الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سحور 16 رمضان.. طريقة عمل سلطة جبنة قريش لذيذة وصحية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          أربعة أسئلة قبل دخول رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 14 - عددالزوار : 684 )           »          رمضان والصيام والإمساك عن الآثام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          من الأخطاء الشائعة في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الاستغفار في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          وصايا رمضانية (2) وصايا خاصة بالأئمة وصلاة التراويح والوتر (word) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          رمضان شهر التغيير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          رمضان شهر الجود والكرم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-11-2022, 06:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (201)
صـ301 إلى صـ 315



والثاني : أن المناهي تمتثل بفعل واحد وهو الكف ، فللإنسان قدرة عليها في الجملة من غير مشقة ، وأما الأوامر فلا قدرة للبشر على فعل جميعها ، وإنما تتوارد على المكلف على البدل بحسب ما اقتضاه الترجيح ، فترك بعض الأوامر ليس بمخالفة على الإطلاق بخلاف فعل بعض النواهي ، فإنه مخالفة [ ص: 301 ] في الجملة ، فترك النواهي أبلغ في تحقيق الموافقة .

الثالث : النقل ، فقد جاء في الحديث : فإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فجعل المناهي آكد في الاعتبار من الأوامر ، حيث حتم في المناهي من غير مثنوية ، ولم يحتم ذلك في الأوامر إلا مع التقييد بالاستطاعة ، وذلك إشعار بما نحن فيه من ترجيح مطابقة المناهي على مطابقة الأوامر .
[ ص: 302 ] المسألة الخامسة

الاقتداء بالأفعال الصادرة من أهل الاقتداء يقع على وجهين :

أحدهما : أن يكون المقتدى به في الأفعال ممن دل الدليل على عصمته ، كالاقتداء بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو فعل أهل الإجماع ، أو ما يعلم بالعادة أو بالشرع أنهم لا يتواطئون على الخطأ ، كعمل أهل المدينة على رأي مالك .

والثاني : ما كان بخلاف ذلك .

فأما الثاني فعلى ضربين :

أحدهما : أن ينتصب بفعله ذلك لأن يقتدى به قصدا ، كأوامر الحكام ونواهيهم وأعمالهم في مقطع الحكم ، من أخذ وإعطاء ، ورد وإمضاء ، ونحو ذلك ، أو يتعين بالقرائن قصده إليه تعبدا به ، واهتماما بشأنه دينا وأمانة .

والآخر : ألا يتعين فيه شيء من ذلك .

فهذه أقسام ثلاثة ، لا بد من الكلام عليها بالنسبة إلى الاقتداء .

فالقسم الأول لا يخلو أن يقصد المقتدي إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه المقتدى به ، لا يقصد به إلا ذلك ، سواء عليه أفهم مغزاه أم لا [ ص: 303 ] من غير زيادة ، أو يزيد عليه تنوية المقتدى به في الفعل أحسن المحامل مع احتماله في نفسه ، فيبني في اقتدائه على المحمل الأحسن ، ويجعله أصلا يرتب عليه الأحكام ، ويفرع عليه المسائل .

فأما الأول ، فلا إشكال في صحة الاقتداء به على حسب ما قرره الأصوليون ، كما اقتدى الصحابة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أشياء كثيرة ، كنزع الخاتم الذهبي ، وخلع النعلين في الصلاة ، والإفطار في السفر ، والإحلال من [ ص: 304 ] العمرة عام الحديبية ، وكذلك أفعال الصحابة التي أجمعوا عليها ، وما أشبه ذلك .

وأما الثاني ، فقد يحتمل أن يكون فيه خلاف إذا أمكن انضباط المقصد ، ولكن الصواب أنه غير معتد به شرعا في الاقتداء ، لأمور :

أحدها : أن تحسين الظن إلغاء لاحتمال قصد المقتدى به دون ما نواه المقتدي من غير دليل .

فالاحتمال الذي عينه المقتدي لا يتعين ، وإذا لم يتعين لم يكن ترجيحه إلا بالتشهي ، وذلك مهمل في الأمور الشرعية ؛ إذ لا ترجيح إلا بمرجح .

[ ص: 305 ] ولا يقال : إن تحسين الظن مطلوب على العموم ، فأولى أن يكون مطلوبا بالنسبة إلى من ثبتت عصمته ؛ لأنا نقول : تحسين الظن بالمسلم - وإن ظهرت مخايل احتمال إساءة الظن فيه - مطلوب بلا شك ، كقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن الآية [ الحجرات : 12 ] .

وقوله : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا الآية [ النور : 12 ] .

بل أمر الإنسان في هذا المعنى أن يقول ما لا يعلم - كما أمر باعتقاد [ ص: 306 ] ما لا يعلم - في قوله : وقالوا هذا إفك مبين [ النور : 12 ] .

وقوله : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم [ النور : 16 ] .

إلى غير ذلك مما في هذا المعنى .

ومع ذلك فلم يبن عليه حكم شرعي ، ولا اعتبر في عدالة شاهد ولا في غير ذلك بمجرد هذا التحسين حتى تدل الأدلة الظاهرة المحصلة للعلم أو الظن الغالب .

فإذا كان المكلف مأمورا بتحسين الظن بكل مسلم ، ولم يكن كل مسلم عدلا عند المحسن بمجرد هذا التحسين حتى تحصل الخبرة أو التزكية ، دل على أن مجرد تحسين الظن بأمر لا يثبت ذلك الأمر ، وإذا لم يثبته لم ينبن عليه حكم ، وتحسين الظن بالأفعال من ذلك ، فلا ينبني عليها حكم .

ومثاله كما إذا فعل المقتدى به فعلا يحتمل أن يكون دينيا تعبديا ، ويحتمل أن يكون دنيويا راجعا إلى مصالح الدنيا ، ولا قرينة تدل على تعيين أحد الاحتمالين ، فيحمله هذا المقتدي على أن المقتدى به إنما قصد الوجه الديني لا الدنيوي بناء على تحسينه الظن به .

والثاني : أن تحسين الظن عمل قلبي من أعمال المكلف بالنسبة إلى المقتدى به مثلا ، وهو مأمور به مطلقا ، وافق ما في نفس الأمر أو خالف ؛ إذ لو كان يستلزم المطابقة علما أو ظنا لما أمر به مطلقا ، بل بقيد الأدلة المفيدة لحصول الظن بما في نفس الأمر ، وليس كذلك باتفاق ، فلا يستلزم المطابقة ، وإذا ثبت هذا فالاقتداء بناء على هذا التحسين بناء على عمل من أعمال نفسه ، لا على أمر حصل لذلك المقتدى به ، لكنه قصد الاقتداء بناء على ما [ ص: 307 ] عند المقتدى به ، فأدى إلى بناء الاقتداء على غير شيء ، وذلك باطل ، بخلاف الاقتداء بناء على ظهور علاماته ، فإنه إنما انبنى على أمر حصل للمقتدى به علما أو ظنا ، وإياه قصد المقتدي باقتدائه ، فصار كالاقتداء به في الأمور المتعينة .

والثالث : أن هذا الاقتداء يلزم منه التناقض ؛ لأنه إنما يقتدى به بناء على أنه كذلك في نفس الأمر ظنا مثلا ، ومجرد تحسين الظن لا يقتضي أنه كذلك في نفس الأمر لا علما ولا ظنا ، وإذا لم يقتضه لم يكن الاقتداء به بناء على أنه كذلك في نفس الأمر ، وقد فرضنا أنه كذلك ، هذا خلف متناقض .

وإنما يشتبه هذا الموضع من جهة اختلاط تحسين الظن بنفس الظن ، والفرق بينهما ظاهر ، لأمرين :

أحدهما : أن الظن نفسه يتعلق بالمقتدى به مثلا بقيد كونه في نفس الأمر كذلك ، حسبما دلت عليه الأدلة الظنية ، بخلاف تحسين الظن ، فإنه يتعلق به كان في الخارج على حسب ذلك الظن أو لا .

والثاني : أن الظن ناشئ عن الأدلة الموجبة له ضرورة لا انفكاك للمكلف عنه ، وتحسين الظن أمر اختياري للمكلف غير ناشئ عن دليل يوجبه ، وهو يرجع إلى نفي بعض الخواطر المضطربة الدائرة بين النفي والإثبات في كل واحد من الاحتمالين المتعلقين بالمقتدى به ، فإذا جاءه خاطر الاحتمال الأحسن [ ص: 308 ] قواه وثبته بتكراره على فكره ، ووعظ النفس في اعتقاده ، وإذا أتاه خاطر الاحتمال الآخر ضعفه ، ونفاه ، وكرر نفيه على فكره ، ومحاه عن ذكره .

فإن قيل : إذا كان المقتدى به ظاهره والغالب من أمره الميل إلى الأمور الأخروية والتزود للمعاد ، والانقطاع إلى الله ، ومراقبة أحواله فيما بينه وبين الله ، فالظاهر منه أن هذا الفرد المحتمل ملحق بذلك الأعم الأغلب ، شأن الأحكام الواردة على هذا الوزن .

فالجواب : أن هذا الفرد إذا تعين هكذا على هذا الفرض فقد يقوى الظن بقصده إلى الاحتمال الأخروي ، فيكون مجال الاجتهاد كما سيذكر بحول الله ، ولكن ليس هذا الفرض بناء على مجرد تحسين الظن ، بل على نفس الظن المستند إلى دليل يثيره ، والظن الذي يكون هكذا قد ينتهض في الشرع سببا لبناء الأحكام عليه ، وفرض مسألتنا ليس هكذا ، بل على جهة ألا يكون لأحد الاحتمالين ترجيح يثير مثله غلبة الظن بأحد الاحتمالين ، ويضعف الاحتمال الآخر ، كرجل متق لله محافظ على امتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ليس له في الدنيا شغل إلا بما كلف من أمر دينه بالنسبة إلى دنياه وآخرته ، فمثل هذا له في هذه الدار حالان :

[ ص: 309 ] حال دنيوي ، به يقيم معاشه ، ويتناول ما من الله به عليه من حظوظ نفسه .

وحال أخروي ، به يقيم أمر آخرته .

فأما هذا الثاني فلا كلام فيه ، وهو متعين في نفسه ، وغير محتمل إلا في القليل ، ولا اعتبار بالنوادر .

وأما الأول : فهو مثار الاحتمال ، فالمباح مثلا يمكن أن يأخذه من حيث حظ نفسه ، ويمكن أن يأخذه من حيث حق ربه عليه في نفسه ، فإذا عمله ولم يدر وجه أخذه فالمقتدي به بناء على تحسين ظنه به ، وأنه إنما عمله متقربا إلى الله ، ومتعبدا له به ، فيعمل به على قصد التقرب ، ولا مستند له إلا تحسين ظنه بالمقتدى به ، ليس له أصل ينبني عليه ؛ إذ يحتمل احتمالا قويا أن يقصد المقتدى به نيل ما أبيح له من حظه ، فلا يصادف قصد المقتدي محلا ، بل إن صادف صادف أمرا مباحا صيره متقربا به ، والمباح لا يصح التقرب به كما تقدم تقريره في كتاب الأحكام .

بل نقول : إذا وقف المقتدى به وقفة ، أو تناول ثوبه على وجه ، أو قبض على لحيته في وقت ما ، أو ما أشبه ذلك ، فأخذ هذا المقتدي يفعل مثل فعله بناء على أنه قصد به العبادة مع احتمال أن يفعل ذلك لمعنى دنيوي ، أو غافلا ، كان هذا المقتدي معدودا من الحمقى والمغفلين ، فمثل هذا هو المراد بالمسألة .

وكذلك إذا كان له درهم مثلا ، فأعطاه صديقا له لصداقته ، وقد كان يمكن أن ينفقه على نفسه ويصنع به مباحا أو يتصدق به ، فيقول المقتدي : حسن الظن به يقتضي أنه كان يتصدق به ، لكن آثر به على نفسه في هذا الأمر [ ص: 310 ] الأخروي ، فيجيء منه جواز الإيثار في الأمور الأخروية .

وهذا المعنى لحظ بعض العلماء في حديث : واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فاستنبط منه صحة الإيثار في أمور الآخرة ؛ إذ كان إنما يدعو بدعوته التي أعطيها في أمر من أمور الآخرة لا في أمور الدنيا .

فإذا بنينا على ما تقدم ، فلقائل أن يقول : إن ما قاله غير متعين ؛ لأنه كان يمكنه أن يدعو بها في أمر من أمور دنياه ؛ لأنه لا حجر عليه ، ولا قدح فيه ينسب إليه ، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يحب من الدنيا أشياء ، وينال مما أعطاه الله من الدنيا ما أبيح له ، ويتعين ذلك في أمور ، كحبه للنساء ، والطيب ، [ ص: 311 ] والحلواء ، والعسل ، والدباء ، وكراهيته للضب ، وأشباه ذلك ، وكان يترخص في بعض الأشياء مما أباح الله له ، وهو منقول كثيرا .

ووجه ثان ، وهو أنه قد دعا - عليه الصلاة والسلام - بأمور كثيرة دنيوية ، كاستعاذته من الفقر ، والدين ، وغلبة الرجال ، وشماتة الأعداء ، والهم ، وأن يرد إلى أرذل العمر ، وكان يمكنه أن يعوض من ذلك أمور الآخرة فلم يفعل ، ويدل [ ص: 312 ] عليه في نفس المسألة أن جملة من الأنبياء دعوا الدعوة المضمونة الإجابة لهم المذكورة في قوله : لكل نبي دعوة مستجابة في أمته على وجه مخصوص بالدنيا جائز لهم ، وهو الدعاء عليهم ، كقوله : وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ نوح : 26 ] حسبما نقله المفسرون ، وكان من [ ص: 313 ] الممكن أن يدعو بغير ذلك مما فيه صلاح لهم في الآخرة ، فكونهم فعلوا ذلك وهم صفوة الله من خلقه دليل على أنه لا يتعين في حقهم أن تكون جميع أعمالهم وأقوالهم مصروفة إلى الآخرة فقط ، فكذلك دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يتعين فيها أمر الآخرة ألبتة ، فلا دليل في الحديث على ما قال هذا العالم .

وأمر ثالث : وهو أنا لو بنينا على هذا الأصل ، لكنا نقول ذلك القول في كل فعل من أفعاله - عليه الصلاة والسلام - كان من أفعال الجبلة الآدمية أو لا ؛ إذ يمكن أن يقال : إنه قصد بها أمورا أخروية ، وتعبدا مخصوصا ، وليس كذلك عند العلماء ، بل كان يلزم منه ألا يكون له فعل من الأفعال مختصا بالدنيا إلا من بين أنه راجع إلى الدنيا ؛ لأنه لا يتبين إذ ذاك كونه دنيويا لخفاء قصده فيه حتى يصرح به ، وكذلك إذا لم يبين جهته ؛ لأنه محتمل أيضا ، فلا يحصل من بيان أمور الدنيا إلا القليل ، وذلك خلاف ما يدل عليه معظم الشريعة ، فإذا ثبت هذا صح أن الاقتداء على هذا الوجه غير ثابت ، وأن الحديث لا دليل فيه من هذا الوجه .

مع أن الحديث كما تقدم يقتضي أن الدعوة مخصوصة بالأمة ، لقوله فيه : [ ص: 314 ] لكل نبي دعوة مستجابة في أمته فليست مخصوصة به ، فلا يحصل فيها معنى الإيثار الذي ذكره ؛ لأن الإيثار ثان عن قبول الانتفاع في جهة المؤثر ، وهنا ليس كذلك .

والقسم الثاني : إن كان مثل انتصاب الحاكم ونحوه ، فلا شك في صحة الاقتداء ؛ إذ لا فرق بين تصريحه بالانتصاب للناس ، وتصريحه بحكم ذلك الفعل المفعول أو المتروك ، وإن كان مما تعين فيه قصد العالم إلى التعبد بالفعل أو الترك ، بالقرائن الدالة على ذلك ، فهو موضع احتمال .

فللمانع أن يقول : إنه إذا لم يكن معصوما تطرق إلى أفعاله الخطأ ، والنسيان ، والمعصية قصدا ، وإذا لم يتعين وجه فعله ، فكيف يصح الاقتداء [ ص: 315 ] به فيه قصدا في العبادات أو في العادات ؟ ولذلك حكي عن بعض السلف أنه قال : أضعف العلم الرؤية ، يعني : أن يقول : رأيت فلانا يعمل كذا ، ولعله فعله ساهيا .

وعن إياس بن معاوية : لا تنظر إلى عمل الفقيه ، ولكن سله يصدقك .

وقد ذم الله تعالى الذين قالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة الآية [ الزخرف : 22 ] .

وفي الحديث من قول المرتاب : سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .

فالاقتداء بمثل هذا المفروض كالاقتداء بسائر الناس ، أو هو قريب منه .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-12-2022, 02:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,954
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (206)
صـ376 إلى صـ 385



وقال ابن عباس : ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض - صلى الله عليه وسلم - كلهن في القرآن : ويسألونك عن المحيض [ البقرة : 222 ] [ ص: 376 ] ويسألونك عن اليتامى [ البقرة : 220 ] . يسألونك عن الشهر الحرام [ البقرة : 217 ] ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم .

يعني أن هذا كان الغالب عليهم .

وفي الحديث : إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم عليه ، فحرم عليهم من أجل مسألته .

وقال : ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم [ ص: 377 ] على أنبيائهم .

وقام يوما وهو يعرف في وجهه الغضب ، فذكر الساعة ، وذكر قبلها أمورا عظاما ، ثم قال : من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه ، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا قال : فأكثر الناس من البكاء حين سمعوا ذلك ، وأكثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول : سلوني ، فقام عبد الله بن حذافة السهمي ، فقال : من أبي ؟ فقال : أبوك حذافة ، فلما أكثر أن يقول : سلوني ، برك عمر بن الخطاب على ركبتيه ، فقال : يا رسول الله رضينا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، قال : فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال عمر ذلك ، وقال أولا : والذي نفسي بيده ، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، وأنا أصلي ، فلم أر كاليوم في الخير والشر .

وظاهر هذا المساق يقتضي أنه إنما قال : سلوني في معرض الغضب ، تنكيلا بهم في السؤال حتى يروا عاقبة ذلك ، ولأجل ذلك ورد في الآية قوله : إن تبد لكم تسؤكم [ المائدة : 101 ] .

ومثل ذلك قصة أصحاب البقرة ، فقد روي عن ابن عباس أنه قال : " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ، ولكن شددوا فشدد الله عليهم حتى ذبحوها ، وما كادوا يفعلون " .

وقال الربيع بن خثيم : يا عبد الله ، ما علمك الله في كتابه من علم [ ص: 378 ] فاحمد الله ، وما استأثر عليك به من علم ، فكله إلى عالمه ، ولا تتكلف ، فإن الله يقول لنبيه - عليه الصلاة والسلام - : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ ص : 86 ] إلخ .

وعن ابن عمر ، قال : لا تسألوا عما لم يكن ، فإني سمعت عمر يلعن من سأل عما لم يكن .

[ ص: 379 ] وفي الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن الأغلوطات .

[ ص: 380 ] فسره الأوزاعي ، فقال : يعني صعاب المسائل .

وذكرت المسائل عند معاوية ، فقال : أما تعلمون أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى [ ص: 381 ] عن عضل المسائل .

وعن عبدة بن أبي لبابة قال : وددت أن حظي من أهل هذا الزمان ألا أسألهم عن شيء ، ولا يسألوني عن شيء ، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثرون أهل الدراهم بالدراهم .

وورد في الحديث : " إياكم وكثرة السؤال " .

وسئل مالك عن حديث : " نهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال " قال : أما كثرة السؤال ، فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل ، فقد كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسائل وعابها ، وقال الله تعالى : لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم [ المائدة : 101 ] ، فلا أدري أهو هذا ، أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاء .

[ ص: 382 ] وعن عمر بن الخطاب ، أنه قال على المنبر : أحرج بالله على كل امرئ سأل عن شيء لم يكن ، فإن الله قد بين ما هو كائن .

وقال ابن وهب : قال لي مالك وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل : يا عبد الله ، ما علمته فقل به ، ودل عليه ، وما لم تعلم فاسكت عنه ، وإياك أن تتقلد [ ص: 383 ] للناس قلادة سوء .

وقال الأوزاعي : إذا أراد الله أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط .

وعن الحسن قال : إن شرار عباد الله الذين يجيئون بشرار المسائل ، يعنتون بها عباد الله .

وقال الشعبي : والله لقد بغض هؤلاء القوم إلي المسجد حتى لهو أبغض إلي من كناسة داري ، قلت : من هم يا أبا عمرو ؟ قال : الأرأيتيون .

وقال : ما كلمة أبغض إلي من " أرأيت " .

[ ص: 384 ] وقال أيضا لداود الأودي : احفظ عني ثلاثا لها شأن : إذا سئلت عن مسألة فأجبت فيها فلا تتبع مسألتك " أرأيت " ، فإن الله قال في كتابه : أرأيت من اتخذ إلهه هواه [ الفرقان : 43 ] حتى فرغ من الآية ، والثانية إذا سئلت عن مسألة فلا تقس شيئا بشيء ، فربما حرمت حلالا ، أو حللت حراما ، والثالثة إذا سئلت عما لا تعلم ، فقل لا أعلم ، وأنا شريكك .

وقال يحيى بن أيوب : بلغني أن أهل العلم كانوا يقولون : إذا أراد الله ألا يعلم عبده خيرا أشغله بالأغاليط .

[ ص: 385 ] والآثار كثيرة .

والحاصل منها أن كثرة السؤال ، ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية ، والاحتمالات النظرية - مذموم ، وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه ، وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألوه حتى يسمعوا كلامه ، ويحفظوا منه العلم ، ألا ترى ما في الصحيح عن أنس ، قال : نهينا أن نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع .

ولقد أمسكوا عن السؤال حتى جاء جبريل ، فجلس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأمارتها ، ثم أخبرهم - عليه الصلاة والسلام - أنه جبريل ، وقال : أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا .

وهكذا كان مالك بن أنس لا يقدم عليه في السؤال كثيرا ، وكان أصحابه يهابون ذلك ، قال أسد بن الفرات - وقد قدم على مالك - : وكان ابن القاسم وغيره من أصحابه يجعلونني أسأله عن المسألة ، فإذا أجاب يقولون : قل له فإن كان كذا ، فأقول له : فضاق علي يوما ، فقال لي : هذه سليسلة بنت سليسلة ، إن أردت هذا ، فعليك بالعراق ، وإنما كان مالك يكره فقه العراقيين وأحوالهم لإيغالهم في المسائل وكثرة تفريعهم في الرأي .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 95.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 93.34 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.23%)]