|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق (10) بذل السلام وحُسن الكلام بينما كنت والإمام نناقش بعض شؤون المسجد، اقترب منا شاب التزم صلاة الجماعة منذ سنة تقريبا. لدي سؤال: قالها بعد أن سلم وقبّل رأس الإمام. تفضل يا (بدر). سمعت حديثا ولم أفهم معناه أو مدى صحته: «أن شرّ الناس من يتركه الناس بسبب فحشه هذا معناه» تولى أمامنا الرد عليه: نعم هذا الحديث متفق عليه ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا عنده فقال - صلى الله عليه وسلم -: «بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة! ثم أذن له فألان له القول، أي حدّثه بكلام جميل ليّن، فلما خرج، قلت يا رسول الله: قلت عنه ما قلت ثم ألنت له القول! فقال: يا عائشة إن من شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه» وفي البخاري «فلما جلس الرجل تطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجه وانبسط له». هذا الحديث أورده العلماء في باب تجنب الفاحش من الكلام، وهذا الرجل كان معروفا بسوء الكلام والمعاملة؛ فذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان يعرف به، فهو من الذين يتجنبه الناس لسوء كلامه وفحشه، ومع ذلك أذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - واستقبله بطلاقة وجه وحسن كلام. حسن الكلام وبذل السلام، من مكارم الأخلاق التي بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتممها! شكره (بدر)، تابعت جلستى مع الإمام. - موضوع جميل يصلح لخطبة الجمعة. - نعم، دعنا نبحث قليلا في الأحاديث المتعلقة به. عن أبي شريح (أو أبى سرح)، قلت يا رسول الله، أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: «طيب الكلام (طيِّب الكلام) وبذل السلام وإطعام الطعام» (صحيح الترغيب)، وفى رواية أخرى عن أبي سرح: «قلت يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام» (السلسلة الصحيحة). ( بذل السلام)، نشره وإفشاؤه، كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (مسلم). وعن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اعبدوا الرحمن وأطعموا الطعام وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام» (السلسلة الصحيحة)، وفي رواية: «أطعموا الطعام وأفشوا السلام تورثوا الجنان» (السلسلة الصحية). وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفشوا السلام تسلموا» (السلسلة الصحيحة). عقبت على كلام صاحبي. - أحاديث أسمعها أول مرة. - وهكذا طالب العلم، كلما ازداد علما ازداد علما بجهله! وأزيدك حديثا آخر عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إني أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام» (صحيح الترمذي). وآخر حديث عجيب عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «السلام اسم من أسماء الله، وضعه الله في الأرض؛ فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلّم عليهم فردوا عليه، كان له عليهم فضل درجة بتذكيرهم إياهم (السلام)، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب» (صحيح الجامع). يقول الإمام مجاهد كان «عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- يأخذ بيدي فيخرج إلى السوق يقول: إني لأخرج ومالي حاجة إلا لأسلم ويسلّم علي! فأعطي واحدة وآخذ عشرا، يا مجاهد إن (السلام) من أسماء الله -تعالى-، فمن أكثر السلام أكثر ذكر الله». وفي بيان أجر من أطاب الكلام وأفشى السلام، حديث عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في الجنة غُرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها؛ فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام» (صحيح الترغيب). استوقفت صاحبي.. - حديث: (أفشوا السلام تسلموا)، هل قرأت شيئا في شرحه؟ - نعم، إليك الشرح مباشرة من كتب السنة: أي تسلموا من الإثم أو من نكبات الدنيا ومن أهوال الآخرة، وفضل الله واسع أي تسلموا من كل ما يضركم في الدنيا والآخرة! - أحاديث جميلة في (السلام)، قليل من يعمل بمقتضاها؛ بل إذا عمل بها أحدنا ينكر عليه عامة الناس: (لماذا يمشي ويسلم؟)، نسأل الله العافية. أراد صاحبي أن يختم حديثنا: - عموما المؤمن لا يصدر منه إلا الكلام الطيب، وكما قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء» (الصحيحة)، كلام المؤمن لين، طيب، خير مع الجميع، حتى مع المخالفين، كما أمر الله -عز وجل- نبيه موسى -عليه السلام- مع فرعون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه:44). اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق (12) الصبر - لا يمكن أن تستقيم حياة أي فرد دون (الصبر)، هذا الخلق يحتاجه المسلم والكافر، التقي والعاصي، إنه عمل قلبي وخُلق أساسي، فلا حياة لمن لا صبر له!ّ - وهل يفهم الكفار معنى الصبر؟ - ربما يضعونه في إطار تجاوز النكبات والمصائب، ولكن المسلم يعلم أنه (عبادة) عظيمة، أجرها لا حدود له، كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10). إنما العبد يحتاج إلى الصبر في جميع أحواله، وتزداد هذه الحاجة حال المصيبة، ويحتاج العبد إلى الصبر لأداء الطاعات، وترك المنكرات، والتعامل مع البشر، والدعوة إلى الله، وتقلبات الدنيا، فإذا كان ملازما للصبر، متخلقا به، وجده معه حال المصيبة الكبرى (مصيبة الموت)! كنت وصاحبي آيبين من رحلة قصيرة إلى (رأس الخيمة) نشارك أخا لنا توفي والده، استغربنا كثرة بكائه عند القبر! - أظن أن (أبا ناصر) كان متعلقا كثيرا بوالده. - نعم كان كذلك، فقد لازمه في السنوات الخمس الأخيرة، لدرجة أنه ترك بيته وسكن مع والده، ونقل مركز عمله من الشارقة إلى رأس الخيمة؛ ليكون بجانب والده، ولا يكاد يفارقه؛ بل ويعتني بكل احتياجاته من أكل وشرب وتغيير ملابس وحتى قضاء الحاجة والاستحمام. - جزاه الله خيرا، نعم الولد! وأما بكاؤه فلا أظن أن فيه شيئا مخالفًا للشرع؛ فهو لم يصرخ ولم يشق جيبا ولم يلطم خدًّا. - ما أكثر أنواع الصبر التي ذكرت في كتاب الله؟! - أظنه الصبر في الدعوة إلى الله -تعالى-، والأذى الذي يلحق المرء إذا هو سلك هذا الدرب؛ فقد أمر الله الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالصبر، كما قال -تعالى-: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} (الأحقاف:35)، وقال -سبحانه-: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} (طه:130). وورد الصبر أكثر من مائة مرة في كتاب الله، أمرا وبيانا لحسن العاقبة، وتبشيرا بالأجر، ووعدا بحسن الجزاء في الآخرة! على غير العادة كانت رحلتنا جوا، وذلك لضيق الوقت؛ حيث بلغنا الخبر ليلا فحجزنا أول طائرة في الصباح الباكر؛ لندرك الجنازة. قدم لنا المضيف طبق الفاكهة، وقنينة الماء. - ماذا قال الشافعي في الصبر؟ - تقصد قوله عن سورة العصر؟ - نعم. - قال -رحمه الله-: «لو لم ينزل إلى الناس إلاهي لكفتهم»، والمعنى لكفتهم في موضوع الصبر، لا شك في الشريعة جميعها، وذلك أن هذه السورة وصفت جميع البشر بالخسران إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، والمرء يحتاج إلى الصبر في الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق. ومن الأحاديث التي لم أكن أعرفها، حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الإيمان: الصبر والسماحة» (السلسلة الصحيحة)، في شرح هذا الحديث أن الإيمان إذا أطلق يراد به الدين كله، يحتاج العبد إلى الصبر فيما يتعلق بالله -عز وجل-، والسماحة فيما يتعلق بالخل. والحديث الآخر تعرفه، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الذي يخالط الناس فيؤذونه فيصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (صحيح الجامع). - دعني أقرأ لك شيئا مما خزنته في هاتفي من كتب ابن القيم. يقول -رحمه الله- في كتابه (الوابل الصيب) باب (السعادة في ثلاث: شكر النعمة والصبر على البلاء والاستغفار من الذنب): محن من الله -تعالى- يبتلي بها العبد؛ ففرضه فيها (الصبر) والتسلي، والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية، كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه؛ فمدار الصبر هذه الأركان الثلاثة؛ فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبا، فإن الله -سبحانه وتعالى- لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته؛ فإن لله -تعالى- على العبد عبودية الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره، كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره تتفاوت فيه مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله -تعالى-. - كلام جميل، وسؤال خطر على بالي للتو، هل الصبر (صفة أم خلق)؟ أجبته بابتسامة: - هذا سؤال شكلي؛ لأن الصبر درجات ينبغي أن يرتقي العبد فيها ليكتسب لقب (صابر وصبور)، كما أخبر الله -عز وجل- عن عباده المتقين: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران). ومن تصبر، صبرّه الله، فمن لم يكن لديه هذا الخلق، فعليه أن يكتسبه باتباع أوامر الله -تعالى-. - هل تعلم أن لابن القيم -رحمه الله- كتابا بعنوان: (عدّة الصابرين)؟ - نعم ولكن لم أطلع عليه. - دعني أقرأ لك شيئا من مقدمته: «أما بعد فإن الله -سبحانه- جعل الصبر جوادا لا يكبو وصارما لا ينبو، وجندا لا يهزم وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم؛ فهو والنصر أخوان شقيقان؛ فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبره أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين؛ فقال -تعالى-: {وأصبروا ان الله مع الصابرين}؛ فظفر الصابرون بهذه المعية بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمة الباطنة والظاهرة، وجعل -سبحانه- الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال -تعالى- وبقوله اهتدى المهتدون {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24). وأخبر أن الصبر خير لأهله، مؤكدا باليمن؛ فقال -تعالى-: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} (النحل:126)، وأخبر أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو ولو كان ذا تسليط؛ فقال -تعالى-: {إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120) اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق (١٣) أَحبَّ لأخيك ما تحب لنفسك - من الفطرة أن يحب المرء الخير لنفسه، وأن يستأثر بكل ميزة ومنفعة دنيوية لذاته، وهذا الشعور لا شيء فيه؛ بل هو خلق في الجنس البشري كما لوازم الحياة الأخرى من الأكل والشرب والنوم، وجاء الإسلام ليهذب هذه الخصلة الفطرية حتى لا تطغى، فتصبح حسدا، أو عدوانا وظلما، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (متفق عليه)، وفي حديث خالد بن عبدالله القسري عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أتحب الجنة؟ قلت نعم، قال - صلى الله عليه وسلم -: أحب للناس ما تحب لنفسك» (السلسلة الصحيحة)، وينبغي التنبيه هنا إلى أن لفظ (لا يؤمن)، و(لا يدخل الجنة)، لا تعني أنه كافر، أو أنه يخلد في النار؛ بل إيمانه لا يكمل، وأنه لا يدخل الجنة ابتداء، دون حساب أو عذاب، فهو نفي لكمال الإيمان، وليس لكل الإيمان. كنت وصاحبي في مسجد في منطقة (صباح الناصر)، أدركتنا صلاة المغرب في طريقنا إلى سوق الخضار الجديد، قررنا البقاء لسماع الخاطرة التي بادر الإمام إلى إلقائها، تابع -جزاه الله خيرا-: - في رواية في مسند أحمد: «حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير»، وهذه خصلة من خصال الإيمان، وخلق من مكارم الأخلاق التي تنبغي أن يدرب المسلم نفسه عليها. و(حب الخير للآخر)، ينبغي أن يتعدى حدود أخوة الرحم، وأخوة الجيرة، وأخوة المسجد؛ ليشمل أخوة الإسلام؛ فيحب لجميع المسلمين ما يحب لنفسه، فهذا الخلق فيه درجات كثيرة يرتقي بها المؤمن بحسب إيمانه، ففي الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يأتوا إليه» (صحيح ابن ماجه). والمرء يستطيع أن يقيس هذه الخصلة في نفسه إن كان صادقا، وذلك بأن يرى مدى سروره إذا أصاب الخير غيره، وإذا نال الترقية زميله، وإذا رزق الله جاره، مالا كثيرا أو منزلا أو حظا وافرا من الدنيا، هل يفرح له كما يفرح لو أنه هو من نال ذلك؟ أظن أن كثيرا منا يتردد أن يقول نعم، ولا بأس بذلك، ولكن إياك وأن تحسده على ذلك! أقول هذا المقياس في الفرح لنيل أخيك شيئا، أحد مقاييس الإيمان في قلبك، عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: «ما نزل غيث بأرض إلا فرحت بذلك وليس لي فيها شاة ولا بعير، ولا سمعت بقاض عادل إلا دعوت الله له، وليس لي عنده قضية، ولا مررت بآية من كتاب الله إلا أحببت أن يعلم الناس منها ما أعلم». بعد انتهاء الخاطرة أدينا سنة المغرب، وتابعنا حديثنا في المركبة. - لقد كانت خاطرة مميزة، رزقنا الله إياها. - الحمدلله. - إن خلق (حب الخير للآخر)، ربما يبدأ بأن يدرب العبد نفسه ألا يدخل قلبُه شيء من تمني ما يناله الآخرون، بأن يذكر نفسه أن ما ناله غيره إنما كان بأمر الله وقضائه، ولاسيما إذا كان ينافس غيره على مال أو منصب، فما فاته لم يكن مكتوبا له ابتداء، وما ناله غيره كان مقدرا له قبل خلق السماوات والأرض ثم يرتقي، بعد ذلك بأن يبارك لغيره ويدعو له، بصدق، فإن الدعوة للآخرين بالخير، بصدق يزيل ما في القلب من بقايا حسد أو غيره، ويعين على ذلك أن يعلم أن دعوته لأخيه بالخير، ترجع عليه بالخير، كما في الصحيحين يقول الملك (آمين، ولك بمثل). استدرك علي صاحبي - أظن أن أول قضية ينبغي أن يذكر العبد نفسه بها، أن خزائن الخير كلها بيد الله، يقسمها -سبحانه- بعلمه وحكمته ولطفه، على من يشاء من عباده، فمن أراد الخير، فلينظر إلى السماء، لا إلى ما في أيدي الناس، وليدع الله بما يرد من خير الدنيا والآخرة، ولا ينشغل بما عند الآخرين، وإذا علم أن غيره نال خيرا فليفرح له وليدع له بالبركة والتوفيق، فيكون تعامل العبد مع الخالق لا مع الخلق، وإلا فبداية الحسد، النظر لما عند الآخر، وتمني نيله، ثم ينحدر إلى تمني زواله من غيره ليناله هو، وهذه هي الحالقة، (تحلق الدين) والعياذ بالله. وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يذكر الكبائر فيقول: هي كل ذنب رتب عليه الشارع عقوبة خاصة؛ فكل ذنب لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعله فهو من الكبائر، وكل ذنب فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو من الكبائر، وكل ذنب فيه نفي إيمان مثل: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فهو من الكبائر (أسباب رفع العقوبة- لابن تيمية). ويقول -رحمه الله- في (رسالة في أمراض القلوب وشفاؤها). وقد قال -تعالى-: {وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (72) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} (النساء). كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما، فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم، بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم! وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها، بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ؛ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم؛ لأنهم لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة، ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم، وأحبوا ما وصل إليهم من فضله، وتألموا بما يصيبهم من المصيبة، ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المومنين فليس منهم. اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. كفّ الأذى هناك بعض الأشخاص يتجنبهم الناس لسوء خُلقهم وسلاطة ألسنتهم؛ فطلبت من خطيبنا أن يكون موضوع خطبته (كف الأذى)؛ فكان مما ذكره -جزاه الله خيرا-: - إن كف الأذى عن كل مسلم عبادة جليلة، دلّ الكتاب والسنة على فضلها وعِظم منزلتها، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قلنا يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال - صلى الله عليه وسلم-: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه) وفي صحيح الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يتناجى اثنان دون واحد؛ فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله -عز وجل- يكره أذى المؤمن» (صححه الألباني)، والشاهد (أن الله -عز وجل- يكره أذى المؤمن). كانت خطبة قصيرة ماتعة، اجتمعنا بعدها في مكتبة (أبو عبدالله) كعادتنا عقب كل جمعة. - لقد أجاد وأصاب أبو عمر في خطبته. - لعل هؤلاء يتعظون، دعونا نسترجع بعض ما ورد في الخطبة. عن أبي ذر قال: قلت: يا نبي الله أي العمل أفضل قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرِقاب أفضل يا نبي الله؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا، قال: قلت: أرأيت إن لم أفعل، قال: تعين ضعيفا أو تصنع لأخرق، قال: قلت: أرأيت إن ضعفت، قال: تكف شرك عن الناس فإنه صدقة منك على نفسك» (متفق عليه) وفي الصحيحين: «من سلم المسلمون من لسانه ويده». - كف الأذى عبادة يؤجر عليها العبد، كما أنه يأثم إذا آذى إخوانه، وحديث الصوامة القوامة معروف رواه الإمام أحمد في مسنده، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «قال رجل يا رسول الله، إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال - صلى الله عليه وسلم -: هي في النار، قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الإقط ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة» (صحيح الترغيب). شاركنا المجلس مؤذننا (أبو أحمد)، قبل أن يأخذ مجلسه، أدلى بدلوه، وحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جَوف رَحله»، ونظر ابن عمر -رضي الله عنهما- إلى الكعبة فقال: «ما أعظمك وما أعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك!» الترمذي (صححه الألباني). - أحسنت يا أبا أحمد، وحديث المفلس يعرفه الجميع، وهو في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:« أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». - المشكلة أن الأذى المعنوي أشد من الأذى البدني، أذى اللسان أشد من أذى اليد، الغيبة والنميمة والسب والقذف والسخرية وشهادة الزور واللغو، كل هذا مصدره اللسان، وهي من الذنوب التي لا تغفر يوم القيامة، وإنما مدارها على المقاصة كما في حديث المفلس، وهي من الذنوب التي لا ينتبه لها كثير من المسلمين؛ وبذلك نفهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، في حديث معاذ، قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير؛ فقلت يا نبي الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجلِ فِي جوفِ الليلِ، ثم قرأ قوله -تعالى-: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بمِلاك ذلك كله؟ فقلت له: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا؛ فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟» (السلسلة الصحيحة). قال ابن عثيمين في (مكارم الاخلاق): أما حُسن الخلق مع المخلوق فعرّفه بعضهم بأنه كفّ الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه. ويذكر ذلك عن الحسن البصري -رحمه الله-، معنى كف الأذى: أن يكف الإنسان أذاه عن غيره سواء كان هذا الأذى بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض، فمن لم يكف أذاه عن غيره فليس بحسن الخلق، بل هو سيئ الخلق، وقد أعلن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرمة أذية المسلم بأي نوع من الإيذاء، وذلك في أعظم مجمع اجتمع فيه بأمته؛ حيث قال: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (البخاري). إذا كان رجل يعتدي على الناس بأخذ المال، أو يعتدي على الناس بالغش، أو يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس بالسب والغيبة والنميمة، لا يكون هذا حسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه، ويعظم إثم ذلك كلما كان موجها إلى من له حق عليك أكبر، فالإساءة إلى الوالدين مثلا أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيرانا لك؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه» (متفق عليه). معنى بذل الندي: الندى هو الكرم والجود، يعني: أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس أنه بذل المال فقط، بل الكرم يكون في بذل النفس وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، وفي بذل العلم. وعن الحسن البصري أنه كان بمكة وكثر الناس عليه؛ فقال: أيها الناس، إن سرّكم أن تسلموا ويسلم لكم دينكم، فكفوا أيديكم عن دماء الناس، وكفوا ألسنتكم عن أعراضهم، وكفوا بطونكم عن أموالهم. واعلم: أن حسن الخلق مع المرأة ليس كفّ الأذى عنها فحسب، بل باحتمال أذاها، والحلم على طيشها وغضبها! وذلك اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ففى (الصحيحين)، من حديث عمر - رضي الله عنه - أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن يراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. والحديث مشهور. اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |