شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المشكلات الزوجية.. قراءة في الأسباب والحلول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          كيف عالجت الشريعة ظاهرة الطلاق المتسرع؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          كانفا تطلق أداة Canva Code 2.0.. تساعد المبتدئين فى تصميم مواقع الويب مجاناً (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          لا تشارك بياناتك بعد اليوم.. كل ما تريد معرفته عن "الهوية اللامركزية" كتب مايكل فارس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الوجه المتصدع والنيزك.. 9 رموز تعبيرية جديدة تصل إلى الهواتف قريبًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          إلغاء الضوضاء النشط أم السلبي؟ اعرف الفرق قبل شراء سماعتك القادمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          تعلم NotebookLM.. ميزة تغير طريقة عمل الصحفيين والباحثين مع الوثائق الضخمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 260 )           »          واتساب يطور خدمة نسخ احتياطي سحابية لأجهزة آيفون.. بديل جديد لـ iCloud (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          تعلم ChatGPT.. كيف تحوله من روبوت دردشة إلى مساعد شخصى يدير يومك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 242 )           »          آبل تطلق الإصدار التجريبي العام لـ iOS 27: خطوات التثبيت وقائمة الهواتف المدعومة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-08-2025, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النكاح)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (459)

صـــــ(1) إلى صــ(21)


شرح زاد المستقنع - كتاب الظهار [3]
جماهير السلف والخلف من الأئمة رحمهم الله على أن الظهار لا يصح إلا من الزوج، فإذا وقع ظهار من الزوجة تجاه زوجها فإنه لا يقع ولا تترتب عليه كفارة، وإنما عليها الندم والاستغفار.
وقد نص العلماء رحمهم الله على حرمة أن يطأ المظاهر زوجته قبل أن يخرج الكفارة، واختلفوا في دواعيه ومقدماته، كما أن الراجح في الظهار أنه يصح من كل زوجة ولا يدخل في ذلك الإماء.
تابع أحكام الظهار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
وقوع الظهار من كل زوجة
فيقول المصنف رحمه الله: [ويصح من كل زوجة] أي: يصح الظهار إذا كان متعلقا بالزوجة.
وقوله: [من كل زوجة] (كل) من ألفاظ العموم، فيشمل الزوجة الصغيرة والكبيرة، ويشمل الزوجة التي قد دخل بها، أو عقد عليها ولم يدخل بها.
كذلك أيضا يشمل الزوجة الطاهرة والحائض، فيشمل كل من يصدق عليها وصف الزوجة؛ لدليل العموم في قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} [المجادلة:2] ، فأثبت أن الظهار متعلق بالنساء.
والذي يفهم من هذه العبارة أنه لا يصح الظهار من أجنبية، فلو قال لامرأة أجنبية ليست بزوجة: أنت علي كأمي، أو: أنت علي كظهر أمي فإنه ليس بظهار، لكن كونه يخاطب امرأة أجنبية بهذا الخطاب فإنها لو اشتكت إلى القاضي فإنه من حق القاضي أن يعزره ويؤدبه لهذا الخطاب.
كذلك أيضا في قوله: [من كل زوجة] نفهم منه أنه لا يصح الظهار إذا كانت أمة مملوكة، فلو قال لأمة من إمائه: أنت علي كظهر أمي لا يقع الظهار، ولا تحرم بهذا القول؛ لأن الله عز وجل خص الظهار بالنساء بقوله: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم} [المجادلة:2] ، والمرأة المملوكة ليست من النساء، وإنما هي من ملك اليمين، ولذلك فرق الله عز وجل بين النساء وبين ملك اليمين كما في آية النور في قوله تعالى: أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن.
[النور:31] ، وآية الأحزاب في قوله تعالى: يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك.
[الأحزاب:50] ، ففرق بين النساء وملك اليمين، فلما قال تعالى: (أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن) دل على أن ملك اليمين غير النساء.
والأصل يقتضي أن مملوكة اليمين -وهي الأمة- لا تأخذ حكم الزوجة من كل وجه، ولذلك لا يتعلق بها الظهار، فإذا لم يتعلق بها الظهار لا يتعلق بها الطلاق.
فصح دليل النظر والأثر على أن الظهار لا يتعلق بالإماء، ويستوي في الإماء أن تكون أم ولد أو غيرها؛ فإن المرأة إذا كانت موطوءة بملك اليمين فلا توصف بالزوجية، ولا تأخذ حكم الزوجية.
وبناء على ذلك يختص الظهار بالمرأة التي عقد عليها عقدا شرعيا، سواء أو قع الدخول أم لم يقع.
وما سبق تقريره قد ظهر من أقوال بعض العلماء خلافه، فهناك من العلماء من أثبت الظهار من الأجنبية، وهذا مروي عن بعض السلف وبعض الأئمة، وحفظ ذلك عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.
وكلك أيضا للأمة، فبعض العلماء يفرق فيقول: إذا كان عنده إماء وقال: أنتن علي كظهر أمي لننظر في من كانت منهن يطؤها فإنه يلحق بها الظهار، والتي لا يطؤها لا يلحق بها الظهار.
ومنهم من فرق في الإماء بين أم الولد وغيرها، وهذا كله مرجوح؛ لأن الآية نصت على أن الظهار متعلق بالزوجات، وبناء على ذلك لا يتعلق بغير الزوجات.
ويبقى السؤال لو قال لها: أمرك بيدك.
ففي الطلاق قلنا لو قال لها: أمرك بيدك فقالت: طلقت نفسي فحينئذ يقع الطلاق، لكن لو قال لها: أمرك بيدك فقالت: أنت علي كظهر أبي فهل يقع الظهار؟ نقول: لا؛ لأن الآية نصت على أن هذا الحكم خاص بالرجال، ولا يدخله الاستنابة والتفويض كالحال في الطلاق.
ما يصح من أنواع الظهار
قال رحمه الله تعالى: [فصل: ويصح الظهار معجلا ومعلقا بشرط] .
شرع رحمه الله في صيغة الظهار، فإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي فإما أن يعجل وينجز، وإما أن يعلق.
فالحالة الأولى: أن يكون الظهار منجزا، فإذا أنجز يقول لها: أنت علي كظهر أمي، فقد أنجز ولم يعلق ظهاره على شيء، فيقع الظهار.
والدليل ظاهر الكتاب وظاهر السنة، فالأصل في الظهار أنه يقع منجزا، والإجماع منعقد على أن صيغة الظهار المنجزة والمعجلة واقعة إذا صدرت مستوفية للشروط المعتبرة.
والحالة الثانية: أن يكون الظهار معلقا، والتعليق بشرط كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي إن خرجت من البيت.
أو: أنت علي كظهر أمي إن كلمت فلانة أو ذهبت إلى كذا، فهذا كله معلق بشرط، فإذا وقع الشرط وقع الظهار، فلو قال لها: أنت علي كظهر أمي إن خرجت من البيت فخرجت وقع الظهار، فكما أن الطلاق يقع معلقا كذلك يقع الظهار معلقا، فإذا وقع الشرط حكم بثبوت الظهار، وجرت الأحكام المعتبرة عليه.
قال رحمه الله: [فإذا وجد صار مظاهرا] .
قوله: [فإذا وجد] يعني الشرط، وقوله: [صار] أي: الزوج، وقوله: [مظاهرا] لأنه فيما بينه وبين الله علق ظهاره على وجود شيء، ووجد ذلك الشيء، فلزمه ما التزمه فيما بينه وبين الله، وقد تقدم معنا بيان الأدلة على ثبوت الطلاق معلقا، فكما أن الطلاق يقع معلقا كذلك الظهار يقع معلقا.
قال رحمه الله: [ومطلقا ومؤقتا] .
أي: ويصح الظهار مطلقا ومؤقتا، يعني التقسيم في قوله: [معجلا ومعلقا بشرط] فالمطلق أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، فهذا مطلق، فلم يقل: في الليل، ولا: في النهار، ولا: في اليوم، ولا: غدا، فما علق ولا قيد.
وقوله: [ويصح مقيدا ومعلقا] كأن يقول: أنت علي كظهر أمي هذا الشهر.
أو: أنت علي كظهر أمي هذا الأسبوع، أو: أنت علي كظهر أمي هذا اليوم.
فإذا جاء مقيدا -وهو المعلق بوقت معين- نقول له: إن امتنعت من قربانها وإتيانها طيلة هذا الوقت فلا شيء عليك، فكما أنه لم يقع وطء، ولا عزم على الوطء، فحينئذ إذا مضى الشهر حلت له وارتفع الظهار؛ لأنه جعل كونها محرمة عليه كحرمة الأم مؤقتا بوقت معين، وهذا الوقت المعين المحدد يتقيد به الحكم الشرعي بالظهار، فبين رحمه الله أن الظهار المقيد بوقت أو بزمان يتقيد بذلك الزمان، فإن مضى هذا الزمان كاملا وانتهى فإنه ينتهي الظهار بانتهائه.
لكن لو أنه قال لها: أنت علي كظهر أمي شهر جمادى الأولى، أو: أنت علي كظهر أمي شهر رمضان، وأراد في رمضان أن يجامعها، وأن يعود إليها أو يمسها فإنه حينئذ تلزمه الكفارة، ما دام أنه قيد الظهار بشهر رمضان وأراد أن يعود وحصل منه العود في رمضان، لكن لو أنه سكن وصبر حتى انتهى رمضان يرتفع الحكم وتعود حلالا له؛ لأنه جعل ظهاره مقيدا بزمان فيفوت بفواته.
قال رحمه الله: [فإن وطأ فيه كفر] .
قوله: [فإن وطأ فيه] يعني في الزمان الذي علق به أو قيد.
وقوله: [كفر] أي: لزمته كفارة الظهار؛ لأنه سيأتي أن كفارة الظهار لا تلزم إلا بالعود؛ لأن الله تعالى جعل العود شرطا في وجوب الكفارة، قال تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] ، فجعل لزوم الرقبة ووجوبها على الزوج مقيدا بالعود، وهذا هو شرط الكفارة، وسيأتي إن شاء الله بيانه.
وإذا ثبت هذا أنه شرط الكفارة فحينئذ لو قال لها: أنت علي كظهر أمي هذا الشهر، أو أنت علي كظهر أمي هذه الساعة، أو هذا اليوم، ومضى اليوم كاملا دون عود فلا كفارة.
قال رحمه الله: [وإن فرغ الوقت زال الظهار] .
قوله: [وإن فرغ الوقت] أي: الذي علق وقيد به، وقوله: [زال الظهار] أي: رجعت حلالا له، ولا تلزمه كفارة.
ما يحرم على المظاهر من زوجته قبل التكفير
قال رحمه الله: [ويحرم قبل أن يكفر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها] .
يحرم على الزوج إذا ظاهر من زوجته أن يطأها قبل أن يكفر بنص القرآن: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] ، فألزم الله الكفارة قبل حصول المسيس، وهو كناية عن الجماع.
وقال بعض العلماء: يدخل في حكم الوطء مقدمات الوطء، ومن أهل العلم من خص الحكم بالوطء نفسه، والخلاف في قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] هل المراد بقوله تعالى: {أن يتماسا} [المجادلة:3] الجماع أم لا؟ لأن الله عبر بالمس عن الجماع فقال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [البقرة:237] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب:49] فيعبر بالمسيس عن الجماع.
ولذلك قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسيره للقرآن: (إن الله يكني) .
وإذا ثبت هذا فمذهب طائفة من العلماء أن قوله تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] المراد به: من قبل أن يقع الجماع.
وحينئذ لم يحرموا مقدمات الجماع، فيحلون للرجل المظاهر من زوجته أن يستمتع بالتقبيل والمباشرة فيما دون الفرج، وقالوا: لا حرج عليه ولا بأس.
والذين منعوا قالوا: إن قوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] يراد به الوطء وفي حكم الوطء مقدماته؛ لأن ما منع من الوطء، يمنع من مقدماته كالإحرام؛ فإن الإحرام كما يمنع الوطء يمنع من مقدماته من المباشرة ونحوها، وكذلك الاعتكاف يمنع من الوطء ويمنع من مقدمات الوطء بالنسبة للصائم.
فإذا ثبت هذا قالوا: إن الحكم يبقى على الجماع ومقدمات الجماع، فلا يجوز له أن يستمتع بالمرأة بما يدعوه إلى وطئها، والآية محتملة.
إلا أن بعض العلماء رجح القول الذي اختاره المصنف من جهة قوله: أنت علي كظهر أمي، فقال: إنه قصد التحريم، بدليل أنه لو قال لها: أنت علي كأمي كان ظهارا، والأم لا يجوز تقبيلها، ولا يجوز الاستمتاع بها مما دون الفرج، وقد وصفها بهذا الوصف، فحرمها تحريما يشمل الجماع ويشمل مقدماته، فرد الأولون وقالوا: هذا حجة لنا لا حجة علينا؛ لأنه ما سمي ظهارا إلا لقوله: أنت علي كظهر، والظهر كني به عن الركوب والجماع، فبناء على ذلك يختص بالجماع.
وكلا القولين له وجهه، ومن قال بالدواعي يستدل بأن الشرع يحرم الوطء -كما ذكرنا- ويقصد من تحريمه تحريم كل ما يدعو إليه، ولأن ما يدعو إلى الشيء يغري بالشيء، وما يدعو سيوقع في الشيء.
وبناء على ذلك قالوا: نحرم عليه الوطء ودواعيه، كما اختاره المصنف رحمه الله.

وقت ثبوت الكفارة في ذمة المظاهر
قال رحمه الله: [ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطء وهو العود] .
هذه الجملة من فوائدها أن الرجل لو ظاهر من امرأته ثم توفي قبل أن يجامعها فلا كفارة عليه، ولا يلزم إخراج الكفارة من تركته والتكفير عنه، لكن لو أنه ظاهر منها ثم جامعها ثم توفي بعد جماعها لزمته الكفارة ووجبت عليه، وهذا معنى قوله: [في الذمة] ، فتلزمه في ذمته أثناء حياته وبعد مماته، وهذا مخرج على القاعدة المعروفة: (تنزيل المعدوم منزلة الموجود وتنزيل الموجود منزلة المعدوم) ، وقد ذكرها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في قواعد الأحكام، ومنها هذه المسألة، فالشخص لو فعل وارتكب ما يوجب التكفير ثم توفي مباشرة ثبتت في ذمته، ونزلت ذمة الميت منزلة ذمة الحي، ووجب إخراج الكفارة من ماله وتركته.
فلا تلزم بالذمة إلا بالجماع، فلو أنه لم يجامع لم يتحقق العود.
قال رحمه الله: [ويلزمه إخراجها قبله عند العزم عليه] .
إذا أراد الرجل أن يعود في ظهاره، وأراد أن يطأ المرأة فلا يجوز له أن يطأها حتى يقع منه التكفير، وبناء على ذلك قالوا: إذا وجد العزم -أي: عزم على جماعها وإتيانها- يكفر وهذا مبني على حديث الترمذي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للمظاهر: (ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) ، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يكفر قبل أن يجامع، فأخذ العلماء من هذا دليلا على أنه يجب عليه أن يخرج الكفارة قبل أن يقع الجماع.
حكم تكرار لفظ الظهار لأكثر من امرأة أو أكثر من مرة
قال رحمه الله: [وتلزمه كفارة واحدة بتكريره] .
بعد أن بين رحمه الله حقيقة الظهار وجملة من المسائل المتعلقة بأركانه بين أن الأصل أن يكون الظهار مرة واحدة، فالله عز وجل أوجب الكفارة على من ظاهر إذا تلفظ بالظهار مرة واحدة، ولا يشترط أن يكرر لفظ الظهار، خلافا لبعض أئمة السلف وبعض الظاهرية، ويحكى عن داود، ويحكى مذهبا للظاهرية، وهو أنهم يشترطون في وجود الكفارة العود في التلفظ بالظهار مرة ثانية.
والصحيح ما ذهب إليه الجماهير أنه لو تلفظ به مرة واحدة فإنه مظاهر وحكمه حكم المظاهر، وهذا هو الأصل.
فبعد أن فرغ رحمه الله من بيان الأصل شرع في مسألة تكرار الظهار، وهذا من التسلسل المنطقي وترتيب الأفكار، وهو أنك إذا بينت المسائل والأحكام تبدأ بالأشياء التي هي الأصل، فالأصل ألا يكرر، ثم بعد أن تبين حكم الأصل تشرع في حكم الخارج عن الأصل، مثل تكرار اللفظ على امرأة واحدة، أو تكراره لأكثر من امرأة.
فلو أنه قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي ثم رجع مرة ثانية وقال: أنت علي كظهر أمي.
أنت علي كظهر أمي.
فكرر ثلاثا في مجلس واحد، أو قال لها: أنت علي كظهر أمي.
ثم خرج من المنزل فلقي أخاها فقال: أختك علي كظهر أمي.
ثم خرج إلى أصحابه أو إلى قرابته فقال: زوجتي علي كظهر أمي.
فهذا ظهار مكرر في محل واحد وهو الزوجة، فلا تلزم فيه إلا كفارة واحدة، ويستوي في ذلك أن يكون مؤكدا أو مخبرا أو مؤسسا، كأن يقول: أنت علي كظهر أمي.
أنت علي كظهر أمي، فأراد أن يؤكد أنه قد قال الظهار فكرره ثلاثا أو كرره مرتين في مجلس واحد، أو كرره أكثر من مرة تأكيدا في مجلس مختلف، كأن قال لها: أنت علي كظهر أمي.
فلما نقلها عند أهلها قالت له: هل أنت ظاهرت مني؟ فقال لها: أنت علي كظهر أمي تأكيدا لما قاله لها في الخلوة.
وهذا كله حكمه واحد، وليس في ذلك إلا كفارة واحدة، سواء أكان مؤكدا أم كان مؤسسا أم كان مخبرا، وهذه صورة.
والصورة الثانية: أن يقع التكرار لأكثر من زوجة، أو يكون العكس، فيتعدد المحل (الزوجات) ، ويتحد لفظ الظهار، وهذا ما أشار إليه بقوله رحمه الله: [وتلزمه كفارة واحدة بتكريره قبل التكفير] إذا كرر اللفظ لامرأة.
وهذا كله شرطه قبل أن يكفر، أما لو قال لها: أنت علي كظهر أمي ثم كفر، ثم رجع مرة ثانية فقال: أنت علي كظهر أمي فإنه تلزمه كفارة ثانية.
وكذلك في اليمين لو قال: والله لا أشرب هذا الماء.
فحنث وكفر، ثم رجع مرة ثانية وحلف فكفارة ثانية، فالشرط المعتبر لكفارة واحدة أن يقع منه التكرار قبل التكفير.
قوله: [من واحدة] أي: تلزمه كفارة واحدة إذا كرره أكثر من مرة لامرأة واحدة.
وقوله: [لظهاره من نسائه بكلمة واحدة] .
لو أنه ظاهر من نسائه فقال لهن: أنتن علي كظهر أمي.
فقاله لمجموعة من النساء وهن زوجات له فإن العلماء والأئمة والسلف اختلفوا في هذه المسألة، فقال بعض السلف: إذا خاطب نساءه فإنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، فإذا كن أربع نسوة فقال لهن: أنتن علي كظهر أمي فلا تلزمه إلا كفارة واحدة بظهاره منهن.
وهذا القول مروي عن عمر بن الخطاب، رواه عنه حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى أن عمر رضي الله عنه سئل، عن رجل قال لنسائه: أنتن علي كظهر أمي.
وأراد أن يعود؟ قال: عليه كفارة واحدة.
فجعله ظهارا واحدا.
وممن قال بهذا القول من الصحابة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن المسيب، واختاره بعض الأئمة الأربعة كما ذكر المصنف رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقول الإمام الشافعي في القديم، وكذلك المالكية رحمة الله على الجميع.
وقال بعض أئمة السلف: إذا قال لأكثر من واحدة: أنتن علي كظهر أمي فإنه يتعدد الظهار بتعدد المحل.
وهذا القول هو مذهب الحنفية ورواية عن الإمام أحمد، ومروي عن بعض أئمة السلف كـ الأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهم رحمة الله على الجميع.
والقول الثاني في الحقيقة أقوى من حيث الأصل، وأقوى من حيث الدليل؛ لأنه حينما خاطب نساءه تعلق الظهار بكل امرأة على حده، كما لو قال: نسائي طوالق، وكانت واحدة منهن مطلقة مرتين، فمعناه أنها الطلقة الثالثة المحرمة أو كانت إحداهن غير مدخول بها كانت طلقة بائنة، أو كانت إحداهن مدخولا بها وقد طلقها من قبل طلقة واحدة فصارت طلقة رجعية.
فيختلف الطلاق ويتعدد، ويصبح لكل زوجة طلاقها الخاص بها.
وبناء على ذلك فإن القول بوجوب الكفارة بعدد النساء اللاتي ظاهر منهن قول أقوى، وهو أشبه بالأصول.
وإنما عدل من عدل من السلف والأئمة رحمهم الله إلى ذلك القول لمسألة الاحتجاج بقول الصاحب، وقد سبق الكلام عنها.
قال رحمه الله: [وإن ظاهر منهن بكلمات فكفارات] هذا مفهوم من قوله قبل [بظهاره من نسائه بكلمة واحدة] فلو ظاهر منهن بكلمات قالوا: إن هذا يتعدد بتعددهن، ولكل واحدة منهن ظهارها.
فالشرط عند أصحاب هذا القول أن تكون كلمة واحدة، فيقول لهن جميعا: أنتن علي كظهر أمي، ويخاطبهن جميعا بكلمة واحدة ولا يكرر، فإن كرر فإنه يتكرر بتكرار الظهار، ولكل امرأة ظهارها.

الأسئلة



حكم من طلق زوجته بعد ظهار منها ثم مراجعة لها
السؤال إذا ظاهر الزوج من زوجته، ثم طلقها طلقة واحدة، ثم راجعها بعد انتهاء عدتها بمهر جديد هل يعتد بالظهار في هذه الحالة؟
الجواب باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فالذي اختاره طائفة من العلماء أن طلاقها وخروجها من العصمة لا يهدم الظهار، وكذلك أيضا دخول الطلاق ولو كان موجبا للبينونة، ولو أنها نكحت بعده فإنه يبقى ظهاره لها، فلو عادت إليه يعود الظهار، ولا تحل له إلا بعد أن يكفر؛ لأنه قد تعلقت ذمته بذلك الظهار وثبت له حكمه شرعا، فلزمه التكفير قبل الجماع.
والله تعالى أعلم.
حكم الفصل بين لفظ الظهار والتعليق
السؤال لو قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وأضاف بعد فترة يسيرة قوله: هذا الشهر أو هذا اليوم، فهل الظهار يتقيد الظهار حينئذ؟
الجواب هذه المسألة فصلنا في أحكامها، وهي مسألة التعليق في الطلاق، وبينا أن التعليق عند العلماء إذا حكموا بصحته يشترطون أن تكون عنده نية قبل أن يذكر التعليق، فلو كان عند ابتدائه بالظهار لم يكن في نيته التقييد، وإنما قصد ظهارا تاما، فقال: أنت علي كظهر أمي.
ثم بدا له أن يعلق فقال: اليوم.
أو: الشهر لم يصح؛ لأنهم اشترطوا أن تكون نيته للتعليق قبل وقوع الظهار منه، أما إذا وقع الظهار فقد وقع منه مطلقا بدون تعليق.
وبناء على ذلك لا بد وأن يكون ناويا للتعليق، وأن يكون التعليق متصلا باللفظ، فيقول لها: أنت علي كظهر أمي هذا الشهر، أنت علي كظهر أمي هذا اليوم فإن حصل إخلال بهذين الشرطين لم يقع تعليقه معتبرا.
والله تعالى أعلم.
حكم ظهار الزوجة من زوجها إذا أسند الأمر إليها
السؤال لو قال الزوج لزوجته: الأمر إليك فقالت: أنا عليك كظهر أمك، فهل يقع الظهار؟
الجواب إذا أسند إليها الأمر فظاهرت فإنه لا يقع الظهار منها؛ لظاهر الآية الكريمة.
والله تعالى أعلم.
حكم زكاة الحلي
السؤال هل ذهب الهدية عليه زكاة، وبعضه قد لا يلبس إلا مرة؟
الجواب الذهب فيه الزكاة إذا كان حليا أو غير حلي، والدليل على ذلك عموم النصوص، ولم يرد في كتاب الله ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم نص يدل على استثناء الذهب الملبوس للحلي من الأصول الدالة على وجوب الزكاة، وأما حديث: (ليس في الحلي زكاة) فهذا حديث ضعيف؛ لأنه من رواية أيوب بن عافية وهو ضعيف الرواية، والعمل على عدم ثبوت هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والصحيح أن الحلي -سواء وكان ملبوسا أم غير ملبوس، لبس أكثر الحول أم بعض الحول -الزكاة واجبة فيه؛ لأن عموم النصوص دال على ذلك، وسواء أكان هدية أم اشترته المرأة بنفسها، فلو أنها أهدي إليها ذهب، وكان هذا الذهب الذي أهدي إليها قد بلغ النصاب فإنها تعتبر حول هذا الذهب من يوم القبض؛ لأن الهدية لا تملك إلا بالقبض، فإذا حكم بدخوله إلى ملكها حكم بوجوب الزكاة عليها، فتستقبل حولا كاملا، فإذا مر الحول وهو عندها فإنه يجب عليها أن تزكيه إذا كان بالغا النصاب.
والله تعالى أعلم.
حكم صلاة المرأة الفريضة والمؤذن يؤذن
السؤال هل يجوز للمرأة أن تصلي الفريضة والمؤذن يؤذن، أم تنتظر حتى ينتهي الأذان؟
الجواب يجوز لها ذلك؛ لأنه إذا دخل الوقت جازت الصلاة، لكن الأفضل والأكمل والسنة أنها تردد مع المؤذن حتى تحل لها الشفاعة حينما تسأل لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوسيلة، وهذه هي السنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فمن سأل الله لي الوسيلة فقد حلت له شفاعتي) ، فأي مؤمنة تفرط في هذا الفضل العظيم؟ وأي مؤمن يفرط في هذا الفضل العظيم.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يؤتيه الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه المقام الذي وعده، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبيا عن أمته وصاحب رسالة عن رسالته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه تامة كاملة إلى يوم الدين.
والله تعالى أعلم.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-08-2025, 10:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النكاح)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (460)

صـــــ(1) إلى صــ(22)



شرح زاد المستقنع - كتاب الظهار [4]
الكفارات هي العقوبات التي أمر الشارع بها، وتختلف بحسب اختلاف موجباتها، وتعتبر كفارة الظهار من الكفارات المغلظة التي نص عليها الكتاب والسنة، وزادها العلماء توضيحا وتفصيلا وجعلوا لها شروطا وضوابط حتى لا يتساهل الناس في أدائها ومراعاة حق الله المتعلق بها.
كفارة الظهار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وكفارته عتق رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا] .
شرع المصنف رحمه الله في بيان الأثر المترتب على وجود الظهار من وجوب الكفارة على الزوج إذا أراد أن يعود، وقد بينا أنه لا يحل للزوج أن يطأ زوجته حتى يكفر، وذلك بنص كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع أهل العلم.
ونظرا لذلك يرد
السؤال ما هي الكفارة المترتبة على الظهار؟ فبين الله تبارك وتعالى هذه الكفارة في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وشرع المصنف رحمه الله في بيان هذه الكفارة وبعض مسائلها.
قال رحمه الله: [وكفارته عتق رقبة] .
الضمير في: [وكفارته] عائد إلى الظهار، والكفارة: مأخوذة من الكفر، وأصل الكفر في لغة العرب: الستر والتغطية، يقال: كفر الشيء: إذا ستره وغطاه عن الأنظار، ومنه سمي المزارع كافرا؛ لأنه يكفر البذر، بمعنى أنه إذا أراد الزراعة فإنه ينثر البذر ثم يغطيه عن الطير، فسمي كافرا من هذا الوجه.
قال الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها ..

أي: ستر النجوم الغمام.

وسمي الكافر كافرا؛ لأنه كفر نعمة الله عليه فجحدها، فكأنه غطى ما أنعم الله به عليه، وادعى أنه ليس لله عليه نعمة، نسأل الله السلامة والعافية.
كفارة الظهار من الكفارات المغلظة
والكفارات: هي العقوبات التي أمر الشارع بها، وتأتي على أنواع وأحوال مختلفة، فتختلف بحسب اختلاف موجباتها، ولذلك تنقسم الكفارات إلى كفارات مغلظة وكفارات مخففة.
وكفارة الظهار تعتبر عند العلماء رحمهم الله من الكفارات المغلظة، وهي الكفارات العظيمة التي أوجب الشرع فيها ما لا يوجبه في غيرها تعظيما للذنب أو للخطيئة أو التقصير الذي ارتكبه المكلف، وهذا النوع -وهو الكفارة المغلظة- منه ما يتعلق بالقتل، وهو -كما سيأتينا إن شاء الله- قتل الخطأ إجماعا، واختلف في قتل العمد، وكذلك أيضا كفارة الجماع في نهار رمضان، وكذلك كفارة الظهار.
والكفارة المخففة من أمثلتها: كفارة اليمين، والنذر، وكفارة الفدية في الحج ونحوها، والكفارة تارة ينص عليها الكتاب وتبينها السنة وتفصلها، وتارة تأتي في السنة ولا ينص عليها الكتاب.
فالكفارة التي نص عليها الكتاب وفصلتها السنة وبينتها منها: كفارة الظهار، وكفارة الفدية في الحج؛ فإن الشارع سبحانه نص عليها في كتابه، وجاءت السنة ببيانها، قال تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196] ، فهذا أصل للكفارة، فمن اكتسب محظورا بحلق الشعر أو نتفه، أو غطى رأسه، أو لبس المخيط فعليه الكفارة، ثم فصلتها السنة، فالله عز وجل قال: (ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) ، لكن لم يفصل كم يوما يصومه المفتدي، وكذلك أيضا النسك الذي يذبحه لم يبين أنه من الإبل أو البقر أو الغنم، وكذلك الإطعام لم يبين قدره، فجاءت السنة بالبيان، فهذا نوع من الكفارات.
النوع الثاني: ما بينته السنة ولم يرد في القرآن نص عليه، وإنما ورد في القرآن بيان حرمة الفعل الذي يوجب الكفارة، كالجماع في نهار رمضان، فقد نهى عنه القرآن ثم جاءت السنة وبينت ما هو الواجب، وبينت الكفارة اللازمة على المجامع في نهار رمضان، فليس في القرآن نص على إيجاب الكفارة على المجامع في نهار رمضان.
فهذا نوع من الكفارات المغلظة وبينته السنة ولم يبينه القرآن، وهذا مما يدل على أن السنة تأتي بأمر زائد عما في القرآن، خلافا لمن يقول: إن السنة -فقط- بيان لمجمل القرآن وتخصيص لعمومه، وتقييد لمطلقه، ونحو ذلك مما ذكروه، وعلى كل حال فكفارة الظهار بينها الله تبارك وتعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في قصة المظاهر من امرأة.
عتق الرقبة عن الظهار
قال المصنف رحمه الله: [كفارته عتق رقبة] .
سيأتي -إن شاء الله- أن هذه الرقبة التي تجب على المظاهر ينبغي أن تتوفر فيها الشروط المعتبرة للحكم بصحتها أو بإجزائها في العتق، والأصل في إيجاب العتق على المظاهر قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة:3] ،فقوله تعالى: (فتحرير رقبة) أي: عتق رقبة فالتحرير للرقبة المراد به أنه يفكها من قيد العبودية فيعتقها لله عز وجل.
وكفارة الظهار ترتيبية، والكفارات منها ما هو مرتب ومنها ما هو مخير فيه، فتارة يأمرك الشرع بكفارة ويجعلك مخيرا تختار فيها إحدى ثلاث خصال، أو إحدى خصلتين أو أكثر، وتارة يلزمك ويقول لك: كفر بكذا، فإن عجزت فبكذا، وإن عجزت فبكذا.
وتارة يجمع بين الأمرين.
فالكفارة التخييرية مثل كفارة الفدية، كقوله تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة:196] .
والكفارة المرتبة مثل كفارة الظهار، فهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، فهي مرتبة لا يجزئ فيها الثاني مع القدرة على الأول، ولا يجزئ الثالث مع القدرة على الثاني.
وأما الذي جمع التخيير والترتيب فكفارة اليمين، فإن الله تعالى أوجب فيها عتق الرقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فهذا تخيير، فإن شاء أعتق رقبة، وإن شاء أن أطعم عشرة مساكين، وإن شاء كساهم، ثم بعد ذلك قال تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم} [المائدة:89] ، فجاء بالترتيب عقب التخيير، فالتخيير في الثلاث الخصال الأول، ثم جاء الترتيب عقب ذلك.
فهنا الكفارة -كفارة الظهار- مرتبة، فهي من النوع الذي أوجبه الشرع على وجه الترتيب، وبناء على ذلك لابد من تحصيل هذا الشرط، أعني أنه لا ينتقل إلى خصلة ما دام أن الشرع قد اشترط غيرها، حتى يتحقق شرط جواز الانتقال إلى غيرها.
والرقبة في الكفارة يشترط ملكيتها، ثم السلامة من العيوب، وسيأتي تفصيل هذين الشرطين المعتبرين للحكم بصحة العتق.
ولما قال [عتق رقبة] فهم منه أنه لا يصح عتق ما لا يوصف بكونه رقبة، والذي لا يوصف لا يستحق عتقه، كما لو أعتق جنين أمة، لأن الجنين في بطن الأمة صحيح أنه ملك للسيد، ولكن لا يوصف بكونه رقبة إلا إذا خرج حيا، فحينئذ يصح، وأما قبل ذلك فلو أعتقه لم يصح.
وللعلماء قول آخر، فقالوا: إنه لو كان جنينا في بطن أمه فإنه قد يكون معيبا عيبا يوجب بطلان عتقه.
كما سيأتي إن شاء الله في العيوب المؤثرة.
صيام شهرين متتابعين عن الظهار
قال رحمه الله: [فإن لم يجد صام شهرين متتابعين] .
أي: فإن لم يجد الرقبة صام شهرين متتابعين وهذا الترتيب هو الذي ذكرناه، فإذا كان قادرا على عتق الرقبة، فإنه لا يصح أن يصوم أو ينتقل إلى البدل وهو صيام شهرين متتابعين، وعتق الرقبة يستقر بالملكية والمالك إما أن يكون مالكا للرقبة، أو يكون في حكم المالك، وفي حكم المالك من عنده قدرة أن يشتري الرقبة ويعتقها، فإن كان عاجزا أو كانت الرقبة غير موجودة -كما سيأتي إن شاء الله- فإنه ينتقل إلى الخصلة الثانية وهي صيام شهرين متتابعين؛ لقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة:4] ، فجعل الله عز وجل شرط الانتقال إلى الخصلة الثانية في كفارة الظهار -وهي الصيام- إذا كان المظاهر غير قادر على الرقبة -أي: غير واجد لها-، وهذا يدل على أن صيام الشهرين المتتابعين يجب في حق المظاهر إذا كان عاجزا عن الرقبة -كما ذكرنا-، وهذا محل إجماع بين العلماء رحمهم الله، وظاهر السنة يدل عليه، كما في قصة المظاهر في حديث خولة رضي الله عنها وأرضاها، وقد سبق بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعتق الرقبة، فلما أخبره أنه لا يجدها أمره بصيام شهرين متتابعين.
وصيامه الشهرين المتتابعين إما أن يبدأ فيه من أول الشهر، فحينئذ يعتد بالشهر القمري ناقصا أو كاملا، فلو أنه ابتدأ في أول شهر محرم وكان شهر محرم ناقصا أجزأه، فممكن -بناء على هذا- أن يصوم تسعة وخمسين يوما ويجزئه، ويمكن أن يصوم ثمانية وخمسين يوما إذا صام من أول الشهر، وهذا إنما يكون إذا ثبت بالرؤية أن الشهر ناقص، وهي السنة، وهذا يدل على أن ترائي الهلال أمر مطلوب من المسلمين، وأنه ينبغي عليهم أن يحيوا هذه السنة؛ لأنها تترتب عليها أحكام شرعية كثيرة، وأما العمل بالحساب الفلكي فإنه لا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) ، وهذا مذهب جماهير السلف والخلف والأئمة الأربعة رحمهم الله جميعا، فمذهبهم أنه لا يعتد بالحساب الفلكي في إثبات الشهر وخروجه، وأن العبرة بالرؤية إن رؤي الهلال، وإلا حكم بتمام الشهر، كما سبق بيان هذه المسألة وتفصيل القول فيها في مسائل رؤية هلال رمضان.
فإذا ابتدأ من أول الشهر اعتد به ناقصا أو كاملا، وإذا ابتدأ أثناء الشهر فإنه يصوم ستين يوما متتابعة، فينتقل إلى حساب الشهرين المتتابعين بالعدد على أصح أقوال العلماء رحمهم الله، وهو مذهب جمهور أهل العلم، أي: يجوز أن يبدأ بمنتصف الشهر، ويجوز أن يبدأ من أثناء الشهر، وأنه لا يشترط أن يبدأ من أول الشهر.
إطعام ستين مسكينا عن الظهار
قوله رحمه الله: [فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا] .
أي: فإن لم يستطع صيام الشهرين المتتابعين فإنه يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا؛ لقوله تعالى: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله} [المجادلة:4] ، فبين سبحانه وتعالى أنه يجب على المظاهر إن عجز، أو لم يستطع صيام الشهرين المتتابعين أن يطعم ستين مسكينا، وتقدم معنا بيان إطعام ستين مسكينا، ووصف المسكين وضابطه في كتاب الزكاة، وصفة الإطعام، وستأتي الإشارة إلى بعض المسائل المتعلقة بالإطعام، فهنا المصنف يذكر الكفارة إجمالا، وسيأتي إن شاء الله بتفصيل أحكامها، كما هي عادة العلماء رحمهم الله، حيث يجملون ثم بعد ذلك يفصلون.

الشروط المتعلقة بمن أراد عتق الرقبة




اشتراط التملك في الرقبة
قال رحمه الله: [ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها] .
قوله: [ولا تلزم] أي: لا يجب على المظاهر أن يعتق الرقبة إلا إذا كان مالكا لها، كأن يكون اشترى رقبة صغيرة كانت أو كبيرة، ذكرا كانت أو أنثى، فإنه حينئذ انتقلت ملكيتها إليه، فيلزمه أن يعتق هذه الرقبة، ولا نلزمه بالعتق إلا إذا كانت الرقبة ملكا له، أو كان قادرا على شرائها.
فهما أمران إذا تحقق أحدهما عمل به، فإما أن تكون الرقبة عنده وفي ملكيته، كأن يملكها بإرث، أو يملكها بشراء، أو يملكها بهبة صحيحة، كأن يقول له أخوه: وهبتك جاريتي فلانة، فقال: قبلت.
أو قال: وهبتك عبدي فلانا.
فقال: قبلته.
فدخل في ملكه، ثم قال: هو حر لله عز وجل.
وقصد بذلك عتقه كفارة عن الظهار.
قوله: [أو أمكنه ذلك بثمن مثلها] أي: يمكنه أن يشتري الرقبة، أو أن يدخلها بشرائها بثمن مثلها والرقاب إذا بيعت فإما أن تباع بثمن المثل، وإما أن تباع فيبالغ في قيمتها ويزاد عن قيمتها، ومراد المصنف هنا أننا نلزم المظاهر أن يشتري الرقبة بمثل ثمنها، لكن إذا وجد رقبة واحدة وطلب صاحب الرقبة فيها مائة ألف، والرقبة تباع بعشرة آلاف ريال، فحينئذ ليس هذا بثمن المثل، فلو أنه لم يجد إلا هذه الرقبة فإننا لا نظلمه بها؛ لأنها فوق ثمن المثل، وفيها إجحاف به، وينتقل إلى عوضها إذا لم يجد بديلا عن هذه الرقبة بثمن المثل.
اشتراط الكفاية وشراء الرقبة بما فضل عن الحاجة
قوله رحمه الله: [فاضلا عن كفايته دائما وكفاية من يمونه] .
قوله: [فاضلا] أي: هذا المال أو الثمن الذي يشتري به المظاهر الرقبة لابد أن يكون زائدا عن حاجته الضرورية التي يحتاجها من طعام وشراب، وكذلك أيضا مئونة من تلزمه نفقتهم كالزوجة والأولاد.
مثاله: لو كان عنده عشرة آلاف ريال، وظاهر من امرأته، وقيمة الرقبة ستة آلاف ريال، والأربعة آلاف ريال تكفيه لمئونته ومئونة أولاده وذريته ومن تلزمه نفقتهم، فحينئذ يجب عليه شراء الرقبة.
لكن لو كانت قيمة الرقبة خمسة آلاف ريال، والنفقة التي تجب عليه لأولاده وذريته وأهله ولنفسه تصل إلى ستة آلاف ريال، فحينئذ أصبح عنده عجز فلا يلزم، فلابد أن تكون قيمة الرقبة زائدة عن مئونته ومئونة من تلزمه مئونتهم من أولاده وأهله، وتقدمت معنا هذه المسألة في الزكاة، وكذلك في زكاة الفطر، وذكرنا مسألة الزائد عن النفقة المحتاج إليها، وكلام العلماء رحمهم الله في ذلك.
قال رحمه الله: [وعما يحتاجه من مسكن] .
قوله: [وعما يحتاجه] خرج به الذي لا يحتاجه، فلو كان الشخص عنده مسكن وظاهر من امرأته، وقلنا له: اشتر الرقبة فوجدنا أن الرقبة قيمتها خمسة آلاف ريال، ومسكنه يحتاج إليه له ولأولاده فإنا نقول له: لا يلزم أن تبيع المسكن؛ لأن المسكن محتاج إليه، ولذلك لا يلزم ببيع مسكنه، إلا إذا كان مسكنه فيه زيادة، كأن يستطيع أن يبيع هذه العمارة التي قيمتها -مثلا- عشرة آلاف ريال، والرقبة قيمتها خمسة آلاف ريال، ويستطيع أن يشتري سكنا يختص به بخمسة آلاف ريال، فنقول له: بع السكن الذي بعشرة آلاف ريال، واشتر الرقبة بخمسة آلاف ريال، واشتر السكن الذي يناسبك بخمسة آلاف ريال، وهذا إذا كان عنده زيادة وفضل في السكن، لكن إذا كان السكن على قدره وقدر أولاده، ولا يستطيع -إذا باع السكن- أن يجد قيمة الرقبة فاضلة عن سكن يجده له ولأولاده يليق بمثله فإنه لا يلزم بالبيع.
قوله: [وخادم] .
إذا كان يحتاج للخادم مثل الشيخ الكبير، والزمن، والمقعد، والمريض، والمشلول، ففي هذه الحالة لو كانت أجرة الخادم يستطيع أن يسقطها ثم يشتري بها رقبة نقول له: لا يلزمك ذلك، إلا إذا كنت مستغنيا عن هذا الخادم، فلو كان الخادم على سبيل الكمال فإنه حينئذ يلزمه أن يصرفه ويشتري بأجرته الرقبة.
كذلك أيضا -على القول بأن الخادم تقدر نفقته على ما ذكره المصنف رحمه الله- لو كان الشخص الذي ظاهر عنده سكن وعنده خادم، والخادم له أجرة شهرية، والمال الذي عنده هو عشرة آلاف ريال، منها خمسة آلاف ريال على طعامه وشرابه وأجرة خادمه، ويمكن -لو صرف الخادم- أن يبقى شيء، فنقول: لو كان الخادم ضروريا فلا يصرفه ولا تقدر له نفقة، وأما إذا كان غير ضروري فإنه يحتسب الفضل، أي: يلغي قيمة الخادم من نفقته ومئونته، ويضمها إلى قيمة الرقبة.
قوله: [ومركوب] .
أي: إذا احتاج إلى المركوب، مثل الشخص الذي معه عمل ويذهب ويأتي على مركوب، لكن إذا كان لا يحتاج إلى المركوب، ويستطيع أن يعيش بدون المركوب ويقضي حوائجه -مثل أصحاب القرى وأصحاب البادية، حيث يسهل عليهم التنقل في أماكن قريبة- وكان عنده مركوب فاضل عن حاجته، فحينئذ يقال: إن هذا المركوب لا يحتسب بالنفقة الضرورية، لكن لو كان يحتاج إلى هذا المركوب كبير سن، أو من عنده عمل لابد له فيه من المركوب، فالمركوب في هذه الحالة يتعين.
وكل هذا الكلام الذي ذكره المصنف رحمه الله استثناء من أصل قرره العلماء رحمهم الله، وحكى الإجماع عليه الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني، وغيره، وهو أن الواجب إنفاقه في شراء الرقبة ما فضل عن الحاجة والمئونة اللازمة، فلما قالوا: بالإجماع لا نلزمه إلا بما فضل عن حاجته الضرورية يرد
السؤال ما هي الأمور الضرورية؟ وما هي الأمور التكميلية الزائدة عن الحاجية والضرورية؟
و الجواب ان من ذلك مئونة لازمة في طعامه وشرابه، ومئونة لازمة في لباسه، ومئونة لازمة في مركوبه، ومئونة لازمة في خدمه، هذه كلها ذكر المصنف بعضها، وسيذكر بقيتها كلها مندرجة تحت قوله: المئونة اللازمة، والمئونة اللازمة: هي التي يحتاجها الإنسان.
وهذه المسألة أيضا لا يستفاد منها في الظهار فحسب، بل يستفاد منها حتى في مسائل أخرى، فقد تجب الزكاة على شخص، وقد يجب الحق على شخص، فحينئذ ينظر في المئونة اللازمة، وينظر فيما هو غير لازم -أي: زائد عن المئونة اللازمة- حتى نلزمه ببيعه ورد الحقوق إلى أصحابها، وقد تقدم معنا هذا في باب التفليس، وذكرنا كيف يبيع القاضي على المفلس الأشياء التي ليست بضرورية، ولا يحتاجها الشخص لنفسه ولمن تلزمه مئونته.
قوله: [وعرض بذلة] .
كالفراش والأواني، فلو أن شخصا ظاهر من امرأته، وقال: الرقبة قيمتها خمسة آلاف ريال، وأنا ليس عندي نقود، وليس عندي رقبة، وأريد أن أنتقل إلى صيام شهرين متتابعين فقل له: هل عندك مسكن؟ فإن قال: عندي مسكن على قدري.
وقدر حاجة أولادي ومن يلزمني إيواؤهم فهذا ليس فيه إشكال.
فإذا فتش عن متاعه في المسكن فوجد أنه قد فرش سكنه بالكماليات، مع أن هذه الكماليات يمكن بيع جزء منها تتوفر منه قيمة الرقبة، كما لو كان بيته يمكن أن يؤثث بألفين فأثثه بعشرة آلاف ريال نقول له: بع الأثاث واستفضل منه قيمة الرقبة، ثم اشتر أثاثا على قدر حالك؛ لأنه لا يمكن في شريعة الله عز وجل أن يلزمه حق لله عز وجل -الرقبة-، ويجلس غنيا قادرا تحت ستار التكميليات التي ليست بحاجيات ولا ضروريات، ويضيع حق الله عز وجل.
ومن هنا قرر العلماء مثل هذه المسائل في كتاب الظهار، وفي الخصومات، فلو خاصم شخص شخصا في حقه وقال: ما عندي شيء فإننا ننظر إلى الشيء الضروري حتى نقول: ما عنده شيء، أما أن تجده ثريا في ملبسه ومركبه، ثم يماطل في حقوق الناس، أو في حق الله عز وجل ككفارة الظهار، ويقول: هذا لازم لي في مئونتي فإننا نقول: لا.
إنما يأخذ ما فضل عن حاجتك الضرورية، والزائد عن ذلك يجب صرفه للوفاء بحقوق الله، وبحقوق الآخرين.
قوله: [وثياب تجمل] أي: الشيء الذي يتجمل به بالمعروف، لكن هذا يحتاج إلى نظر، وليس على كل حال، وهذه المسائل كلها يرجع فيها إلى المفتي، والذي يستطيع أن يقدر حاجته من الثياب بالمعروف؛ لأنها محتكم فيها إلى أعراف الناس.
فالمرأة -مثلا- تتجمل بثياب، فلو فرضنا أنها تلبس ثيابا قيمتها عشرة آلاف ريال، ويمكنها أن تشتري ثيابا بألفين، فقالت: ما عندي شيء، فإنه تجب عليها الرقبة، ولو قالت: ما عندي إلا هذا الثوب -الذي هو الفستان الذي تلبسه-، والفستان بعشرة آلاف ريال، فلا يقول لها المفتي مباشرة: انتقلي إلى صيام شهرين متتابعين ولا يجزيها ذلك، ما دام أن قيمة الثوب فيها زيادة عن الحاجة الضرورية، وإنما يقال لها: بيعيه ثم اشتري قدر الكفاية، والزائد من ذلك قيمة للرقبة التي هي حق الله عز وجل، فحينئذ لا يرخص لها.
وانظر إلى دقة العلماء والأئمة والمفتين، فإنهم لا يقبلون من الناس دعواهم هكذا، وهذا في الحقيقة هو الفرق بين فقه المتأخرين والمتقدمين الذين يحتاطون في حقوق الله عز وجل، مع أن حقوق الله فيها الكثير من الأمور المبنية على المسامحة، لكنهم يدققون ويشددون في المسائل، وكل ذلك تضييقا للتلاعب بحقوق الله عز وجل؛ لأن عتق الرقبة حق لله في كفارة الظهار.
قوله: [ومال يقوم كسبه بمئونته] مثال هذا: لو كان عنده مزرعة، وهذه المزرعة فيها قوته وقوت أولاده، وعليه رقبة كفارة ظهار، فقلنا له: أعتق الرقبة، قال: ما أجد.
قلنا: عندك مزرعة.
قال: المزرعة هذه قوتي وقوت أولادي.
فما عنده سيولة، وما عنده إلا هذه المزرعة، ولا يستطيع أن يستغني عن المزرعة ببيعها وشراء غيرها مما يدر عليه قوته وقوت أولاده، فنقول: المزرعة تبقى، لكن هناك في المزرعة أشياء يتوقف القوت والمئونة عليها، مثل مكينة الزراعة التي قد تكون قيمتها كبيرة، فلا نلزمه ببيعها؛ لأنها لو بيعت لما استطاع أن يأمن بقاء المزرعة حتى يجد مئونة من تلزمه نفقته من أهله وولده.
وهذا راجع إلى أن لازم الشيء كالشيء، فإذا كان الشيء أذنت الشريعة أنه يخرج من حد الإلزام بعتق الرقبة -كما مر معنا- فهذا الشيء الذي يحتاجه للمئونة لا يحكم فيه ولا يلزم ببيعه، ولا يلزم بالتصرف فيه، فإذا كانت هذه الأشياء يحتاج إليها للمئونة فكل ما يحتاجه لبقاء ما يقوم بنفقته ونفقة أولاده لا يلزم ببيعه والتصرف فيه.
قوله: [وكتب علم] .
هذا محل نظر؛ لأن كتب العلم تباع، وإذا كانت تكفي لشراء الرقبة فلا رخصة في بقائها، بل يبيعها ويلزم ببيعها؛ لأن كتب العلم لها بديل عن طريق سؤال العلماء واستفتائهم، فلو فرضنا أن عنده مكتبة علم قيمتها عشرة آلاف ريال ولزمته الرقبة، والرقبة قيمتها خمسة آلاف، أو ستة آلاف، فنقول له: بع المكتبة، واشتر الرقبة وأعتقها.
قوله: [ووفاء دين] .
كذلك أيضا إذا كان عليه دين، فإذا وجبت عليه كفارة الظهار وقلنا له: أعتق رقبة فقال: عندي عشرة آلاف ريال، وفلان من الناس له دين علي عشرة آلاف ريال، أو فلان من الناس له دين علي ثمانية آلاف ريال، والرقبة قيمتها أربعة آلاف ريال، فتبقى ألفان، فإذا كان عليه دين لا يمكن معه شراء الرقبة، فإنه في هذه الحالة تسقط عنه الرقبة وهذا مبني على القاعدة: (إذا ازدحم حق الله وحق المخلوقين قدم حق المخلوقين على حق الله عز وجل) ؛ لأن الله يسامح بحقه، والمخلوق لا يسامح، وهذا له شواهد كثيرة في الكتاب والسنة كما تقدم معنا غير مرة، ويعمل على هذا الأصل في أبواب العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج، وبينا كلام العلماء رحمهم الله في هذه القاعدة.
الشروط المتعلقة بالرقبة المعتقة في الكفارة




اشتراط الإيمان في الرقبة
قال رحمه الله: [ولا يجزي في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة] .
من أعتق الرقبة فإنه يشترط لصحة العتق في إجزاء الكفارات الواجبة أن تكون مؤمنة، والدليل على ذلك قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء:92] ، فاشترط الله عز وجل في تحرير الرقبة الإيمان، والقاعدة: (المطلق محمول على المقيد) ، وكتاب الله يفسر بعضه بعضا، ومن هنا قال جمهور العلماء رحمهم الله من المالكية والشافعية والحنفية والحنابلة: يجب في الرقبة التي تعتق في الظهار أن تكون مؤمنة، والإطلاق في آية المجادلة مقيد بما ورد في آية النساء من اشتراط الإيمان في الرقبة.
فهذا دليلهم من الكتاب.
أما دليلهم من السنة على اشتراط كونها مؤمنة فحديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه وأرضاه، عند أبي داود والترمذي -وهو حديث صحيح-: أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إني صككت جارية صكة ندمت عليها، وأحب أن أعتقها -يعني أنه ضربها ولطمها على وجهها، فندم على ذلك، فأحب أن يعتقها-.
فقال عليه الصلاة والسلام: ائتني بها، فلما جيء بالجارية قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء.
قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله.
قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة) ، ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعتقها؛ فإنها مؤمنة) ، فجملة: (فإنها مؤمنة) جملة تعليلية، ويستخدمها عليه الصلاة والسلام كثيرا، كقوله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تمسوه بطيب؛ فإنه يبعث يوم القيامة من الملبين) أي: أمرتكم بهذا الأمر؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا، أي: السبب في منعكم من هذا أنه في حكم المحرم؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيا، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثا قبل أن يدخلهما في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) ، أي: ما أمرتكم بغسلها ثلاثا إلا لمكان احتمال النجاسة؛ لقوله: (فإن أحدكم لا يدري أن باتت يده) .
فهذه جملة تنبه على العلة في أمره بالعتق (أعتقها؛ فإنها مؤمنة) أي: ما أمرتك بعتقها إلا لأنها مؤمنة، فكان مفهوم ذلك أنها لو لم تكن مؤمنة لما أمرتك بعتقها.
ويستنبط من هذا أن الكافر لا يعتق، وهذا صحيح؛ لأن الكافر ضرب الرق عليه؛ لأنه لما كفر بالله وحارب دين الله عز وجل، جعله الله في مقام البهيمة بل أضل كما قال تعالى: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} [الفرقان:44] ، ففضل الله الآدمي على الحيوان بالعقل، فإذا كفر نعمة الله عز وجل عليه بالعقل، وكفر بالله عز وجل نزل عن الآدمية إلى البهيمة، فيباع ويشترى؛ لأنه كافر.
ولذلك لا يختص الرق بطائفة، ولا يختص بلون، ولا يختص بجنس، وإنما هو في كل من كفر بالله عز وجل وألحد كائنا من كان؛ لأن الحكم فيه عام، والعلة فيه مبنية على الكفر، وإلا فكيف تقاتل الشريعة من كفر بالله عز وجل وتضرب عليه الرق، ثم بعد ذلك بكل سهولة يعتق، ويصير حرا كافرا دون أن يسلم، فهذا لا يتفق مع الشرع أبدا، ولذلك لما أراد معاوية أن يعتقها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتني بها) ، فلما جيء بها اختبرها النبي صلى الله عليه وسلم، وامتحنها هل هي مؤمنة أو غير مؤمنة، وهذا يدل على أنه لا يمكن أن الشرع يقول: اضربوا الرق عليه بالكفر، ثم يقول: أعتقوهم وهم كفار، فهذا أشبه بفوات المقاصد التي من أجلها ضرب الرق.
ولذلك قالوا: من الناس من يسلم بالسنان، ومنهم من يسلم بالحجة والبرهان، ومنهم من يسلم بالنعمة والإحسان، فالكافر حينما يجابه المسلمين ويرى قوة الإسلام قد لا يكفيه ذلك لسلم، فإذا عاش بين المسلمين ورأى أخلاقهم، ورأى فضل الإحسان، ورأى الأدب دعاه ذلك إلى الإسلام، ولذلك ضرب عليه الرق حتى يكون وسيلة لإسلامه وإيمانه، وهذا كله تنزيل من حكيم حميد، فما من أمر شرعه الله إلا وتجد وراءه من الحكم الشيء الكثير.
فإذا كان الكافر يعتق على كفره فات المقصود من ضرب الرق عليه، لذلك فإن مذهب جمهور العلماء -وهو أصح القولين في هذه المسألة- أن الكافر لا يعتق، وأنه لا تجزئ الرقبة الكافرة في الكفارات عموما، فلا يجزئ في كفارة اليمين إلا مؤمنة، فلو أعتق عبده الكافر فإنه لا يجزيه عن كفارة يمينه، ولا يجزئ في كفارة الظهار، ولا كفارة الجماع في نهار رمضان، ولا كفارة القتل إلا أن تكون مؤمنة، وهذا هو أصح قولي العلماء رحمهم الله.
فإذا كان الرقيق مؤمنا، فلا إشكال، سواء أكان ذكرا أم أنثى، لكن الإشكال لو أنه أراد أن يعتق في كفارة قتل صبيا صغيرا، وهذا يقع، فيأتي شخص يريد أن يعتق في كفارة قتل فلا يجد إلا طفلا، فهل يجزيه ذلك؟
و الجواب ينظر في والد الطفل، فقيل: إنه يتبع خير الوالدين دينا، فإن كان أحدهما مسلما أبوه أو أمه لحقه، وحكم بأنه مسلم.
وهذا مبني على القاعدة التي ذكرها العلماء، وأشار إليها الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه قواعد الأحكام، تقول القاعدة: (التقدير تنزيل المعدوم بمنزلة الموجود، والموجود بمنزلة المعدوم) ، فالتقدير في الشريعة أما أن تنزل المعدوم بمنزلة الموجود أو تنزل الموجود بمنزلة المعدوم.
فالصبي لم يشهد ألا إله إلا الله، ولم يشهد أن محمدا رسول الله، ولكن يعامل معاملة أحسن والديه دينا من باب التقدير، فيقدر فيه الإسلام، كأطفال المسلمين قدر فيهم الإسلام مع أنهم لم يسلموا، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) ، فمن دقة العلماء جعلوا الأولاد تبعا للوالدين؛ لأنه قال: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه) ، وهذا مسلك دقيق مبني على أن الغالب أن الوالدين سيجران الولد إلى دينهما، وإذا كان الوالدان مختلفين في الدين نظر إلى خيرهما؛ لأن الولد إذا اختلف والداه نظر إلى أيهما أقرب دينا، فهذا حاصل ما ذكر في هذه المسألة، فإذا كان صبيا دون البلوغ فإنه يحكم بكونه تبعا لخير والديه دينا.
اشتراط السلامة من العيوب في الرقبة
قال رحمه الله: [سليمة من عيب يضر بالعمل ضررا بينا] .
أي: يشترط في الرقبة أن تكون سليمة من العيب الذي يضر بالعمل ضررا بينا، والعيب في لغة العرب: النقص، يقال: عابه: إذا انتقصه.
وقد تقدم معنا في البيوع في خيار العيب أن العيب: نقصان المالية في الشيء نقصانا مؤثرا، والعيب في الرقاب ينقسم إلى قسمين: عيب النفس، وعيب الذات.
فعيب النفس: أن يكون به مرض يؤثر في أخلاقه ويؤثر في نفسه، وجسده كامل وذاته كاملة، مثل الجنون -أعاذنا الله وإياكم-، فهذا عيب ونقص، وكذلك أيضا يكون العيب متعلقا بالذات، كالعرج ونقص الخلقة بعمل أو غير ذلك كالشلل ونحوه مما يؤثر في الذاكرة، وسنفصل -إن شاء الله تعالى- في مسائل شرط السلامة من العيوب في رقبة الكفارة الواجبة في الظهار.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-08-2025, 11:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,305
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب النكاح)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (462)

صـــــ(1) إلى صــ(18)


شرح زاد المستقنع - كتاب الظهار [6]

أوجب الله سبحانه وتعالى عقوبات وكفارات لمن اجترأ على حدوده، ومن تلك الكفارات كفارة الظهار المغلظة، وقد بين ربنا تبارك وتعالى في محكم التنزيل ترتيب تلك الكفارات، فشرع بداية في عتق الرقبة، ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكينا.
وقد تدارس العلماء أحكام تلك الكفارات وأنواعها، ووضحوا كثيرا من الأمور التي يحتاجها الناس في أداء الكفارات، ومن ذلك: اشتراط التتابع في الصيام، وذكر الأمور والأعذار التي لا توجب استئناف الصيام بل رخص فيها الشارع، وحكم تبييت النية للصيام، وحكم مجامعة الزوجة المظاهر منها ليلا، وذكر الأمور المنبغي مراعاتها في كفارة الإطعام والمجزئ في ذلك.

اشتراط التتابع في كفارة الصيام لشهرين متتابعين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على سبيله ونهجه إلى يوم الدين.
أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: يجب التتابع في الصوم] يبدأ المصنف رحمه الله في هذه الجملة في بيان الخصلة الثانية من خصال كفارة الظهار، وهي التي أوجبها الله عز وجل على من عجز عن إعتاق الرقبة، وهذه الخصلة هي صيام شهرين متتابعين، ولهذا الصوم أحكام، لذا قال رحمه الله: [فصل: يجب التتابع] .
فمن أحكام هذا الصوم: أنه يجب على المكفر أن يصوم شهرين متتابعين، والتتابع المراد به الموالاة، فلا يفصل بين صوم يوم وآخر بالفطر، فلو أفطر يوما ولو قبل تمام الشهرين بيسير؛ فإنه ينقض التتابع إلا إذا كان معذورا شرعا بذلك القطع، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فصيام شهرين متتابعين} [المجادلة:4] ، فنص الله تبارك وتعالى على التتابع، والتتابع هو الولاء دون وجود فاصل، فلما قال: {شهرين متتابعين} أي: أنه تتتابع أيام الشهرين دون وجود فطر بينها، فإذا وجد الفطر فله حالات: الحالة الأولى: أن يكون معذورا فلا يقطع.
الحالة الثانية: ألا يكون معذورا فيوجب القطع واستئناف صيام الشهرين متتابعين.
وقد بين الله تعالى أنه يجب على المكفر أن يصوم شهرين دون أن يسمي شهورا معينة، ولذلك يجوز له أن يصوم الشهرين ولو كان في زمان اليسر، وزمان اليسر مثل أيام البرد، فإنه يطول ليلها ويقصر نهارها، فيسهل صيامها، ومن هنا نص طائفة من العلماء على أنه لو تحرى أيام البرد وصامها؛ فإن صيامه صحيح؛ لأن الله أطلق الشهرين، فكل من صام شهرين متتابعين؛ فقد أدى ما أوجب الله عليه.
كذلك لو قطع هذين الشهرين المتتابعين صوم رمضان، فلو ابتدأ الصوم بشهر شعبان ثم صام رمضان ثم أفطر يوم العيد بأمر الله عز وجل، ثم صام بعده فإنه لا يقطع التتابع، ويصدق عليه أنه قد صام شهرين متتابعين، وسيبين رحمه الله الأمور التي يعذر فيها الصائم، فلو تخلل صيامه فطر لأسباب شرعية؛ فإن صومه صحيح ويجزئه، ولا يلزم باستئنافه من جديد.
الأعذار التي لا تؤثر في قطع صيام الشهرين المتتابعين
قال رحمه الله: [فإن تخلله رمضان أو فطر يجب كعيد وأيام تشريق وحيض وجنون ومرض مخوف ونحوه، أو أفطر ناسيا أو مكرها أو لعذر يبيح الفطر؛ لم ينقطع] .
يلاحظ أن الله تعالى أطلق الشهرين، ومن هنا لا يخلو الصائم للشهرين من حالتين: الحالة الأولى: أن يصوم من ابتداء الشهر، فإذا صام من ابتداء الشهر؛ فإنه إذا تبين أن الشهر ناقص فصومه تام، فلو مثلا صام المحرم وصفرا، وكان المحرم تسعة وعشرين يوما، فإنه يحكم بصحة صومه وإجزائه؛ لأنه صام شهرين متتابعين.
الحالة الثانية: أن يصوم ستين يوما إذا كان صومه أثناء الشهر، فإذا ابتدأ في العاشر من محرم فإنه يتم ستين يوما تامة كاملة، وقال بعض العلماء: إنه لو ابتدأ في العاشر من محرم اعتد بالعاشر في الشهر الذي يتم فيه الشهرين، فحينئذ من العاشر محرم إلى العاشر من صفر شهر، ومن العاشر من صفر إلى العاشر من ربيع الأول شهر، فلو كان شهر محرم ناقصا وصفر ناقصا؛ فإنه سيصوم ثمانية وخمسين يوما، فيعتد الابتداء.
ولكن هذا المذهب محل نظر، والصحيح: أنه إذا ابتدأ من بداية الشهر أجزأه الشهر ناقصا وكاملا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شهرا عيد لا ينقصان: رمضان وذو الحجة) ، والمراد بهذا أن الشهر إذا كان تسعا وعشرين، فإن الله يكتب للصائم أجر الثلاثين، وقال: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) ، فعقد ثلاثين في المرة الأولى، وخنس الإبهام في المرة الثانية، أي: يكون تسعة وعشرين وثلاثين، لكن نعتبر الشهر تسعة وعشرين إذا ثبت في الهلال أنه ناقص؛ لكن إذا ابتدأ أثناء الشهر؛ فإننا نلزمه بستين يوما، فالأصل في الشهر أنه ثلاثون يوما.
وبناء على ذلك تقول: من صام شهرين متتابعين في كفارة الظهار أو القتل أو غيرها من الكفارات كالجماع في نهار رمضان، فإن ابتدأ من ابتداء الشهر، اعتد به ناقصا أو كاملا، وإن ابتدأ أثناء الشهر أتم ستين يوما ولو كان الشهران أو الثلاثة فيها نقص.
صوم رمضان لا يقطع تتابع الكفارة
قوله: (فإن تخلله رمضان) يعني ابتدأ الصوم في شعبان وأتم شهرا أو أتم بعض الشهر فدخل عليه رمضان، فرمضان لا يقطع التتابع، فيصوم رمضان، ولكن إذا جاء يوم العيد ففيه ثلاثة أوجه للعلماء: الوجه الأول: من أهل العلم من قال: يصوم يوم العيد ولا يفطر.
الوجه الثاني: ومنهم من قال: يفطر يوم العيد ولا يقطع تتابعه.
الوجه الثالث: ومنهم من قال: يفطر يوم العيد ويقطع التتابع.
والصحيح: أنه إذا ابتدأ بما قبل رمضان ثم صام؛ فإنه يفطر يوم العيد، ولا يقطع فطر يوم العيد التتابع؛ لأنه مأمور بفطره، وهذا الوجه هو المعتبر: أعني أن فطر يوم العيد مأمور به شرعا، فقد ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: (أنه خطب الناس على المنبر، وبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يومين: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى) ؛ لأنهما يوم ضيافة من الله عز وجل.
فالرخصة لمن ابتدأ الصوم وجاءه هذان اليومان أن يفطر، ولا يقطع ذلك التتابع حتى في صيام الكفارات الأخر، ككفارة اليمين على الصحيح أنه يصوم الثلاثة الأيام متتابعة، فلو أنه صام قبل يوم العيد في التاسع الذي هو يوم عرفة ناويا به الكفارة؛ فإنه يفطر يوم العيد -يوم النحر- ثم يصوم الحادي عشر والثاني عشر؛ لأنه يجوز صيام أيام التشريق لغير الحاج.
الفطر الواجب لا يقطع تتابع الكفارة
قوله: [أو فطر يجب كعيد] .
أي: أو تخلله فطر يجب، صورة المسألة: أن يصوم شهرين متتابعين، ثم يجب عليه أن يفطر مثل ما ذكرنا لدخول يوم عيد؛ لأن يوم العيد يجب الفطر فيه، إذا تلاحظ أن صوم رمضان صوم يجب لشهر، ويوم العيد فطر يجب ليوم عيد الأضحى ويوم عيد الفطر.
قوله: [وأيام تشريق] .
أيام التشريق اختلف في صومها، وقد تقدمت معنا هذه المسألة في كتاب الصيام، وأن من العلماء من منع من صوم أيام التشريق، والحقيقة أنه لا إشكال أن الحجاج لا يصومون أيام التشريق؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح عنه: (أيام منى أيام أكل وشرب وبعال) ، فبين عليه الصلاة والسلام أنها أيام فطر، وهذا الأصل فيه أن يكون للحاج، لكن بعض العلماء ألحق غير الحاج بالحاج، فجعلها أيام ضيافة لعموم الأمة توسعة من الله عز وجل على العباد.
فمن قال بالخصوص منع من صومها للحاج، ومن قال بالعموم منع من صومها مطلقا، سواء كان حاجا أو غير حاج، والأشبه والأصل الذي يقتضي أنها خاصة بالحاج.
ومما يدل على أنها خاصة بالحاج، قوله عليه الصلاة والسلام: (أيام أكل وشرب وبعال) ، لأن الحاج كان ممنوعا من جماع أهله، أما الحلال فلا يقال له: (أيام أكل وشرب وبعال) ، لأنه لما نص على البعال دل على التحلل الأكبر الذي يحصل بطواف الإفاضة، فنبه أنهم لما طافوا طواف الإفاضة يوم النحر حل لهم النساء، وحل لهم كل شيء، فهم فيها في ضيافة الله عز وجل.
قوله: [وحيض] .
فلو أن امرأة وجب عليها أن تصوم شهرين متتابعين، كفارة قتل أو جماع في نهار رمضان حيث كانت مطاوعة -كما تقدم معنا- فصامت ثم جاءها الحيض، فإن جاءها الحيض لم يقطع تتابعها، بحيث لو كانت عادتها ثمانية أيام فصامت شهر محرم، وجاءت الثمانية الأيام أثناء محرم؛ فإنها تفطر أيام الحيض فقط، ثم بعد ذلك تصوم من بعدها؛ لأنه لا يتيسر من المرأة أن تصوم الشهرين المتتابعين، إلا بتخلل للعادة؛ لأن الله جعل للمرأة أن تحيض في كل شهر مرة كما تقدم معنا في كتاب الحيض.
قوله: [وجنون] .
لو أنه وجبت عليه كفارة فعجز عن الرقبة، فصام شهرين متتابعين، فابتدأ في محرم فصامه، ثم جن ثم أفاق في ربيع، فحينئذ يبني على صومه السابق، وهو حال جنونه ساقط عنه التكليف، ثم إذا رجع له التكليف؛ يرجع مخاطبا بالأصل من إتمام العدة التي أوجب الله عليه، فيصوم ما بقي.
ذكر المرض الذي لا يقطع التتابع في صوم الكفارة
قوله: [ومرض مخوف] .
إذا كان الصائم للشهرين المتتابعين مريضا مرضا مخوفا، يخشى لو أنه لو صام لهلك، وقال الأطباء: لا بد أن يفطر؛ فأفطر أياما، وبعدها رجعت له صحته، فهذه الأيام التي أفطرها لعذر المرض المخوف لا تقطع التتابع، وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله، وتقدم معنا ما هو المرض المخوف، وبينا هذا في أحكام عطية المريض مرض الموت، فإذا قرر الأطباء ذلك وهم الأطباء الذين عندهم خبرة ومعرفة وهم الذين يرجع إليهم في هذا الأمر، وقد بينا أن علماء وفقهاء الإسلام رحمهم الله، يقولون: يسأل كل أهل علم عن علمهم، فإذا كان الأمر يتعلق بالمرض؛ رجعنا إلى الأطباء؛ لأنهم أعلم بأمور الصحة لتعليم الله لهم، فنسألهم: هل هذا المرض مخوف أم لا؟ كأن يكون صام شهرا ثم أصابه مرض، فإذا قال الطبيب: لا بد وأن يفطر، لأنه حدث عنده عجز في كليتيه مثلا، أو على الأقل يفطر عشرة أيام حتى تعود له صحته، فعادت له صحته بعد العشرة فاستأنف، فهذه العشرة الأيام التي قال الأطباء إنه ينبغي عليه فطرها، لا يضر قطعه الإتيان بها؛ لأنه معذور، وبناء على ذلك: أصبح العذر الشرعي: هو وجود أمر من الشرع بالفطر مثل أيام العيد، أو أمر من الشرع بالصوم مثل رمضان، أو يكون معذورا شرعا بجنون أو مأمورا شرعا بالفطر لسبب يتعلق به كالمريض.
قوله: [ونحوه] .
يعني لمن يعذر؛ فلو كان المرض غير مخوف، بمعنى أن المريض يشق عليه الصوم ولكنه ليس بمرض مخوف، فهل يفطر؟
الجواب لا؛ لأن المرض ينقسم إلى ثلاثة أقسام في الصيام: القسم الأول: إذا كان المرض يغلب على الظن أن صاحبه لو صام لمات؛ فهذا يجب عليه أن يفطر، فحينئذ تنتقل الرخصة إلى عزيمة؛ لأن الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} [النساء:29] ، والله تعالى يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج:78] ، فهذه النصوص تدل على حرمة تعاطي الأسباب الموجبة لهلاك الأنفس، والله تعالى جعل الشريعة شريعة رحمة، فلو قلنا له: صم، صارت شريعة عذاب، والله يقول: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ، ومعنى (من حرج) إزهاق الأنفس، فإذا يجب عليه الفطر.
القسم الثاني: أن يكون المرض لا يسري بالإنسان إلى الهلاك إذا صام ذلك اليوم، ولكن يحدث عنده نوع من الحرج، ويمكنه أن يصبر، فحينئذ له أن يفطر فيأخذ برخصة الله، وله أن يصوم فيأخذ بالعزيمة، فإن صام فلا بأس، وإن أفطر فلا حرج، فهنا وجهان مشهوران مفرعان على مسألة الفطر في السفر، أقواهما أنه إذا أصابه حرج، فالأفضل أن يفطر، هذا في السفر وإذا كان صومه في رمضان.
أما في الكفارة كما هنا: فإذا كان يستطيع أن يصوم ولو بنوع من العناء؛ فيجب عليه أن يتم ما أوجب الله عز وجل؛ لأن مقصود الشرع أن يؤدبه؛ ولذلك جعل الشهرين متتابعين حتى أن الصحيح القوي في صيامه للشهرين المتتابعين يجد المشقة والعناء، زجرا من الله له عن ارتكاب ما يوجب الكفارة مرة ثانية، وزجرا من الله عز وجل لعبده عن الوقوع فيما نهاه عنه، وزجره عنه لما حرمه، وإلا كانت الكفارات لا تؤدي ولا تحقق مقصود الشرع.
القسم الثالث: أن يكون مرضا يسيرا خفيفا، فهذا مثله لا يعتد به ولا يوجب الرخصة، خلافا لمن قال من بعض فقهاء الظاهر: إن مطلق المرض يوجب الرخصة.
والحاصل أنه إذا كان يصوم الكفارات التي يجب فيها التتابع وهو مريض؛ فإننا نسأل الأطباء، فإن قالوا: هذا المرض مرض مخوف ولا يمكن معه الصوم، نقول له: أفطر ولا يقطع فطرك التتابع، وإن كان مرضا يمكن الصبر معه؛ فإنه يبقى على الأصل من إلزامه بإتمام الصيام.
حكم الفطر بالنسيان والإكراه في صوم الكفارة
قوله: [أو أفطر ناسيا] .
كان عليه صيام شهرين متتابعين، وفي يوم من الأيام أكل أو شرب يظن أنه غير صائم، فإذا أفطر ناسيا ففيه وجهان: الوجه الأول: من العلماء من قال: إن الفطر نسيانا يقطع التتابع.
الوجه الثاني: ومنهم من قال: لا يقطع التتابع لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نسي فأكل أو شرب وهو صائم؛ فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه) فهذا نص واضح الدلالة على أن الناسي إذا أكل أو شرب ناسيا لصومه أن ذلك لا يؤثر في الصوم وهذا هو الصحيح، لدلالة السنة عليه.
قوله: [أو مكرها] .
الإكراه تقدم بيان حقيقته لغة وشرعا، وبيان شروط الإكراه ومتى يحكم بكون الإنسان مكرها، وصورة المسألة: لو كان يصوم شهرين متتابعين ثم في أثنائها هدده شخص، فوضع عليه -مثلا- السلاح وقال له: إذا لم تفطر فسأقتلك، فمذهب طائفة من العلماء: أنه إذا كان مكرها إكراها ملجئا؛ فإنه لا يؤثر في صومه، ومن الإكراه الملجئ أن تربط يداه ثم يوضع الطعام في فمه، أو تربط يداه ويسقى الماء بدون اختيار منه، فإذا فسد اختياره وانعدم رضاه؛ فإنه لا يقطع ذلك تتابع صيام الكفارة.
حكم الترخص في صوم الكفارة بالإفطار برخص الفطر
قوله: [أو لعذر يبيح الفطر] .
هذا فيه نظر، والصحيح الاقتصار على الأعذار التي تقدمت، وهي التي فيها الإلزام أو فيها ما يدل على الرخصة، سواء كان بعذر من الشرع، كأن يرخص الشرع للإنسان فيفطر، أو يوجب عليه الصيام كرمضان، أو يكون عذرا متلبسا به يمنع من صحة صومه كالحائض، فهذه هي الأعذار المؤثرة.
أما أن يكون العذر سفرا، والسفر عذر من أعذار الفطر، فلو سافر وهو صائم شهرين متتابعين وأراد أن يترخص؛ نقول له: لا رخصة، لأن هناك فرقا بين عذر الحيض الذي يغلب ولا يقطع التتابع ويهجم على الإنسان بالطبيعة، وبين عذر رمضان الذي هجم على الإنسان بحكم الشرع، وعينه الشرع وألزم به ولا محيد للصائم عنه، فصائم رمضان في السفر يمكنه أن يفطر ويمكنه أن يصوم فهو مخير، فجاء واختار أن يفطر.
أما في الكفارة هنا فإذا اختار أن يفطر فقد اختار أن يقطع تتابع صومه، فهناك فرق بين رخصة السفر التخييرية وبين الرخصة التي معنا، فإن سافر ومرض في سفره مرضا؛ أوجب أن يرخص له؛ لأنه وصل إلى حد الخوف، فهذا ينتقل من رخصة السفر إلى رخصة الفطر بالمرض، وقد بينا أنها لا تقطع التتابع.
قوله: [لم ينقطع] أي: لم ينقطع التتابع وصومه معتبر ومجزئ في الكفارة.
الأمور التي ينبغي مراعاتها في كفارة الإطعام لستين مسكينا
قال رحمه الله: [ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرة فقط] .
الخصلة الثالثة من خصال الكفارة هي الإطعام، ومسائلها مفرعة على ما تقدم معنا في أحكام الزكاة؛ لأنها صدقة واجبة، فألحقت بالأصل الواجب من الزكوات كالزكاة الواجبة في الأصل وزكاة الفطر.
قوله: (ويجزئ التكفير) بمعنى أنه يوجب براءة ذمة المكفر، فحد الإجزاء هو الذي يلزم به الشرع، فإذا قام به المكلف فقد برئت ذمته، وخلي من التبعية، وبناء على ذلك بين رحمه الله أنه يجزئ في كفارة الظهار ما يجزئ في صدقة الفطر، من بر وتمر وشعير وزبيب وأقط، ونحو ذلك من الطعام.
قوله: [لا يجزئ من البر أقل من مد] .
تقدمت معنا هذه المسألة: هل يعتد بنصف الصاع الذي هو مدان أو يعتد بربع الصاع الذي هو مد؟ وتقدم معنا أن هناك ما يسمى بالمد الصغير، الذي هو مد النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك ما يسمى بالصاع النبوي، وهناك ما يسمى بالمد الكبير.
فأما بالنسبة للمد الصغير: وهو ملء الكفين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، فلو أن شخصا وسط في الخلقة أخذ بكفيه تمرا أو برا، فإن هذا القدر غالبا يملأ المد، وهذا المد هو الذي كان يتوضأ به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا زال موجودا توارثه الناس جيلا عن جيل ورعيلا عن رعيل إلى زماننا هذا؛ ولذلك نص العلماء: أن العبرة في المد والصاع والكيل بمد المدينة وصاعها وكيلها؛ لأنها توارثها الناس أمة بعد أمة، وتوافرت الدواعي على حفظه، والمحافظة عليه، وكان الوالد رحمه الله يحرر الصاع بكبار السن الذين هم من الثقات، وكان هناك رجل من حفظة القرآن كنت أحرر الصاع والمد على يديه -رحمه الله ورحمنا الله جميعا- فهذا الشيء توارث مثلما توارث الناس أن هذا المكان هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا المكان هو الروضة، وأن هذا المكان هو مسجد قباء، وهذا ما يسمى بنقل الكافة عن الكافة، فما خالف هذا فإنه لا يعتد به؛ لأنه مما توافرت الدواعي لحفظه والمحافظة عليه.
وقد بارك النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين- للمدينة بمدها وصاعها، وقال: (اللهم بارك لنا في مدنا وصاعنا) ، وهذا أمر ثبت به النص ولا مجال لرده أو لإنكاره، بل إنه مجرب أنه إذا كيل الشيء بصاع المدينة ومده وضع الله فيه البركة، وقد لمست ذلك ووجدته، والحديث في الصحيحين ولا إشكال فيه.
فهذا المد يخالف غيره مثل المد الشرقي الذي كان الحنفية رحمهم الله يخالفون فيه الجمهور، فالإمام مالك رحمه الله أخذ بمد المدينة، ولما نازعه محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة قال الإمام مالك: يا فلان، قم فائتني بصاع، ويا فلان! قم فائتني بصاعك، فأمر رجالا من أهل المدينة أن يأتوا بآصبعهم فأحضروها، فقال كل واحد منهم: حدثني أبي عن جدي أنهم كانوا يخرجون الفطر على زمان النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، فحزروه وقدروه، فوجدوه موافقا لتقدير الإمام مالك، أن الصاع يسع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيقال لهذا: مد، ويقال له: ربع صاع، وبعضهم يعتبره أصغر وأقل المكيلات الموجودة، فهناك من يقول: إن الصاع خمسة أمداد أو يقرب منها، وهذا القول غير محرر؛ لأن المعروف والثابت والذي نص عليه الأئمة والعلماء: أن مد النبي صلى الله عليه وسلم ربع الصاع، وهذا هو الذي عليه العمل عند العلماء والأئمة.
واختلف العلماء رحمهم الله في مسألة: هل البر كغيره في الكفارة أم لا، على وجهين: الوجه الأول: يقول: إنه يختلف البر عن غيره.
الوجه الثاني: التسوية بين البر وغيره.
ثم الذين سووا أو خالفوا منهم من يبتدئ بالربع على الأصل ويقول: ستون مسكينا الذين يجب إطعامهم في كفارة الظهار، يكون لكل مسكين ربع صاع الذي هو مد النبي صلى الله عليه وسلم الصغير، فإذا كان لكل مسكين ربع صاع والكفارة لستين مسكينا، فمعنى ذلك: أن خمسة عشر صاعا هي كفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الجماع في نهار رمضان؛ لأن ربع الصاع لمسكين فـ (4 × 15 =60) ، هذا وجه لبعض العلماء رحمهم الله، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في قصة خولة بنت ثعلبة وزوجها أوس بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعرق من تمر، فأمر أوسا أن يطعمه أهله، والعرق فسره بعض أئمة السلف كـ سعيد بن المسيب رحمه الله وهو إمام المدينة وفقيهها قال: فيه خمسة عشر صاعا، العرق مثل الزنبيل أو القفة الموجودة في زماننا، والزنابيل الكبيرة هذه لها أسماء: مكتل، عرق، فهذا العرق فيه خمسة عشر صاعا، فإذا كان فيه خمسة عشر صاعا، فمعنى ذلك: أن لكل مسكين ربع صاع.
وفي رواية أخرى لقصة خولة رضي الله عنها تقتضي أن يكون نصف صاع أي: مدين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (أعينه بعرق، فقالت هي: وأنا أعينه بعرق ثان) فأصبح المجموع ثلاثين صاعا؛ لأن عرقا مع عرق يكون خمسة عشر صاعا مع خمسة عشر صاعا فيكون المجموع ثلاثين صاعا، فهذان وجهان، أقواهما في الحقيقة الربع، وأحوطهما النصف.
قوله: [ولا من غيره أقل من مدين] كما ذكرنا أن العلماء يفرقون بين البر وغيره كالتمر والزبيب والأقط، وبينا هذا في صدقة الفطر، وبينا وجهه.
قوله: [لكل واحد ممن يجوز دفع الزكاة إليهم] كأن يكون مسكينا، أو فقيرا، فيعطى ربع صاع أو نصف صاع على التقدير الذي بيناه.
قوله: [وإن غدى المساكين أو عشاهم لم يجزئه] أي: المعتبر ستون مسكينا، وإن غدى هؤلاء المساكين أو عشاهم اختلف العلماء رحمهم الله في الكفارة: هل يجب عليك أن تملك المسكين أو يجب عليك الإطعام؟ والفرق بين القولين: أننا لو قلنا: يجب عليك تمليك المسكين، فمعنى ذلك: أنك تدفع الزكاة إليه، وهو إن شاء طبخها اليوم أو طبخها بعد غد، أو باعها، فهو حر في نفسه؛ لأن الله أمرك أن تدفع هذا القدر له، وهو قدر ما يطعمه، فإن شاء طعمه اليوم، وإن شاء طعمه غدا، وإن شاء أطعمه غيره، فلا تلزمه بشيء، فهذا حق من حقوقه جعله الله عز وجل له.
ومن أهل العلم من قال: إنه إذا صنع الطعام وأطعمه المسكين فقد أطعمه الطعام معتبر، فيصدق عليه إذا أكل المسكين طعامه أنه قد طعم، والله عز وجل أمره أن يطعم المسكين وقد أطعمه، ولا شك أن الأحوط أنه يعطى المسكين؛ لأن الله يقول: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات:19] فبين أن ما لزم واجبا للمسكين أنه يمكن منه، وقد جاء عن بعض السلف رحمهم الله كـ أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يجمع ثلاثين مسكينا في آخر يوم من رمضان ويطعمهم صدقة عن فطره في شهر رمضان، هذا فعل لبعض السلف، والأحوط أنه يعطى المسكين الطعام كما ذكرنا.
حكم تبييت النية في صيام الكفارة
قوله: [وتجب النية في التكفير من صوم وغيره] .
وتجب النية في التكفير من صوم وغيره، وقد بينا في كتاب الصيام: أن الصيام الواجب يجب تبييت النية فيه، وذكرنا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن أم المؤمنين بقوله: (من لم يبيت النية بالليل فلا صوم له) ، فدل على أن الصيام الواجب يجب تبييت النية فيه، ولأن هذا الصوم وجب كفارة، ولا يمكن أن يكون مبرئا للذمة إلا بنية وقصد، فوجبت النية.
حكم مجامعة الزوجة ليلا أثناء فترة صيام الكفارة
قوله: [وإن أصاب المظاهر منها ليلا أو نهارا انقطع التتابع] .
وإن أصاب المظاهر زوجته نهارا فلا إشكال لأنه أصبح مفطرا، أو ليلا فإنه يقطع التتابع، وهكذا لو أفطر في يوم العيد، فجامع زوجته بناء على أنه مرخص له في الفطر، قطع التتابع، لا من أجل كونه مجامعا، بل من أجل كون الشرع اشترط أن تكون الكفارة قبل أن يتماسا، وإذا جامعها قبل تمام الكفارة قطع التتابع ووجب عليه أن يستأنف، ولذلك قال تعالى: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة:3] ، فهذا يدل على أنه يجب أن يكون التكفير قبل المسيس، فإن حصل المسيس أثناء الكفارة من صيامه وجب عليه أن يستأنف، لأن ذلك يقطع تتابعه.
قوله: [وإن أصاب غيرها ليلا لم ينقطع] .
بلا خلاف بين العلماء، فإنه لو عنده زوجتان ظاهر من إحداهما، ثم صام كفارة، فجامع الثانية ليلا لم يقطع ذلك تتابعه؛ لأنه ممنوع ممن ظاهر منها دون التي لم يظاهر منها.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 227.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 224.57 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (1.14%)]