تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مهارات كتابة بحث متميز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 132 )           »          بالعلم والعمل نعبر التحديات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الأربعون الفلسطينية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 296 )           »          العقل الجمعي والظلم المجتمعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          فن التعامل مع الآخرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          خصائص الأمة المحمدية وفضائلها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          أهمية التربية الإيمانية والخلقية للأطفال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الإثم بالنية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          حديث: لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-07-2025, 03:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,071
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (14)
سُورَةُ الروم
من صــ 16 الى صــ 25
الحلقة (557)






الماوردي : والفرق بين المساء والعشاء : أن المساء بدو الظلام بعد المغيب ، والعشاء آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب ، وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس.
الآية : [19] {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}
بين كمال قدرته ؛ أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات بعد همودها ، كذلك يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس ؛ وقد مضى في {آل عمران} بيان {وَيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}
الآية : [20] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}
الآية : [21] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
الآية : [22] {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ}
الآية : [23] {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}
الآية : [24] {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
الآية : [25] {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}
الآية : [26] {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}
قوله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب ؛ أي خلق أباكم منه والفرع كالأصل ، وقد مضى بيان هذا في {الأنعام} . و {أنْ} في موضع رفع بالابتداء وكذا {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} .
قوله تعالى : {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ} ثم أنتم عقلاء ناطقون تتصرفون فيما هو قوام معايشكم ، فلم يكن ليخلقكم عبثا ؛ ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح. ومعنى : {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} لتسكنوا أي نساء تسكنون إليها. {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي من نطف الرجال ومن جنسكم. وقيل : المراد حواء ، خلقها من ضلع آدم ؛ قاله قتادة. {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} قال ابن عباس ومجاهد : المودة الجماع ، والرحمة الولد ؛ وقاله الحسن. وقيل : المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض. وقال السدي : المودة : المحبة ، والرحمة : الشفقة ؛ وروي معناه عن ابن عباس قال : المودة حب الرجل امرأته ، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء. ويقال : إن الرجل أصله من الأرض ، وفيه قوة الأرض ، وفيه الفرج الذي منه بدئ خلقه فيحتاج إلى سكن ، وخلقت المرأة سكنا للرجل ؛ قال الله تعالى : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} الآية. وقال : {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} فأول ارتفاق الرجل بالمرأة سكونه إليها مما فيه من غليان القوة ، وذلك أن الفرج إذا تحمل فيه هيج ماء الصلب إليه ، فإليها يسكن وبها يتخلص من الهياج ، وللرجال خلق البضع منهن ، قال الله تعالى : {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال ، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج ؛ فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم ؛ ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها" . وفي لفظ آخر : "إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح" . {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تقدم
في {البقرة} . وكانوا يعترفون بأن الله هو الخالق. {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} اللسان في الفم ؛ وفيه اختلاف اللغات : من العربية والعجمية والتركية والرومية. واختلاف الألوان في الصور : من البياض والسواد والحمرة ؛ فلا تكاد ترى أحدا إلا وأنت تفرق بينه وبين الآخر. وليس هذه الأشياء من فعل النطفة ولا من فعل الأبوين ؛ فلا بد من فاعل ، فعلم أن الفاعل هو الله تعالى ؛ فهذا من أدل دليل على المدبر البارئ. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ} أي للبر والفاجر. وقرأ حفص : {للعالِمين} بكسر اللام جمع عالم. {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} قيل : في هذه الآية تقديم وتأخير ، والمعنى : ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ؛ فحذف حرف الجر لاتصاله بالليل وعطفه عليه ، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة ؛ فجعل النوم بالليل دليلا على الموت ، والتصرف بالنهار دليلا على البعث. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يريد سماع تفهم وتدبر. وقيل : يسمعون الحق فيتبعونه. وقيل : يسمعون الوعظ فيخافونه. وقيل : يسمعون القرآن فيصدقونه ؛ والمعنى متقارب. وقيل : كان منهم من إذا تلي القرآن وهو حاضر سد أذنيه حتى لا يسمع ؛ فبين الله عز وجل هذه الدلائل عليه. {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً} قيل : المعنى أن يريكم ، فحذف {أن} لدلالة الكلام عليه ؛ قال طرفة :
ألا أيهذا اللائمي أحضُرُ الوغى ... وأن أشهدَ اللذات هل أنت مخلدي
وقيل : هو على التقديم والتأخير ؛ أي ويريكم البرق من آياته. وقيل : أي ومن آياته آية يريكم بها البرق ؛ كما قال الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقيل : أي من آياته أنه يريكم البرق خوفا وطمعا من آياته ؛ قاله الزجاج ، فيكون عطف جملة على جملة. {خَوْفاً} أي للمسافر. {وَطَمَعاً} للمقيم ؛ قاله قتادة. الضحاك :
{خَوْفاً} من الصواعق ، {وَطَمَعاً} في الغيث. يحيى بن سلام : {خَوْفاً} من البرد أن يهلك الزرع ، {وَطَمَعاً} في المطر أن يحيي الزرع. ابن بحر : {خَوْفاً} أن يكون البرق برقا خُلَّبا لا يمطر ، {وطمعا} أن يكون ممطرا ؛ وأنشد قول الشاعر :
لا يكن برقك برقا خلّبا ... إن خير البرق ما الغيث معه
وقال آخر :
فقد أرد المياه بغير زاد ... سوى عدي لها برق الغمام
والبرق الخلّب : الذي لا غيث فيه كأنه خادع ؛ ومنه قيل لمن يعد ولا ينجز : إنما أنت كبرق خلب. والخلب أيضا : السحاب الذي لا مطر فيه. ويقال : برق خلب ، بالإضافة.
قوله تعالى : {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تقدم. {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ} {أَنْ} في محل رفع كما تقدم ؛ أي قيامها واستمساكها بقدرته بلا عمد. وقيل : بتدبيره وحكمته ؛ أي يمسكها بغير عمد لمنافع الخلق. وقيل : {بِأَمْرِهِ} بإذنه ؛ والمعنى واحد. {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} أي الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم ؛ والمراد سرعة وجود ذلك من غير توقف ولا تلبث ؛ كما يجيب الداعي المطاع مدعوه ؛ كما قال القائل :
دعوت كليبا باسمه فكأنما ... دعوت برأس الطود أو هو أسرع
يريد برأس الطود : الصدى أو الحجر إذا تدهده. وإنما عطف هذا على قيام السموات والأرض بـ {ثم} لعظم ما يكون من ذلك الأمر واقتداره على مثله ، وهو أن يقول : يأهل القبور قوموا ؛ فلا تبقى نسمة من الأولين والآخرين إلا قامت تنظر ؛ كما قال تعالى : {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} و {إذا} الأولى في قوله تعالى :
{إِذَا دَعَاكُمْ} للشرط ، والثانية في قوله تعالى : {إِذَا أَنْتُمْ} للمفاجأة ، وهي تنوب مناب الفاء في جواب الشرط. وأجمع القراء على فتح التاء هنا في {تَخْرُجُونَ} . واختلفوا في التي في {الأعراف} فقرأ أهل المدينة : {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} بضم التاء ، وقرأ أهل العراق : بالفتح ، وإليه يميل أبو عبيد. والمعنيان متقاربان ، إلا أن أهل المدينة فرقوا بينهما لنسق الكلام ، فنسق الكلام في التي في {الأعراف} بالضم أشبه ؛ إذ كان الموت ليس من فعلهم ، وكذا الإخراج. والفتح في سورة الروم أشبه بنسق الكلام ؛ أي إذا دعاكم خرجتم أي أطعتم ؛ فالفعل بهم أشبه. وهذا الخروج إنما هو عند نفخة إسرافيل النفخة الآخرة ؛ على ما تقدم ويأتي. وقرئ {تخرجون} بضم التاء وفتحها ، ذكره الزمخشري ولم يزد على هذا شيئا ، ولم يذكر ما ذكرناه من الفرق ، والله أعلم. {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} خلقا وملكا وعبدا. {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "كل قنوت في القرآن فهو طاعة" . قال النحاس : مطيعون طاعة انقياد. وقيل : {قَانِتُونَ} مقرون بالعبودية ، إما قالة وإما دلالة ؛ قاله عكرمة وأبو مالك والسدي. وقال ابن عباس : {قَانِتُونَ} مصلون. الربيع بن أنس : {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي قائم يوم القيامة ؛ كما قال : {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أي للحساب. الحسن : كل له قائم بالشهادة أنه عبد له. سعيد بن جبير {قَانِتُونَ قانتون} مخلصون.
الآية : [27] {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}
قوله تعالى : {وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته ، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث ؛ فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلا على ما يخفى من إعادته ؛ استدلالا بالشاهد على الغائب ، ثم أكد ذلك بقوله
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقرأ ابن مسعود وابن عمر : {يَبْدئُ الْخَلْقَ} من أبدأ يبدئ ؛ دليله قوله تعالى : {إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ} ودليل قراءة العامة قوله سبحانه : {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} و {أهْوَنُ} بمعنى هين ؛ أي الإعادة هين عليه ؛ قاله الربيع بن خثيم والحسن. فأهون بمعنى هين ؛ لأنه ليس شيء أهون على الله من شيء. قال أبو عبيدة : ومن جعل أهون يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} وبقوله : {وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا}
والعرب تحمل أفعل على فاعل ، ومنه قول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
أي دعائمه عزيزة طويلة. وقال آخر :
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
أراد : إني لوجل. وأنشد أبو عبيدة أيضا :
إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل
أراد لمائل. وأنشد أحمد بن يحيى :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أراد بواحد. وقال آخر :
لعمرك إن الزبرقان لباذل ... لمعروفه عند السنين وأفضل
أي وفاضل. ومنه قولهم : الله أكبر ؛ إنما معناه الله الكبير. وروى معمر عن قتادة قال : في قراءة عبدالله بن مسعود {وهو عليه هين} . وقال مجاهد وعكرمة والضحاك : إن المعنى أن الإعادة أهون عليه - أي على الله - من البداية ؛ أي أيسر ، وإن كان جميعه على الله تعالى هينا ؛ وقاله ابن عباس. ووجهه أن هذا مثل ضربه الله تعالى لعباده ؛ يقول : إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه ؛ فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم
أهون عليه من الإنشاء. وقيل : الضمير في {عَلَيهِ} للمخلوقين ؛ أي وهو أهون عليه ، أي على الخلق ، يصاح بهم صيحة واحدة فيقومون ويقال لهم : كونوا فيكونون ؛ فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أجنة ثم أطفالا ثم غلمانا ثم شبانا ثم رجالا أو نساء. وقاله ابن عباس وقطرب. وقيل أهون أسهل ؛ قال :
وهان على أسماء أن شطت النوى ... يحن إليها واله ويتوق
أي سهل عليها ، وقال الربيع بن خثيم في قوله تعالى : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال : ما شيء على الله بعزيز. عكرمة : تعجب الكفار من إحياء الله الموتى فنزلت هذه الآية. {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى} أي ما أراده جل وعز كان. وقال الخليل : المثل الصفة ؛ أي وله الوصف الأعلى {فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} كما قال : {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} أي صفتها. وقد مضى الكلام في ذلك. وعن مجاهد : {الْمَثَلُ الأَعْلَى} قول لا إله إلا الله ؛ ومعناه : أي الذي له الوصف الأعلى ، أي الأرفع الذي هو الوصف بالوحدانية. وكذا قال قتادة : إن المثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله ؛ ويعضده قوله تعالى : {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ} على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى. وقال الزجاج : {وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي قوله : {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل ؛ يريد التفسير الأول. وقال ابن عباس : أي ليس كمثله شيء {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} تقدم.
الآية : [38] {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}
فيه مسألتان :
الأولي- قوله تعالى : {مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ثم قال : {مِنْ شُرَكَاءَ} ؛ ثم قال : {مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فـ {من} الأولى للابتداء ؛ كأنه قال : أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. والثانية للتبعيض ، والثالثة زائدة لتأكيد الاستفهام. والآية نزلت في كفار قريش ، كانوا يقولون في التلبية : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ؛ قال سعيد بن جبير. وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله للمشركين ؛ والمعنى : هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله ، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء.
الثانية- قال بعض العلماء : هذه الآية أصل في الشركة بين المخلوقين لافتقار بعضهم إلى بعض ونفيها عن الله سبحانه ، وذلك أنه لما قال جل وعز : {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الآية ، فيجب أن يقولوا : ليس عبيدنا شركاءنا فيما رزقتنا ، فيقال لهم : فكيف يتصور أن تنزهوا نفوسكم عن مشاركة عبيدكم وتجعلوا عبيدي شركائي في خلقي ؛ فهذا حكم فاسد وقلة نظر وعمى قلب ، فإذا بطلت الشركة بين العبيد وسادتهم فيما يملكه السادة والخلق كلهم عبيد لله تعالى فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله ؛ فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك ، إذ الشركة تقتضي المعاونة ، ونحن مفتقرون إلى معاونة بعضنا بعضا بالمال والعمل ؛ والقديم الأزلي منزه عن ذلك جل وعز.
وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه ؛ لأن جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب ، فافهم ذلك.
الآية : [29] {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ}
قوله تعالى : {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} لما قامت عليهم الحجة ذكر أنهم يعبدون الأصنام باتباع أهوائهم في عبادتها وتقليد الأسلاف في ذلك. {فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} أي لا هادي لمن أضله الله تعالى. وفي هذا رد على القدرية. {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} .
آية : [30] {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}
قوله تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ} فيه ثلاث مسائل :
الأولي- قال الزجاج : {فِطْرَتَ} منصوب بمعنى اتبع فطرة الله. قال : لأن معنى {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ} اتبع الدين الحنيف واتبع فطرة الله. وقال الطبري : {فِطْرَتَ اللَّهِ} مصدر من معنى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} لأن معنى ذلك : فطر الله الناس ذلك فطرة. وقيل : معنى ذلك اتبعوا دين الله الذي خلق الناس له ؛ وعلى هذا القول يكون الوقف على {حَنِيفاً} تاما. وعلى القولين الأولين يكون متصلا ، فلا يوقف على {حَنِيفاً} . وسميت الفطرة دينا لأن الناس يخلقون له ، قال جل وعز : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ويقال : {عَلَيْهَا} بمعنى لها ؛ كقوله تعالى : {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} . والخطاب بـ {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ} للنبي صلى الله عليه وسلم ، أمره بإقامة وجهه للدين المستقيم ؛ كما قال : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} وهو دين الإسلام. وإقامة الوجه هو تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين ؛ وخص الوجه بالذكر لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه. ودخل في هذا الخطاب أمته باتفاق من أهل التأويل. و {حَنِيفاً} معناه معتدلا مائلا عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
الثانية- في الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية على هذه الملة - أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء" ثم يقول أبو هريرة : واقرؤوا إن شئتم ؛ {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، في رواية : "حتى"
تكونوا أنتم تجدعونها "قالوا : يا رسول الله ؛ أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال :" الله أعلم بما كانوا عاملين ". لفظ مسلم."
الثالثة- واختلف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة على أقوال متعددة ؛ منها الإسلام ؛ قاله أبو هريرة وابن شهاب وغيرهما ؛ قالوا : وهو المعروف عند عامة السلف من أهل التأويل ؛ واحتجوا بالآية وحديث أبي هريرة ، وعضدوا ذلك بحديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس يوما : "ألا أحدثكم بما حدثني الله في كتابه ، أن الله خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين ، وأعطاهم المال حلالا لا حرام فيه فجعلوا مما أعطاهم الله حلالا وحراما.." الحديث. وبقوله صلى الله عليه وسلم : "خمس من الفطرة" فذكر منها قص الشارب ، وهو من سنن الإسلام ، وعلى هذا التأويل فيكون معنى الحديث : أن الطفل خلق سليما من الكفر على الميثاق الذي أخذه الله على ذرية آدم حين أخرجهم من صلبه ، وأنهم إذا ماتوا قبل أن يدركوا في الجنة ؛ أولاد مسلمين كانوا أو أولاد كفار. وقال آخرون : الفطرة هي البداءة التي ابتدأهم الله عليها ؛ أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. قالوا : والفطرة في كلام العرب البداءة. والفاطر : المبتدئ ؛ واحتجوا بما روي عن ابن عباس أنه قال : لم أكن أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ؛ أي ابتدأتها. قال المروزي : كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول ثم تركه. قال أبو عمر في كتاب التمهيد له : ما رسمه مالك في موطئه وذكر في باب القدر فيه من الآثار - يدل على أن مذهبه في ذلك نحو هذا ، والله أعلم. ومما احتجوا به ما روي عن كعب القرظي في قول الله تعالى : {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ} قال : من ابتدأ الله خلقه للضلالة صيره إلى الضلالة وإن عمل بأعمال الهدى ، ومن ابتدأ الله خلقه على الهدى صيره إلى الهدى وإن عمل بأعمال الضلالة ، ابتدأ الله خلق إبليس على الضلالة وعمل بأعمال السعادة مع الملائكة ، ثم رده الله إلى ما ابتدأ عليه خلقه ، قال : وكان من الكافرين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 158.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 156.61 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (1.06%)]