|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري (42) باب: الدعاء في الصلاة الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب «الصلاة» من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 309.عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا (وفي رواية: كَثِيرًا) وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ». الشرح: قال المنذري: باب: الدعاء في الصلاة. والحديث أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (4/2078) وبوب عليه النووي: باب استحباب خفض الصوت بالذكر. قوله «عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، وَفِي بَيْتِي» وفيه: حرص الصحابة على الخير، وسؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الدعاء عن أسباب المغفرة والتوبة والرحمة، وطرق دخول الجنة والنجاة من النار ونحو ذلك، وفيه: أدبهم مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السؤال. قوله: «قل: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيرَاً» وفي رواية «كبيراً» اشتمل هذا الدعاء على الاعتراف بالذنب، ومع فضل أبي بكر رضي الله عنه وارتفاع رتبته، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمه هذا الدعاء، ليكون قدوة لغيره من هذه الأمة. والاعتراف بالذنب من سمات الأنبياء والرسل، وقد تكرر في دعواتهم، مع عصمتهم من الكبائر. فـآدمُ عليه الصلاة والسلام لما عصى ربه، تاب وأناب، واعترف بالذّنب، فقال هو وزوجه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. فتاب الله عليهما كما قال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} (طه:122). ونوح عليه السلام قال: {رب إني أعوذُ بك أنْ أسألك ما ليس به علم وإلا تغفر وترحمني أكن من الخاسرين} (هود: 47). وموسى عليه السلام قال: {ربّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر فغفر له إنه هو االغفور الرحيم} (القصص: 16). قال عليه الصلاة والسلام: «دَعْوَةُ ذِي النّونِ، إذْ دَعَا وَهُوَ في بَطْنِ الحُوتِ: «لا إلَهَ إلاّ أنْتَ سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَإِنّهُ لَمْ يَدْعُ بـها رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطّ، إلاّ اسْتَجَابَ الله لَهُ». رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح. وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام إذا قام يتهجّد من الليل أن يقول: «اللهم اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنت، وما أسرفت وما أنت أعلمُ به مني، أنت المقدمُ وأنت المؤخر لا إله إلا أنت». رواه البخاري ومسلم. وأيضا كان عليه الصلاة والسلام يقول: «اللهم اغفر لي جِدي وهزْلي، وخطئي وعمدي، وكلُ ذلك عندي». رواه البخاري ومسلم. وكان صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: «اللهم اغفر لي ذنبي كلَّه، دِقَّـه وجِلَّه، وأولَه وآخرَه، وعلانيتَه وسرَّه». رواه مسلم. واستقصاء دعاؤه صلى الله عليه وسلم وأحوال الأنبياء في ذلك يطول ذكره. وقد أثنى الله على عباده الذين يَسألونه المغفرة، مُعترفين بالذنب فقال سبحانه: {واللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} (آل عمران: 15-17). ودعاء سيدُ الاستغفار يتضمُّن الإقرار بالذنب، والاعتراف بالخطيئة، مع العلم يقينا بأنه لا يغفر الذّنوب إلا الله تعالى، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «سيدُ الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذُ بك من شرّ ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغْفِرْ لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: من قالها من النهار مُوقناً بها فمات من يومه قبل أن يُمسِي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة». رواه البخاري. فالعبد لا يرى نفسه إلا مُقصِّرا في حق ربّه وسيده ومولاه جل جلاله، ولو قدم ما قدم من الأعمال الصالحة. وأيضا: فإن اعتراف العبد بِذنبِه، واعترافه بأنه لا يَغفر الذنوب إلا الله تعالى، من أسباب المغفرة. ففي الصحيحين: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أذنب عبدٌ ذنبا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رَبّـاً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له رَبّـاً، يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له رَبّـاً، يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعملْ ما شئت فقد غفرت لك». فقولُه: «اعمل ما شئت فقد غفرتُ لك» يدلّ على أن اللهَ تعالى لا يزال يغفر لعبده كلما استغفره، طالما أنه موقنٌ أن له ربّاً يأخذ بالذنب ويعاقب به، ويغفره إذا استغفره العبد منه، ما لم يُصرّ على معصيته فيترك التوبة، أو يموت على الشرك. وكما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان قال: وعزتك يا رب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». رواه الحاكم وغيره وهو حديث صحيح. قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» من عندك، دليل على أن المغفرة لا تكون إلا من الله تعالى، لا من أحد غيره مهما كان قدره ومنزلته، كما في قوله تعالى {ومن يغفر الذنوب إلا الله} آل عمران. والمغفرة ستر الذنوب وتغطيتها، وعدم الفضيحة لأصحابها. قال السعدي: (العفو - الغفور - الغفار) الذي لم يزل ولا يزال بالعفو معروفا، وبالغفران والصفح موصوفا، كل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه، وقد وعد بالمغفرة والعفو لمن أتى بأسبابها، قال تعالى {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى} (طه: 82). (انظر النهج الأسمى 1/175 -180). وما الفرق بين المغفرة والرحمة؟ قلنا: إن المغفرة هي ستر الذنوب، وأما الرحمة فهي أعم من ذلك، فتشمل المغفرة وزيادة، من إفاضة الإحسان إليه، ودخول الجنة، والنجاة من النار. وقد عطف الله الرحمة على المغفرة في قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (آل عمران: 157). فعطف، وكذلك في هذا الحديث، والعطف يقتضي المغايرة. قوله: «إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ختم الدعاء بما يُناسِب الحال من طلب المغفرة والرحمة، كما هي عادة القرآن الكريم، وعليه جرت الأدعية النبوية، ففي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المتقدِّم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني» قال في خاتمته: «أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت». فلما ذَكَر الذنب المتقدِّم والمتأخِّر قال: أنت المقدم وأنت المؤخر. والحديث يدل على استحباب قول هذا الدعاء في الصلاة وخارجها. أما موضع هذا الدعاء في الصلاة: فلم يَرِد بيان لموضع قول هذا الدعاء، وإنما قال: «في صلاتي» أي: في عموم صلاتي، وهو يدل على أنه في مواطن الدعاء في الصلاة، ومواطن الدعاء في السجود، وبعد التشهد قبل السلام، كما سبق بيانه، وفي دعاء الوتر. وفي قوله «وفي بيتي» ما يدل على جواز قول هذا الدعاء في غير الصلاة. والله تعالى أعلم
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 44 ) باب: الصــــــلاة علـــــى النـبـــــــي صلى الله عليه وسلم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب «الصلاة» من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 111- 311-عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم : «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ».الشرح : قال المنذري: باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . والحديث رواه مسلم في الصلاة (1/305) وبوب عليه النووي (4/124) باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد. أبو مسعود الأنصاري هو البدري واسمه عقبة بن عمرو. والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعني: ثناء الله تعالى عليه في الملأ الأعلى، كما قاله أبو العالية من التابعين . وقال بعضهم : هي رحمته، أو مغفرته! وهو قول ضعيف، لوجوه: منها: أن الله تعالى فرق بينهما في قوله: {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } (البقره: 157). فعطف الرحمة على الصلاة، والعطف يقتضي المغايرة. والوجه الثاني: أن صلاة الله سبحانه خاصة بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كل شيء. لكن يصح أن يقال: إن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها. (انظر: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الانام، للإمام ابن القيم ص 82-83، وذكر وجوهاً أخر فراجعها عن شئت). قوله: «أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ» فيه سؤال الصحابة عن مجمل القرآن الكريم، فإن الله تعالى قال للمؤمنين في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (الأحزاب). فأرادوا معرفة تفسير هذه الآية، وكيفية العمل بها؟ فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك . قوله: «فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم » يحتمل سكوته صلى الله عليه وسلم لانتظار الوحي, أو لأجل جذب انتباه السامعين. قوله: «حتى تمنينا أنه لم يسأله». معناه كرهنا سؤاله مخافة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره سؤاله وشقّ عليه. قوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد». الآل أصله من: أَوَل، أي من آل الشيء يؤول، أي: يرجع، كما قال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } (النساء). واختلف العلماء في: آل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال صاحب الصحاح: وآل الرجل: أهله وعياله، وآله أيضا: أتباعه، فآل الرجل هم الذين يَرجعون إليه، ويُضافون إليه، ويولهم أن يسوسهم فيكون مآلهم إليه. وقال النووي: أظهرها وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين: أنهم جميع الأمة. والقول الثاني: أنهم بنو هاشم وبنو المطلب. الثالث: هم أهل بيته صلى الله عليه وسلم وذريته. وقوله: «وآل محمد». احتج من أجاز الصلاة على غير الأنبياء، وهذا مما اختلف فيه العلماء، فقال مالك والشافعي والأكثرون: لا يصلى على غير الأنبياء استقلالا، فلا يقال: اللهم صل على أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي، أو غيرهم، ولكن يصلى عليهم تبعا، فيقال: اللهم صل على محمد وأصحابه وآل محمد وأصحابه وأزواجه وذريته، كما جاء في الأحاديث. وقال أحمد وجماعة: يصلى على كل واحد من المؤمنين مستقلا، واحتجوا بأحاديث الباب، وبقوله[: اللهم صل على آل أبي أوفي، وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم صلى عليه. قالوا: وهو موافق لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} (الأحزاب:43). والصحيح: القول الأول، ولم ينقل عن السلف استعمالهم لذلك، بل خصوا به الأنبياء والمرسلين، كما خصوا الله تعالى بالتقديس والتسبيح، فيقال: الله سبحانه وتعالى، وقال الله تعالى، وقال عز وجل، وتبارك وتعالى، ونحو ذلك، ولا يقال: قال النبي عز وجل، وإنْ كان عزيزا جليلا، ولا ما بعده. وأما قول الله: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} (الأحزاب:43).، والأحاديث بأن الصلاة فيها دعاء وترحم. وأما الصلاة على الآل والزواج والذرية فإنما جاء على التبع لا على الاستقلال، ويقال تبعاً ما لا يُقال استقلالا. قوله: كما صليت على آل ابراهيم» اختلف العلماء في الحكمة من قوله: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل ابراهيم» مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام؟! فقال عياض: أظهر الأقوال: أن نبينا صلى الله عليه وسلم سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته ، ليتم النعمة عليهم ، كما أتمها على إبراهيم وعلى آله. وقيل: بل سأل ذلك لأمته. وقيل: بل ليبقى ذلك له دائما إلى يوم القيامة، ويجعل له به لسان صدق في الأخرين كإبراهيم عليه السلام. وقيل : كان ذلك قبل أنْ يعلم أنه أفضل من إبراهيم عليه السلام . وقيل: إنه على ظاهره، والمراد: اجعل لمحمد وآله صلاة بمقدار الصلاة لإبراهيم وآله، والمسؤول مقابلة الجملة، فإن الآل يدخل فيهم جميع الاتباع على الصحيح كما ذكرنا، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل النبي صلى الله عليه وسلم نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد، بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء (انظر شرح النووي 4/126) . قوله: «وبارك على محمد البركة» هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: الثبات على ذلك، من قولهم: بركت الإبل، أي ثبتت على الأرض، ومنه: بركة الماء . واختلف العلماء في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عقب التشهد الأخير في الصلاة ، فذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما إلى أنها سنة ، ولو تركت صحت الصلاة ! وذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله: إلى أنها واجبةٌ، ولو تركت لم تصح الصلاة ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله والشعبي وغيرهم، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم : «قولوا الله صل على محمد..»، والأمر يفيد الوجوب، وفي الرواية الأخرى عند ابن حبان: كيف نصلي عليك في صلاتنا ؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد...». وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي لم يحمد الله ولم يمجده ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «عجل هذا»، ثم دعاه النبي[ فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد ربه والثناء عليه، وليُصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليدع بما شاء» رواه الحاكم وغيره.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 46 ) باب: ما يُقال بعد التسليم من الصلاة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب «الصلاة» من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 314.عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ رضي الله عنهما: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ[ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدّ».الشرح : قال المنذري: باب ما يقال بعد التسليم. والحديث أخرجه مسلم في المساجد (593) وبوب عليه النووي: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته . والحديث رواه البخاري في الأذان (844) باب الذكر بعد الصلاة . المغيرة بن شعبة هو الثقفي، الصحابي المشهور، أسلم قبل الحديبية، وولي أمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة (50 هـ) على الصحيح، روى له الستة. ومعاوية هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، الصحابي الخليفة، ولي الخلافة بالشام أولا ثم تمت له على بقية البلدان، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، مات سنة (60 هـ) وقد قارب الثمانين، روى له الستة. ورّاد مولى المغيرة الثقفي، أبو سعيد أو أبو الورد الكوفي، كاتب المغيرة ومولاه، تابعي ثقة، روى له الستة. قوله: «كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ رضي الله عنهما» فيه العمل بالكتابة في الرواية، بشروطها ومنها: كونه يعرف خط الكاتب، فلا بد أن معاوية كان يعرف خط وراد، وكون الكتاب عن إذن المغيرة، وكان المغيرة إذ ذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية. قوله: «لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ورد عند الطبراني «يحيي ويميت وهو حيٌ لا يموت»، قال الحافظ (الفتح 2/332): ورواته موثقون . قوله: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ» كما قال سبحانه: {ما يفتح اللهُ للناس منْ رحمةٍ فلا مُمسكَ لها وما يُمسك فلا مُرسلَ له منْ بعده وهو العزيز الحكيم} (فاطر: 2). وهذا مما يدعو العبد للتعلق بالله تعالى، والافتقار إليه دائما، وألا يدعو إلا هو، ولا يخاف ولا يرجو سواه، فإنّ الأمور كلها بيديه سبحانه وتعالى. قوله: «وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَد»، قال الخطابي: الجد: الغنى، ويقال: الحظ. ومنك هنا: بمعنى ما عندك، أي لا ينفع ذا الغنى عندك غناه ، إنما ينفعه العمل الصالح . وفي الآية: {وأنه تعالى جد ربنا} (الجن: 3). قال الحسن: غنى ربنا. رواه ابن أبي حاتم وعبد بن حميد. وحكى الراغب: أن المراد به هنا: أبو الأب، أي: لا ينفع أحدا نسبه. وقال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه: بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى: لا يُنجيه حظه منك، وإنما ينجيه فضلك ورحمتك. قال الحافظ: وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عقب الصلوات، لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد، ونسبة الأفعال إلى الله، والمنع والإعطاء، وتمام القدرة. وفيه: المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها. 115- باب: التكبير بعد الصلاة 315. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالتَّكْبِيرِ . الشرح : قال المنذري: باب التكبير بعد الصلاة والحديث أخرجه مسلم في المساجد (583) وبوب عليه النووي باب الذكر بعد الصلاة . وأخرجه البخاري في الأذان (841، 842) باب الذكر بعد الصلاة. قوله: «كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالتَّكْبِيرِ»، وهذا يدل على أنه لم يحضر الجماعة لصغر سنّه، فكان لا يواظب عليها، ولا يلزم به، قاله عياض. وفي الرواية الأخرى: «إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال: «كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته». أي: أعلم انصرافهم بذلك ، أي برفع الصوت إذا سمع الذكر يعلم انتهاء الصلاة . وقيل: يحتمل أن يكون حاضرا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، وإنما كان يعرفه بالتكبير. قال الطبري: ففيه صحة فعل من كان يفعله من الأمراء، يكبر بعد صلاته، ويكبر الناس بتكبيره. قال النووي: حمل الشافعي هذا الحديث على على أنهم جهروا به وقتا يسيراً لأجل تعليم صفة الذكر، لا أنهم داوموا على الجهر به! قال : فاختار للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى بعد الفراغ من الصلاة ويخفيان ذلك، إلا أن يكون إماما يريد أن يتعلم منه، فيجهر حتى يعلم أنه قد تعلم منه ثم يسر، وحمل الحديث على هذا. شرح النووي (5/84) انتهى. وهو قول أبي حنيفة ومالك . قلت: وفيما قاله الشافعي نظر! لأن الأصل بقاء هذه السنة النبوية، واستمرار عمل الصحابة بها. ولذا كان القول الراجح - إن شاء الله تعالى - هو الجهر بالذّكر عقب الصلوات المفروضات، وهذا مذهب ابن الزبير كما في المصنف لابن أبي شيبة، ويدل له أيضا حديثه في صحيح مسلم، وهو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله عنه تلميذه ابن مفلح ونقل البهوتي في «كشاف القناع» (1/366) عن شيخ الإسلام ابن تيمية استحباب الجهر: قال الشيخ (أي ابن تيمية): ويستحب الجهر بالتسبيح والتحميد والتكبير عقب كل صلاة « . وقال ابن حزم رحمه الله: «ورفع الصوت بالتكبير إثر كل صلاة حسن» انتهى من «المحلى» (3 /180) . واختيار ابن رجب ، وهو مذهب السيوطي والسخاوي ، ولهما رسالتان في ذلك ، وهو اختيار الشيخين ابن باز وابن عثيمين، وكذا الشيخ مقبل الوادعي . وأما احتجاج منكر الجهر أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس أربعوا على أنفسكم...» الحديث. فإن الذي قال: «أيها الناس أربعوا على أنفسكم»، هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة ، فهذا له محل، وذاك له محل، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله . ثم إن السياق في قوله: «أربعوا على أنفسكم»، يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعا بليغا يشق عليهم ويتكلفونه، ولهذا قال: «أربعوا على أنفسكم». أي: ارفقوا بها ولا تجهدوها، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد. قال العلامة ابن عثيمين رخمه الله: أما من قال: إن في ذلك تشويشا؟! فيقال له : إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك ، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السُنة زال عنه التشويش، وإن أردت أنه يشوش على المصلين، فإنّ المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع؛ لأنهم مشتركون فيه، وإن كان فيهم مسبوق يقضي، فإن كان قريبا منك بحيث تشوش عليه، فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه، لئلا تلبس عليه صلاته، وإن كان بعيدا منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك. وبما ذكرنا يتبين : أنّ السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح، ولا بنظر صريح. وقال أيضا: لأن الأصوات إذا اختلطت تداخل بعضها في بعض فارتفع التشويش، كما تشاهد الآن في يوم الجمعة الناس يقرأون كلهم القرآن يجهرون به ، ويأتي المصلي ويصلي ولا يحدث له تشويش. وقال رحمه الله: فالمهم أن القول الراجح: أنه يسن الذكر أدبار الصلوات على الوجه المشروع، وأنه يسن الجهر به أيضا - أعني رفع الصوت - ولا يكون رفعا مزعجا فإن هذا لا ينبغي، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في قفولهم من خيبر قال: «أيها الناس، أربعوا على أنفسكم..»، فالمقصود بالرفع ، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج». انتهى من «مجموع فتاوى الشيخ» (13/247، 261). لكن لا يكون بصورة جماعية أي بصوتٍ واحد، كما تفعله الصوفية يذكر أحدهم والجماعة يرددون خلفه، وقد نبَه العلماء الإجلاء الذين ذكرتهم على هذه البدعة.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب الصلاة من مختصر صحيح مسلم للإمام المنذري ( 49 ) باب: اتِّباع الإمام والعمل بعده الفرقان الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه تتمة الكلام على أحاديث كتاب (الصلاة) من مختصر صحيح الإمام مسلم للإمام المنذري رحمهما الله، نسأل الله عز وجل أن ينفع به، إنه سميع مجيب الدعاء. 319.عن الْبَرَاءِ رضي الله عنه : أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ.الشرح: قال المنذري: باب: اتِّباع الإمام والعمل بعده. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة (1/) وبوب عليه النووي: باب متابعة الإمام والعمل بعده. وقد أخرجه البخاري في الأذان برقم (690) باب: متى يسجد منْ خلف الإمام؟ وبرقم (747) باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، وبرقم (811) باب: السجود على سبعة أعظم. عن البراء وهو ابن عازب، وفي مسلم: قال عبدالله بن يزيد: حدثني البراء وهو غير كذوب. وهذا من عادتهم في تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما روى. قوله «: أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [ فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا» فيه: متابعة الإمام، وعدم التقدم عليه بالأفعال أو مسابقته، وقد مضى الكلام عليه. قوله «وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَقَالَ:» سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ «لَمْ نَزَلْ قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ» وفي الرواية الأخرى «لم أرَ أحداً يحني ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض، ثم يخرّ من وراءه سُجداً» يحني ويحنو كما في الرواية الأخرى، لغتان صحيحتان، من حنى العود أي عطفه. قال النووي: وفي هذا الحديث هذا الأدب من آداب الصلاة، وهو أنّ السُّنة ألا ينحني المأمومُ للسجود، حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، إلا أن يَعلم منْ حاله أنه لو أخّر إلى هذا الحد، لرفع الإمام من السجود قبل سجوده. ثم قال: قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه: أنّ السنّة للمأموم التأخر عن الإمام قليلاً، بل يُشرع في الركن بعد شُروعه، وقبل فراغه منه، والله أعلم اهـ وقوله: «حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته على الأرض» استدل به على أن الجبهة من أعضاء السجود، وإنما اقتصر على ذكرها لأنها أشرف أعضاء السجود، وأشهرها في تحقيق السجود. وفي الحديث: دليل على مراقبة الصحابة رضي الله عنهم لأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة للاقتداء به، ومتابعته في تنقلاته، وإنْ كان الأصل نظر المأموم إلى موضع سجوده، لأنه المطلوب للخشوع في الصلاة، إلا للحاجة. 120- باب: أمر الأئمة بالتخفيف في تمام 320.عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ! فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ، أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ». الشرح: قال المنذري: باب أمر الأئمة بالتخفيف في تمام. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة (466) وبوب عليه ما بوب به المنذري. ورواه البخاري في الأذان (702) باب: تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود. قال النووي: معنى أحاديث الباب ظاهر، وهو الأمر للإمام بتخفيف الصلاة بحيث لا يُخل بسنتها ومقاصدها، وأنه إذا صلّى لنفسه، طوّل ما شاء في الأركان التي تحتمل التطويل، وهي القيام والركوع والسجود والتشهد، دون الاعتدال والجلوس بين السجدتين، والله أعلم. وفيه نظر ! فإنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن قيامه وركوعه واعتداله وسجوده وجلوسه بين السجدتين، قريب من السواء. وقال الكرماني في تبويب البخاري: الواو بمعنى «مع»، كأنه قال: باب التخفيف بحيث لا يفوته شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله: في الحديث «فليتجوز»؛ لأنه لا يأمر بالتجوز المؤدي إلى فساد الصلاة. قوله: «إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا» أي: أتأخّر عن صلاة الجماعة بسبب تطويل الإمام. وقد ظن بعضهم أن المقصود بالإمام: هو معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو خطأ ! لأن قصة معاذ كانت في صلاة العشاء، وفي مسجد بني سلمة، وهذه كانت في صلاة الصبح وفي مسجد قباء. قال الحافظ ابن حجر: ووهم من فسّر الإمام المبهم هنا: بمعاذ، بل المراد به: أبي ابن كعب، كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن: عن جابر قال: كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء، فاستفتح سورة طويلة، فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة، فلما سمعه استفتحها، انفتل من صلاته، فغضب أبي، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو الغلام، وأتى الغلام يشكو أبياً، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى عُرف الغضبُ في وجهه، ثم قال: «إنّ منكم مُنفّرين، فإذا صليتم فأوجزوا، فإنّ خلفكم الضعيف والكبير، والمريض، وذا الحاجة». قال: فأبان هذا الحديث: أن المراد بقوله في حديث الباب «مما يطيل بنا» أي: في القراءة (الفتح 2/ 198). قوله «فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ، أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ» وسبب غضبه إما لمخالفته ما أرشد إليه أصحابه ووعظهم. أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه. أو لزيادة الاهتمام بما يقول، تنبيها له ولأصحابه. قوله: «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ» وهو تفسيرٌ للفتنة في قوله لمعاذ: «أفتان أنت يا معاذ». قال الحافظ: ويحتمل أن تكون قصة أبي هذه بعد قصة معاذ، فلهذا أتى بصيغة الجمع، وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب. قوله: «فَأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ» قال ابن دقيق العيد: التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية، فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلا بالنسبة لعادة آخرين. قال: وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات، لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك، لأن رغبة الصحابة في الخير، تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا (الفتح 2/ 199). قال الحافظ: وأولى ما أخذ حدّ التخفيف من الحديث: ما أخرجه أبو داود والنسائي: عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أنت إمام قومك، واقدر القوم بأضعفهم» إسناده حسن، وأصله في مسلم اهـ (الفتح 2/ 199). وفي صحيح مسلم بالباب نفسه: عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أخفّ الناس صلاة في تمام. وفي زيادة لمسلم: «فإذا صلى وحده، فليصلّ كيف شاء»، وفي لفظ «وإذا قام وحده، فليطلْ صلاته ما شاء». قوله: «فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ» وفي رواية «فإن في الناس الضعيف والسقيم» فالمراد بالضعيف النحيف والمسنّ، والسقيم هو المريض. وفي الحديث: جواز التأخر عن صلاة الجماعة، إذا علم من عادة الإمام التطويل الكثير بالقراءة، لمن عجز عن القيام، وإن كان الأفضل حضور الجماعة والصلاة جالسا. والله تعالى أعلم،
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |