|
|||||||
| ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (41) الشيخ خالد بن علي الجريش بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من اصطفاه الله تعالى رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم - أيها الكرام - في برنامجكم خاتم النبيين، وقد أسلفنا في الحلقة الماضية أيها الأفاضل الحديثَ عن غزوة تبوك، وعن سببها، وحال المسلمين فيها، وأيضًا عن تجهيزهم، وأيضًا كيف كان مسيرهم، وذكرنا الحديث عن أجواء تلك الغزوة التي كانت في جوٍّ حار، وبُعْدٍ في المسافة، وأيضًا ذكرنا ماذا عمل المنافقون في تلك الغزوة؟ وكم مكث المسلمون هناك؟ وأيضًا ذكرنا واقعهم، ثم ذكرنا رجوعهم إلى المدينة، مع الدروس المستفادة من ذلك، وفي حلقتنا هذه نستكمل الحديث عن قصة كعب بن مالك رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا، ونذكر بعض الأحداث التي حصلت بعد تبوك، وهؤلاء الثلاثة الذين خُلِّفوا هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، رضي الله عنهم وأرضاهم، ويجمع أسماء هؤلاء الثلاثة اسم "مكة"؛ فالميم لمرارة، والكاف لكعب، والهاء لهلال، وقصة هؤلاء الثلاثة هي مهمة وطويلة جدًّا؛ لعلك - أخي الكريم - ترجع إليها في صحيحَيِ البخاري ومسلم، ولكننا لضِيقِ الوقت سنقف بعض الوقفات والدروس مع قصة كعب رضي الله عنه، ونكتفي بذكر الشاهد من القصة. فالوقفة الأولى أن كعبًا رضي الله عنه أراد الخروج، وبدأ بجهازه، ولكن حصل عنده نسبة من التباطؤ والتسويف؛ حيث قال رضي الله عنه: "فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد الناس الجِدَّ، فغَدَوا ولم أقضِ من جهازي شيئًا"، وفي هذا درس كبير وعظيم إلى أن المسلم إذا أراد شيئًا، فليبادر إلى تنفيذه، ولا يؤخره، فلربما مع التأخر حصل شيء من العقبات أو الموانع؛ فالمبادرة من أهم القيم لنجاح الأعمال، وأما التسويف والتأخر فهو سبب للإخفاق وقلة النتائج، فاعمل - أخي الكريم - أن تكون مبادرًا في جميع أعمالك. الوقفة الثانية: عندما جلس النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرْدَاه ونظره في عطفيه؛ أي أعجبه ما هو عليه، فجلس، فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا))، وفي هذا درس عظيم جدًّا لنا في مجالسنا ومحادثاتنا أنه إذا تحدث أحد بأحدٍ بما يكرهه، فليس لنا أن نسمعه ونتركه، وإنما نذُبُّ عن عرض أخينا إن كان خاطئًا، وأما إن كان الكلام صوابًا، فَلْنَنْهَرِ المتحدث عن الغِيبة، وأيضًا نرشده أن هذا يكون بينهما ليتحقق الهدف في التغيير إلى الأحسن عند الطرف المغتاب؛ فالغِيبة - كما يقولون - هي مرعى اللئام، وجهد العاجز؛ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ردَّ عن عِرْضِ أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة))؛ [حديث حسن]، فكن كذلك أخي الكريم في مجالسك، ووسائل التواصل لديك؛ حتى لا تكون مشاركًا في إثم الغِيبة. الوقفة الثالثة من قصة كعب رضي الله عنه: عندما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة، وجلس في المسجد، جاء إليه كعب رضي الله عنه، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ فقال كعب كلامًا وفيه: لا والله يا رسول الله، ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقُمْ حتى يقضِيَ الله فيك))، وفي هذا درس كبير في إحياء قيمة الصدق في الأقوال والأفعال، فإن الصدق يجر المصالح، وإن الكذب يجر المفاسد، وقد يكذب أحدهم فينجو في دنياه، ويأخذ شيئًا من حطامها، ولكنه قد يخسر غدًا بين يدي الله عز وجل، عندما يسأله الله تعالى عن ذلك، وأما إن صدق، فهو قد يخسر شيئًا من الدنيا، ولكنه سيربح الآخرة، والآخرة خير لك من الأولى، وقد يعتاد الإنسان الكذب أحيانًا، فلا يصدقه الناس، حتى ولو صدق، ثم إن الصدق يهدي إلى الجنة، والكذب يهدي إلى النار، وقد قال كعب: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألَّا أُحدِّث إلا صدقًا ما بقيت)). الوقفة الرابعة: عندما هجر الناس كعب بن مالك رضي الله عنه أتته رسالة من ملك غسان يقول له بـ((أن صاحبك قد جفاك - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - فالحق بنا نواسِك، يقول كعب: فقلت: هذا من البلاء، فتيمَّمتُ بها التنور فأحرقتها، وفي هذا درس عظيم للثبات على الحق، مهما كانت المغريات التي تساعد على اللحاق بالباطل، فإن كعبًا رضي الله عنه الذي دعاه هو أحد الملوك، ولا شك أنه سيكرمه ويعطيه عطاء كثيرًا، ولكنه عرف رضي الله عنه حقيقة الأمر، وثبته الله عز وجل على الحق، فلم تَزِلَّ قدمه في اتباع الباطل والتنازل عن دينه، بل إنه لم يفكر في بقائها، وإنما أحرقها لتزول تمامًا من ناظريه وبين يديه. الوقفة الخامسة: لما تمَّ خمسون ليلة على هجر كعب وصاحبيه، أتاه المبشِّر يقول: ((أبْشِرْ يا كعب، يقول: فعرفت أنه قد جاء الفرج، فخررت ساجدًا))، وفي هذا فائدة عظيمة، وهي السجود للشكر عند تجدُّدِ النِّعَمِ، واندفاع النِّقَمِ، مع لهج اللسان بالحمد والثناء على الله عز وجل، فيا أخي الكريم، إذا تجددت لك نعمة أو اندفعت عنك نقمة، فكن مُحْيِيًا لسُنَّةِ سجود الشكر، فإن الجميع فضل من الله تبارك وتعالى، فإذا شكرته زادك من فضله ورحمته، واجعل ذلك سلوكًا لك ولأولادك، وحدِّث به مجالسِيك؛ ليعمَّ الخير، ويزداد الناس. الوقفة السادسة: قال كعب رضي الله عنه: ((فلما نزلت توبتي، جاء الناس يبشرونني، وجاء طلحة بن عبيدالله يهرول يهنئني، ولا أنساها لطلحة))، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب: ((أبشر بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك))، وكان النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة استنارت وجوههم لكعب، وفي هذا درس كبير أنه إذا حصل لأحدنا ما يسره، فلنستبشر به، ولْنُدْخِلْ عليه السرور، ونقُمْ بتهنئته والدعاء له. الوقفة السابعة: قال كعب رضي الله عنه: ((يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أمْسِكْ عليك بعض مالك؛ فهو خير لك))، وفي هذا درس كبير مهم؛ أن المسلم إذا حصل له فضل من الله تعالى، فليكن من شكره لله عز وجل أن يتصدق بشيء من ماله قُرْبَة إلى الله عز وجل؛ فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم كعبًا رضي الله عنه أن يتصدق ببعض ماله لما حصلت توبته، وهي بإذن الله تعالى صدقة مخلوفة، إن هذه الوقفات هي بعض ما يمكن أن تكون مع قصة كعب رضي الله عنه في تخلفه عن غزوة تبوك، علمًا أن القصة مليئة بالدروس والعِبر، فليُرجَع إليها في الصحيحين، وهذه القصة هي من دروس غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وقد بلغت غزواته عليه الصلاة والسلام سبعًا وعشرين غزوة، قاتل عليه الصلاة والسلام في تسع منها، وبلغت بعوثه وسراياه سبعًا وثلاثين، وقيل سبعًا وأربعين، وقد توافدت القبائل بعد تبوك؛ ولذلك سُمِّيَ العام التاسع عام الوفود، فكانت الوفود تزيد على السبعين وفدًا، واستمرت في السنة العاشرة والحادية عشرة أيضًا، فكانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم أحكام الإسلام وشرائعه، ولكل وفد منها مواقفُ وقصصٌ، وعِبر ودروس، وأحكام وحِكَمٌ، فليُرجَع إليها؛ فهي غاية في الأهمية، وفي هذه السنة التاسعة تُوفِّيَ رئيس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول بعد أن مرض عشرين ليلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعوده خلال مرضه؛ وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((كنت أنهاك عن حب يهود، ثم قال عبدالله بن أبي: ليس هذا بحين عتاب يا رسول الله، ولكنه الموت، فإن مِتُّ، فامْنُنْ عليَّ؛ فكفِّني في قميصك، وصلِّ عليَّ واستغفر لي))، وقد روى البخاري ومسلم أنه لما تُوفِّيَ عبدالله بن أبي جاء ابنه عبدالله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصلِّ عليه واستغفر له، فأعطاه عليه الصلاة والسلام قميصه، وقال له: إذا فرغت منه فآذِنِّي))؛ [متفق عليه]، فلما فرغ عبدالله رضي الله عنه من تجهيز أبيه آذن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاء عليه الصلاة والسلام ووقف عليه ليصلي، فلما قام جاءه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجذب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثوبه، وقال: ((يا رسول الله، أتصلي على عبدالله بن أبي وقد نهاك أن تصلي عليه؟ وهو القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا، وبدأ يعدد عمر على النبي صلى الله عليه وسلم تلك المثالب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: أخِّر عني يا ابن الخطاب، فلما أكثر عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني خُيِّرت فاخترتُ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يُغفَر له، لَزدتُ عليها))؛ [أخرجه البخاري]، وفي رواية: ((إنما خيرني الله فقال: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 80]، وسأزيده على السبعين، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف، يقول الراوي: فما لبثنا إلا يسيرًا؛ حتى نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 84]، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وهذه هي أحد الأحوال والمواقف التي وافق القرآن فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي العام التاسع بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليحج بالناس، وكان النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة يتابع الوفود، ولم يرغب النبي صلى الله عليه وسلم بالحج في العام التاسع؛ لأنه قد يطوف بالبيت عراة، وقد يتمسكون بعضهم بغير التوحيد، وفيه اختلاط بأهل الشرك، وخرج أبو بكر إلى الحج ومعه ثلاثمائة رجل، ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم حينها صدر سورة براءة، وأرسلها النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ليعلنها في الحج، فخرج علي رضي الله عنه حتى أدرك أبا بكر، فأعطاه الكتاب وفيه صدر سورة براءة، وأمر أبو بكر عليًّا أن ينادي بها في الحج، فأعلنها عليٌّ يوم النحر وهي تتكون من هذه الوصايا أولًا: ألَّا يحجنَّ بعد هذا العام مشرك، والثانية: لا يطوف في البيت عريانًا، والثالثة لا يدخل الجنة إلا مؤمن، والرابعة من كان له عهد فإلى عهده، ومن لم يكن له عهد فمدته أربعة أشهر، فإذا انتهت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، وشارك عليًّا رضي الله عنه في البلاغ عددٌ من الصحابة؛ منهم أبو هريرة رضي الله عنه، وبذلك قضى الإسلام على الشرك ومعالمه في مكة، وكانت تلك الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى، ثم دخل العام العاشر، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل الوفود ويفقههم في الدين، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن ومعه أبو موسى الأشعري؛ وقال: ((يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا ولا تختلفا))؛ [متفق عليه]، وفي السنة العاشرة توفي إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع وكان عمره ستةَ عشر شهرًا؛ ففي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: ((دخلنا على إبراهيم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإبراهيم يجود بنفسه، فأخذه عليه الصلاة والسلام وقبَّله وشمَّه، وجعلت عيناه تذرفان، فقال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله تبكي؟ قال: يا بن عوف، إنها رحمة))؛ [الحديث]، ودُفن إبراهيم في البقيع، وكان هديه صلى الله عليه وسلم في المصيبة أكمل هدي؛ فقد شرع لأمته الاسترجاع والرضا، وليس هذا منافيًا لدمع العين، ولا لحزن القلب، وأيضًا منع من النياحة وشق الجيوب ولطم الخدود، ويوم وفاة إبراهيم كسفت الشمس، فقال الناس: انكسفت لموته؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الشمس والقمر آيتان لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها، فادعوا وصلوا حتى تنجلي))، أيها الكرام، في ختام تلك الحلقة نستعرض بعض الدروس والعبر مما سبق، وهي على النحو الآتي: الدرس الأول: بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ورأفته بهم؛ حيث إنه صلى على ابن أُبَيِّ، وهو رئيس المنافقين، وقد حصل من المواقف المسيئة القولية والفعلية ما حصل، ومع ذلك كفَّنه بقميصه، واستغفر له، وصلى عليه، فإذا كان هذا مع المنافق مشفقًا عليه، فما هي حال النبي صلى الله عليه وسلم مع المسلمين العابدين المخلصين؟ لا شك أنها أعظم شفقة ورحمة، وقد عمت شفقة النبي صلى الله عليه وسلم جميع الأمة، ويظهر هذا من خلال التشريعات الحكيمة التي تشتمل على الرأفة والرحمة؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وددت أن رأينا إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعدُ))، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مضرب المثل في الشفقة والرحمة والرأفة بأمته، فكيف يواجه بعض المسلمين تلك الرأفة والرحمة بالتساهل عند بعضهم في أفعالهم وأقوالهم عن اتباع نبيهم، فيأمرهم بشيء والبعض يهمله، وينهاهم عن شيء والبعض يرتكبه، فلننظر في أنفسنا وأولادنا وزوجاتنا عن الخلل فيُصحَّح؛ رغبة في الأجر، وإرضاء للرب، ومقابلة للشفقة العظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فكيف يهنأ ذلك العاصي بمعصيته؟ وهو يعلم أنه مخالف لأمر الله تعالى الذي خلقه، ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أشفق عليه ودلَّه على خيري الدنيا والآخرة، فإن تلك المخالفة ليست من الكرم والجود والرد بالتي هي أحسن، فإذا أحسن إليك أحد بشيء أَطَعْتَه وخدمته، فكيف بمن إحسانه إليك لا ينقطع؟ فإنه أولى بالطاعة والامتثال، فيا أخي ويا أختي الكرام، انظروا في الموضوع نظرة جد وتمحيص. الدرس الثاني: عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن، أوصاهما بثلاث صفات، هي من صفات النجاح والناجحين؛ الصفة الأولى: التيسير في التعامل والمعاملة وعدم المشقة على الآخرين، الصفة الثانية: التبشير، فيبشر الناس بما يسرهم؛ ليكسبوا قلوبهم وتنفتح لهما نفوسهم، الصفة الثالثة: الاتفاق وعدم الاختلاف؛ لأن الخلاف شرٌّ، إن هذه الصفات الثلاث؛ وهي التيسير والتبشير والاتفاق - يفترض أن تكون في كل عمل، ففي الدعوة والمدرسة والدائرة الحكومية، وفي الأعمال الحرة، وأيضًا كذلك في الشركات والمؤسسات، ومع العمالة وغيرها من المجالات، فماذا لو كان هذا هو الواقع في صفاتنا وتعاملنا؟ فماذا ستكون حالنا؟ لا شك أنه سيزول الخلاف، وتنتهي المشاكل، وتخف الجهود، وإنني عندما أقول ذلك للمجتمع جميعًا فإني آمر نفسي ونفسك أخي الكريم أن نبدأ ونصحح المسار، ولا ننظر إلى أفعال الآخرين ماذا فعلوا، فأنا وأنت نمثل نسبة من هذا المجتمع، فأنت مسؤول عن دائرتك ودائرة معاملاتك، أما دوائر الآخرين فلست مسؤولًا عنها، فهم مسؤولون عنها، فأتقن دائرتك، فلو كل منا أخذ بهذا لنجحنا في جميع شؤوننا، فاستعن بالله تبارك وتعالى، وابدأ في تفعيل تلك الصفات الثلاث، فالموظف – مثلًا - يحاول التيسير على مراجعيه، والآباء مع أولادهم، وكذلك الجيران بعضهم مع بعض، والمجتمع كله، فييسر بعضهم على بعض، ويبشر بعضهم بعضًا، ويتوافقون ولا يختلفون، فإذا اتصفوا بهذه الصفات، فهنيئًا لهذا المجتمع بسعادته وسكينته وطمأنينته. الدرس الثالث: عندما بكى النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم، سأله عبدالرحمن بن عوف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنها رحمة))، إن رحمة الوالدين بالأولاد شيء لا يوصف، وإذا كان هذا حاصلًا في البهائم والعجماوات، فكيف هو عند بني آدم؟ لذلك كان الوالدان يشقيان إذا مرض ولدهما، ويرتاحان إذا شُفِيَ، ويسهران إذا سهر، وينامان إذا نام، وإن همَّ الأولاد صلاحًا وتربية، ورعاية وشفقة ورحمة يحتل عند الوالدين مساحة كبيرة، وإن لم يظهراه، فيا أيها الأولاد، ماذا قابلتم تلك الشفقة والرحمة؟ هل قُوبِلَتْ بالبر والطاعة؛ فأبشروا بالخير في الدارين، أم قُوبِلَتْ بالعقوق؛ فإن الجزاء من جنس العمل؟ أيها الابن، وأيتها البنت، إن بركم بوالديكم هو عمل صالح جليل، عظيم جسيم، اجلسوا معهم وحدِّثوهم عما يسرهم، وأبهجوهم، واخدموهم، واعملوا ذلك قربة لله تبارك وتعالى، وحينها أبشروا بدعواتهم الصادقة، وأيضًا أبشروا ببرِّ أولادكم لكم، لا تخالفوهم، ولا تلحوا عليهم بأشياءَ لا يريدونها، واجعلوا بينكم وبينهم الجو العاطفي الكبير، إن ضاقوا فأوسعوا عليهم، وإن احتاجوا فأعطوهم، فإن الكبار لهم حاجات قد لا يظهرونها لأولادهم، فحاولوا معرفة حاجاتهم، ورسالة خاصة للشباب والشابات الذين في العقد الثاني والثالث من أعمارهم، أقول: اقتربوا من والديكم أكثر؛ فأنتم المحتاجون لبرهم ودعواتهم أكثر منهم؛ فإن بعض الآباء والأمهات يشكون جمود العاطفة بينهم وبين أولادهم في هذين العقدين، فعلى الابن والبنت الاقتراب من والديهم شيئًا فشيئًا، حتى تعود المياه إلى مجاريها، ويعود الجو العاطفي نشيطًا، وذلك من خلال الحديث مع الوالدين عن اهتماماتهم من خلال جلساتهم، أو مرافقتهم في بعض شؤونهم، ونحو ذلك، فأنتم - أيها الشباب والشابات - أصحاب الحاجة إليهم، إنكم إذا عملتم هذا مع والديكم، فإنكم بإذن الله تعالى ستعيشون سعداء، ولا أقل من نتيجتين عظيمتين؛ الأولى أن الله عز وجل يرضى عنكم وكفى بها، والثانية أنكم ستحظَون، لا أقول بدعوة، وإنما بدعوات من هؤلاء الوالدين، بسعادتكم في الدنيا والآخرة. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الصلاح والإصلاح في النية والذرية، كما أسأله عز وجل الهدى والتقى، والسداد والرشاد لنا جميعًا، ولجميع المسلمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالديهم، والمسلمين الأحياء منهم والأموات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (42) الشيخ خالد بن علي الجريش أحداث السنة التاسعة من الهجرة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم - أيها الكرام - في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأفاضل الكرام، أسلفنا الحديث في الحلقة الماضية عن إقامة النبي عليه الصلاة والسلام في مكة بعد فتحها، وأيضًا عن كسره للأصنام حول الكعبة، وعن بعثه عليه الصلاة والسلام السرايا للأصنام الأخرى في البوادي، وأيضًا كذلك ذكرنا غزو النبي صلى الله عليه وسلم لثقيف في الطائف وهوازن، وأيضًا كيف نصر الله تعالى جنده وأولياءه، ثم ذكرنا إحرام النبي عليه الصلاة والسلام من الجعرانة وعمرته ورجوعه إلى المدينة، إلى غير ذلك مع ختمنا للحلقة في الدروس والعِبر. وفي حلقتنا هذه بإذن الله تعالى نستعرض ما حدث في السنة التاسعة من الهجرة، وهي التي تسمى عام الوفود، فقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة بعد فتح مكة ما يزيد على ستين وفدًا، وفي العام التاسع بعث النبي صلى الله عليه وسلم عماله على الصدقات، وحذرهم عليه الصلاة والسلام من الغُلُول؛ وهو أخذ شيء منها لنفسه بدون حق؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من غلَّ بعيرًا أو شاة، أتى به يحمله يوم القيامة))، وفي حديث ابن اللتبية رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته))؛ [متفق عليه]، وأيضًا كذلك في شهر رجب من العام التاسع من الهجرة، حدثت غزوة تبوك؛ وهي غزوة العسرة، وهي آخر غزواته عليه الصلاة والسلام، وكانت في وقت شديد الحر، وفي قحط وضيق شديد في النفقة والظهر، وكان سبب هذه الغزوة أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن هرقلَ ملكَ الروم جمع جموعًا كثيرة من القبائل لحرب المسلمين، فلما علم بذلك النبي عليه الصلاة والسلام جهَّز جيشه، وخرج إليهم، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم، وكانت تلك الغزوة حين اشتد الحر وطابت الظلال، وأينعت الثمار، ومع ذلك أسرع المسلمون يتجهزون للخروج فيها، وأخذت القبائل خارج المدينة تتوافد على المدينة للمشاركة في تلك الغزوة، وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة في هذه الغزوة، فجاء أبو بكر رضي الله عنه بماله كله، وجاء عمر رضي الله عنه بنصف ماله، وجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه بألف دينار، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم حينها: ((ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم))، ولما حثهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، تصدَّق عثمان بمائة بعير مكمَّلة ومحمَّلة، ثم حثهم، فتصدق بمائة أخرى، ثم حثهم فتصدق بمائة ثالثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما على عثمان ما عمل بعد اليوم))، وتتابع الصحابة في إنفاقهم لهذه الغزوة، فلما حصلت تلك الصدقات، قال المنافقون ما قالوا؛ فقد قالوا عن عبدالرحمن بن عوف عندما تصدق بأربعين أوقية من ذهب، قالوا بأنه فعل هذا رياء، وعندما تصدق أبو عقيل رضي الله عنه بنصف صاع من تمر، وهذا الذي يجده قالوا: إن الله غنيٌّ عن صدقة هذا؛ فنزل قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [التوبة: 79]؛ الآية، وجاء أيضًا كذلك البكَّاؤون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهم أناس محتاجون يحبون الخروج في تلك الغزوة، ولكنهم لا يملكون ما يحملهم، تولَّوا وهم يبكون، عندما ردَّهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال الله تعالى فيهم: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92]، فمنهم من رزقه الله ناضحًا، فشارك في الجهاد، ومنهم من بقِيَ معذورًا، ومنهم من تصدق بعرضه؛ وهو عُلْبَةُ بن زيد رضي الله عنه؛ فقام ليلته وقال: "لم يكن لي ما يحملني إلى الجهاد، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض"، فكانت صدقته تلك من الصدقات المتقبَّلة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المنافقون يثبطون الناس عن الجهاد، ويقولون: إن النبي لا طاقة له بالروم والسفر بعيد، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ وْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ ﴾ [التوبة: 42]، وقال بعض المنافقين: لا تنفروا في الحر؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ﴾ [التوبة: 81]. وخاض المنافقون في التثبيط في العزائم كما هي عادتهم، وكذلك أيضًا بنى المنافقون مسجد الضِّرَارِ، ويزعمون أنه للتوسعة على المسلمين، وهم يريدون به الضرر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، فطلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام قبيل الغزوة أن يصلي فيه، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: ((إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا إن شاء الله، لأتيناكم فصلينا لكم فيه))، فنزلت الآيات بعد رجوعه من تبوك، فأمر بإحراق المسجد؛ حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [التوبة: 107]؛ الآيات، وعملهم هذا هو جرأة وكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ووقاحة ولؤم، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإحراقه وهدمه، وخرج ذلك الجيش إلى تبوك بعدد يبلغ ثلاثين ألفًا، ومضى رسول الله عليه الصلاة والسلام بالجيش فضرب عسكره في ثنية الوداع، عقد في ذلك المكان الألوية والرايات ونظم الجيش، وكان رئيس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول، معه بعض المنافقين عسكروا قريبًا من جيش المسلمين، فلما سار الجيش تخلَّف ابن أبي، ومن معه، وقالوا: لا طاقة لنا بذلك، وبدأ يرجف بالمسلمين نعوذ بالله من النفاق والمنافقين، وكان في المدينة أناس حبسهم العذر عن الخروج إلى تبوك؛ فقال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر))؛ [متفق عليه]، وحينما كان أبو ذر قد أبطأ به بعيره، أخذ متاعه منه، فجعله على ظهره، ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام حينها: ((رحم الله أبا ذر؛ يمشي وحده، ويموت وحده، ويُبعث وحده))، وأصاب الناس مجاعة فقالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: ((لو نَحَرْنا بعض نواضحنا فنأكل منها، فقال: افعلوا، فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنا إن فعلنا ذلك، قلَّ النواضح، ولكن ادْعُهم بشيء من أزوادهم، وادْعُ بالبركة فيها، فجاء كل منهم بشيء يسير حتى جمعوا شيئًا من الطعام، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة فيه، ثم أخذوه فما بقي من وعاء في الجيش إلا مَلَؤوه من الطعام، فأكلوا وشبعوا وأبقوا))، وعندما كانوا في طريقهم ليلًا، ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقضاء الحاجة والوضوء، فتأخر عليهم حتى حان وقت الصلاة، فقدَّموا عبدالرحمن بن عوف فصلى بهم ركعة، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأدرك معهم الركعة الثانية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة خلف عبدالرحمن بن عوف، ولم يصلِّ عليه الصلاة والسلام خلف أحد غيره، ثم قال لهم بعد أن سلَّم: ((أحسنتم، أو قال: أصبتم))؛ [رواه مسلم]، وكانوا قد باتوا ليلة من الليالي في طريقهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يكلؤنا الليلة؟ قال بلال: أنا، فلعله نام بلال فما استيقظوا إلا بعد الشمس))، وفي رواية أبي قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم حينها: ((إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى))؛ [رواه مسلم]، وكان نومهم عذرًا لهم؛ لأنهم اتخذوا الأسباب للقيام للصلاة ولم يهملوها، كما قد يفعله من لم يتخذ الأسباب ويعذر أيضًا نفسه بنومه هذا، وهذا لا شك أنه خلل كبير، وخطأ جسيم، وإهمال وتقصير، ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وضُربت له القُبة، خطب الناس وحثهم على الجهاد، وأخبرهم بخير الناس وشر الناس، وأقام عليه الصلاة والسلام في تبوك عشرين يومًا لم يلقَ عدوًّا، وكان يرسل السرايا إلى بعض الجهات، وخلال تلك العشرين يومًا أوضح النبي عليه الصلاة والسلام للأمة عددًا من الأحكام الشرعية، فكانوا يسألونه ويجيبهم، أو يحدثهم ابتداء، وجاء بعض القبائل حال إقامته هناك، فصالحوه ودفعوا الجزية، ومنهم من أسلم، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم إلى المدينة ولم يقاتلوا، وإنما كانت لهم هيبة في نفوس الروم، وحصل مصالح عظيمة أخرى متنوعة، ولما أقبل النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، جاء المنافقون وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي لهم في مسجد الضرار، فنزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام وهو قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [التوبة: 107]؛ الآية، فلما نزل الوحي أمر النبي صلى الله عليه وسلم اثنين من الصحابة، أمرهما أن يذهبا إلى المسجد ويهدماه ويحرقاه، ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فجاء المتخلفون عن الغزوة؛ وهم أربعة أصناف؛ الصنف الأول: صنف مأمورون بالتخلف، وهم مأجورون، وهم من أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا في المدينة، ولهم أجر الغزاة، والصنف الثاني: معذورون؛ وهم الضعفاء والمرضى ونحوهم، والصنف الثالث: عصاة مذنبون ليس لهم أعذار؛ وهم الثلاثة الذين خُلِّفوا ومن معهم، والصنف الرابع: المنافقون الذين ليس لهم أعذار، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر الصحابة رضي الله عنهم عندما قدموا على المدينة ألَّا يكلموا هؤلاء المخلفين الثلاثة بغير عذر، ولا يجالسوهم، ولا يحادثوهم، أيها الكرام، سنكمل الحديث بإذن الله تعالى عن الواقع لهؤلاء، وما كان لهم، وما كان عليهم في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى، ونستعرض الآن شيئًا من الدروس والعبر من هذا العرض؛ وهي كالآتي: الدرس الأول: في تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لعماله أن يأخذوا شيئًا ليس لهم، وهو ما يُعرَف بالغُلُول، هو خطاب للأمة جميعًا وتحذير لها، فإن الموظف والمكلف بعمل يجب عليه أن يترفع عن ما ليس له، ويكون أمينًا، أما إذا خان الأمانة، وأخذ الهدايا والعطايا، فهذا محظور؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أفَلَا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟))، فما أخذه المكلف بعمل غلولًا أو رشوة أو نحوهما من أوجه الفساد، ليعلم ذلك المسكين أنه سيأتي به يوم القيامة فضيحة له، ويُحاسَب عليه، فعليه غُرْمُه، ولغيره غُنْمُه، وهو سُحْتٌ يأخذه وحرام يأكله، فكيف يهنأ ذلك المسكين بهذا وهو يعلم أنه حرام لا يحل له؟ وكل جسم نبت من سحت، فالنار أولى به، نسأل الله تعالى العافية، فما هي حاله؟ عندما يكون الناس يوم القيامة حفاة عراة كل منهم يقول: نفسي نفسي، حتى الأنبياء، وهذا مشغول بمحاسبة ذلك المال الذي أخذه بغير حقه، فليتحلل اليوم، ولْيَتُب الآن. الدرس الثاني: في سرعة نفقة الصحابة رضي الله عنهم لتجهيز جيش العسرة ترغيبٌ في الصدقة في سبيل الله، وهذه الصدقة لها مخرجاتها الطيبة، ولها آثارها الحميدة، فمن ذلك أنها مضاعفة، وأنها مخلوفة، وأنها تدفع ميتة السوء، وأنها تطفئ غضب الرب، وأن المتصدق تحت ظل صدقته يوم القيامة، وأنها تدفع البلاء وتكفر الذنوب، وأنها أيضًا كذلك برهان على قوة الإيمان، وأيضًا هي تطهر المال وتزيده، وأيضًا هي سبب في دعاء الملائكة للمتصدق، وكذلك سبب في الألفة، ودليل على الكرم، وهي نقل للمال من حساب الدنيا إلى حساب الآخرة، إلى غير ذلك من المصالح، فإن هذه المكاسب والمصالح تجعلك أخي الكريم تُقْبِل على الصدقة، وتجعلها عملًا ثابتًا لك، ولتعلم أن ما ذهب منك فهو مرصود لك لا يتعداك، وكُتب لك أجره، فهو لم ينقصك شيئًا، فكن أخي الكريم متصدقًا ومكثرًا، فإن مالك الذي تصدقت به هو الذي لك، أما ما أبقيت، فهو لغيرك، وإني اقترح عليك ذلك المقترح الصغير، ولكنه كبير في أثره ومخرجاته؛ وهو أن تضع في بيتك حصالة صغيرة يراها الجميع من أهل البيت، فيتصدقون بالقليل أو الكثير، ثم تُفتَح دوريًّا ويُدفَع ما فيها في سُبُل الخير، وقد تكون مجالًا للصدقة في السر؛ حيث لا يراه أحد؛ فيكون تحت ظل الله يوم القيامة، وهذه الفكرة هي تدريب للنفس وأهل البيت على البذل والجود، والعطاء والكرم. الدرس الثالث: لا تستقلَّ شيئًا تنفقه في سبيل الله، ولا تستكثر شيئًا؛ فالكل من فضل الله تعالى عليك، فليتصدق كل منا مما فتح الله عليه، فقد تصدق أحدهم في تلك الغزوة بنصف صاع من تمر، وتصدق آخر بعِرضه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))، ولا تستقل قليلًا، فإن عدم الصدقة أقل منه. الدرس الرابع: حدث في هذه الغزوة صدقة من الصدقات، وهي صدقة من نوع آخر، وكانت من الصدقات المتقبَّلة؛ وهي صدقة عُلْبَة بن زيد رضي الله عنه بِعِرضه، عندما لم يجد شيئًا يتصدق به، فإن الصدقة بالعرض؛ وهي إباحة الآخرين الذين اغتابوه أو ظلموه هي عمل صالح جليل أجره عظيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، فالتسامح عن الحقوق مطلب كبير، وأجره عظيم جزيل جسيم. الدرس الخامس: في تلك الغزوة كان أناس بالمدينة لم يخرجوا إليها حبسهم العذر، وقد كانت نيتهم معقودة على الخروج، ولكنهم لم يخرجوا لضعف أو مرض أو نحوهما، فهم قد بلغوا درجة هؤلاء المجاهدين؛ ولهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر))، فالنية الصالحة يبلغ بها المسلم الدرجات العلا، وإن لم يعمل، إن كان معذورًا، وبالمناسبة فإنني أوصيك أخي الكريم بالإكثار من الطاعة القولية والفعلية، حتى إذا مرضت أو سافرت كُتب لك وإن لم تفعلها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر، كُتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا))؛ [رواه مسلم]. الدرس السادس: في تلك الغزوة حصل لهم فوات لصلاة الفجر، فلم يستيقظوا إلا بعد خروج الوقت، فلما استيقظوا، صلوها على صفتها، وهذا هو الواجب، ولكنهم لم يناموا من ليلهم إلا وقد اتخذوا الأسباب المعينة؛ ولذلك وضعوا من يوقظهم، ولكنه نام عن ذلك، في حين أن بعض المصلين يصلي تلك الصلاة بعد وقتها، ويحتج بنومه، وهو لم يتخذ الأسباب المعينة على الاستيقاظ، وهو يعذر نفسه في هذا، وفي حقيقة الأمر بأنه لا عذر له في فعله هذا، وإن كان غير معذور، فإن صلاته - كما يقوله جمع من أهل العلم - ليست على الأمر الشرعي، فهي خارج وقتها بلا عذر، وعلى مقتضى ذلك؛ فلا تصح منه تلك الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من عمل ليس عليه أمرنا، فهو رد))، فعليه التوبة والاستغفار من ذلك، بل إن بعض أهل العلم قالوا بأنه إذا تعمد ذلك فيُخشى عليه من أن يُوصَف بترك الصلاة، وتركها كفر، نعوذ بالله من ذلك؛ لأنه صلَّاها في غير وقتها، فهو كمن لم يصلِّها، وقد ورد في الحديث أن من صلاها في وقتها أصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان، فمن يرضى أن يُوصَف بخبث النفس والكسل، فَلْنَسْتَعِنْ بالله، ولنصحح المسار ما دمنا في زمن الإمكان. الدرس السابع: في مكث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم في تبوك عشرين يومًا، كانت هذه العشرون حافلةً بالعلم والتعليم وبيان الشرائع، وهكذا شأن المسلم في مجالسه في حِلِّه وترحاله يجعل شيئًا منها فيما يفيد، فيتعلم البعض من البعض الآخر، ولا تمضي مجالسنا كلها أحاديث جانبية قد تكون خالية مما يفيد، بل إن الأمر يكون ساعة وساعة، وذلك سبيل المؤمنين في حلهم وترحالهم. الدرس الثامن: عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، وهما ركعتا القدوم من السفر، وهذه سنة شبه مهجورة عند البعض، فعلى المسلم إذا قدم من سفر ودخل بلده أن يبدأ في المسجد فيصلي ركعتين ثم يتوجه إلى بيته. الدرس التاسع: ظهور معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة، عندما جاعوا وكادوا ينحرون بعض الإبل، أشار بعضهم أن نجمع بعض الطعام فجمعوا ما جمعوا، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، فكثُر ذلك الطعام حتى أكلوا جميعًا وشبعوا وأبقوا كثيرًا، وهذه المعجزات هي خوارق للعادة، يجريها الله تبارك وتعالى على يد نبيه عليه الصلاة والسلام؛ لتكون آية على صدق نبوته صلى الله عليه وسلم، وإن القراءة والتأمل في تلك المعجزات مما يقوِّي قلب المؤمن، ويكون سببًا لثباته. الدرس العاشر: المنافقون في تلك الغزوة كانوا شوكة على المؤمنين، فأحيانًا يثبطون، وأحيانًا يستهزؤون، وأخرى يعاتبون، فليس منهم إلا ذلك نسأل الله العافية، وسبحان من قدر عليهم ذلك قدرًا وكونًا، علمًا بأنهم كانوا يتعبون في ذهابهم ورجوعهم وصلاتهم إن صلوا، وغير ذلك من الأعمال، لكنه هباء منثور لا يستفيدون منه شيئًا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، بل هو وبال عليهم فيهما جميعًا، وهم في الدرك الأسفل من النار، فَلْنَسْتَعِذْ بالله من النفاق والمنافقين، ولا نشمت بأحد منهم حتى لا يصيبنا ما أصابهم، ولنسأل الله تبارك وتعالى الثبات، وإن الأعمال الصالحة الخفية، وهي خبايا الأعمال، تعتبر سياجًا بإذن الله تعالى من النفاق، وإن كثرة ذكر الله تعالى أيضًا هو سياج آخر، وهكذا يتخذ المسلم الأسباب التي تبعده عن النفاق والمنافقين، ولا يخالطهم؛ حتى لا يصيبه ما أصابهم، نسأل الله تعالى العافية، ونسأله تبارك وتعالى أن يبعد بيننا وبين النفاق والفساد، كما باعد بين المشرق والمغرب، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافِنا واعفُ عنا، وأصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |