|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث ((كل أُمَّتي يدخلون الجنة)) الجزء الثاني الشيخ حسن حفني الحمد لله الملك الوهَّاب، الرحيم التوَّاب، خَلَقَ الناس كلهم من تراب، وهيَّأهم لِما يكلَّفون به بما أعطاهم من الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بلا شكٍّ ولا ارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، الذي أنزل عليه الكتاب، تبصرة وذكرى لأولي الألباب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم المآب، وسلم تسليمًا كثيرًا، حتى يحكم الله بين العباد، رغم أنف الشيعة الروافض أهل الكذب والارتياب، أعداء السنة والكتاب، مبغضي الصحابة الكرام، أهل الطُّهر والانقياد لحُكْمِ السنة والكتاب؛ أما بعد: فنستكمل شرح حديث أبي هريرة: ((كل أُمَّتي يدخلون الجنة، إلا من أبى ...))؛ [الحديث]. فهل تعرف راويَ الحديث؟ هو باختصار: أبو هريرة الدَّوسي اليماني، حافظ الصحابة، اختُلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. من الطبقة الأولى، صحابي، كان حافظًا مُتثبِّتًا ذكيًّا مُفتيًا، صاحب صيام وقيام (ت: 57 ه، وقيل: 58 أو 59 هـ). بطاقة تعريف: الاسم عبدالرحمن بن صخر. الشهرة أبو هريرة. الطبقة الأولى. الرتبة صحابي. النسب الدوسي، اليماني. اللقب والكنية أبو هريرة. بلد الإقامة اليمن. سنة الوفاة قيل: 57، قيل: 58، وقيل: 59 للهجرة. عمره مات وهو ابن ثمانٍ وسبعين سنة (78سنة). وصفه كان آدمَ (أسمر) اللون، بعيد ما بين الْمَنْكِبين، ذا ضفيرتين، أفرق الثَّنِيَّتَين. اسم أمِّه ميمونة بنت صبيح؛ قاله الذهبي، وقال ابن حجر: ميمونة بنت صخر. عدد أحاديثه روى 5374 حديثًا. تعالَوا بنا نتعرف عليه بالتفصيل. أبو هريرة هو: الإمام الفقيه المجتهد الحافظ، الدوسي اليماني، سيِّد الحُفَّاظ الأثبات، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو الصحابي الجليل، حافظ الصحابة، رغم أنف الشيعة الروافض، ألَا لعنة الله على الظالمين. اختلف العلماء في اسمه، واسم أبيه على أقوال كثيرة؛ منها: عبدالرحمن بن صخر، وقيل: ابن غنم، وقيل غير ذلك. ويُقال: كان اسمه في الجاهلية: عبدشمس، أبو الأسود، فسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبدالله، وكنَّاه أبا هريرة، وهذا لا يثبت بإسناد صحيح[1]. والراجح من أقوال العلماء وهو قول أكثر أهل العلم، أن اسمه: عبدالرحمن بن صخر. قال ابن عبدالبر: "والذي تسكن إليه النفس من الأقوال أنه: عبدالرحمن بن صخر". والمشهور عنه أنه كُنِّيَ بأولاد هِرَّة (قطة) برية، قال: وجدتها، فأخذتها في كُمِّي، فكُنيت بذلك. عن عبدالله بن رافع، قال: قلت لأبي هريرة، لِمَ كُنِّيت أبا هريرة؟ قال: "أمَا تَفْرَق مني؟ قلت: بلى والله إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنم أهلي، فكانت لي هُرَيْرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجرة، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعِبت بها، فكنَّوني أبا هريرة"[2]. بل ذكر بعض أهل العلم أنه كان يحب أبا هرٍّ أكثر من أبي هريرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناداه ولاطفه بذلك. نزل أبو هريرة المدينة، وكان قدومه وإسلامه عام خيبر، وكانت خيبر في المحرم سنة سبع للهجرة (7 هـ). كان أبو هريرة من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع؛ كما قال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ. وقسم ابن القيم - كما في أعلام الموقِّعين - الصحابة في الفتوى بين مُكْثِرٍ ومُقِلٍّ ومتوسط؛ فجعل أبا هريرة من المتوسطين. بل صرَّح ابن الهمام في (تحرير الأصول)، وابن حجر في (الإصابة) أنه كان يُفتي في زمان النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في ترجمته قائلًا: "احتجَّ المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه، لحفظه وجلالته، وإتقانه، وفقهه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدَّب معه، ويقول: أفْتِ يا أبا هريرة. وقال أيضًا: وأين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه؟ وقال ابن عمر لأبي هريرة: كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه"[3]. وقال: وقد كان أبو هريرة وثيقَ الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث. وقال الشافعى: أحفظ من روى الحديث في دهره. قال أبو العلا محمد عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري (المتوفَّى: 1353هـ)، في (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 1/ 31): "قلت: كان أبو هريرة رضي الله عنه من فقهاء الصحابة ومن كبار أئمة الفتوى، قال الحافظ الذهبي في (تذكرة الحفَّاظ): أبو هريرة الدوسي اليماني، الحافظ الفقيه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان من أوعية العلم، ومن كبار أئمة الفتوى، مع الجلالة والعبادة والتواضع؛ انتهى". وقال الحافظ ابن القيم في (إعلام الموقعين)[4]: "ثم قام بالفتوى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرْك[5] الإسلام، وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن، وجند الرحمن، أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم، أبرُّ[6] الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلُّها تكلُّفًا، وأحسنها بيانًا، وأصدقها إيمانًا، وأعمُّها نصيحةً، وأقربها إلى الله وسيلة، وكانوا بين مُكْثِرٍ منها ومُقِلٍّ ومتوسط، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر، والمتوسطون منهم فيما رُوِيَ عنهم من الفُتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة ...". فلا شكَّ أن أبا هريرة رضي الله عنه كان فقيهًا من فقهاء الصحابة، ومن كبار أئمة الفتوى. فإن قيل: قد قال إبراهيم النخعي أيضًا: إن أبا هريرة لم يكن فقيهًا، والنخعي من فقهاء التابعين. قلت (المباركفورى): قد نُقِم على إبراهيم النخعي؛ لقوله: إن أبا هريرة لم يكن فقيهًا، قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمته: وكان لا يحكم العربية، ربما لحن، ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا؛ [انتهى]. قال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي، في بحث حديث المصراة المروي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما: "قال بعضهم: هذا الحديث لا يُقبَل؛ لأنه يرويه أبو هريرة وابن عمر ولم يكونا فقيهَين، وإنما كانا صالحين، فروايتهما إنما تُقبل في المواعظ لا في الأحكام، وهذه - أي هذا الكلام السابق - جرأة على الله، واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته وفقد نصرته، ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر، ومن أحفظ منهما، خصوصًا من أبي هريرة، وقد بسط رداءه وجمعه النبي صلى الله عليه وسلم وضمَّه إلى صدره، فما نَسِيَ شيئًا أبدًا، ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن على الصحابة رضي الله عنهم، ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس علي بن محمد الدامغاني قاضي القضاة، فأخبرني به بعض أصحابنا، وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يومًا، وذكر هذا الطعن في أبي هريرة، فسقط من السقف حية عظيمة في وسط المسجد، فأخذت في سمت المتكلم بالطعن، ونفر الناس، وارتفعوا، وأخذت الحية تحت السواري، فلم يدر أين ذهبت، فارعوى من بعد ذلك من الترسُّل في هذا القدح"؛ [انتهى الكلام من تحفة الأحوذي]. أيها الإخوة: ذكرت هذا ردًّا وزجرًا لمن تجرَّؤوا على أبي هريرة في بعض الصحف والمجلات، والكتب والمقالات، والإذاعات، هجومًا عليه، وانتقاصًا له، فحقُّ الصحابة علينا عظيم جدًّا، فهم أفضل البشرية بعد الأنبياء والمرسلين، والذي ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله، فاعلم أنه زنديق كما قال أهل العلم؛ لأنه ما أراد إلا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي ربَّاهم ومات وهو راضٍ عنهم، مثنيًا عليهم، مادحًا لهم، ذاكرًا لنا مناقبهم ومآثرهم، وهذا فيه طعن على الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل هو الذي اختارهم لصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل. يقول الشيخ عبدالكريم الخضير في (شرح بلوغ المرام): "بالنسبة لأبي هريرة ما لا نظير له عند غيره من الصحابة لأنه حافظ الأمة، ولذا أعداء الإسلام إذا أرادوا أن ينتقدوا الدين بأسلوب غير مباشر، أو أرادوا أن يهدموا الدين بأسلوب غير مباشر، طعنوا في أبي هريرة؛ لأنه يحمل نصف الدين، والعدو يعرف كيف يطعن؛ لأنه إذا طعن في الدين مباشرة لا تنطلي شبهته على السُّذَّج وأهل الغفلة، لكن إذا غلف هذا الطعن مشى على بعض الناس، تلاحظون وعنه وعنه كم حديث مر علينا وعنه؟ لا يوجد لغيره من الصحابة مثل هذه المزِيَّة، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام وبسط رداءه وما نَسِيَ، فهو أحفظ الصحابة على الإطلاق. أيها الأحباب الكرام، للحديث بقية إن شاء الله تعالى، هذا والله وأعلى وأعلم. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا وحبيبنا، وخليلنا وإمامنا، وقائدنا وقدوتنا، وقرة عيوننا؛ سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وأزواجه، وسلم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين. [1] أخرجه الحاكم في المستدرك (6141): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبدالجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني بعض أصحابي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "كان اسمي في الجاهلية عبدشمس بن صخر، فسُمِّيت في الإسلام عبدالرحمن، وإنما كنَّوني بأبي هريرة؛ لأني كنت أرعى غنمًا لأهلي، فوجدت أولاد هِرَّةٍ وحشية فجعلتُها في كُمِّي، فلما رجعت عنهم سمعوا أصوات الهرِّ من حِجري، فقالوا: ما هذا يا عبدشمس؟ فقلت: أولاد هرٍّ وجدتها، قالوا: فأنت أبو هريرة فلزمتني بعدُ"؛ قال ابن إسحاق: "وكان أبو هريرة وسيطًا في دَوس حيث يحب أن يكون منهم". و(6146): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبدالجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أصحابي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "كان اسمي في الجاهلية عبدشمس بن صخر، فسمَّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن"، والإسناد لا يصح. [2] أخرجه الترمذي في سننه (3840)، وحسنه الألباني. [3] أخرجه الترمذي في سننه (3836): عن ابن عمر، أنه قال: لأبي هريرة: "يا أبا هريرة، أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه"، وقال: هذا حديث حسن، وصححه الألباني. [4] انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، قدَّم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1423 هـ. [5] "البَرْك" بفتح الباء وسكون الراء، أصله: صدر الإنسان، وجماعة الإبل، ويجوز أن يكون مأخذ هذا اللفظ من كل واحد من هذين المعنيين؛ فإن البُلغاء يطلقون على المقدَّم من القوم لفظ الصدر، فهم يقولون: فلان صدر الأفاضل، وقد يشتقون منه فيقولون: تصدَّر فلان قومه، كما يشبِّهون الرجل الجَلْدَ القويَّ بالجمل. "البرك": صدر كل شيء، والمراد أنهم المقدَّمون من المؤمنين، يقصد بهم الصحابة رضي الله عنهم. [6] "ألين".
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
سلسلة تذكير الأمة بشرح حديث "كُلُّ أُمَّتي يدخلون الجنة" - الجزء الثالث الشيخ حسن حفني الحمد لله الملك الوهَّاب، الرحيم التوَّاب، خلق الناس كلهم من تراب، وهيأهم لما يكلفون به بما أعطاهم من الألباب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له بلا شك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. الذي أنزل عليه الكتاب، تبصرة وذكرى لأُولي الألباب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم المآب، وسلم تسليمًا كثيرًا حتى يحكم الله بين العباد، رغم أنف الشيعة الروافض أهل الكذب والارتياب، أعداء السنة والكتاب، مبغضي الصحابة الكرام أهل الطهر والانقياد لحكم السنة والكتاب، وبعد: نستكمل شرح حديث أبي هريرة: «كل أُمَّتي يدخلون الجنة، إلا من أبَى ...»؛ الحديث. نستكمل الكلام عن راوي الحديث.. قلنا باختصار: هو أبو هريرة الدوسي اليماني (حافظ الصحابة، اختُلِف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا). من الطبقة الأولى، صحابي كان حافظًا مُتثبِّتًا ذكيًّا مُفْتيًا، صاحب صيام وقيام (ت 57 هـ، وقيل: 58 أو 59 هـ). وفي هذه الوقفة نتكلم عن بعض فضائل ومناقب هذا الصحابي المبارك. من فضائله ومناقبه: أ) الحديث الذي في الصحيحين، قال أبو هريرة: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله الموعد، إني كنت امْرأً مسكينًا ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فشهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقال: «من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني». فبسطت بردةً كانت عليَّ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا سمعته منه[1]**. الصفق: التبايُع. بردةً: كساء مُخطَّط يُلتحَف به. قال الإمام الذهبي رحمه الله: وكان حفظ أبي هريرة الخارق من معجزات النبوَّة. وقال الإمام النووي – رحمه الله - في شرح هذا الحديث: وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بسط ثوب أبي هريرة رضي الله عنه. وقال الإمام بدر الدين العيني - رحمه الله - في عمدة القاري: وفي الحديث الحرص على التعلُّم، وإيثار طلبه على طلب المال، وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة وأنه، صلى الله عليه وسلم، خصَّه ببسط ردائه وضمه، فما نسي من مقالته شيئًا. ب) ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد ظننت يا أبا هريرة ألَّا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه أو نفسه»[2]. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وفيه فضل أبي هريرة – رضي الله عنه - وفضل الحرص على تحصيل العلم. ج) ما رواه مسلم في صحيحه في قصة إسلام أم أبي هريرة، قال أبو هريرة: «كنت أدعو أُمِّي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أُمِّي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادْعُ الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اهْدِ أم أبي هريرة»، فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجافٍ، فسمعت أمي خشف قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة. وسمعت خضخضة الماء ـ قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ـ قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح ـ قال: قلت: يا رسول الله، أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا ـ قال: قلت: يا رسول الله، ادع الله أن يحببني أنا وأُمِّي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا ـ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم حبِّب عبيدك هذا - يعني أبا هريرة وأمه - إلى عبادك المؤمنين، وحبِّب إليهم المؤمنين»، فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبَّني[3]. مجافٍ: مغلق. خشف: حركة المشي وصوته. خضخض الشيء: حرَّكه ورجرجه. قال الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين في فتح المنعم شرح صحيح مسلم: هذا في اعتقاد أبي هريرة وعلمه، وما يحسه من الناس، وليس بلازم، فحب جميع المؤمنين غاية لا تُدرَك. قال الإمام النووي – رحمه الله - في شرح هذا الحديث: وفيه استجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفور بعين المسئول وهو من أعلام نبوَّته صلى الله عليه وسلم، واستحباب حمد الله عند حصول النعم. قول أبي هريرة (فقلت يا رسول الله ادْع الله) لنا (أن يحببني) الله تعالى (أنا وأمي إلى عباده الله تعالى)؛ لأن ذلك فرع محبة الله سبحانه إياه؛ لحديث «إن الله إذا أحبَّ عبدًا نادى جبريل في السماء...» إلخ؛ الحديث. وقول أبي هريرة: (فما خلق مؤمن) ولا مؤمنة (يسمع بي)؛ أي: بخبري إلا أحبَّني، (ولا يراني) مؤمن ولا مؤمنة (إلا أحبني) ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. قال الأُبِّي: علمه بذلك ممن رآه دليله المشاهدة، وأما من لم يره أو خلق بعده فمستنده في ذلك علمه بقبول دعوته صلى الله عليه وسلم.(الكوكب الوهَّاج والروض البهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج). وأنا أقول: فوالله لحبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحببنا جميع أصحابه، ولبغض المنافقين والمجرمين والزنادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبغضوا أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. وأيضًا ينبغي عليك أن تُدقِّق في الألفاظ، فهو يقول: «فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحَبَّني»؛ لأن هذا من لوازم الإيمان ومقتضاه، وهذا يعني أنه لن يحب أبا هريرة، إلا من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل لن تستطيع حبه إلا إذا توفر فيك الإيمان، فإن لم يتوفر فلن تستطيع حبه، ومن هنا نعرف لماذا أبغض هؤلاء المنحرفون والزنادقة أبا هريرة، فلا تغتر بالمسميات الظاهرة، والانتساب ظاهرًا لهذا الدين، حتى لا يقول أحد وهو متحير: لماذا فلان الذي ينتسب إلى الإسلام في الظاهر يكره أبا هريرة وينتقصه ويقع فيه ويطعن، فهذا الحديث كشف عن حل هذا اللغز والجرح الغائر والخبث الذي تنطوي عليه بعض النفوس الخبيثة. فأقول: ألم تقرأ جيدًا أنه قال: «فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحَبَّني»، فهذا يوضِّح هذا اللغز للكثير من الناس. أيها الإخوة، ذكرت هذا ردًّا وزجرًا لمن تجرأوا على أبي هريرة في بعض الصحف والمجلات والكتب والمقالات والإذاعات هجومًا عليه وانتقاصًا له، فحق الصحابة علينا عظيم جدًّا، فهم أفضل البشرية، بعد الأنبياء والمرسلين، والذي ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق، كما قال أهل العلم؛ لأنه ما أراد إلا الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي ربَّاهم ومات وهو راضٍ عنهم، مثنيًا عليهم، مادحًا لهم، ذاكرًا لنا مناقبهم ومآثرهم، وهذا فيه طعن على الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل هو الذي اختارهم لصحبة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، وحسبنا الله ونعم الوكيل. يقول الشيخ عبدالكريم الخضير في شرح بلوغ المرام: بالنسبة لأبي هريرة ما لا نظير له عند غيره من الصحابة؛ لأنه حافظ الأمة؛ ولذا أعداء الإسلام إذا أرادوا أن ينتقدوا الدين بأسلوب غير مباشر، أو أرادوا أن يهدموا الدين بأسلوب غير مباشر طعنوا في أبي هريرة؛ لأنه يحمل نصف الدين، والعدو يعرف كيف يطعن؛ لأنه إذا طعن في الدين مباشرة لا تنطلي شبهته على السُّذَّج وأهل الغفلة، لكن إذا غلف هذا الطعن مشى على بعض الناس، تلاحظون وعنه وعنه كم حديث مر علينا وعنه؟ لا يوجد لغيره من الصحابة مثل هذه المزية، وقد دعا له النبي -عليه الصلاة والسلام- وبسط رداءه وما نسي، فهو أحفظ الصحابة على الإطلاق. عدد الأحاديث التي رواها: روى من الأحاديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثًا (5374حديثًا)، فهو أكثر الصحابة حديثًا، فليس لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين هذا القدر ولا ما يقارنه ويقاربه. المتفق عليه في البخاري ومسلم منها: ثلاثمائة وستة وعشرون حديثًا (326حديثًا)، وانفرد البخاري، بثلاثة وتسعين حديثًا (93حديثًا)، ومسلم بثمانية وتسعين حديثًا (98حديثًا)، وروى له الجماعة. عدد الرواة عنه: قال البخاري: روى عنه قريبًا من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وغيرهم. ورعه وزهده وعبادته: يقول أبوعثمان النهدي، وهو أحد الرواة عن أبي هريرة، فهو تلميذ له، أنه تضيف أبا هريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقتسمون الليل في الصلاة أثلاثًا، كل واحد منهم يقيم ثلث الليل، يصلي هذا، ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا. قلت يا أباهريرة كيف تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثًا، وكان أبو هريرة يصوم الاثنين والخميس، وكان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يقول أسبح بقدر ذنبي. أصح الأسانيد عنه وإليه: ما جاء عن الزُّهْري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وماجاء عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وماجاء عن ابن عون، وأيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وفاته: مات في المدينة سنة تسع وخمسين (59هـ) وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع، وقيل: مات بالعقيق وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وكان يومئذٍ أميرًا على المدينة كما قال ابن عبدالبر. فرضي الله عنه وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، وجمعنا بهم في دار كرامته آمين[4]. قصيدة في وجوب اتِّباع الصحابة رضي الله عنهم وذم مخالفهم: هذه القصيدة [كتبتها يوم الخميس قبل الظهر، بتاريخ 28 شوال 1431هـ - 7 أكتوبر 2010م]. ابدأ بذكر الله أولًا ![]() وأثني بالصلاة على خير الأُوَلى ![]() سيِّد الخلق النبي المجتبى ![]() فهو النبي الأصيل الذي حمل الهدى ![]() ![]() ثم النبي بسُنَّة محفوظة ![]() في ردِّه نحو سؤال يسأل ![]() في قوله إخباره ستفترق أُمَّتي ![]() على ثلاث وسبعين مِلَّة ![]() ![]() هذا طريقي اليوم وصحبتي ![]() فهل يذم المرء بحذوه ![]() فهل هناك طريق يؤمن ![]() غير طريق النبي وصحبه ![]() فمن يعيب ذا الطريق الواضح ![]() فهو المعيب رغم أنف الجاهل ![]() يا مسلمون فمن يعيب الحق الذي ![]() جاء به قوم أشدَّاء صحبوا النبي ![]() يا مسلمون فأي عقل يغتني ![]() عن هذا الصحب الكريم المحسن ![]() هذي عقول مفضوحة محجوبة ![]() عن كل خير مستقيم موصل ![]() فهل يستوي طريق من صحبوا النبي ![]() مع من يسير بظلمة لا تنتهي ![]() أيها الأحباب، فمن عاب من سلك طريق الصحابة فهو معيب مرذول، مقبوح مفضوح، مردود ناشذ شاذ، صاحب فطرة منكوسة مضيعة. أيها الأحباب الكرام، للحديث بقية إن شاء الله تعالى، هذا والله أعلى وأعلم. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا وحبيبنا وخليلنا وإمامنا وقائدنا وقدوتنا وقرة عيوننا سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلم تسليمًا مباركًا إلى يوم الدين. [1] البخاري (7354)، مسلم (2492)، وغيرهما، وهذا لفظ البخاري. [2] البخاري (99)، (6570) وغيره. [3] مسلم (2491)، وغيره. [4] هذه ترجمة مختصرة لهذا الصحابي الجليل، وإن شاء الله سنفرد لكل صحابي ترجمة خاصة في رسالة صغيرة الحجم لتكون في متناول يد الجميع للتعريف بهذا الجيل الفريد المبارك رضي الله عنهم أجمعين، ومن أراد التوسُّع فلينظر: (أسد الغاية لابن الأثير (3334)، والسير للذهبي ترجمة رقم (222)، والتقريب لابن حجر (10159)، والإصابة لابن حجر (5144)، تهذيب الكمال (7681)، وتاريخ دمشق (8895)، وتذكرة الحُفَّاظ (16)، الاستيعاب لابن عبدالبر ص569، البداية والنهاية لابن كثير جـ8 ص103، التهذيب لابن حجر (8773) ومن له رواية في الكتب الستة (6881)، وغيرها.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |