|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد الثامن الحلقة (596) سُورَةُ الضُّحَى . صـ 560 إلى صـ 570 قوله تعالى : ووجدك ضالا فهدى [ ص: 560 ] الضلال : يكون حسا ومعنى ، فالأول : كمن تاه في طريق يسلكه ، والثاني : كمن ترك الحق فلم يتبعه . فقال قوم : المراد هنا هو الأول ، كأن قد ضل في شعب من شعاب مكة ، أو في طريقه إلى الشام . ونحو ذلك . وقال آخرون : إنما هو عبارة عن عدم التعليم أولا ، ثم منحه من العلم مما لم يكن يعلم ، كقوله : ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا [ 42 \ 52 ] . وتقدم للشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - بحث هذه المسألة في عدة مواضع : أولا : في سورة " يوسف " عند قوله تعالى : إن أبانا لفي ضلال مبين [ 12 \ 8 ] ، وساق شواهد الضلال لغة هناك . وثانيا : في سورة " الكهف " عند قوله تعالى : الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا [ 18 \ 104 ] . وثالثا : في سورة " الشعراء " عند قوله تعالى : قال فعلتها إذا وأنا من الضالين [ 26 \ 20 ] . وفي دفع إيهام الاضطراب أيضا ، وهذا كله يغني عن أي بحث آخر . ومن الطريف ما ذكره أبو حيان عند هذه الآية ، حيث قال : ولقد رأيت في النوم ، أني أفكر في هذه الجملة ، فأقول على الفور : " ووجدك " : أي : وجد رهطك " ضالا " فهداه بك ، ثم أقول : على حذف مضاف ، نحو : " واسأل القرية " [ 12 \ 82 ] . اهـ . وقد أورد النيسابوري هذا وجها في الآية . وبهذه المناسبة أذكر منامين كنت رأيتهما ولم أرد ذكرهما حتى رأيت هذا لأبي حيان ، فاستأنست به لذكرهما ، وهما : الأول : عندما وصلت إلى سورة " ن " عند قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ 68 \ 4 ] ، ومن منهج الأضواء تفسير القرآن بالقرآن ، وهذا وصف مجمل ، وحديث عائشة : " كان خلقه القرآن " فأخذت في التفكير ، كيف أفصل هذا المعنى من القرآن ، وأبين حكمه وصفحه وصبره وكرمه وعطفه ورحمته [ ص: 561 ] ورأفته وجهاده وعبادته ، وكل ذلك مما جعلني أقف حائرا وأمكث عن الكتابة عدة أيام ، فرأيت الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - في النوم ، كأننا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وكأنه ليس في نشاطه العادي ، فسألته ماذا عندك اليوم ؟ فقال : عندي تفسير . فقلت : أتدرس اليوم ؟ قال : لا ، فقلت : وما هذا الذي بيدك ؟ - لدفتر في يده - ، فقال : مذكرة تفسير ، أي : التي كان سيفسرها - وهي مخطوطة - ، فقلت له : من أين في القرآن ؟ فقال : من أول " ن " إلى آخر القرآن ، فحرصت على أخذها لأكتب منها ، ولم أتجرأ على طلبها صراحة ، ولكن قلت له : إذا كنت لم تدرس اليوم فأعطنيها أبيضها وأجلدها لك ، وآتيك بها غدا ، فأعطانيها فانتبهت فرحا بذلك وبدأت في الكتابة . والمرة الثانية في سورة " المطففين " ، لما كتبت على معنى التطفيف ، ثم فكرت في التوعد الشديد عليه مع ما يتأتى فيه من شيء طفيف ، حتى فكرت في أن له صلة بالربا ، إذا ما بيع جنس بجنسه ، فحصلت مغايرة في الكيل ووقع تفاضل ، ولكني لم أجد من قال به ، فرأيت فيما يرى النائم ، أني مع الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - ، ولكن لم يتحدث معي في شيء من التفسير . وبعد أن راح عني ، فإذا بشخص لا أعرفه يقول وأنا أسمع دون أن يوجه الحديث إلي : إن في التطفيف ربا ، إذا بيع الحديد بحديد ، وكلمة أخرى في معناها نسيتها بعد أن انتبهت . وقد ذكرت ذلك تأسيا بأبي حيان ، لما أجد فيه من إيناس ، والله أسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ، وأن يهدينا سواء السبيل ، وعلى ما جاء في الرؤيا من مبشرات . وبالله تعالى التوفيق . قوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى العائل : صاحب العيال ، وقيل : العائل الفقير ، على أنه من لازم العيال الحاجة ، ولكن ليس بلازم ، ومقابلة " عائلا " بأغنى ، تدل على أن معنى " عائلا " أي : فقيرا ، ولذا قال الشاعر : فما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل وما تدري وإن ذمرت سقبا لغيرك أم يكون لك الفصيل [ ص: 562 ] وهذا مما يذكره الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من تعداد النعم عليه ، وأنه لم يودعه وما قلاه ، لقد كان فقيرا من المال فأغناه الله بمال عمه . وقد قال عمه في خطبة نكاحه بخديجة : وإن كان في المال قل فما أحببتم من الصداق فعلي ، ثم أغناه الله بمال خديجة ، حيث جعلت مالها تحت يده . قال النيسابوري ما نصه : يروى أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل على خديجة وهو مغموم ، فقالت : ما لك ؟ فقال : " الزمان زمان قحط ، فإن أنا بذلت المال ينفد مالك ، فأستحيي منك ، وإن أنا لم أبذل أخاف الله " ، فدعت قريشا وفيهم الصديق ، قال الصديق : فأخرجت دنانير حتى وضعتها ، بلغت مبلغا لم يقع بصري على من كان جالسا قدامي ، ثم قالت : اشهدوا أن هذا المال ماله ، إن شاء فرقه ، وإن شاء أمسكه . فهذه القصة وإن لم يذكر سندها ، فليس بغريب على خديجة - رضي الله عنها - أن تفعل ذلك له - صلى الله عليه وسلم - ، وقد فعلت ما هو أعظم من ذلك ، حين دخلت معه الشعب فتركت مالها ، واختارت مشاركته - صلى الله عليه وسلم - لما هو فيه من ضيق العيش ، حتى أكلوا ورق الشجر ، وأموالها طائلة في بيتها . ثم كانت الهجرة وكانت مواساة الأنصار ، لقد قدم المدينة تاركا ماله ومال خديجة ، حتى إن الصديق ليدفع ثمن المربد لبناء المسجد ، وكان بعد ذلك فيء بني النضير ، وكان يقضي الهلال ، ثم الهلال ، ثم الهلال ، لا يوقد في بيته - صلى الله عليه وسلم - نار ، إنما هما الأسودان : التمر والماء . ثم جاءت غنائم حنين ، فأعطى عطاء من لا يخشى الفقر ، ورجع بدون شيء ، وجاء مال البحرين فأخذ العباس ما يطيق حمله ، وأخيرا توفي - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة في آصع من شعير . وقوله تعالى : ووجدك عائلا فأغنى ، يشير إلى هذا الموضع ; لأن " أغنى " تعبير بالفعل ، وهو يدل على التجدد والحدوث ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - من حيث المال حالا فحالا ، والواقع أن غناه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل كل شيء ، هو غنى النفس والاستغناء عن الناس ، ويكفي أنه - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس . وكان إذا لقيه جبريل ودارسه القرآن كالريح المرسلة ، فكان - صلى الله عليه وسلم - القدوة في [ ص: 563 ] الحالتين ، في حالي الفقر والغنى ، إن قل ماله صبر ، وإن كثر بذل وشكر . استغن ما أغناك ربك بالغنى وإذا تصبك خصاصة فتجمل ومما يدل على عظم عطاء الله له مما فاق كل عطاء . قوله تعالى : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [ 15 \ 87 ] ، ثم قال : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين [ 15 \ 88 ] . وقد اختلفوا في المقارنة بين الفقير الصابر والغني الشاكر ، ولكن الله تعالى قد جمع لرسوله - صلى الله عليه وسلم - كلا الأمرين ; ليرسم القدوة المثلى في الحالتين . تنبيه . في الآية إشارة إلى أن الإيواء والهدى والغنى من الله ; لإسنادها هنا لله تعالى . ولكن في السياق لطيفة دقيقة ، وهي معرض التقرير ، يأتي بكاف الخطاب : ألم يجدك يتيما ، ألم يجدك ضالا ، ألم يجدك عائلا ، لتأكيد التقرير ، لم يسند اليتم ولا الإضلال ولا الفقر لله ، مع أن كله من الله ، فهو الذي أوقع عليه اليتم ، وهو سبحانه الذي منه كلما وجده عليه ، ذلك لما فيه من إيلام له ، فما يسنده لله ظاهرا ، ولما فيه من التقرير عليه أبرز ضمير الخطاب . وفي تعداد النعم : فآوى ، فهدى ، فأغنى . أسند كله إلى ضمير المنعم ، ولم يبرز ضمير الخطاب . قال المفسرون : لمراعاة رءوس الآي والفواصل ، ولكن الذي يظهر - والله تعالى أعلم - : أنه لما كان فيه امتنان ، وأنها نعم مادية لم يبرز الضمير لئلا يثقل عليه المنة ، بينما أبرزه في : ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك [ 94 \ 1 - 2 ] ، ورفعنا لك ذكرك [ 94 \ 4 ] ; لأنها نعم معنوية ، انفرد بها . صلى الله عليه وسلم . والله تعالى أعلم . قوله تعالى : فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث مجيء الفاء هنا مشعر ، إما بتفريع وهذا ضعيف ، وإما بإفصاح عن تعدد ، وقد ذكر الجمل بتقدير مهما يكن من شيء . [ ص: 564 ] وقد ساق تعالى هنا ثلاث مسائل : الأولى : معاملة الأيتام ، فقال : فأما اليتيم فلا تقهر ، أي : كما آواك الله فآوه ، وكما أكرمك فأكرمه . وقالوا : قهر اليتيم أخذ ماله وظلمه . وقيل : قرئ بالكاف : " تكهر " ، فقالوا : هو بمعنى القهر إلا أنه أشد . وقيل : هو بمعنى عبوسة الوجه ، والمعنى أعم ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - : " اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ، ومن الجبن والبخل ، ومن غلبة الدين وقهر الرجال " فالقهر أعم من ذلك . وبالنظر في نصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم ، والتي زادت على العشرين موضعا ، فإنه يمكن تصنيفها إلى خمسة أبواب كلها تدور حول دفع المضار عنه ، وجلب المصالح له في ماله وفي نفسه ، فهذه أربعة ، وفي الحالة الزوجية ، وهي الخامسة . أما دفع المضار عنه في ماله ، ففي قوله تعالى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ، جاءت مرتين في سورة " الأنعام " والأخرى في سورة " الإسراء " [ 17 \ 34 ] ، وفي كل من السورتين ضمن الوصايا العشر المعروفة في سورة " الأنعام " ، بدأت بقوله تعالى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا [ 6 \ 151 ] . وذكر قتل الولد ، وقربان الفواحش ، وقتل النفس ، ثم مال اليتيم : " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن " . ويلاحظ أن النهي منصب على مجرد الاقتراب من ماله إلا بالتي هي أحسن ، وقد بين تعالى التي هي أحسن بقوله : ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف [ 4 \ 6 ] . وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرا ، فله الأقل من أحد أمرين : إما نفقته في نفسه ، وإما أجرته على عمله ، أي : إن كان العمل يستحق أجرة ألف ريال ، ونفقته يكفي لها خمسمائة أخذ نفقته فقط ، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريال ، ونفقته خمسمائة أخذ أجرته مائة فقط ; حفظا لماله . ثم بعد النهي عن اقتراب مال اليتيم ذلك ، فقد تتطلع بعض النفوس إلى فوارق [ ص: 565 ] بسيطة من باب التحيل أو نحوه ، من استبدال شيء مكان شيء ، فيكون طريقا لاستبدال طيب بخبيث ، فجاء قوله تعالى : وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا [ 4 \ 2 ] . والحوب : أعظم الذنب ، ففيه النهي عن استبدال طيب ماله بخبيث مال الولي أو غيره حسدا له على ماله ، كما نهى عن خلط ماله مع مال غيره كوسيلة لأكله مع مال الغير ، وهذا منع للتحيل ، وسد للذريعة ; حفظا لماله . ثم يأتي الوعيد الشديد في صورة مفزعة في قوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا [ 4 \ 10 ] . وقد اتفق العلماء : أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه إتلاف أو تفويت ، سواء كان بأكل حقيقة ، أو باختلاس ، أو بإحراق ، أو إغراق ، وهو المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق ، إذ لا فرق في ضياع مال اليتيم عليه ، بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال فيه ، فهو تفويت عليه وكل ذلك حفظا لماله . وأخيرا ، فإذا تم الحفاظ على ماله لم يقربه إلا بالتي هي أحسن ، ولم يبدله بغيره أقل منه ، ولم يخلطه بماله ليأكله عليه ، ولم يعتد عليه بأي إتلاف كان محفوظا له ، إلى أن يذهب يتمه ويثبت رشده ، فيأتي قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا [ 4 \ 6 ] . ثم أحاط دفع المال إليه بموجبات الحفظ بقوله في آخر الآية : فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم [ 4 \ 6 ] أي : حتى لا تكون مناكرة فيما بعد . وفي الختام ينبه الله فيهم وازع مراقبة الله بقوله : وكفى بالله حسيبا [ 4 \ 6 ] وفيه إشعار بأن أمواله تدفع إليه بعد محاسبة دقيقة فيما له وعليه . ومهما يكن من دقة الحساب ، فالله سيحاسب عنه ، وكفى بالله حسيبا ، وهذا كله في حفظ ماله . أما جلب المصالح ، فإننا نجد فيها أولا جعله مع الوالدين والأقربين في عدة [ ص: 566 ] مواطن ، منها قوله تعالى : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى [ 2 \ 215 ] . ومنها قوله إيراده في أنواع البر من الإيمان بالله وإنفاق المال : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين [ 2 \ 177 ] إلى آخر الآية . ومنها : ما هو أدخل في الموضوع حيث جعل له نصيبا في التركة في قوله : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [ 4 \ 8 ] ، بصرف النظر عن مباحث الآية من جهات أخرى ، ومرة أخرى يجعل لهم نصيبا فيما هو أعلى منزلة في قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله [ 8 \ 41 ] . وكذلك في سورة " الحشر " في قوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الآية [ 59 \ 7 ] . فجعلهم الله مع ذي القربى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد جعله الله في عموم وصف الأبرار ، وسببا للوصول إلى أعلى درجات النعيم في قوله تعالى : إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا [ 76 \ 5 ] . وذكر أفعالهم التي منها : " أنهم يوفون بالنذر " [ 76 \ 7 ] ثم بعدها أنهم : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " [ 76 \ 8 ] . وجعل هذا الإطعام اجتياز العقبة في قوله : فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة الآية [ 90 \ 11 - 15 ] . ولقد وجدنا ما هو أعظم من ذلك ، وهو أن يسوق الله الخضر وموسى - عليهما السلام - ليقيما جدارا ليتيمين على كنز لهما حتى يبلغا أشدهما ، في قوله تعالى : وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري [ 18 \ 82 ] . [ ص: 567 ] هذا هو الجانب المالي من دفع المضرة عنه في حفظ ماله ، ومن جانب جلب النفع إليه عن طريق المال . أما الجانب النفسي فكالآتي : أولا : عدم مساءته في نفسه ، فمنها قوله تعالى : أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين [ 107 \ 1 - 3 ] . ومنها قوله : كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين [ 89 \ 17 - 18 ] ، فقدم إكرامه إشارة له . ثانيا : في الإحسان إليه ، منه قوله تعالى : لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى [ 2 \ 83 ] فيحسن إليه كما يحسن لوالديه ولذي القربى . ومنها سؤال وجوابه من الله تعالى : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح [ 2 \ 220 ] ، أي : تعاملونهم كما تعاملون الإخوان ، وهذا أعلى درجات الإحسان والمعروف ; ولذا قال تعالى : والله يعلم المفسد من المصلح . وفي تقديم ذكر المفسد على المصلح : إشعار لشدة التحذير من الإفساد في معاملته ، ولأنه محل التحذير في موطن آخر جعلهم بمنزلة الأولاد في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ 4 \ 9 ] . أي : حتى في مخاطبتهم إياهم لأنهم بمنزلة أولادهم ، بل ربما كان لهم أولاد فيما بعد أيتاما من بعدهم ، فكما يخشون على أولادهم إذا صاروا أيتاما من بعدهم ، فليحسنوا معاملة الأيتام في أيديهم ، وهذه غاية درجات العناية والرعاية . تلك هي نصوص القرآن في حسن معاملة اليتيم وعدم الإساءة إليه ، مما يفصل مجمل قوله : فأما اليتيم فلا تقهر [ 93 \ 9 ] . لا بكلمة غير سديدة ، ولا بحرمانه من شيء يحتاجه ، ولا بإتلاف ماله ، ولا بالتحيل على أكله وإضاعته ، ولا بشيء بالكلية ، لا في نفسه ولا في ماله . [ ص: 568 ] والأحاديث من السنة على ذلك عديدة بالغة مبلغها في حقه ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس به وأشفقهم عليه ، حتى قال : " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين " ، يشير إلى السبابة والوسطى وفرج بينهما . رواه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي . وفي رواية أبي هريرة عند مسلم ومالك : " كافل اليتيم له أو لغيره " أي : قريب له ، أو بعيد عنه . وعند أحمد والطبراني مرفوعا : " من ضم يتيما من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه ، وجبت له الجنة " قال المنذري : رواة أحمد محتج بهم إلا علي بن زيد . وعند ابن ماجه ، عن أبي هريرة : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم ، يحسن إليه . وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه " . وجاء عند أبي داود ما هو أبعد من هذا وذلك ، حتى إن الأم لتعطل مصالحها من أجل أيتامها ، في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة " ، وأومأ بيده يزيد بن زريع - بفتح الزاي وإسكان الياء - بالوسطى والسبابة " امرأة آمت زوجها " - بألف ممدودة وميم مفتوحة وتاء - أصبحت أيما بوفاة زوجها ، ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا " . وجعله الله دواء لقساوة القلب ، كما روى أحمد ، ورجاله رجال الصحيح : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه ، فقال : " امسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين " . وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي ، حيث يخاطب الله تعالى أفضل الخلق وأرحمهم ، وأرأفهم بعباد الله ، الموصوف بقوله تعالى : بالمؤمنين رءوف رحيم [ 9 \ 128 ] وبقوله : وإنك لعلى خلق عظيم [ 68 \ 4 ] ، ليكون مثالا مثاليا في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها ، فلا يرحمون ضعيفا ، ولا يؤدون حقا إلا من قوة يدينون لمبدأ : من عز بز ، ومن غلب استلب ، يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة ، كما قال شاعرهم : قبيلة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل ويقول حكيمهم : [ ص: 569 ] ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم قوم يئدون بناتهم ، ويحرمون من الميراث نساءهم ، وتأكلون التراث أكلا لما ، وتحبون المال حبا ، فقلب مقاييسهم ، وعدل مفاهيمهم ، فألان قلوبهم ورقق طباعهم ، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه . وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنا ، تأتي فوق كل ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها ، مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه ، المنوه عنه في الآية الكريمة وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ 4 \ 9 ] ، فجعل كافل اليتيم اليوم ، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ذرية ضعافا ، وعبر هنا عن الأيتام بلازمهم ، وهو الضعف إبرازا لحاجة اليتيم إلى الإحسان ، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم ، فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم ، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم . وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلا اجتماعيا في كفالة اليتيم ، بل إن اليتيم نفسه ، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد ، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى أيتامك من بعدك ، وكما تدين تدان ، فإن كان خيرا كان الخير بالخير والبادئ أكرم ، وإن شرا كان بمثله والبادئ أظلم . ومع هذا الحق المتبادل ، فإن الإسلام يحث عليه ويعني به ، ورغب في الإحسان إليه وأجزل المثوبة عليه ، وحذر من الإساءة عليه ، وشدد العقوبة فيه . وقد يكون فيما أوردناه إطالة ، ولكنه وفاء بحق اليتيم أولا ، وتأثر بكثرة ما يلاقيه اليتيم ثانيا . تنبيه . ليس من باب الإساءة إلى اليتيم تأديبه والحزم معه ، بل ذلك من مصلحته كما قيل : قسا ليزدجروا ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم وقوله : وأما السائل فلا تنهر ، قالوا : السائل : الفقير والمحتاج ، يسأل ما يسد حاجته وهو مقابل لقوله : ووجدك عائلا فأغنى أي : فكما أغناك الله وبدون سؤال [ ص: 570 ] فإذا أتاك سائل فلا تنهره ، ولو في رد الجواب بالتي هي أحسن . ومعلوم : أن الجواب بلطف ، قد يقوم مقام العطاء في إجابة السائل ، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يجد ما يعطيه للسائل يعده وعدا حسنا لحين ميسرة ; أخذا من قوله تعالى : وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا [ 17 \ 28 ] . وقد أورد الشيخ - رحمة الله تعالى علينا وعليه - بيتين عند هذه الآية في هذا المعنى ، هما قول الشاعر : إن لم تكن ورق يوما أجود بها للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالي وإما حسن مردود فليسعد النطق إن لم يسعد المال . وقيل : السائل المستفسر عن مسائل الدين والمسترشد ، وقالوا هذا مقابل قوله : ووجدك ضالا فهدى أي : لا تنهر مستغنيا ولا مسترشدا ، كقوله تعالى : عبس وتولى أن جاءه الأعمى [ 80 \ 1 - 2 ] . وقد كان - صلى الله عليه وسلم - رحيما شفيقا على الجاهل حتى يتعلم ، كما في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد حين صاح به الصحابة ، فقال لهم : " لا تزرموه " إلى أن قال الأعرابي : اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا أبدا " وكالآخر الذي جاء يضرب صدره وينتف شعره ، ويقول : " هلكت وأهلكت ، واقعت أهلي في رمضان ، حتى كان من أمره أن أعطاه فرقا من طعامه يكفر به عن ذنبه ، فقال : أعلى أفقر منا يا رسول الله ؟ فقال : قم فأطعمه أهلك " . وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقف للمرأة في الطريق يصغي إليها حتى يضيق من معه ، وهو يصبر لها ولم ينهرها ، بل يجيبها على أسئلتها . وقد حث - صلى الله عليه وسلم - على إكرام طالب العلم ، وبين أن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وأن الحيتان في البحر لتستغفر له رضى بما يصنع . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |