«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5299 - عددالزوار : 2698265 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4901 - عددالزوار : 2046925 )           »          10 خطوات لالتقاط صور مميزة في العيد باستخدام الهاتف الذكي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 55 )           »          من هو العقل المدبر الخفى وراء ثورة الهواتف الذكية؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          توقعات بتباطؤ زخم الذكاء الاصطناعى التوليدى بسبب التكاليف التشغيلية الباهظة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          10 أفكار ذكية لاستغلال الأيفون القديم بدل تركه فى الدرج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          كيف تفعل ميزة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعى على تيك توك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          كيف يرى الذكاء الاصطناعى العالم؟.. تعرف على تقنية الرؤية الحاسوبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          تحديث iOS 27 يقدم أداء أسرع ونظام أكثر استقرارًا للمستخدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          خطوات حماية أطفالك أثناء استخدام iPhone.. دليل شامل للرقابة الأبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-08-2023, 04:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,760
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 258، 260].

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾.

في هذه الآية إثبات ربوبية الله تعالى وألوهيته ووحدانيته وإبطال ألوهية غيره.

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ الهمزة: للاستفهام، والاستفهام إذا دخل على النفي صار معناه التقرير، أو التقرير والتعجب كما في هذه الآية، والمعنى: ألم تر بقلبك، أي: ألم تعلم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو له ولكل من يصلح له الخطاب.

﴿ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ ﴾ ضمير الهاء في «ربه» يعود إلى إبراهيم، وقيل: يعود إلى «الذي حاج إبراهيم» قيل: هو ملك بابل النمروذ، وقيل غير ذلك.

والمحاجة: المخاصمة والمجادلة بين اثنين أو طائفتين بحيث يورد كل منهما ما لديه من حجج وبراهين وأدلة على ما يقول.

أي: ألم تر يا محمد إلى الذي خاصم وجادل إبراهيم، ﴿ في ربه ﴾ أي: في وجود ربه وألوهيته، فإبراهيم عليه السلام يؤمن بالله، أي يؤمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، ويدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا المحاج لإبراهيم ينكر وجود الله تعالى وربوبيته وألوهيته.

﴿ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ «أن أتاه الله»: مفعول لأجله، أي: لأن آتاه، أي: بسبب أن أعطاه الله الملك التام الذي لا ينازعه فيه أحد.

فبدل أن يشكر الله تعالى على ذلك كفر وطغى وتكبر وعلا وتجبر وأنكر وجود الرب المعبود جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴾ [العلق: 6، 7].

وقد قيل:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
ويبتلي الله بعض القوم بالنعم[1]




﴿ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ هذا وما بعده بيان للمحاجة.

﴿ إذ ﴾: ظرف بمعنى «حين»، أي: حين ﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾، ويظهر من السياق- والله أعلم- أن هذا المحاج سأل إبراهيم: من ربك الذي تدين له وتدعونا إليه؟ فقال: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾.

كما قال فرعون لموسى عليه السلام: ﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 23]، فأجاب موسى بقوله: ﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ﴾ [الشعراء: 24].

ومعنى: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: الذي يحيى من يشاء بعد موته وعدمه، ويميت من يشاء بعد إحيائه، أي: المتفرد بالخلق والتدبير والموت والحياة، الفاعل المختار.

قال تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9]، وقال تعالى: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾ [النجم: 44]، وقال تعالى: ﴿ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴾ [عبس: 19 - 22].

﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ هذا بيان لقوله: (حاج)؛ أي: قال هذا المعاند: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾؛ أي: إن كان ربك يا إبراهيم يحيى ويميت فأنا أحيي وأميت.

فادعى الربوبية والألوهية، كما قال فرعون: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38].

قيل: إن هذا المحاج أتى برجلين فقتل أحدهما، وقال: أنا أمَتُّ هذا، وأبقى الآخر، وقال: أنا أحييت هذا تمويهًا منه ومغالطة، والحقيقة أنه ما أحيا ولا أمات، فاستبقاؤه لأحدهما ليس إحياءً له، وقتله للآخر إنما هو فعل ما يكون به الموت.

وقيل: إنه قال هذا مكابرة منه، فإنه يعلم أنه لا يحيى ولا يميت ولو اجتمع معه جميع الخلق.

كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ [الحج: 73].

﴿ قَالَ ﴾؛ أي: قال إبراهيم عليه السلام متحديًا هذا المعاند بما لا يقبل التمويه والتزوير والمغالطة: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾.

الفاء في قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ ﴾ جواب شرط مقدر، أي: قال إبراهيم: فإن زعمت أو موهت بأنك تحيي وتميت ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾.

قال ابن القيم[2]: «فهو جعل نفسه ندًّا لله يحيى ويميت- بزعمه- كما يحيى الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا».

وقال أيضًا: «فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيى ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد، ويستبقي من يريد، فقد أحيا هذا وأمات هذا؛ فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقًا فليتصرف في الشمس تصرفًا تصح به دعواه، وليس هذا انتقالًا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كان صحيحة».

﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ أظهر في مقام الإضمار فلم يقل: «فبهت»، أو «فبهت هذا المحاج»، بل قال: ﴿ الَّذِي كَفَرَ ﴾ للدلالة على أن كل من أنكر وجحد وجود الرب فهو كافر، أي: فتحير واندهش الذي كفر، فلم يجد جوابًا، وانقطع وبطلت حجته، فغلبه إبراهيم عليه السلام، وأفحمه وأسكته.

﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾؛ أي: والله لا يوفق القوم الظالمين، بسبب ظلمهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]، وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [الصف: 5].

قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

قرر عز وجل في الآية السابقة تفرده بالربوبية والألوهية، ثم أتبع ذلك بتقرير إثبات تمام قدرته على البعث في هذه الآية والتي بعدها، والذي لا ينكره إلا مشرك.

قوله: ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ ﴾ «أو»: عاطفة تفيد التنويع أو التخيير في التشبيه، والعطف على «الذي» في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾، و«الكاف» للتشبيه، فهي اسم معنى «مثل»، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى مثل الذي مر على قرية.

ويحتمل كون «الكاف» زائدة من حيث الإعراب مؤكدة من حيث المعنى، والتقدير: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم، أو إلى الذي مر على قرية.

ويجوز أن تكون «الكاف» في محل نصب لفعل محذوف تقديره: أرأيت مثل الذي مر على قرية.

والقرية اسم للبلد الذي يجمع أناسًا كثيرين، مأخوذ من «القري» وهو الجمع، ومنه سمي «القرو» مجمع الماء.

وقد سمى الله عز وجل بذلك مكة، وهي أم القرى وأكثرها ساكنًا وقت نزول القرآن، فقال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴾ [محمد: 13].

وقد اختلف في تعيين هذا المار، فقيل: هو عزير، وقيل غير ذلك، كما اختلف في تعيين القرية، فقيل: هي بيت المقدس بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء من هذه الأقوال ولا فائدة من ذكرها؛ لأن المقصود من القصة وأخذ العبرة منها لا يتوقف على ذلك.

﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الواو: حالية، أي: حال كونها خاوية على عروشها، ومعنى ﴿ خَاوِيَةٌ ﴾ أي: خالية من السكان، ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش: جمع عرش، وهو السقف، أي: ساقطة سقفها وجدرانها على عرصاتها.

﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ «أنى»: في محل نصب على الحال، وهي اسم استفهام للاستبعاد، أي: كيف يحيى الله هذه الأرض بعد موتها؟

فاستبعد حسب تصوره ونظره القاصر أن يحيى الله هذه القرية، وأكّد هذا الاستبعاد بتقديم المفعول «هذه» على الفاعل عز وجل «الله».

وقيل: ﴿ أَنَّى﴾: ظرف بمعنى «متى» للاستعجال والتمني، أي: متى يحيى هذه الله بعد موتها؟ أي: متى يعيد الله هذه إلى ما كانت عليه قبل موتها؟

﴿ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ أي: بعد أن ماتت وخوت وخربت.

﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ الفاء: استئنافية، و«أماته» أي: قبض روحه مائة عام، أي: مائة سنة.

﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ أي: ثم أحياه، ولم يقل: «ثم أحياه» ليقابل «أماته»، لما في التعبير بقوله: ﴿ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ من الدلالة على سرعة واكتمال حياته وانبعاثه، كما ينبعث البعير بفك عقاله.

﴿ قَالَ ﴾ أي: قال الله له بعد أن بعثه: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ ﴾، «كم» اسم استفهام، وهذا استفهام يراد به الاختبار، لا الاستعلام؛ لأنه تعالى يعلم كم لبث، ولا يخفى عليه شيء، والمعنى: كم مدة، أو كم وقتًا لبثت؟

﴿ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا ﴾ أي: يومًا واحدًا ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ «أو» بمعنى «بل» للإضراب الإبطالي، أي: بل بعض يوم.

وإنما قال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾؛ لأن الله تعالى أماته في أول النهار وأحياه في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾.

وقيل: إن «أو» للشك.

(قال) الله له: ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾: «بل» للإضراب الإبطال، أي: لم تلبث يومًا أو بعض يوم، ﴿ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ﴾.

﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ قرأ حمزة والكسائي: «يتسنَّ» بحذف الهاء من ﴿ يَتَسَنَّهْ ﴾ في حال الوصل، وقرأ الباقون بإثباتها وصلًا ووقفًا.

﴿ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ ﴾ أي: فانظر بعينك وبصرك إلى طعامك الذي تأكل منه، وشرابك الذي تشرب منه.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل، والشراب: اسم لكل ما يشرب، ولا دليل على ما قيل في تحديد نوع طعامه وشرابه.

﴿ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ أي: لم يتغير بمرور السنين الكثيرة عليه.

﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾، أي: وانظر بعينك وبصرك إلى حمارك، فنظر إلى حماره تلوح عظامه ليس عليها لحم ولا عصب ولا جلد.

فطعامه وشرابه لم يتغير مع مكثه مائة عام، وهذا أمر خارق للعادة خارج عن السنن الكونية المعتادة، وحماره قد صار عظامًا تلوح لا لحم عليها لمرور مائة عام عليه بعد موته، وفقًا للسنن الكونية، فسبحان من جمع بين الأضداد والمتناقضات! وقد أحسن القائل:
من ظاهر النعم الكبرى وباطنها
هذا السحاب به ماء به نار
لا ينكر الله إلا جاهلٌ نزق
غر بليد سفيه الرأي ختار[3]


﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ الواو: عاطفة.

والمعطوف عليه محذوف دل عليه السياق، والتقدير: لتعلم قدرة الله ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾، واللام في ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ﴾: للتعليل، أي: ولأجل أن نجعلك ﴿ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾.

و«جعل» هنا بمعنى «صير» تنصب مفعولين؛ الأول: «كاف المخاطب»، والثاني قوله: «آية للناس»، والجعل هنا كوني، أي: ولنجعلك علامة كونية للناس على قدرتنا التامة على بعث الموتى.

﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ﴾، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: «ننشرها» بالراء، أي: نحييها بعد ما يبست ونخرت وصارت رميمًا، وقرأ الباقون: ﴿ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي، أي: نركب بعضها على بعض، ونربط بعضها ببعض بالعصب.

﴿ ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ﴾ أي: ثم نسترها باللحم تقوية ووقاية لها.

﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ﴾ أي: فلما اتضح وظهر له قدرة الله تعالى التامة على إحياء الموتى، وعلى كل شيء، بعد أن عرَّفَهُ الله بما جرى له، ونظر إلى طعامه وشرابه لم يتغير مع طول المكث، ونظر إلى حماره وقد صار عظامًا، ثم أحياه الله تعالى، فاجتمع عنده آيتان: إبقاء ما يتغير وهو طعامه وشرابه، وإحياء ما كان ميتًا وهو حماره، ولهذا قال:
﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قرأ حمزة والكسائي بهمزة الوصل على أنه فعل أمر «اعلمْ» فالجملة إنشائية طلبية، أي: قال الله له: «اعلمْ أن الله على كل شيء قدير»، أي: اعلم أيها المخاطب علمًا جازمًا ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

وقرأ الباقون بفتح الهمزة على أنه فعل مضارع: ﴿ أَعْلَمُ ﴾، فالجملة خبرية، أي: قال هذا الرجل الذي أماته الله مائة عام: ﴿ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، أي: أعلم علمًا جازمًا ﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

ويستفاد من القراءتين أنه أُمر أن يعلم، فَعِلم وأقر بالعلم.

﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قدّم المتعلِّق؛ لتأكيد شمول قدرته عز وجل لكل شيء، و﴿ قَدِيرٌ ﴾ على وزن «فعيل» صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة يدل على أنه عز وجل ذو القدرة التامة على كل شيء، يفعل ما يريد.

كما قال تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107]، ولا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته، كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

ولهذا قال تعالى مثنيًا على نفسه: ﴿ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴾ [المرسلات: 23].

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

قرر الله عز وجل في الآية السابقة قدرته تعالى التامة على إحياء الموتى، ثم ذكر في هذه الآية كيفية إحيائه للموتى؛ تأكيدًا لكمال قدرته على ذلك.

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ ﴾ الواو: عاطفة، و«إذا»: ظرف بمعنى «حين» متعلق بمحذوف تقديره: اذكر.

﴿ رَبِّ أَرِنِي ﴾، قرأ ابن كثير ويعقوب بإسكان الراء: «أرْني»، وقرأ الباقون بكسرها: ﴿ أَرِنِي ﴾ أي: يا رب أرني، وحذف حرف النداء؛ لأنه معلوم، وللبداءة باسم «الرب» سبحانه والتبرك والتيمن به.

والرؤية هنا بصرية تنصب مفعولًا واحدًا، لكن لما دخلت عليه همزة التعدية نصب مفعولين؛ الأول: «الياء»، والثاني: جملة: ﴿ كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ﴾.

«كيف»: اسم استفهام، وهذا استفهام من إبراهيم معناه: الاستعلام من ربه عن كيفية إحيائه عز وجل الموتى، أي: اجعلني أنظر وأشاهد بعيني كيف تحيى الموتى، وليس سؤالًا عن إمكانية الإحياء ولا عن معناه؛ لأن إبراهيم عليه السلام لم يشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كما أن معنى الإحياء معلوم عنده، وإنما أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين؛ لأن الخبر ليس كالعيان، بل العيان أقوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة»[4].

﴿ قال ﴾ أي: قال الله عز وجل لإبراهيم: ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾، الهمزة: للاستفهام، والواو: عاطفة، وقدمت الهمزة؛ لأن لها الصدارة، ومحلها في الأصل بعد الواو، والتقدير: «وألم تؤمن»، وقيل: هي داخلة على مقدر عطف عليها قوله: «ولم تؤمن»، والأول أولى وأقرب.

والاستفهام إذا دخل على النفي كان معناه التقرير والإثبات، فمعنى ﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ أي: ألست قد آمنت، ففي الآية تقرير إيمان إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وإزالة الشبهة عنه.

﴿ قَالَ بَلَى ﴾ أي: قال إبراهيم: بلى، أي: قد آمنت، و«بلى»: حرف يجاب بها النفي المقرون بالاستفهام لإثباته، كما يجاب عن الاستفهام المجرد عن النفي بـ«نعم».

فمثلًا: قدم عليك ضيف فقيل لك: ألم يقدم الضيف؟ فتجيب بقولك: «بلى»، وإن قيل لك: هل قدم الضيف؟ فتجيب بقولك: «نعم».

﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾، اللام: للتعليل، أي: ولكن لأجل أن يطمئن قلبي، والطمأنينة هي السكون والاستقرار، وفي الحديث: «.. ثم اركع حتى تطمئن راكعًا.. ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا»[5]. أي: حتى تستقر وتسكن.

والمعنى: ولكن لأجل أن يزداد قلبي طمأنينة، فأترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك لأن اليقين ثلاث درجات:
الأولى: علم اليقين، وهو العلم اليقيني القطعي المتواتر، وأعلى ذلك ما دل عليه القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، قال تعالى: ﴿ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴾ [التكاثر: 5، 6].

والثانية: عين اليقين، وهو أن الإنسان يرى الشيء بعينه، وهو أقوى من علم اليقين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة»، ومن هذا قول تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ [التكاثر: 7]، ومن هذا سؤال إبراهيم عليه السلام في قوله: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.

والدرجة الثالثة: حق اليقين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ [الواقعة: 95].

﴿ قَالَ ﴾، أي: قال الله إجابة لدعوة إبراهيم:
﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس عن يعقوب: «فصِرهن» بكسر الصاد، وقرأ الباقون بضمها: ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾.

وقد اختلف في جنس هذه الطيور، فقيل: ديك، وطاووس، وغراب، وحمام، وقيل غير ذلك، ولا دليل عل شيء منها، ولا فائدة تتعلق بمعرفته.

وتعدادها أدل على كمال قدرة الله تعالى من لو كانت طيرًا واحدًا، وجعلها أربعة لحكمة يعلمها الله تعالى.

ومعنى: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾؛ أي: أمسكهن واضممهن إليك وأوثقهن واذبحهن وقطِّعهن، ﴿ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ ﴾؛ أي: ثم صير وألق على كل جبل من الجبال حولك، ولم يذكر عدد هذه الجبال وأسماءها، إذ لا فائدة من ذلك.

﴿ منهنَّ ﴾ أي: من مجموع أجزائهن بعد خلطهن.

﴿ جُزْءًا ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بضم الزاي: «جُزُءًا»، وقرأ الباقون بإسكانها: ﴿ جزءًا ﴾، والجزء: البعض والقطعة من الشيء.

وتوزيع أجزائهن على أكثر من جبل يكون أظهر وأدل على كمال قدرة الله تعالى.

﴿ ثُمَّ ادْعُهُنَّ ﴾، أي: ثم نادهن، ﴿ يَأْتِينَكَ ﴾ جواب الأمر: «ادعهن».

«سعيًا»: مصدر في موضع الحال، أي: ساعيات سعيًا، وقيل: مصدر لفعل محذوف، أي: يسعين سعيًا.

والمعنى: ﴿ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ﴾، أي: طيرانًا؛ لأن سعي الطيور هو الطيران.

وقيل المراد بالسعي المشي بسرعة على الأرجل، والأول أولى؛ لأنه أدل على حياتهن حياة كاملة بجميع جوارحهن، وهذا أدل وأظهر على كمال قدرة الله تعالى.

﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ الخطاب لإبراهيم عليه السلام، أي: واعلم أن الله ذو العزة التامة، عزة الامتناع، وعزة القهر والغلبة، وعزة القوة.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ أي: ذو الحكم التام: الكوني والشرعي والجزائي، وذو الحكمة البالغة: الغائية والصورية.

[1] البيت لأبي تمام؛ انظر: «ديوانه» (ص577).

[2] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 415- 416).

[3] هذان البيتان للشاعر العراقي وليد الأعظمي في ديوانه: «الزوابع»، انظر: «المجموعة الكاملة» (ص135).

[4] أخرجه أحمد (1/ 215)، والحاكم في التفسير (2/ 380)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.

[5] أخرجه البخاري في الآذان، وجوب القراءة للإمام والمأموم (757)، ومسلم في الصلاة، وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (397)، وأبو داود في الصلاة (856)، والنسائي في الافتتاح (884)، والترمذي في الصلاة (303)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1060)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-09-2023, 05:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,760
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...


قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 264، 266].

قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.

هذه الآية أشبه بالتفسير والبيان للمضاعفة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، وفيها مع الآيات بعدها عود على الحض على الإنفاق في سبيل الله، كما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 254].

قوله: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾، «المثل» يطلق على «الشبه» ويطلق على «الصفة»، فإن ذُكر المماثِل فالمراد به الشبه، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: 17]، وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِر ﴾ [آل عمران: 117].

وإن لم يذكر المماثِل فالمراد به الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾ [محمد: 15].

وفي قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الآية، تقدير إما في المبتدأ وهو المشبه، فيكون التقدير: مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة.

وإما في الخبر وهو المشبه به، فيكون التقدير: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل باذر حبة؛ ليطابق الممثَّلُ الممثَّل به، وفي هذا الطيِّ دليل على بلاغة القرآن الكريم ليكون المثل صالحًا للتمثيل بالمنفق وبالنفقة.

ومعنى ﴿ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾، أي: يبذلونها ويخرجونها، والأموال جمع مال، وهو كل ما يتمول من النقود والأعيان والمنافع.

﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ «سبيل الله»: شرعه وصراطه وطريقه المؤدي إليه وإلى مرضاته، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوه ﴾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الحجر: 41].

والمعنى: مثل الذين ينفقون أموالهم طاعة لله تعالى، خالصة لوجهه، وفقًا لشرعه، بكونها من الطيب الحلال، وفي مواضعها التي شرع الله تعالى الإنفاق فيها كالجهاد في سبيل الله وغير ذلك من سبل الخير، من غير إسرافٍ ولا تقتيرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67].

﴿ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ الكاف للتشبيه، والمثل: الشبه، أي: كشبه حبة، و«الحبة» واحدة الحَبِّ، وهو ما يزرع للاقتيات كالبر ونحوه.

﴿ أَنْبَتَتْ ؛ أي: بذرت فأنبتت وأخرجت ﴿ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾، أي: تشعب منها سبعة سيقان في كل ساق سنبلة، فصارت سبع سنابل.

و«سنابل» جمع «سُنْبلة» وجمعت على «سنابل» جمع كثرة؛ لأن المقام مقام تكثير وتضعيف، بينما جمعت جمع قلة في قوله تعالى: ﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْر ﴾ [يوسف: 43]؛ لأن السبعة قليلة، ولا مقتضى للتكثير.

﴿ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾؛ أي: في كل سنبلة من هذه السنابل مائة حبة، فيكون مجموع حبوب هذه السنابل السبع سبعمائة حبة، وهكذا ثواب الإنفاق في سبيل الله ينميه اللهُ عز وجل ويضاعفه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، كما قال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به..».

وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة»[1].

﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب بالتشديد مع حذف الألف هنا وفي جميع القرآن: «يُضَعِّفُ»، وقرأ الباقون بالإثبات والتخفيف ﴿ يُضَاعِفُ ﴾.

والمضاعفة الزيادة، أي: والله يضاعف لمن يشاء هذه المضاعفة إلى سبعمائة، وما هو فوق ذلك، إلى أضعاف كثيرة، حسب حكمته عز وجل، وحسب إخلاص المنفق في عمله وغير ذلك.

﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، واسع في جميع صفاته.

﴿ عَلِيمٌ؛ أي: ذو علم واسع محيط بكل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

ومن سعة علمه أنه يعلم من يستحق هذه المضاعفة، وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها.

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

بيَّن عز وجل في الآية السابقة مضاعفة أجر المنفقين في سبيله إلى سبعمائة ضعف، ثم أتبع ذلك بالتعريض بمن يُتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى مؤكدًا ما للمنفقين من الأجر عند ربهم وانتفاء الخوف والحزن عنهم.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾، كرر هذا تأكيدًا لوجوب الإخلاص في الإنفاق في سبيل الله، وأن تكون النفقة مما شرع الله تعالى، وفيما شرع عز وجل.

وأيضًا ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾.

«ثم»: للتراخي تدل على أن «المنّ» والأذى له أثره في إبطال الصدقة حتى ولو تراخى عن الصدقة، و«ما»: موصولة، أو مصدرية، أي: ثم لا يتبعون الذي أنفقوه، أو ثم لا يتبعون إنفاقهم.

﴿ مَنًّا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم كل مَنٍّ، أي: لا يتبعون ما أنفقوا، أي شيء من المن قل أو كثر على من أنفقوا عليه.

و«المن» الاعتداد بالإحسان، وإظهار الترفع على المنفَق عليه، كأن يقول له: أما أعطيتك كذا وكذا، أو يعدد عليه أياديه.

وقد يكون المنُّ بالقلب بأن يعتقد المنفِق بأن له فضلًا على المنفَق عليه دون أن يصرح بذلك.

فكل هذا لا يجوز والفضل لله عز وجل، وما يخرجه الإنسان من ماله من نفقة واجبة أو مستحبة، فهو من حقوق المنفَق عليه، لا منة فيها للمنفِق ولا فضل، بل الفضل والمنة في ذلك لله وحده.

﴿ وَلَا أَذًى ﴾؛ أي: ولا أذى لمن أنفقوا عليه كأن يذكر المنفِق ذلك عند الناس، فيقول مثلًا: أنفقت على فلان كذا، وأعطيته كذا، أو يريد من المنفَق عليه أن يكافئه كأنه عمل إليه معروفًا، ونحو ذلك، أو يفعل معه مكروهًا يحبط ما سلف منه من إحسان، وقدَّم «المن»؛ لأنه أكثر.

﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ الأجر: ما يُعطاه العامل مقابل عمله، والمعنى هنا: لهم ثواب إنفاقهم وعملهم.

وقدم الخبر «لهم»: وسمى ثوابهم أجرًا؛ لضمانه عز وجل له وتكفله به، وأنه لا يضيع عنده.

كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: 30]، وقال تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 171].

وجرد الخبر «لهم» من الفاء؛ لبيان أنهم المستحقون لهذا الأجر، دون غيرهم ممن ينفقون رياءً أو يتبعون ما أنفقوا بالمن والأذى.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ أي: عند ربهم في الجنة، وفي كون هذا الأجر عند ربهم، خالقهم ومالكهم ومدبرهم، دليل على عنايته عز وجل بهم، وأنهم بجواره، ودليل على عظمة هذا الأجر؛ لأنه من ربهم العظيم، والأجر والعطاء على قدر المعطي، وكما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم




﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ مما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة.

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما خلفوا ولا على ما مضى وما فاتهم من الدنيا؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير من ذلك.

فاجتمع للمنفقين في سبيل الله تعالى المضاعفة إلى سبعمائة ضعف، والثواب العظيم عند ربهم، مع انتفاء الخوف مما يستقبلهم والحزن على ما مضى وفاتهم، نسأل الله تعالى من فضله.

قوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾، عرَّض عز وجل في الآية السابقة بمن يُتبعون ما أنفقوا بالمَن والأذى، ثم أتبع ذلك ببيان أن القول المعروف والمغفرة خير من صدقة يتبعها أذى.

قوله: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ قول: مبتدأ، وجاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه وصف بقوله: ﴿ مَعْرُوفٌ ﴾ أي: قول طيب، ووعد حسن واعتذار جميل، أو دعاء لمن سأل النفقة بقوله: «الله يرزقك وييسر أمرك»، ونحو ذلك مما يجبر خاطر السائل.

ونكر ﴿ قَوْلٌ ﴾ للتقليل، أي: قول معروف وإن قل.

﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ لمن أساء بالستر عليه والتجاوز عنه، سواء كان سائلًا أو غيره ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].

و﴿ خَيْرٌ ﴾: خبر المبتدأ ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾، أي: خير مطلقًا للمسؤول وللسائل ﴿ مِنْ صَدَقَةٍ ﴾: الصدقة: ما يبذل تقربًا إلى الله تعالى من مال وغيره، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة»[2].

والمراد بالصدقة في الآية - والله أعلم - الصدقة بإنفاق المال بدلالة السياق.

والمعنى أن القول الطيب المعروف شرعًا وعرفًا من الاعتذار للمحتاج وتطييب خاطره ونحو ذلك ﴿ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾.

وقوله: ﴿ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾ في محل جر صفة لـ«صدقة»، أي: يتبعها أذى من المتصدِّق للمتصدق عليه؛ لأن ذلك يحبطها ويبطل أجرها، ويصير الإحسان إساءة.

ولم يذكر «المنّ»؛ لأن الأذى يشمله، فإذا لم تحصل الصدقة إلا مع الأذى، فالقول المعروف الطيب الحسن، والمغفرة بالستر لذنب من أساء والتجاوز عنه خير من تلك الصدقة.

بل إن القول المعروف يقوم مقام الصدقة عند عدم القدرة عليها، كما قيل:
لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال[3]




قال ابن القيم: «فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى، حسنة مقرونة بما يبطلها، ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة»[4].

﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ أي: والله غني بذاته غنًى مطلقًا، من جميع الوجوه عن جميع خلقه، لا يحتاج إلى أحد منهم، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 6].

والصدقة لا تناله ولا تنفعه، وإنما ينتفع بها صاحبها، كما قال تعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: 37].
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-09-2023, 06:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,760
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»





الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...


قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾. [البقرة: 261 - 266].

1- ضرب الأمثال في القرآن الكريم بتشبيه المعقول بالمحسوس؛ لتقريب المعاني، وهو وسيلة من وسائل الإيضاح والبيان، ومن دلائل إعجاز القرآن الكريم وبلاغته؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا، وقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 43]، وفي هذا دلالة على إثبات القياس.

2- إثبات الملكية للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾، فالإنفاق إنما يكون مما يملك الإنسان وهو ملك نسبي إضافي؛ لأن الإنسان وما ملك، ملك لله تعالى.

3- أن المعتبر من الإنفاق والأعمال ما كان خالصًا لله تعالى موافقًا لشرعه؛ لقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾.

4- وجوب معرفة سبيل الله وشرعه ليكون العمل موافقًا له.

5- سعة فضل الله تعالى وكرمه وجوده حيث يُنمي للمنفق نفقته وثوابها إلى سبعمائة ضعف أو أكثر.

6- قدرة الله تعالى التامة ونعمته العظيمة على العباد بجعل هذه الحبة تنتج سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فتكون سبعمائة حبة أو أكثر.

7- مضاعفة الله عز وجل ثواب الإنفاق بلا حد لمن يشاء من عباده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وذلك حسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان والإخلاص التام، وحسب نفقته ونفعها.

8- فضل الإنفاق في سبيل الله والإغراء فيه، والثناء على المنفقين ترغيبًا فيه وحثًّا عليه.

9- إثبات المشيئة وهي الإرادة الكونية لله عز وجل المقترنة بالعلم والحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ﴾[البقرة: 269]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الإنسان: 30].

10- سعة الله عز وجل، وسعة صفاته، فهو سبحانه واسع الفضل والجود والعطاء، واسع المغفرة والعفو والرحمة واسع الحلم، واسع الصفات جميعًا؛ لقوله: ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.

11- إثبات أن الله عز وجل ذو العلم الواسع لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [طه: 98].

12- تأكيد الترغيب في الإنفاق خالصًا لله تعالى ووفق شرعه؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

13- التعريض بذم إتباع الإنفاق بالمن والأذى؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾.

14- عظم أجر المنفقين في سبيل الله؛ لأنه عند ربهم العظيم ذي الفضل العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾.

15- تكفل الله عز وجل وضمانه لثواب المنفقين، وتأكيد ذلك بتقديم الخبر في قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ وتسميته «أجرًا» وكونه عنده.

16- إثبات ربوبية الله تعالى الخاصة للمنفقين أموالهم في سبيله بلا من ولا أذى، وتشريفهم بإضافة اسم «الرب» إلى ضميرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾.

17- سلامة المنفقين من الخوف مما يستقبلهم والحزن على ما مضى وفاتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

18- أن من أتبع نفقته بالمن والأذى لا أجر له، وهو عرضة للخوف والحزن؛ لمفهوم قوله: ﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾.

19- لا بد لقبول الصدقة من توفر الشروط السابقة وهي: الإخلاص والمتابعة، والسلامة من المبطلات اللاحقة، وهي المن والأذى.

20- أن الإحسان بالقول المعروف الطيب، والمغفرة والعفو عمن أساء خير من صدقة يتبعها أذى؛ لقوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾.

21- فضل قول المعروف من الاعتذار للسائل بما يطيب خاطره، أو وعده وعدًا حسنًا، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾.

22- فضل المغفرة والعفو عمن أساء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40].

23- إثبات تفاضل الأعمال الصالحة؛ لقوله تعالى: ﴿ خَيْرٌ ﴾، وهذا دليلٌ على زيادة الإيمان ونقصانه.

24- إثبات اتصاف الله تعالى بالغنى بذاته، غنى مطلقًا، من جميع الوجوه، عن جميع خلقه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267].

فهو سبحانه الغني عن خلقه المغني لمن أنفق وتصدق، المخلف عليه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].

25- إثبات حلم الله عز وجل الواسع؛ لقوله تعالى: ﴿ حَلِيمٌ ﴾، فهو- سبحانه وتعالى- حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله لعله يتوب.

كما أنه تعالى يحب من عباده أن يتصفوا بالحلم والمغفرة والعفو عمن أساء إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ﴾.

26- العناية والاهتمام بخطاب المؤمنين وتشريفهم وتكريمهم بندائهم بوصف الإيمان، والحث على الاتصاف بهذا الوصف وأن عدم المن والأذى بالصدقات من مقتضيات الإيمان، والمن والأذى بها نقص في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾[البقرة: 267].

27- تحريم اتباع الصدقات بالمن والأذى، وأن ذلك يبطلها ويحبط ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم»، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: «المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب»[1].

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر»[2].

وفي هذا دلالة أن الحسنة قد تحبط بالسيئة، كما قال تعالى في سورة الحجرات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2].

28- بلاغة القرآن الكريم، وبلوغه الغاية في التنفير عما يريد التنفير عنه حيث شبه من يُتبع صدقته بالمن والأذى بمن ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل حجر أملس عليه تراب فأصابه مطر غزير فصار صلدًا أملس؛ لقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾.

وفي هذا بيان شدة خطر المن والأذى بالصدقة حيث شبه من يفعل ذلك بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر.

29- ذم الرياء وتحريمه وخطره، وأنه مبطل للعمل وينبئ عن النفاق، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ ﴾ الآية.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فسئل عنه فقال: «الرياء»[3].

وقال عز وجل في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»[4].

30- إثبات اليوم الآخر يوم القيامة، وأن الإيمان به من أعظم أركان الإيمان، ولهذا يقرن كثيرًا في القرآن الكريم بالإيمان بالله تعالى.

31- عدم قدرة من يتبع الصدقة بالمن والأذى، ومن ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر على شيء مما كسبوه سوى الخسران والحسرات؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾.

32- حرمان الكافرين بسبب كفرهم من هداية الله تعالى؛ هداية التوفيق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾.

33- هداية الله وتوفيقه للمؤمنين؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾.

34- تأكيد عظم فضل الإنفاق والإغراء فيه والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ الآية.

35- إثبات صفة الرضا لله عز وجل وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾.

36- ينبغي أن يكون الإنفاق عن طيب نفس، واطمئنان ورضا وثقة بالخلف من الله وبرهان على قوة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾.

37-أنه كلما كانت الجنة والبستان في ربوة ومكان مرتفع كان ثمرها أكثر وأجود حيث تأخذ نصيبها من جودة التربة والشمس والهواء؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ؛ كما قال تعالى في سورة النور: ﴿ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ [النور: 35].

فإن أصابها «وابل» وهو المطر الغزير آتت أكلها ضعفين، وكذا إن أصابها «طل» وهو دون الوابل؛ لأنها بسبب جودة أرضها ومكانها المرتفع تعوض ما نقص من الماء وتأتي ثمرتها كاملة؛ لقوله تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾.

38- بركة المطر وعظيم نفعه وآثاره؛ لقوله تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾.

كما قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق: 9 - 11]، وقال تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الروم: 50].

39- علم الله عز وجل واطلاعه على جميع ما يعمل الخلق، وعلى كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾، وفي هذا وعد لمن أطاع الله، ووعيد لمن خالف أمر الله؛ لأن مقتضى علمه عز وجل أن يحصي على العباد أعمالهم ويحاسبهم ويجازيهم عليها، خيرها وشرها.

40- تأكيد التنفير من المن بالصدقة بتشبيه المان بها بحال من كانت له جنة من نخيل وأعناب له فيها من كل الثمرات وقد كبر وذريته ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، وهو في حال لا يستطيع القيام عليها؛ لكبره ولا ذريته لضعفهم فخسرها أحوج ما كان إليها، ولم يبق لديه إلا الحسرات عليها، وهذا حال المان بالصدقة؛ لقوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ﴾.

فكما أن الإنسان لا يود أن تكون له هذه الجنة والتي تنتهي بهذه النهاية المرة، فكيف يتبع الإنسان صدقته بالمن والأذى فتحبط فتكون نهايته الخسران والحسرة.

41- مدى ضعف الإنسان إذا كبر وله ذرية ضعفاء، فلا هو قادر على القيام بما يصلحهم، ولا هم قادرون على القيام بمصالحه.

42- إقامة الحجة على الخلق ببيان الآيات وتفصيلها وإيضاحها؛ لقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾.

43- الحث والترغيب في التفكر في آيات الله تعالى الكونية والشرعية؛ لقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾؛ أي: لأجل أن تتفكروا.

44- إثبات التعليل لأحكام الله تعالى وأفعاله، وأن ذلك كله لحكمة.

[1] أخرجه مسلم في الإيمان (106)، وأبو داود في اللباس (4087)، والنسائي في الزكاة (2563)، والترمذي في البيوع (1211)، وابن ماجه في التجارات (2208).

[2] أخرجه النسائي في الأشربة (5672).

[3] أخرجه أحمد (5/ 429) من حديث محمود بن لبيد رضي الله عنه.

[4] سبق تخريجه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 182.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 179.62 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]