا زكاة عليه لما مضى؛ لأن
الموصى به لا يدخل في ملك الموصى له قبل قبوله فلا يكون نصاب الزكاة في حقه، وعلى قياس قول زفر - رحمه الله تعالى - ينبغي أن تلزمه الزكاة لما مضى؛ لأن عنده الموصى به يدخل في ملك الموصى له قبل قبوله بمنزلة الميراث فإن قبلها ثم حال الحول قبل أن يقبضها فلا زكاة عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعليه الزكاة لما مضى في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى وهذا؛ لأن الموصى به إنما يملكه الموصى له بطريق الصلة فلا يتم ملكه فيه إلا بالقبض في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ومن أصحابنا من قال مسألة الوصية بعد قبول الموصى له نظير مسألة الميراث، وفيها رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - كما بينا في الميراث والأصح أن في مسألة الوصية الرواية واحدة أنه لا تجب عليه الزكاة في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الآخر بخلاف الميراث على رواية كتاب الزكاة؛ لأن ملك الموصى له بناء على ملك الموصي حتى لا يرد بالعيب، ولا يصير مغرورا فيما اشتراه الموصي فأما ملك الوارث ينبني على ملك المورث فلهذا اعتبر هناك ملك المورث وجعله نصاب الزكاة قبل القبض، واعتبر هاهنا ملك الموصى له ابتداء فلم يجعله نصاب الزكاة ما لم يتم ملكه بالقبض
(قال): ولو أن رجلا له ألف درهم وخاتم فضة في أصبعه فيه درهم فحال الحول على المال غير شهر ثم ضاع المال، وبقي الخاتم ثم استفاد ألفا، وتم الحول فعليه أن يزكي المال؛ لأن فضة الخاتم كانت مضمومة إلى الألف في حكم النصاب فيبقى الحول ببقائها، وإن ضاع الألف على ما بينا أن بقاء جزء من النصاب يكفي لبقاء الحول فإنما استفاد الألف، والحول باق فتلزمه الزكاة إذا تم الحول لوجود كمال النصاب في طرفي الحول مع بقاء شيء منه في خلال الحول ولو لم يكن له خاتم والمسألة بحالها فإنه يستقبل الحول على المستفاد منذ ملكه؛ لأنه هلك جميع النصاب حين ضاع المال الأول فلم يبق الحول الأول منعقدا؛ لأن البقاء يستدعي جزءا من النصاب فإن وجد درهما من الدراهم الأول قبل الحول بيوم ضمه إلى ما عنده فيزكي الكل وكذلك إن وجد البقية بعدما زكى فعليه أن يزكي كلها، وإن لم يكن له خاتم؛ لأن بالضياع لا ينعدم أصل الملك، وإنما تنعدم يده وتمكنه من التصرف فيه فإذا ارتفع ذلك قبل كمال الحول بأن وجد كله أو بعضه صار الضياع كأن لم يكن فكأنه كان في يده حتى وجد الألف الأخرى، وتم الحول فتلزمه الزكاة عن الكل، وهو نظير ما لو وجب عليه دين مستغرق في خلال الحول ثم سقط الدين قبل تمام الحول فإنه يلزمه أداء الزكاة إذا تم الحول، وإن كان إنما وجد ما ضاع بعد الحول
فلا زكاة عليه فيها حتى يكمل الحول فيه منذ استفاد المال؛ لأنه لما تم، والمال الأول تاو لم يجب عليه شيء باعتباره، وإنما انعقد الحول على ماله من حين استفاد، وإن كانت ضاعت الألف الأولى بعد الحول، وبقي الخاتم فعليه الزكاة في الخاتم بقدر حصته؛ لأنه كان مضموما إلى ماله ووجبت الزكاة فيه، ولما تم الحول ثم هلك بعض ماله بعد وجوب الزكاة، وبقي البعض فعليه أن يؤدي من الباقي حصته
(قال): فإن مر على العاشر بمائتي درهم غير درهم وفي يده فضة فيه درهم فإن العاشر يأخذ منه الزكاة؛ لأن المعتبر كمال النصاب فيما يمر به على العاشر، وقد وجد فإن الخاتم من نصابه، وإن لم يكن في يده خاتم فلا زكاة عليه، ولا يأخذ منه العاشر شيئا، وإن أخبره بمال آخر له في بيته؛ لأنه إنما يعتبر كمال النصاب في المال الممرور به عليه، ولم يوجد، وهذا؛ لأن ثبوت حق الأخذ للعاشر باعتبار حاجة صاحب المال إلى الحماية، ذلك في المال الممرور به عليه دون الذي خلفه في بيته فإذا كان الممرور به عليه نصابا كاملا يأخذ منه الزكاة، وإلا لم يأخذ منه شيئا
(قال): ولو أن رجلا وهب لرجل ألف درهم فحال عليها الحول ثم رجع فيها الواهب بقضاء فلا زكاة فيها على الواهب؛ لأنها لم تكن في ملكه، ولا على الموهوب له؛ لأن مال الزكاة استحق من يده بعد كمال الحول بعينه ويستوي فيه الرجوع بقضاء، أو بغير قضاء لأن حق الواهب في الرجوع مقصور على العين فيستوي فيه القضاء وغير القضاء بمنزلة الأخذ بالشفعة، وإن لم يحل عليها الحول عند الموهوب له حتى استفاد ألف درهم ثم رجع فيها الواهب بقضاء، أو بغير قضاء فلا زكاة عليه فيها لما قلنا له، ويزكي الموهوب له المال المستفاد إذا تم الحول (قال) في الكتاب: إذا مضى تمام حول منذ ملكها فمن أصحابنا من يقول: بالرجوع في الهبة يبطل ملك الموهوب له من الأصل فيقطع حكم ذلك الحول ويعتبر مضي حول على المستفاد من حين ملكه (قال) الشيخ الإمام شمس الأئمة: - رحمه الله تعالى - والأصح عندي أنه إذا تم الحول من حين ملك الموهوب فعليه زكاة المستفاد؛ لأن الحول كان انعقد من حين ملك الموهوب فحين استفاد ألفا كانت هذه الألف مضمومة إلى أصل النصاب في حكم الحول ثم لما رجع الواهب في الموهوب صار كأن ذلك القدر هلك من ماله فيبقى الحول ببقاء المستفاد، ويلزمه أداء الزكاة عند تمام الحول عما هو باق، وهذا؛ لأن الرجوع في الهبة ينهي ملك الموهوب له فالملك ثبت له في الهبة إلى أن يرجع الواهب فيه، ولهذا لو كان الموهوب جارية
فوطئها ثم رجع فيها الواهب فليس على الموهوب له عقرها، ولو ولدت ولدا ثم رجع فيها الواهب بقي الولد سالما للموهوب له فعرفنا أن الرجوع في الهبة في حق الموهوب بمنزلة الهلاك.
(قال): رجل له أرض أجرها ثلاث سنين كل سنة بثلثمائة درهم، ولم يأخذ الأجرة حتى مضت المدة ثم أخذها جملة واحدة فنقول: إذا مضى ثمانية أشهر من وقت العقد انعقد الحول على ماله؛ لأن الأجرة لا تملك بنفس العقد، وإنما تملك بالتعجيل أو باستيفاء المنفعة، ولم يوجد التعجيل هنا فإنما يملك بحسب ما يستوفى من المنفعة شيئا فشيئا فإذا مضت ثمانية أشهر فقد ملك مائتي درهم، ولا ينعقد الحول على ماله إلا بعد كمال النصاب فإذا مضى بعد ذلك اثنا عشر شهرا وجب عليه زكاة خمسمائة درهم؛ لأنه ملك في هذه المدة من الأجرة ثلثمائة أخرى، ذلك مستفاد في خلال الحول فإنما تم الحول وفي ملكه خمسمائة فلهذا يلزمه زكاة خمسمائة ثم إذا مضت سنة بعد ذلك فعليه زكاة ثمانمائة إلا مقدار ما وجب عليه من زكاة الخمسمائة؛ لأنه قد ملك بمضي الحول الثاني ثلثمائة أخرى فتم الحول الثاني وماله ثمانمائة إلا أن ما وجب عليه من زكاة الخمسمائة دين فلا يعتبر ذلك القدر من ماله في الحول الثاني، وكذلك الكسور في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قولهما تعتبر الكسور.
وهذا على الرواية التي يوجب فيها الزكاة في الأجرة قبل القبض، وهو رواية هذا الكتاب والجامع والأمالي وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أن الأجرة بمنزلة الصداق لا تجب فيها الزكاة حتى يحول الحول عليها بعد القبض؛ لأن المنفعة ليست بمال ولكن الرواية الأولى أصح؛ لأن المنفعة تأخذ حكم المالية بالعقد ولهذا لا يثبت الحيوان دينا في الذمة بمقابلتها ثم على هذا الرواية في وجوب أداء الزكاة عند القبض روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في إحدى الروايتين ما لم يقبض مائتين لا يلزمه أداء الزكاة لأن المنافع، وإن أخذت حكم المالية بالعقد فإنها لا تكون نصاب الزكاة بحال فكانت الأجرة بمنزلة ثمن مال البذلة والمهنة فلا يلزمه أداء الزكاة ما لم يقبض مائتين، وفي الرواية الأخرى قال إذا قبض منها أربعين درهما فعليه أداء الزكاة؛ لأن المنفعة في حكم التجارة بمنزلة العين فكانت الأجرة بمنزلة دين هو ثمن مال التجارة فإذا قبض منها أربعين درهما يلزمه أداء درهم فإن كان أجرها كل سنة بمائتي درهم لم ينعقد الحول ما لم يمض كمال السنة؛ لأنه إنما ملك مائتي درهم عند مضي سنة فإذا مضت سنة أخرى زكى أربعمائة درهم؛ لأن بمضي السنة الثانية ملك مائتي
درهم أخرى من الأجر فإنما تمت السنة وفي ملكه أربعمائة درهم ثم إذا مضت سنة أخرى فعليه زكاة ستمائة؛ لأنه تم الحول وفي ملكه ستمائة إلا أنه يطرح ما وجب عليه من الزكاة للسنة الماضية، وهو عشرة دراهم والكسور في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أيضا فإنما يزكي عنده للسنة الثانية خمسمائة وستين درهما.
(قال): رجل له على رجل ألف درهم ضمنها رجل بغير أمره فحال الحول على ماله ثم أبرأ منه الأصيل فلا زكاة على الذي كان له المال، ولا على الضامن، وإن كان له ألف درهم أما الذي له أصل المال فقد بينا أنه بعد الإبراء لا يكون ضامنا للزكاة على رواية هذا الكتاب سواء كان المديون عنيا أو فقيرا وأما على الضامن فلأن المال قد وجب دينا في ذمته بالضمان ولم يكن له حق الرجوع على الأصيل عند الأداء؛ لأنه ضمن بغير أمره فكان عليه الدين بقدر ماله في جميع الحول ومال المديون لا يكون نصاب الزكاة فلهذا لا تلزمه الزكاة، وإن سقط عنه الدين بالإبراء بعد كمال الحول والله أعلم
[باب زكاة الأرضين والغنم والإبل]
(قال) - رحمه الله تعالى: رجل له أرض عشرية فمنحها لمسلم فزرعها فالعشر على المستعير؛ لأن العشر يجب في الخارج والخارج سلم للمستعير بغير عوض التزمه فيكون هذا والخارج من ملكه في حقه سواء. وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العشر على المعير؛ لأنه مؤنة الأرض النامية فيجب على مالك الأرض كالخراج إلا أنه فرق ما بين العشر والخراج أنه يعتبر في العشر حصول النماء حقيقة وقد وجد ذلك إلا أن المعير آثر المستعير على نفسه في تحصيل النماء فيكون مستهلكا محل حق الفقراء بمنزلة ما لو زرع الأرض لنفسه ثم وهب الخارج من غيره (قال: ولو منحها لرجل كافر) فعشرها على رب الأرض، وهذا يؤيد رواية ابن المبارك، والفرق بين الفصلين في ظاهر الرواية أن هنا منحها من لا عشر عليه؛ لأن في العشر معنى الصدقة والكافر ليس من أهلها فيصير به مستهلكا محل حق الفقراء، وفي الأول إنما يمنحها لمسلم، وهو من أهل أن يلزمه العشر فلا يصير مستهلكا بل يكون محولا حقهم من نفسه إلى غيره (قال) : ولو غصبها مسلم فزرعها فإن كان الزرع نقصها فالعشر على ربها؛ لأن الغاصب ضامن لنقصان الأرض، وذلك بمنزلة الأجرة يسلم لرب الأرض فيلزمه العشر في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وفي قولهما العشر في الخارج بمنزلة ما لو أجرها من
مسلم، وإن لم ينقصها الزرع فلا عشر على ربها؛ لأنه لم يكن متمكنا من الانتفاع بها، ولا كان مسلطا للزارع على زراعتها ولكن العشر في الخارج على الغاصب؛ لأن منفعة الأرض سلمت له بغير عوض، وإن غصبها منه كافر فإن نقصها الزراعة فالعشر على ربها؛ لأنه قد سلم له عوض منفعة الأرض فهو بمنزلة ما لو أجرها، وإن لم ينقصها فلا عشر فيها؛ لأن من سلمت له المنفعة ليس من أهل أن يلزمه العشر والمالك لم يكن متمكنا من الانتفاع بها وروى جرير بن إسماعيل عن محمد رحمهما الله تعالى أن على الغاصب عشرها؛ لأن المنفعة سلمت على الوجه الذي يسلم أن لو كان مالكا للأرض، وهذا صحيح على أصل محمد - رحمه الله تعالى - فإن عنده الكافر إذا اشترى أرضا عشرية من مسلم فعليه عشرها كما كان، وإن اختلفت الرواية عنه في مصرف العشر المأخوذ من الكافر وقد بينا ذلك في السير والزكاة
(قال): ولو أعار المسلم أرضه الخراجية فالخراج عليه سواء كان المستعير مسلما، أو كافرا؛ لأن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع بالأرض، وقد كان المعير متمكنا من ذلك ثم الخراج مؤنة الأرض النامية، ومؤنة الملك تجب على المالك إلا أن في العشر محل هذه المؤنة الخارج فأمكن إيجابها فيه فإن كان المستعير مسلما أوجبنا الخراج في الخارج ومحل الخراج ذمة المالك فسواء كان المستعير مسلما، أو كافرا كان الخراج على المالك في ذمته فإن غصبها مسلم، أو كافر فعلى الغاصب نقصان الأرض والخراج على ربها ويستوي إن قل النقصان، أو كثر في قول أبي حنيفة بمنزلة ما لو أخرجها بعوض قليل أو كثير وعلى قول محمد - رحمه الله تعالى - إن كان النقصان مثل الخراج أو أكثر فالخراج على ربها، وإن كان النقصان أقل فعلى الغاصب أن يؤدي الخراج، وليس عليه ضمان النقصان استحسن ذلك لدفع الضرر عن صاحب الأرض، وإن لم ينقصها الزراعة شيئا فالخراج على الغاصب دون المالك؛ لأن الغاصب هو المتمكن من الانتفاع بها بغير عوض دون المالك
(قال): ولو أن صاحب الأرض الخراجية زرعها، ولم تخرج شيئا، أو أصاب الزرع آفة فلا خراج فيها بخلاف ما إذا لم يزرعها؛ لأنه إذا عطلها فقد تمكن من الانتفاع بها وإذا زرعها فلم تخرج شيئا، أو أصاب الزرع آفة انعدم تمكنه من الانتفاع بها، وهو مصاب في هذه الحالة يعان، ولا يغرم شيئا كي لا يؤدي إلى استئصالها ومما حمد من سير الأكاسرة أنه إذا أصاب زرع بعض الرعية آفة غرموا له ما أنفق في الزراعة من بيت مالهم، وقالوا التاجر شريك في الخسران كما هو شريك في الربح فإن لم يعطه
الإمام شيئا فلا أقل من أن لا يغرمه الخراج فإن لم يزرعها ولكنها غرقت ثم نضب الماء عنها في وقت لا يقدر على زراعتها قبل مضي السنة فلا خراج عليه؛ لأنه لم يتمكن من الانتفاع بها، ولو نضب الماء عنها في وقت يقدر على زراعتها قبل مضي السنة فعليه الخراج زرعها، أو لم يزرعها لأنه تمكن من الانتفاع بها
(قال): ولو أن رجلا اشترى أرضا عشرية أو خراجية للتجارة فلا زكاة فيها، وإن حال الحول عليها، ولكن فيها العشر، أو الخراج؛ لأن وجوب العشر، أو الخراج باعتبار نماء الأرض، وكذلك وجوب الزكاة باعتبار معنى النماء وكل واحد من الحقين يجب لله تعالى فلا يجوز الجمع بينهما بسبب أرض واحدة ولما تعذر الجمع بينهما رجحنا ما تقرر فيها، وهو العشر، أو الخراج فقد صار ذلك وظيفة لازمة لهذه الأرض فلا يتغير ذلك بنيته، ولأن العشر والخراج أسرع وجوبا من الزكاة فإنه لا يعتبر فيهما كمال النصاب، ولا صفة الغنى في المالك وبه فارق ما لو اشترى دارا للتجارة فإنه ليس في رقبة الدار وظيفة أخرى فتعمل نية التجارة فيها حتى تلزمه الزكاة وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله تعالى أن الأرض إذا كانت عشرية فاشتراها للتجارة فعليه فيها الزكاة؛ لأن العشر إنما يجب في الخارج والزكاة إنما تجب باعتبار مالية الأرض في ذمة المالك فقد اختلف محل الحقين فيجمع بينهما بخلاف الخراج فإنه يجب في ذمة المالك كالزكاة ولكن هذا ضعيف وقد صح من أصل علمائنا أنه لا يجمع بين العشر والخراج والعشر يجب في الخارج والخراج يجب في ذمة المالك ثم لم يجز الجمع بينهما
(قال) ولو أن كافرا اشترى أرضا عشرية فعليه فيها الخراج في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ولكن هذا بعد ما انقطع حق المسلم عنها من كل وجه حتى لو استحقها مسلم، أو أخذها بالشفعة كانت عشرية على حالها سواء وضع عليها الخراج، أو لم يوضع؛ لأنه لم ينقطع حق المسلم عنها فلو وجد المشتري بها عيبا لم يستطع أن يرده بعد ما وضع عليها الخراج؛ لأن الخراج عيب، وهذا عيب حدث في ملك المشتري فيمنعه من الرد بالعيب ألا ترى أن مسلما لو اشترى أرضا خراجية بشرط أن خراجها درهم فوجده درهمين كان له أن يردها فإن كان زيادة الخراج عيبا فكذلك أصل الخراج فإذا تعذر ردها بالعيب رجع بحصة من الثمن فإن لم يكن وضع عليها الخراج حتى وجد بها عيبا فله أن يرد الأرض؛ لأنها إنما بيعت بوضع الخراج عليها، وإنما ذكر هذا التفصيل هنا ومراده من وضع الخراج عليها مطالبة صاحبها بأداء الخراج
(قال): ولو
أن تغلبيا اشترى أرضا من أرض العشر فعليه العشر مضاعفا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أما عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -؛ فلأن الصلح وقع بيننا وبينهم على أن يضعف عليهم ما يؤخذ من المسلم والعشر يؤخذ من المسلم فيضعف عليهم، وأما عند أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ فلأن كافرا آخر لو اشترى أرضا عشرية كان العشر عليه مضاعفا عنده فالتغلبي أولى وأما عند محمد - رحمه الله تعالى - عليه عشر واحد؛ لأن تضعيف العشر في الأراضي الأصلية لهم، وهي التي وقع عليها الصلح فأما فيما سوى ذلك من الأرضين التغلبي كغيره من الكفار وما صار وظيفة في الأرض لا يتبدل بتبدل الملك عند محمد - رحمه الله تعالى - قال
ألا ترى أنه لو اشترى أرضا خراجية كان عليه الخراج على حاله ولو اشترى أرضا من أرض نجران كان عليه المال على حاله ولكنا نقول: إنما وقع الصلح بيننا وبينهم على أن يضعف عليهم ما يبذله المسلم والخراج مما لا يبذله المسلم فلا يضعف عليهم وأما العشر مما يبذله المسلم فيضعف عليهم باعتبار الصلح كما لو اشترى سائمة من مسلم يجب عليه الصدقة فيها مضعفة ولو أن رجلا اشترى أرضا خراجية فإن كان العقد في وقت يتمكن فيه من زراعتها قبل مضي السنة فالخراج على المشتري؛ لأنه تمكن من الانتفاع بها بعد ما تملكها، وإن كان لا يقدر على زراعتها حتى تمضي السنة فالخراج على البائع؛ لأنه هو المتمكن من الانتفاع بها في السنة قبل أن يبيعها، وقد بينا أن وجوب الخراج باعتبار التمكن من الانتفاع.
(قال): وإن باع أرضا عشرية بما فيها من الزرع فإن كان الزرع قد بلغ فالعشر على البائع؛ لأن بإدراك الزرع وجب عليه العشر فيها ثم بإخراجها من ملكه صار مستهلكا محل حق الفقراء فيكون ضامنا للعشر، وإن لم يبلغ الزرع فالعشر على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى وفي قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - عشر الزرع غلى البائع وفضل ما بينهما على المشتري؛ لأن من أصل أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أن العشر يجب في القصيل إذا قصله صاحبه وإذا لم يقصله حتى انعقد الحب فإنما يجب العشر في الحب دون القصيل وقد انعقد الحب في ملك المشتري فكان العشر عليه، وأبو يوسف - رحمه الله تعالى - يقول: هو عند اتحاد المالك كذلك فأما إذا كان الزرع في ملك إنسان، وانعقاد الحب في ملك غيره فلا بد من اعتبار الحالين؛ لأن وجوب العشر في النماء الحاصل، وأصل الزرع إنما حصل للبائع بغير عوض فأما المشتري إنما حصل له ذلك بعوض، وهو الثمن فلا يمكن إيجاب العشر في ذلك القدر على المشتري فأوجبناه على البائع
وما حصل من الفضل بعد الشراء إنما يسلم للمشتري بغير عوض فعليه عشر ذلك الفضل فإن كان من جملة الخضراوات، ولكن ليس له ثمرة باقية يجب فيه العشر عندهما
(قال) ولو أن أرضا غصبها رجل فزرعها فالزرع له ويتصدق بالفضل على ما أنفق فيها في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، ولا يتصدق في قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى - بشيء وقد بينا هذا في كتاب الغصب فيما إذا تصرف الغاصب في المغصوب، أو تصرف المودع وربح (قال) : فإن كان أجرها بمال كثير يجب في مثله الزكاة فحال عليها الحول فعليه أن يتصدق بها، ولا زكاة عليه؛ لأنه قد لزمه التصدق بجميعها قبل حولان الحول فلا يلزمه شيء آخر باعتبار مضي الحول، وهذا بخلاف ما تقدم، وهو ما إذا نذر أن يتصدق بمائتي درهم عينها فحال عليها الحول تجب فيها الزكاة؛ لأن المال هناك كان ملكا طيبا له، وإنما التزم التصدق بها بنذره والالتزام بالنذر يكون في الذمة ولهذا كان له أن يتصدق بغيرها ويمسكها فلهذا لزمته الزكاة فيها وأما هنا إنما لزمه التصدق في عين هذا المال حيث تمكن منه حتى لا يكون له أن يتصدق بغيره ويمسكه فلهذا لا يلزمه شيء آخر فإن حال عليه الحول رجع أبو يوسف - رحمه الله تعالى - عن هذا فقال: عليه الزكاة فيها والفضل يتصدق به؛ لأن ملكه فيها كامل فتلزمه الزكاة باعتبار الحول، ولكن هذا ضعيف فإن وجوب الزكاة في المال بمعنى التطهير. قال الله تعالى {تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] ، وهذا لا يحصل بإيجاب الزكاة في هذا المال؛ لأنه يزول الخبث بأداء الزكاة، ولكن يلزمه التصدق بالفضل فلا معنى لإيجاب الزكاة فيها فقلنا يتصدق بجميعها بعد الحول كما كان يتصدق قبل الحول
(قال) ولو أن مسلما باع أرضه العشرية بما فيها من زرع لم يدرك من كافر فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - يوضع فيها الخراج لأن الحب انعقد في ملك المشتري فكأنه هو الذي زرعها بعد الشراء فعليه الخراج. وقال أبو يوسف - رحمه الله تعالى - على البائع عشر الزرع ويوضع الخراج على الكافر أما قوله على البائع عشر الزرع صحيح على قياس مذهبه فيما باعها من مسلم، وأما قوله ويوضع الخراج على الكافر فهو غلط؛ لأن من أصل أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن الكافر إذا اشترى أرضا عشرية فعليه فيها عشران، ولا يوضع الخراج عليه فهنا أيضا على قوله يجب في الفضل عشران على المشتري؛ لأن المشتري لو كان مسلما كان عليه عشر الفضل فإذا كان كافرا كان عليه في الفضل عشران
(قال): وإن أجرها مسلم من مسلم فلم يزرعها فلا عشر فيها؛ لأن محل العشر الخارج ولم يحصل ولو عطلها
المالك لم يجب عشرها على أحد فكذلك إذا عطلها المستأجر ولكن على المستأجر الأجر إن كان قد قبضها؛ لأنه كان متمكنا من الانتفاع بها في هذه المدة وبالتمكن من الانتفاع يتقرر الأجر عليه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 366.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 360.64 كيلو بايت... تم توفير 5.81 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]