بداية الشعر الجاهلي - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تقنية جديدة من ميتا لدبلجة الفيديوهات مع مزامنة حركة الشفاه تلقائيًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          ذكاء اصطناعى يتنصت على المكالمات عبر الرادار على بعد 3 أمتار فقط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          تطبيق Notion Mail متوفر الآن على نظام iOS.. يدعم أكثر من 18 لغة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          جوجل تكشف عن ميزة الترجمة الجديدة لهواتف بيكسل.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          جوجل تحدث كروم على أندرويد.. تعرف على أبرز مميزاته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          يوتيوب يحدد أعمار المستخدمين وفق سجل المشاهدة بدلا من بيانات الميلاد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          عُمرتك في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          صوم رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          رمضان شهر الصدقة والعمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          منيو فطار 6 رمضان.. طريقة عمل الدجاج المشوى بالأعشاب وأرز بالشعرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى الشعر والخواطر
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الشعر والخواطر كل ما يخص الشعر والشعراء والابداع واحساس الكلمة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #4  
قديم 08-11-2022, 09:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,440
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بداية الشعر الجاهلي

بداية الشعر الجاهلي (2)


د. إبراهيم عوض





وتبقى مسألة الدين، وفي الشعر الجاهلي إشارات متكررة إلى عدد من مظاهره وشعائره وقتذاك، وأقصى ما قد يمكن أن يقال في هذا الصدد هو أن الشعر الجاهلي يخلو من القول المفصل في أمور الدين، وهو ما يمكن أن يفسَّر بأن كثيرًا من ذلك الشعر قد ضاع، وأن المسلمين لم يجدوا في أنفسهم ميلًا إلى حفظه وترديده، وينبغي ألا ننسى أيضًا أن خطب العرب وأمثالهم تخلو مثل الشعر، وربما أكثر من الشعر، من الحديث في أمور الدين، أما القول بأن ذلك دليل على أنه مصنوع في الإسلام فنتيجة غير لازمة ولا مسلَّمة، فضلًا عن أن القول بها يستلزم أن تكون أمة العرب والمسلمين كلها على بكرة أبيها أمة من المزيفين والمتواطئين معهم، أو أمة من الكذابين الوضاعين من جهة، ومن الأغبياء المغفلين من جهة أخرى، حتى ليجوز أن يخترع المخترعون منها شعر عصر كامل وشعراءه فجأة، وكأن الأمة نامت ذات ليلة دون أن يكون هناك شعر جاهلي ولا شعراء جاهليون ثم استيقظت من مرقدها فإذا بين يديها ذلك الشعر وشعراؤه، ورغم هذا لا يجد هؤلاء المخترعون المزيفون من يعقِّب على صنيعهم، ثم إن العرب قبل ذلك كله كانوا يعتمدون على ذاكرتهم اعتمادًا أساسيًّا حتى أضحت الذاكرة العربية من كثرة الاستعمال والثقة بها حادة الرهافة، أما الاتهامات التي وُجهت إلى بعض الرواة فمن الممكن أن تكون كلامًا مرسَلًا، بل لقد وجدنا بعضها لا يقوم على أساس، أو لا يقوم على الأقل على أساس متين، كما أن قول القرآن الكريم في خطابه للكافرين: ﴿ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ﴾ [القلم: 37، 38] ليس معناه أن العرب لم يكونوا يعرفون شيئًا عن القراءة والكتابة حسبما زعم مرجليوث بجهله وبهلوانيته، بل الكلام فيه موجه إلى القرشيين وحدهم، لا إلى العرب كلهم؛ إذ كان أهل مكة يسخرون من الجنة ومن المؤمنين بها قائلين: إنه إن كان ثمة جنة ونعيم فلَسوف يتمتعون رغم ذلك بما فيها من خيرات ولذائذ، فأنكر عليهم القرآن قولهم ذلك متسائلًا: أوَفِي أيديهم كتاب سماوي يقول بأنهم يوم القيامة سيتمتعون كما يزعمون بنعيم الجنة كالمؤمنين المتقين؟ ولقد أثبت الباحثون من عرب ومستشرقين معرفة العرب للكتابة والقراءة، ولجوءهم إليها في عملية تسجيل الشعر في غير قليل من الأحيان؛ (انظر في ذلك مقال كرنكوف: "استعمال الكتابة لحفظ الشعر العربي القديم"/ من ترجمة د. عبدالرحمن بدوي في كتابه: "دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي"/ 292 - 304، والفصل المطول المستفيض الذي عقده لذلك الموضوع ودعمه بالشواهد الكثيرة والأدلة القوية د. ناصر الدين الأسد في كتابه القيم: "مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية"/ دار المعارف/ 1956م)... إلخ.

وقد انتهى الأمر بدراستَيْ مرجليوث وطه حسين عند الباحثين المحترمين إلى الانزواء في دائرة النبذ والإهمال، حتى في نطاق المستشرقين أنفسهم، الذين انقض بعضهم على بحث مرجليوث المتهافت السخيف فمزقوا أوصاله وأبرزوا ما فيه من تفكك ومجافاة للمنطق وأصول البحث العلمي، وهو نفس المصير الذي لاقاه كتاب طه حسين رغم القعقعات التي يحاول بعض من يُحسَبون على الثقافة العربية أن يُحدثوها بين الحين والحين تلميعًا له، جاهلين أن ذلك الكتاب قد مات وشبع موتًا منذ ثمانين عامًا إثر تتالي الضربات القاضية عليه من أقلام العلماء الأثبات التي كشفت عواره وفضحت ما فيه من خَوَر فكري وركاكة علمية وتسرع أهوج إلى نتائج مقررة سلفًا لا تؤدي إليها المقدمات التي ساقها صاحبه، وأن ما مات لا يعود للحياة إلا يوم الدين، وبالمناسبة فكثير من النصوص الشعرية التي شكك فيها طه حسين في كتابه: "في الشعر الجاهلي" ثم في خلفه: "في الأدب الجاهلي" ليست نصوصًا جاهلية، بل إسلامية، وهذا من أعجب العجب! على أن قولنا: إن المستشرقين الآخرين قد هاجموا نظرية مرجليوث الرعناء في نفي الشعر الجاهلي كله لا يعني أنهم لا يشكون أي شك في ذلك الشعر، إنهم يشكون، بَيْدَ أن شكهم لا ينسحب على ذلك الشعر كله، بل على أشياء فيه لا تجعلهم يطمئنون تمام الاطمئنان إلى ما وصل إلينا منه رغم غربلة علمائنا القدامى لنصوصه، بل رغم تنطُّس هؤلاء العلماء في تلك الغربلة أحيانًا أكثر مما ينبغي كما أشرت إلى بعض ذلك فيما مضى، ويستطيع القارئ أن يقرأ عددًا من أبحاث هؤلاء المستشرقين في هذا المجال في الكتاب الذي صدر للدكتور عبدالرحمن بدوي للمرة الأولى عام 1979م عن دار العلم للملايين ببيروت بعنوان: "دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي"، والذي يضم ترجمة عشرة من أبحاث كبارهم في ذلك الموضوع؛ مثل: نيلدكه وشبرنجر وبلاشير، وقد مرت الإشارة إليه قبل قليل.

ولعل أهم ما تناولوه ووقفوا عنده مليًّا الطريقة التي كان يُروى بها الشعر الجاهلي عادة، وهي الطريقة الشفوية؛ إذ فسروا في ضوئها ما لوحظ على نصوص ذلك الشعر من اختلاف في روايتها تقديمًا وتأخيرًا وتغييرًا لكلمة أو عبارة بكلمة أو عبارة أخرى، أو اختلاف في نسبة نص معين إلى أكثر من شاعر، أو تداخل نص لشاعر ما مع نص لشاعر آخر يشترك معه في الوزن والقافية ويقترب منه في الموضوع الذي يعالجه... على أساس أن الذاكرة البشرية مهما كانت قوتها لا بد أن يصيبها الوهن والنسيان من حين لآخر، وهو ما يوافق ما قاله هاملتون جيب في هذا الصدد في كتابه: "Oxford) Arabic Literarute، University Press، 1974، P، 20"، ولا شك أن في بعض ما قالوه في هذا السبيل شيئًا من الوجاهة، إلا أنه لا ينبغي أن يغيب عن بالنا أن اختلاف روايات الشعر الجاهلي لا يرجع كله إلى خيانة الذاكرة بالضرورة، بل ربما وردت أكثر من رواية لكثير من نصوصه عن الشاعر نفسه تبعًا لاختلاف الأزمنة والظروف التي كان الشاعر يلقي فيها على الجمهور قصائده؛ إذ من المعروف أن المبدِع لا يكف عن معاودة النظر في إبداعاته والعمل على صقلها كلما واتته الفرصة، وأية فرصة أعظم من أن أشعاره لم يكن يتم تثبيتها كتابة إلا في أحيان قليلة؟ وإذًا فالفرصة مفتوحة له على مصراعيها كي يدخل أي تغيير يريده في الوقت الذي يشاء، وأنا أفعل ذلك في مقالاتي ودراساتي المنشورة على المشباك ولم تثبت بعدُ على الورق؛ إذ بإمكاني كلما أعدت نشر ما كنت قد نشرته في موقع آخر غير الموقع الأول أن أُدخل فيه من التغييرات والتصحيحات ما أشاء وبمنتهى السهولة، بل إننا، حتى بعد أن يتم تثبيت نص أي كتاب لنا على الأوراق، نستطيع أن نعيد النظر فيه عند التفكير في طبعه مرة أخرى، فإذا كان هذا يحدث في أعمالنا المكتوبة، فما بالنا بإبداعات الشعراء الجاهليين التي لم تكن تُكتب في العادة كما قلنا؟ (انظر في هذا الصدد دراسة هـ. آلفرت: "ملاحظات عن صحة القصائد العربية القديمة"/ من ترجمة د. عبدالرحمن بدوي في كتابه المذكور/ 41 - 86، ودراسة ف. كرنكوف: "استعمال الكتابة لحفظ الشعر العربي القديم"/ من ترجمة د. عبدالرحمن بدوي في نفس الكتاب/ 292 - 304، وبحث جيمس مونرو (James Monroe): "Oral Composition in Pre - Islamic Poetry" المنشور في "Journal of Literature Arabic"/ 1972م/ 3/ 1 - 7، وترجمته العربية لفضل بن عمار العماري بعنوان: "النظم الشفوي في الشعر الجاهلي"/ دار الأصالة/ الرياض/ 1407هـ - 1987م).

وبطبيعة الحال فإن ضعف الذاكرة وألاعيبها ليست وحدها السبب فيما اعترى الشعر الجاهلي من تغييرات، فلست أحسب أن كل الرواة الذين أدوا إلينا ذلك الشعر كانوا مخلِصين أو حريصين على أن يقوموا بواجبهم على النحو المطلوب؛ لأنهم في نهاية المطاف بشر من البشر، وعلى دارس الشعر الجاهلي أن ينظر في كل قصيدة على حدَةٍ وألا يرفضها إلا إذا قام في نفسه من بواعث الشك ما لا يستطيع الرد عليه، كأن تكون القصيدة إسلامية حقًّا بحيث لا يمكن توجيهها بأي حال، أو أن يكون فيها من اضطراب التاريخ ما لا يستقيم معه أمرها البتة، ومن يود أن يرى كيف طبَّقْتُ هذا الاختبار في دراساتي فباستطاعته مراجعة الفصلين الخاصين بذلك من كتابي: "عنترة بن شداد - قضايا إنسانية وفنية"، و"النابغة الجعدي وشعره"، كذلك على الدارس أن يحصر شكه فيما يقبل الشك منها فلا يعمم ذلك الشك دون مسوغ، وهناك قصائد منسوبة إلى آدم مثلًا، ولا أظن عاقلًا يصدق أن آدم كان يتكلم في ذلك الزمن الموغل في القدم بلسان العرب، صحيح أننا لا نعرف متى بدأ ظهور اللغة العربية ولا متى أضحت لغة لنظم الشعر، إلا أن هذا لا يعني أن نصدق الشعر المنسوب لأبي البشر بتلك اللغة؛ فاللغات لا تظهر كاملة مرة واحدة، وآدم إنما يمثل أول فرد في أول جيل من أجيال البشر على الأرض، فلا يعقل إذًا أن تظهر العربية على يديه كاملة الفن وطرائق التعبير وكأنها نزلت من السماء لا ينقصها شيء، إن هذا ضد طبيعة الحياة كما نعرفها، وذلك إن صدقنا أن ذلك الجد البعيد كان يتحدث لغة من اللغات التي نعرفها أصلًا!

أعود فأبلور موقفي من قضية النحل والانتحال في الشعر الجاهلي فأقول: إن هناك بلا شك شعرًا جاهليًّا منحولًا، إلا أنني لا أتوسع في ذلك، ولا حتى توسع ابن سلام، الذي يبدو (بالقياس لبعض الباحثين المحدَثين) من المعتدلين إلى حد بعيد؛ ذلك أن الأسباب التي استند إليها الباحثون في الشك في الشعر الجاهلي ليست دائمًا بالأسباب القوية التي تجعلني أتشكك في هذا الشعر على ذلك النطاق الواسع الذي يريده طه حسين مثلًا، أو حتى على النطاق الذي كان يتحرك فيه ابن سلام حسبما وضحتُ فيما سبق من هذا الفصل، ومن هنا فإني أميل إلى القول بأن باحثًا كبيرًا - كالدكتور شوقي ضيف - لم يقدم دائمًا المسوغات الكافية في رفض عدد من قصائد الشعر الجاهلي، وأن السبب في ذلك هو امتلاء نفسه بهاجس النحل والانتحال رغم وقوفه في ذات الوقت في وجه من يريدون إثارة عواصف الارتياب وأعاصيره في ذلك الشعر: فمثلًا نراه، رحمه الله، يشك شكًّا شديدًا في قصيدة النابغة الذبياني: "بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما"؛ لأنها، كما يقول، "نسيب خالص، ولأن بها روحًا إسلامية تتضح في قوله مخاطبًا صاحبته:
حيَّاكِ ربي، فإنَّا لا يحلُّ لنا
لهوُ النساءِ، وإن الدِّين قد عزما

مشمِّرين على خُوصٍ مزنَّمةٍ
نرجو الإلهَ ونرجو البِرَّ والطعما


رغم أنها من رواية الأصمعي كما ذكر هو نفسه (العصر الجاهلي/ 278)، ولست أشاطر الأستاذ الدكتور شكه الشديد في القصيدة؛ فإن مجيئها نسبيًا خالصًا لا يعد مسوغًا لرفض نسبتها إلى الشاعر ضربة لازب، وإلا فهل عنده دليل على أن النابغة لا يمكن أن يقول شعرًا خالصًا في النسيب؟ كما أن البيتين اللذين يصفهما بأنهما ذوا روح إسلامية لا يتسمان في حقيقة الأمر بشيء إسلامي حصرًا؛ إذ الكلام فيهما عن الإله والدين بعامة، وهو كلام يصدُقُ على كثير من الأديان، وحتى لو كانا إسلاميين حقًّا وصدقًا، فإن ذلك ليس بالسبب الكافي لرفض القصيدة كلها، بل لرفض البيتين فحسب، وهو نفسه لم يرد بيتين لزهير بن أبي سلمى يؤمن فيهما باليوم الآخر والحساب، ويؤكد معرفة الله تعالى بغيب النفوس واطلاعه المطلق على كل شيء؛ (المرجع السابق/ 303)، فهذا من هذا، ولا ننسَ أن النابغة كان يتردد على بلاط الحيرة والغساسنة، وكان ملوكها نصارى، بل إن في شعره، كما نعرف، كلامًا عن بعض الأعياد والاحتفالات النصرانية.

وبالمثل نجد الأستاذ الدكتور ينكر صحة قصيدة الأعشى الدالية التي تقول كتب الأدب: إنه كان قد أعدها لمدح الرسول عليه السلام قبل أن تلقاه قريش وصدته عن الذهاب إليه وإعلان الإيمان به، والتي تتضمن بعض التعاليم الإسلامية والعبارات القرآنية، بحجة أنها "لا تتفق في شيء ونفسية الأعشى"، وأنه لا يمكن أن "يؤمن بتعاليم القرآن على هذا النحو ثم ينصرف عن الرسول وهديه" حسب تعبيره (السابق/ 342)، يشير الأستاذ الدكتور إلى ما تحكيه كتب الأدب من أن الأعشى أعد العُدة للوفادة على النبي عليه السلام وهو لا يزال في مكة، وجهز في مدحه قصيدة يقولها عند لقائه، إلا أن قريشًا ما إن علمت بهذا الذي كان ينتويه حتى سارعت بمقابلته وعملت على تنفيره من الدين الجديد وصاحبه، فرجع من طريقه دون أن يفِدَ عليه صلى الله عليه وسلم، ثم تتابعت الحوادث حتى مات ولم يدخل في الإسلام، لكن من قال: إن الأعشى كان في خاطره الانصراف عن الرسول انصرافًا نهائيًّا؟ ربما انصاع لكلام القرشيين ريثما تتاح له فرصة أخرى، أو ربما ضعف أمام ما أعطوه من مال فأخذه وانصرف مؤقتًا انتظارًا لظروف أفضل يستطيع أن يعلن فيها إسلامه دون خوف من ضغط أو إحراج، والناس ليسوا سواءً في قوة التمسك بما يؤمنون به، ولا كلهم على استعداد للبذل والتضحية العنيفة، ولا مِن طبيعتهم جميعًا المسارعة إلى تنفيذ ما ينوون عمله، وعندي أن تفسير موقف الأعشى بذلك أقوى في الإقناع من إنكار نسبة القصيدة له والقول بأنها منحولة، وثمة أمثلة أخرى كثيرة يسارع فيها الدكتور شوقي إلى إعلان شكه في هذه القصيدة أو تلك دون أن تكون التسويغات التي يسوقها مُرْضية للعقل، ولكني أكتفي بهذين المثَلين دليلًا على أنه، ككثير من الباحثين العرب، قد امتلأ قلبه بهاجس النَّحْل والانتحال أكثر مما يصح رغم أنه قد رد هجوم مرجليوث وطه حسين وبلاشير على الشعر الجاهلي، وبيَّن ما في ذلك الهجوم من مغالاة لا تستقيم ومنطق الأشياء (السابق/ 166 - 175)، وإن لم يَعْنِ هذا بطبيعة الحال أن كل القصائد التي ردها أو أبدى شكه فيها لا تستحق هذا الشك أو ذلك الرد، خلاصة القول: إن في الشعر الجاهلي شعرًا صحيحًا، وهو الأغلبية الكبيرة، وفيه إلى جانب هذا شعر منحول أيضًا، إلا أن المنحول ليس بالكثرة ولا الاتساع الذي توحي به عادةً كتابات من كتبوا في ذلك الموضوع.

هذا، ويلفت النظر في الشعر الجاهلي أن عدد شعرائه كبير هائل: منهم المشهور الطائر الشهرة كامرئ القيس وعنترة والأعشى وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني وعمرو بن كلثوم وطَرفة بن العبد وزرقاء اليمامة، ومنهم مَن لا يحظون بشيء من الشهرة كأبي حذيفة وأعصر بن سعد وأوس الهجيمي وجناب بن منقذ وسبيع التميمي وأرطأة الفزاري وابنة أبي الجدعاء وكسرة بنت دوشن وجمل السلمية وزهراء الكلابية وسُعْدى الأسدية، ومنهم من كان بين ذلك قوامًا مثل عبيد بن الأبرص والمهلهل بن ربيعة وعلقمة الفحل والمرقش الأكبر ولقيط بن يعمر وعروة بن الورد وتأبط شرًّا والشنفرى وعمرو بن قمية وسلامة بن جندل وعبديغوث الحارثي وكعب بن الأشرف النضري وجليلة بنت مرة وليلى العفيفة، ومنهم أصحاب المطولات، ومنهم مَن لم يصلنا عنهم إلا مقطوعاتٌ أو نتفٌ أو أبيات مفردة، ومنهم كذلك أصحاب الدواوين، ومنهم من لهم عدد صغير من القصائد والمقطوعات، ومنهم من ليس لهم إلا بعض أبيات أو أقل من ذلك، ومنهم من كان ينظم في أناة وريث ويعيد النظر فيما ينظمه قبل أن يذيعه في الناس حتى ليقول ابن قتيبة في "الشعر والشعراء": إن زهيرًا كان ينفق في إبداع القصيدة الواحدة وقتًا طويلًا، وإن الحطيئة (من الشعراء المخضرمين)، وسويد بن كراع وعدي بن الرقاع (من شعراء بني أمية) كانوا يتخذونه مثلًا لهم يحتذون طريقته وينقحون شعرهم قبل أن يذيعوه تنقيحًا شديدًا كما كان يصنع، ومنهم في المقابل مَن لم يكن يعكف كل هذا الوقت الطويل على تهذيب ما ينظم بل كانوا يميلون إلى إذاعة ما يبدعون من شعر على الجمهور بمجرد ما يفرغون من نظمه، وهؤلاء يُسمون: "أصحاب الطبع"، وهو ما تناوله الجاحظ في كتابه: "البيان والتبيين"... وهكذا، ومن أولئك الشعراء مَن كان ملكًا أو أميرًا أو شيخ قبيلة؛ كامرئ القيس والمهلهل والأفوه الأودي وأبي قيس بن الأسلت وحاتم الطائي، ومن كان فارسًا؛ كسلامة بن جندل وعلقمة الفحل وقيس بن الخطيم وعبدة بن الطبيب وأحيحة بن الجلاح، ومن كان حكيمًا؛ كأمية بن أبي الصلت وقس بن ساعدة، ومن كان صعلوكًا؛ كتأبط شرًّا والسليك بن السلكة، ومن كان عبدًا؛ كعنترة بن شداد وسحيم عبد بني الحسحاس (وهو جاهلي إسلامي)، ومن كان يتخذ من المديح مرتزقًا؛ كالنابغة والأعشى والمنخل اليشكري وأبي زبيد الطائي...

ولم يترك شعراء الجاهلية موضوعًا من الموضوعات إلا ونظموا فيه، فشعروا في المدح والفخر والهجاء والرثاء والحماسة والوصف والخمر والنسيب والغزل والأطلال والرحلة والقصة والتمرد على أعراف القبيلة والتجارِب الشخصية والحكمة ومفارقات الحياة؛ أي إنهم قد نظموا أشعارهم في الأمور الاجتماعية والشخصية على السواء، وذلك على عكس ما يردده بعض الدارسين من أن الشعر الجاهلي كان شعرًا غيريًّا لا يعدو الشاعر فيه أن يكون ناطقًا بلسان الجماعة، وكأن شخصيته قد ألغيت إلغاءً (ممن تناول هذه المسألة وقال بذلك القول المستشرق البريطاني جب في الصفحة الثامنة والعشرين من كتابه: "Arabic Literature"؛ إذ زعم أن غالبية شعراء الجاهلية كانوا يعبرون عن الأفكار والمشاعر الجماعية أكثر مما يعبرون عن شخصياتهم الفردية، وقد ردد كذلك هذا القول د. عبده بدوي في كتابه: "الشعراء السود وخصائصهم في الشعر العربي"/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1988م/ 39)، وعلى هذا فقد صور لنا شعراء الجاهلية في قصائدهم ومقطوعاتهم المجتمع العربي في زمنهم، فذكروا الأماكن التي كانوا يترددون بينها أو يُلمون بها من مدن أو عيون ماء أو جبال وتلال أو بَوَادٍ، كما أوردوا أسماء قبائلهم ومشاهير الرجال بينهم، سواء كانت شهرتهم بسبب فروسيتهم وشجاعتهم في الحروب أو بسبب كرمهم وأريحيتهم أو بسبب بخلهم أو بسبب استبدادهم أو بسبب حكمتهم أو بسبب ما اشتهروا به من شعر أو خُطب... وبالمثل تحدثوا عن كثير من الأحداث المهمة في تاريخهم القريب والبعيد، وتناولوا بالذكر أنسابهم، وأوردوا بعض طقوس دينهم وأسماء أصنامهم، ورسموا كثيرًا من عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم ومُثلهم العليا، وتحدثوا عن مناخ بلادهم من حر وبرد وبرَد ومطر وسيول وريح وغمام، ووصفوا أشجارها ونباتاتها وينابيع مياهها وحيواناتها وطيورها الوحشية والإنسية، وقدموا لنا كثيرًا من التفاصيل عن الأوهام التي كانوا يتوهمونها، والمهن التي كانوا يمتهنونها، والهوايات التي كانوا يمارسونها ويقضون بها وقت فراغهم من حجامة وكهانة وزراعة ورعي وصيد وحدادة وتجارِة ولعب ولهو، كما تتضمن أشعارهم كثيرًا جدًّا من أسماء الأعلام لديهم ذكرانًا وإناثًا.

وهذا يجرنا إلى ما ادعاه د. طه حسين تسرعًا ودون تثبت في كتابه: "في الأدب الجاهلي" من أن الشعر العربي المنسوب إلى الجاهلية لا يصور الحياة العربية قبل الإسلام، وأننا إذا أردنا التماس تلك الحياة فعلينا بالقرآن، أما الشعر الجاهلي فهو شعر مزيف موضوع بعد الإسلام وضعًا، ومن ثم فإنه لا يفيدنا بشيء في هذا المجال؛ (في الأدب الجاهلي/ 70 - 80، وفي مواضع أخرى متناثرة من الكتاب)، إنه يقول مثلًا: إن الشعر الجاهلي يخلو من الحديث عن النصرانية، مع أن هناك كلامًا متكررًا عن الرهبان والصُّلبان وبعض المناسبات النصرانية مما ينقض كلامه نقضًا، كذلك يزعم الدكتور طه أن شعراء الجاهلية سكتوا فلم يذكروا الروم والفرس بشيء، بينما هناك - مثلًا - قصيدة امرئ القيس الرائية التي يتحدث فيها عن رحلته إلى القسطنطينية وبعض المواطن التي مر بها هو ورفيقه، وكذلك قصيدة لقيط بن يعمر التي يحذر فيها قومه والعرب كلهم مما يدبره لهم كسرى من جيش يجهزه لغزو بلادهم واستذلالهم، وقصيدة الأعشى التي يتغنى فيها بانتصار العرب على الفُرس في يوم ذي قار، وعلى نفس الشاكلة يمضي طه حسين فيقول: إن ما نظن أنه شعر جاهلي لم يتناول المشكلة الطبقية، في الوقت الذي يتضمن هذا الشعر فعلًا صفحات كثيرة سطرها الشعراء الصعاليك، وهم الشعراء الذين خرجوا على قبائلهم وكوَّنوا في منقطعات البادية عصابات تُغِير على القوافل والأغنياء ثم يوزعون ما يحوزونه بهذه الطريقة على أنفسهم بالسوية، كما أن تمدُّح الشعراء الأغنياء آنذاك بما كانوا يُسدونه إلى الفقراء والبائسين من حولهم هو لون آخر من تصوير هذا الجانب الذي يزعم طه حسين أننا نفتقده في شعر الجاهلية، أما أن ذلك الشعر لا يُفيض في القول إلا حين يتناول البادية، بخلاف حياة المدن التي لم يمسها إلا مسًّا رفيقًا كما يقول، فهذا أمر طبيعي؛ ذلك أن بلاد العرب أوانذاك كانت تغلِب عليها البداوة غلبة عنيفة؛ إذ إن معظم أرضها، كما هو معروف، صحراء قاحلة، وثمة دراسات كثيرة يتناول كل منها هذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة الجاهلية بما يكذب مقالة طه حسين، الذي كان لا يزال حديث عهد بالعودة من فرنسا حين كتب ما كتب في هذه القضية، فكان يظن أنه جمع العلم من كل أطرافه رغم أنه لم يتخصص في فرنسا في الأدب العربي، بل في تاريخ الإغريق والرومان، علاوة على أن الدكتورية التي أحرزها هناك إنما هي دكتورية السلك الثالث لا دكتورية الدولة التي تُعد دكتورية حقيقية كاملة.

ومن هذه الدراسات تلك الأبحاث الرصينة التي رد بها العلماء الكبار على طه حسين لدى صدور كتابه الخديج: "في الشعر الجاهلي"، من أمثال مصطفى صادق الرافعي ومحمد لطفي جمعة ومحمد فريد وجدي ومحمد الخضر حسين ومحمد أحمد الغمراوي، وكذلك سلسلة المقالات التي كتبها د. أحمد أمين في مجلة "الثقافة" تحت عنوان: "جناية الأدب الجاهلي على الأدب العربي"، وأكد فيها أن الأدب الجاهلي هو في الواقع صورة صادقة لحياة العرب في الجاهلية، ومنها أيضًا: الفصول التي خصصها كل من السباعي بيومي ود. شوقي ضيف ود. علي الجندي، وعبدالله عبدالجبار مع محمد عبدالمنعم خفاجي، لهذا الموضوع فيما وضعوه من كتب عن العصر الجاهلي، وكتابا د. أحمد الحوفي عن الحياة والمرأة في شعر الجاهلية، وكتاب د. يوسف خليف عن شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، وكتاب د. سيد حنفي حسنين عن الفروسية في ذلك العصر أيضًا، فضلًا عن الكتب والفصول الأخرى التي خصصها أصحابها للحديث عن الحكمة أو الحرب أو النسيب أو الحيوان أو النجوم أو الأنواء أو الخمر أو السُّود في الشعر الجاهلي... إلخ، وقبل ذلك لدينا كتاب "الأصنام" لابن الكلبي، وهو يضم عددًا غير قليل من الشواهد الشعرية المتعلقة بالأصنام وبيوتها وعبادة العرب لها، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، الذي يتضمن كثيرًا جدًّا من أخبار العرب في الجاهلية ووقائعهم وحكاياتهم مرفقة بما يرتبط بها ويصورها من أشعار، وفي "معجم البلدان" وأشباهه من المعاجم ثروة شعرية هائلة تفوق الحصر في وصف المواطن المختلفة في جزيرة العرب من وديان وجبال وشعاب ومياه وقُرى، وذكر أسمائها وتحديد مواقعها، وصدق جرجي زيدان إذ يقول: إن عرب الجاهلية قد صوروا "عاداتهم وحيواناتهم وأدواتهم في أشعارهم كما صورها المصريون والأشوريون واليونان والرومان على قصورهم ومعابدهم، وكما استخرج علماء الآثار عادات تلك الأمم وأخلاقها من آثارها المنقوشة أو المحفورة، فالباحث في شعر الجاهلية يستخرج منه عادات العرب وآدابهم وأخلاقهم وطبائعهم وسائر أحوالهم؛ ولذلك قال ابن خلدون: إن الشعر ديوان علوم العرب وأخبارهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصل يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، ونزيد على ذلك أنه مستودع عاداتهم وأخلاقهم وأدواتهم وصنائعهم"؛ (جرجي زيدان/ تاريخ آداب اللغة العربية/ مراجعة وتعليق د. شوقي ضيف/ دار الهلال/ 1/ 81)، وهذا هو نيكلسون يقول مثلًا: إن الشعر الجاهلي يفيض بالدراسات الدقيقة التي تتعلق بعالم الحيوان، ومن الممكن وصفه بأنه عبارة عن نقد للحياة والفكر عند العرب قبل الإسلام؛ (انظر كتابه: A History of Arabic Literature، PP، 78 - 79).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 09-11-2022 الساعة 01:53 PM.
رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 162.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 161.16 كيلو بايت... تم توفير 1.71 كيلو بايت...بمعدل (1.05%)]