الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5312 - عددالزوار : 2710113 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4913 - عددالزوار : 2059763 )           »          كيفية نقل محادثات واتساب بين أندرويد وiOS.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 49 )           »          الحسنة بعشر، فما بالكم أيام العشر؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          مزدلفة ليلة السكينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          ماذا تعلمنا من الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          المعذبون في قبورهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          النوم المحمود والمذموم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          عظمة أنهار الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          "شيبتني هود وأخواتها" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 31-07-2022, 08:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله



الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الرابع
الحلقة (151)
صـ161 إلى صـ 170



وأيضا ; فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم ، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه ; فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا ، ويمنعه قوم ، لا من جهة قدح فيه ، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك ; فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا ، ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط ، ولو نبه على أمر فيه لكان في حكم التنبيه على الأول ; كقوله تعالى : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه الآية [ البقرة : 75 ] وقوله : يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه [ ص: 161 ] الآية [ المائدة : 41 ] وكذلك قوله تعالى : من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين [ النساء : 46 ] فصار هذا من النمط الأول .

ومن أمثلة هذا القسم جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقا ; كحكايته عن الأنبياء والأولياء ، ومنه قصة ذي القرنين ، وقصة الخضر مع موسى عليه السلام ، وقصة أصحاب الكهف ، وأشباه ذلك .
فصل

ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار ; فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع بقوله تعالى : قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين الآية [ المدثر : 43 44 ] إذ لو كان قولهم باطلا لرد عند حكايته .

واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم أنهم : ثلاثة رابعهم كلبهم [ الكهف : 22 ] وأنهم خمسة سادسهم كلبهم [ الكهف : 22 ] أعقب ذلك بقوله : رجما بالغيب [ الكهف : 22 ] أي : ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن ، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئا ، ولما حكى قولهم : سبعة وثامنهم كلبهم [ الكهف : 22 ] لم يتبعه بإبطال بل قال : قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل [ الكهف : 22 ] ; دل المساق على صحته دون القولين الأولين [ ص: 162 ] وروي عن ابن عباس أنه كان يقول : أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم .

ورأيت منقولا عن سهل بن عبد الله أنه سئل عن قول إبراهيم عليه السلام رب أرني كيف تحي الموتى [ البقرة : 260 ] فقيل له : أكان شاكا حين سأل ربه أن يريه آية ؟ فقال : لا ، وإنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان ألا تراه قال : أولم تؤمن قال بلى [ البقرة : 260 ] فلو علم شكا منه لأظهر ذلك ; فصح أن الطمأنينة كانت على معنى الزيادة في الإيمان .

بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله : قالت الأعراب آمنا [ الحجرات : 14 ] فإن الله تعالى رد عليهم بقوله قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم [ الحجرات : 14 ] [ ص: 163 ] ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها ، وما هو منها حق مما هو باطل .

فقد قال تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [ المنافقون : 1 ] إلى آخرها فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل فظاهرها حق وباطنها كذب ، من حيث كان إخبارا عن المعتقد وهو غير مطابق ; فقال تعالى : والله يعلم إنك لرسوله [ المنافقون : 1 ] تصحيحا لظاهر القول ، وقال : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون [ المنافقون : 1 ] إبطالا لما قصدوا به وقال تعالى : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة الآية [ الزمر : 67 ] وسبب نزولها ما خرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس ; قال : مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي : حدثنا يا يهودي فقال : كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه ، والأرضين على ذه ، والماء على ذه ، والجبال على ذه ، وسائر الخلق على ذه ؟ وأشار الراوي بخنصره أولا ، ثم تابع حتى بلغ الإبهام ؟ فأنزل الله : وما قدروا الله حق قدره [ الزمر : 67 ] وفي رواية أخرى : جاء يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ; فقال يا محمد ! إن الله يمسك السماوات على أصبع ، والأرضين على أصبع ، والجبال على أصبع ، [ ص: 164 ] والخلائق على أصبع ، ثم يقول : أنا الملك فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال : وما قدروا الله حق قدره [ الزمر : 67 ] وفي رواية : فضحك النبي تعجبا وتصديقا .

والحديث الأول كأنه مفسر لهذا ، وبمعناه يتبين معنى قوله : وما قدروا الله حق قدره [ الزمر : 67 ] ; فإن الآية بينت أن كلام اليهودي حق في الجملة ، وذلك قوله : والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه [ الزمر : 67 ] وأشارت إلى أنه لم يتأدب مع الربوبية وذلك والله أعلم لأنه أشار إلى معنى الأصابع بأصابع نفسه وذلك مخالف للتنزيه للباري سبحانه ; فقال : وما قدروا الله حق قدره [ الزمر : 67 ] وقال تعالى : ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن [ التوبة : 61 ] أي : يسمع الحق والباطل ، فرد [ ص: 165 ] الله عليهم فيما هو باطل ، وأحق الحق ; فقال : قل أذن خير لكم ، ورحمة للذين آمنوا منكم الآية [ التوبة : 61 ] ولما قصدوا الإذاية بذلك الكلام قال تعالى : والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم [ التوبة : 61 ] وقال تعالى : وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه [ يس : 47 ] فهذا منع امتناع عن الإنفاق بحجة قصدهم فيها الاستهزاء ; فرد عليهم بقوله : إن أنتم إلا في ضلال مبين [ يس : 47 ] ; لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر ، وجواب أنفقوا أن يقال : نعم أو لا ، وهو الامتثال أو العصيان ، فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض ; انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا ; إذ حاصله أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة ; لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق ، فكأنهم قالوا : كيف يشاء الطلب منا ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم ؟ وهذا عين الضلال في نفس الحجة .

وقال تعالى : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إلى قوله وكلا آتينا حكما وعلما [ الأنبياء : 78 ] فقوله : ففهمناها سليمان [ الأنبياء : 79 ] تقرير لإصابته عليه السلام في ذلك الحكم وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام ، لكن لما كان المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله [ ص: 166 ] الوسع قال : وكلا آتينا حكما وعلما [ الأنبياء : 79 ] وهذا من البيان الخفي فيما نحن فيه .

قال الحسن : والله لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين ; لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعلمه ، وعذر هذا باجتهاده والنمط هنا يتسع ، ويكفي منه ما ذكر ، وبالله التوفيق .
فصل

وللسنة مدخل في هذا الأصل ; فإن القاعدة المحصلة أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يسكت عما يسمعه أو يراه من الباطل ; حتى يغيره أو يبينه إلا إذا تقرر عندهم بطلانه ، فعند ذلك يمكن السكوت إحالة على ما تقدم من البيان فيه ، والمسألة مذكورة في الأصول .
[ ص: 167 ] المسألة الرابعة

إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه وبالعكس ، وكذلك الترجية مع التخويف ، وما يرجع إلى هذا المعنى مثله ، ومنه ذكر أهل الجنة يقارنه ذكر أهل النار وبالعكس ; لأن في ذكر أهل الجنة بأعمالهم ترجية وفي ذكر أهل النار بأعمالهم تخويفا فهو راجع إلى الترجية والتخويف .

ويدل على هذه الجملة عرض الآيات على النظر ; فأنت ترى أن الله جعل الحمد فاتحة كتابه ، وقد وقع فيه : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم [ الفاتحة : 6 7 ] إلى آخرها فجيء بذكر الفريقين ، ثم بدئت سورة البقرة بذكرها أيضا فقيل هدى للمتقين ثم قال إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم [ البقرة : 6 ] ثم ذكر بإثرهم المنافقون ، وهو صنف من الكفار فلما تم ذلك أعقب بالأمر بالتقوى ثم بالتخويف بالنار ، وبعده بالترجية ; فقال : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار إلى قوله : وبشر الذين آمنوا الآية [ البقرة : 24 25 ] ثم قال : إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا الآية [ البقرة : 26 ] [ ص: 168 ]

ثم ذكر في قصة آدم مثل هذا ، ولما ذكر بنو إسرائيل بنعم الله عليهم ثم اعتدائهم وكفرهم ; قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا إلى قوله هم فيها خالدون [ البقرة : 62 81 ] ثم ذكر تفاصيل ذلك الاعتداء إلى أن ختم بقوله : ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون [ البقرة : 102 ] وهذا تخويف .

ثم قال ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة الآية [ البقرة : 103 ] وهو ترجية ثم شرع في ذكر ما كان من شأن المخالفين في تحويل القبلة ، ثم قال : بلى من أسلم وجهه لله الآية [ البقرة : 112 ] .

ثم ذكر من شأنهم الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون [ البقرة : 121 ] ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وبنيه ، وذكر في أثنائها التخويف والترجية ، وختمها بمثل ذلك ، ولا يطول عليك زمان إنجاز الوعد في هذا الاقتران ; فقد يكون بينهما أشياء معترضة في أثناء المقصود ، والرجوع بعد إلى ما تقرر [ ص: 169 ] وقال تعالى في سورة الأنعام ، وهي في المكيات نظير سورة البقرة في المدنيات : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض [ الأنعام : 1 ] إلى قوله ثم الذين كفروا بربهم يعدلون [ الأنعام : 1 ] وذكر البراهين التامة ، ثم أعقبها بكفرهم وتخويفهم بسببه ، إلى أن قال : كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه [ الأنعام : 12 ] فأقسم بكتب الرحمة على إنفاذ الوعيد على من خالف ، وذلك يعطي التخويف تصريحا ، والترجية ضمنا ثم قال : إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم [ الأنعام : 15 ] فهذا تخويف .

وقال : من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه الآية [ الأنعام : 16 ] وهذا ترجية .

وكذا قوله : وإن يمسسك الله بضر الآية [ الأنعام : 17 ] ثم مضى في ذكر التخويف ، حتى قال : وللدار الآخرة خير للذين يتقون [ الأنعام : 32 ] ثم قال : إنما يستجيب الذين يسمعون [ الأنعام : 36 ] ونظيره قوله : والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات الآية [ الأنعام : 39 ] ثم جرى ذكر ما يليق بالموطن إلى أن قال وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح الآية [ الأنعام : 48 ] [ ص: 170 ] واجر في النظر على هذا الترتيب ، يلح لك وجه الأصل المنبه عليه ، ولولا الإطالة لبسط من ذلك كثير .
فصل

وقد يغلب أحد الطرفين بحسب المواطن ومقتضيات الأحوال : فيرد التخويف ويتسع مجاله ، لكنه لا يخلو من الترجية ، كما في سورة الأنعام ; فإنها جاءت مقررة للخلق ، ومنكرة على من كفر بالله ، واخترع من تلقاء نفسه ما لا سلطان له عليه ، وصد عن سبيله ، وأنكر ما لا ينكر ، ولد فيه وخاصم ، وهذا المعنى يقتضي تأكيد التخويف ، وإطالة التأنيب والتعنيف ; فكثرت مقدماته ولواحقه ، ولم يخل مع ذلك من طرف الترجية لأنهم بذلك مدعوون إلى الحق ، وقد تقدم الدعاء ، وإنما هو مزيد تكرار إعذارا وإنذارا ، ومواطن الاغترار يطلب فيها التخويف أكثر من طلب الترجية ; لأن درء المفاسد آكد .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-08-2022, 04:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الرابع
الحلقة (161)
صـ261 إلى صـ 270





المسألة الثانية عشرة

ربما أخذ تفسير القرآن على التوسط والاعتدال ، وعليه أكثر السلف المتقدمين ، بل ذلك شأنهم ، وبه كانوا أفقه الناس فيه ، وأعلم العلماء بمقاصده وبواطنه .

وربما أخذ على أحد الطرفين الخارجين عن الاعتدال : إما على الإفراط ، وإما على التفريط ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم فالذين أخذوه على التفريط قصروا في فهم اللسان الذي به جاء وهو العربية فما قاموا في تفهم معانيه ولا قعدوا ، كما تقدم عن الباطنية وغيرها ، ولا إشكال في اطراح التعويل على هؤلاء .

والذين أخذوه على الإفراط أيضا قصروا في فهم معانيه من جهة أخرى ، وقد تقدم في كتاب المقاصد بيان أن الشريعة أمية ، وأن ما لم يكن معهودا عند العرب فلا يعتبر فيها ، ومر فيه أنها لا تقصد التدقيقات في كلامها ، ولا تعتبر ألفاظها كل الاعتبار إلا من جهة ما تؤدي المعاني المركبة ، فما وراء ذلك إن [ ص: 262 ] كان مقصودا لها ; فبالقصد الثاني ، ومن جهة ما هو معين على إدارك المعنى المقصود ، كالمجاز والاستعارة والكناية ، وإذا كان كذلك ; فربما لا يحتاج فيه إلى فكر ، فإن احتاج الناظر فيه إلى فكر ; خرج عن نمط الحسن إلى نمط القبح والتكلف ، وذلك ليس من كلام العرب ، فكذلك لا يليق بالقرآن من باب الأولى .

وأيضا ; فإنه حائل بين الإنسان وبين المقصود من الخطاب ، من التفهم لمعناه ثم التعبد بمقتضاه ، وذلك أنه إعذار وإنذار ، وتبشير وتحذير ، ورد إلى الصراط المستقيم فكم بين من فهم معناه ورأى أنه مقصود العبارة فداخله من خوف الوعيد ورجاء الموعود ما صار به مشمرا عن ساعد الجد والاجتهاد ، باذلا غاية الطاقة في الموافقات ، هاربا بالكلية عن المخالفات ، وبين من أخذ في تحسين الإيراد والاشتغال بمآخذ العبارة ومدارجها ، ولم اختلفت مع مرادفتها مع أن المعنى واحد ، وتفريع التجنيس ومحاسن الألفاظ ، والمعنى المقصود في الخطاب بمعزل عن النظر فيه ؟ .

كل عاقل يعلم أن مقصود الخطاب ليس هو التفقه في العبارة ، بل التفقه في المعبر عنه وما المراد به ، هذا لا يرتاب فيه عاقل .

ولا يصح أن يقال : إن التمكن في التفقه في الألفاظ والعبارات وسيلة إلى التفقه في المعاني بإجماع العلماء ; فكيف يصح إنكار ما لا يمكن إنكاره ؟ ولأن الاشتغال بالوسيلة والقيام بالفرض الواجب فيها دون الاشتغال بالمعنى المقصود لا ينكر في الجملة ، وإلا لزم ذم علم العربية بجميع أصنافه [ ص: 263 ] وليس كذلك باتفاق العلماء .

لأنا نقول : ما ذكرته في السؤال لا ينكر بإطلاق ، كيف وبالعربية فهمنا عن الله تعالى مراده من كتابه ؟ وإنما المنكر الخروج في ذلك إلى حد الإفراط ، الذي يشك في كونه مراد المتكلم أو يظن أنه غير مراد ، أو يقطع به فيه ; لأن العرب لم يفهم منها قصد مثله في كلامها ولم يشتغل بالتفقه فيه سلف هذه الأمة ; فما يؤمننا من سؤال الله تعالى لنا يوم القيامة : من أين فهمتم عني أني قصدت التجنيس الفلاني بما أنزلت من قولي : وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا [ الكهف : 104 ] أو قولي : قال إني لعملكم من القالين [ الشعراء : 168 ] فإن في دعوى مثل هذا على القرآن ، وأنه مقصود للمتكلم به خطرا ، بل هو راجع إلى معنى قوله تعالى : إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم [ النور : 15 ] وإلى أنه قول في كتاب الله بالرأي ، وذلك بخلاف الكناية في قوله تعالى : أو لامستم النساء [ المائدة : 6 ] وقوله : كانا يأكلان الطعام [ المائدة : 75 ] [ ص: 264 ] وما أشبه ذلك ; فإنه شائع في كلام العرب ، مفهوم من مساق الكلام ، معلوم اعتباره عند أهل اللسان ضرورة ، والتجنيس ونحوه ليس كذلك وفرق ما بينهما خدمة المعنى المراد وعدمه ; إذ ليس في التجنيس ذلك ، والشاهد على ذلك ندوره من العرب الأجلاف البوالين على أعقابهم كما قال أبو عبيدة ، ومن كان نحوهم ، وشهرة الكناية وغيرها ، ولا تكاد تجد ما هو نحو التجنيس إلا في كلام المولدين ومن لا يحتج به ; فالحاصل أن لكل علم عدلا وطرفا إفراط وتفريط ، والطرفان هما المذمومان ، والوسط هو المحمود .
[ ص: 265 ] المسألة الثالثة عشرة

مبنية على ما قبلها ; فإنه إذا تعين أن العدل في الوسط ; فمأخذ الوسط ربما كان مجهولا ، والإحالة على مجهول لا فائدة فيه ; فلا بد من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم [ ص: 266 ] والقول في ذلك والله المستعان أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل ، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان ; فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم والالتفات إلى أول الكلام وآخره ، بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها ، لا ينظر في أولها دون آخرها ، ولا في آخرها دون أولها ، فإن القضية وإن اشتملت على جمل ; فبعضها متعلق بالبعض لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد ، فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله ، وأوله على آخره ، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف ، فإن فرق النظر في أجزائه ; فلا يتوصل به إلى مراده ، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض ، إلا في موطن واحد ، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه ، لا بحسب مقصود المتكلم ، فإذا صح له الظاهر على العربية ; رجع إلى نفس الكلام ، فعما قريب يبدو له منه المعنى المراد ; فعليه بالتعبد به ، وقد يعينه على هذا المقصد النظر في أسباب التنزيل ; فإنها تبين كثيرا من المواضع التي يختلف مغزاها على الناظر .

غير أن الكلام المنظور فيه تارة يكون واحدا بكل اعتبار ، بمعنى أنه أنزل في قضية واحدة طالت أو قصرت ، وعليه أكثر سور المفصل ، وتارة يكون متعددا في الاعتبار ، بمعنى أنه أنزل في قضايا متعددة ; كسورة البقرة ، وآل عمران والنساء ، واقرأ باسم ربك ، وأشباهها ولا علينا أنزلت السورة بكمالها دفعة واحدة ، أم نزلت شيئا بعد شيء [ ص: 267 ] ولكن هذا القسم له اعتباران : اعتبار من جهة تعدد القضايا ; فتكون كل قضية مختصة بنظرها ، ومن هنالك يلتمس الفقه على وجه ظاهر لا كلام فيه ، ويشترك مع هذا الاعتبار القسم الأول ; فلا فرق بينهما في التماس العلم والفقه .

واعتبار من جهة النظم الذي وجدنا عليه السورة ; إذ هو ترتيب بالوحي لا مدخل فيه لآراء الرجال ، ويشترك معه أيضا القسم الأول ; لأنه نظم ألقي بالوحي ، وكلاهما لا يلتمس منه فقه على وجه ظاهر ، وإنما يلتمس منه ظهور بعض أوجه الإعجاز ، وبعض مسائل نبه عليها في المسألة السابقة قبل ، [ ص: 268 ] وجميع ذلك لا بد فيه من النظر في أول الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات ; فاعتبار جهة النظم مثلا في السورة لا يتم به فائدة إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر ; فالاقتصار على بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود ، كما أن الاقتصار على بعض الآية في استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر في جميعها .

فسورة البقرة مثلا كلام واحد باعتبار النظم ، واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها ، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب ، ومنها ما هو كالمؤكد والمتمم ، ومنها ما هو المقصود في الإنزال وذلك تقرير الأحكام على تفاصيل الأبواب ، ومنها الخواتم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك .

ولا بد من تمثيل شيء من هذه الأقسام ; فبه يبين ما تقدم ، فقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله : كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون [ البقرة : 183 187 ] كلام واحد وإن نزل في أوقات شتى ، وحاصله بيان الصيام وأحكامه ، وكيفية آدائه ، وقضائه ، وسائر ما يتعلق به من الجلائل التي لا بد منها ولا ينبني إلا عليها .

ثم جاء قوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الآية [ البقرة : 188 ] كلاما آخر بين أحكاما أخر [ ص: 269 ] وقوله يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : 189 ] وانتهى الكلام على قول طائفة ، وعند أخرى أن قوله وليس البر بأن تأتوا البيوت الآية [ البقرة : 189 ] من تمام مسألة الأهلة ، وإن انجر معه شيء آخر ، كما انجر على القولين معا تذكير وتقديم لأحكام الحج في قوله قل هي مواقيت للناس والحج [ البقرة : 189 ] وقوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر [ الكوثر : 1 ] نازلة في قضية واحدة ، وسورة اقرأ نازلة في قضيتين الأولى إلى قوله : علم الإنسان ما لم يعلم [ العلق : 5 ] والأخرى ما بقي إلى آخر السورة .

وسورة المؤمنين نازلة في قضية واحدة ، وإن اشتملت على معان كثيرة فإنها من المكيات ، وغالب المكي أنه مقرر لثلاثة معان ، أصلها معنى واحد وهو الدعاء إلى عبادة الله تعالى : أحدها : تقرير الوحدانية لله الواحد الحق ، غير أنه يأتي على وجوه ; كنفي [ ص: 270 ] الشريك بإطلاق ، أو نفيه بقيد ما ادعاه الكفار في وقائع مختلفة ، من كونه مقربا إلى الله زلفى ، أو كونه ولدا أو غير ذلك من أنواع الدعاوى الفاسدة .

والثاني : تقرير النبوة للنبي محمد ، وأنه رسول الله إليهم جميعا ، صادق فيما جاء به من عند الله ; إلا أنه وارد على وجوه أيضا ; كإثبات كونه رسولا حقا ، ونفي ما ادعوه عليه من أنه كاذب ، أو ساحر ، أو مجنون ، أو يعلمه بشر ، أو ما أشبه ذلك من كفرهم وعنادهم .

والثالث : إثبات أمر البعث والدار الآخرة وأنه حق لا ريب فيه بالأدلة الواضحة ، والرد على من أنكر ذلك بكل وجه يمكن الكافر إنكاره به ; فرد بكل وجه يلزم الحجة ، ويبكت الخصم ، ويوضح الأمر .

فهذه المعاني الثلاثة هي التي اشتمل عليها المنزل من القرآن بمكة في عامة الأمر ، وما ظهر ببادئ الرأي خروجه عنها ; فراجع إليها في محصول الأمر ، ويتبع ذلك الترغيب والترهيب ، والأمثال والقصص ، وذكر الجنة والنار ووصف يوم القيامة وأشباه ذلك .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-09-2022, 03:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الرابع
الحلقة (171)
صـ411 إلى صـ 430





[ ص: 411 ] وقال : الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني [ ص: 412 ] وفي رواية : ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مثل أم القرآن ، وهي السبع المثاني .

وسأله اليهود عن قول الله تعالى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات [ الإسراء : 101 ] ففسرها لهم [ ص: 413 ] [ ص: 414 ] وحديث موسى مع الخضر ثابت صحيح .

وفي قوله تعالى : فقال إني سقيم [ الصافات : 89 ] قال : لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث : قوله إني سقيم الحديث [ ص: 415 ] وقال : إنكم محشورون إلى الله غرلا ثم قرأ : كما بدأنا أول خلق نعيده الآية [ الأنبياء : 104 ] وفي قوله : إن زلزلة الساعة شيء عظيم [ الحج : 1 ] قال : ذلك يوم يقول الله لآدم : ابعث بعث النار الحديث [ ص: 416 ] وقال : إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار [ ص: 417 ] وأمثلة هذا الضربكثيرة .
والثاني : أن لا يقع موقع التفسير ، ولا فيه معنى تكليف اعتقادي أو عملي ; فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن لأنه أمر زائد على موقع التكليف ، وإنما أنزل القرآن لذلك ; فالسنة إذا خرجت عن ذلك فلا حرج ، وقد جاء من ذلك نمط صالح في الصحيح كحديث أبرص وأقرع وأعمى ، وحديث جريج العابد ، ووفاة موسى ، وجمل من قصص الأنبياء عليهم السلام والأمم [ ص: 418 ] قبلنا ، مما لا ينبني عليه عمل ، ولكن في ذلك من الاعتبار نحو مما في القصص القرآني ، وهو نمط ربما رجع إلى الترغيب والترهيب ; فهو خادم للأمر والنهي ، ومعدود في المكملات لضرورة التشريع ; فلم يخرج بالكلية عن القسم الأول ، والله أعلم .
[ ص: 419 ] المسألة السادسة

السنة ثلاثة أنواع كما تقدم : قول ، وفعل ، وإقرار بعد العلم والقدرة على الإنكار لو كان منكرا .

فأما القول ; فلا إشكال فيه ولا تفصيل .

وأما الفعل ; فيدخل تحته الكف عن الفعل لأنه فعلعند جماعة ، وعند كثير من الأصوليين أن الكف غير فعل ، وعلى الجملة ; فلا بد من الكلام على كل واحد منهما [ ص: 420 ] فالفعل منه صلى الله عليه وسلم دليل على مطلق الإذن فيه ما لم يدل دليل على غيره ; من قول ، أو قرينة حال ، أو غيرهما ، والكلام هنا مذكور في الأصول ، ولكن الذي يخص هذا الموضع أن الفعل منه أبلغ في باب التأسي والامتثال من القول المجرد ، وهذا المعنى وإن كان محتاجا إلى بيان ; فقد ذكر ذلك في فصل البيان والإجمال وكتاب الاجتهاد من هذا الكتاب ، والحمد لله .

وأيضا فإنه وإن دل الدليل أو القرينة على خلاف مطلق الإذن ; فلا يخرج عن أنواعه ، فمطلق الإذن يشمل الواجب والمندوب والمباح ; ففعله عليه الصلاة والسلام لا يخرج عن ذلك ; فهو إما واجب أو مندوب أو مباح ، وسواء علينا أكان ذلك في حال أم كان مطلقا ; فالمطلق كسائر المفعولات له ، والذي في حال كتقريره للزاني إذ أقر عنده فبالغ في الاحتياط عليه حتى صرح له بلفظ الوطء [ ص: 421 ] الصريح ومثله في غير هذا المحل منهي عنه ، فإنما جاز لمحل الضرورة فيتقدر بقدرها بدليل النهي عن التفحش مطلقا ، والقول هنا فعل ; لأنه معنى تكليفي لا تعريفي ; فالتعريفي هو المعدود في الأقوال ، وهو الذي يؤتى به أمرا أو نهيا أو إخبارا بحكم شرعي ، والتكليفي هو الذي لا يعرف بالحكم بنفسه من حيث هو قول ، كما أن الفعل كذلك وأما الترك ; فمحله في الأصل غير المأذون فيه ، وهو المكروه والممنوع ; فتركه عليه الصلاة والسلام دال على مرجوحية الفعل ، وهو إما مطلقا وإما في حال ; فالمتروك مطلقا ظاهر ، والمتروك في حال كتركه الشهادة لمن [ ص: 422 ] نحل بعض ولده دون بعض ; فإنه قال : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ قال : لا قال : فأشهد غيري ; فإني لا أشهد على جور ، وهذا ظاهر [ ص: 423 ] وقد يقع الترك لوجوه غير ما تقدم : منها : الكراهية طبعا ; كما قال في الضب وقد امتنع من أكله : إنه لم يكن بأرض قومي ; فأجدني أعافه فهذا ترك للمباح بحكم الجبلة ، ولا حرج فيه .

ومنها : الترك لحق الغير ; كما في تركه أكل الثوم والبصل لحق الملائكة ، وهو ترك مباح لمعارضة حق الغير .

ومنها : الترك خوف الافتراض ; لأنه كان يترك العمل ، وهو يحب أن يعمل به مخافة أن يعمل به الناس فيفرض عليهم ، كما ترك القيام في المسجد في رمضان [ ص: 424 ] وقال : لولا أن أشقعلى أمتي لأمرتهم بالسواك ، وقال لما أعتم بالعشاء حتى رقد النساء والصبيان : لولا أنأشقعلى أمتي لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة .

ومنها : الترك لما لا حرج في فعله بناء على أن ما لا حرج فيه بالجزء منهي عنه بالكل ; كإعراضه عن سماع غناء الجاريتين في بيته ، وفي [ ص: 425 ] الحديث : لست من دد ولا دد مني والدد : اللهو وإن كان مما لا حرج فيه ; فليس كل ما لا حرج فيه يؤذن فيه ، وقد مر الكلام فيه في كتاب الأحكام [ ص: 426 ] ومنها : ترك المباح الصرف إلى ما هو الأفضل ; فإن القسم لم يكن لازما لأزواجه في حقه ، وهو معنى قوله تعالى : ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء الآية [ الأحزاب : 51 ] عند جماعة من المفسرين ، ومع ذلك ; فترك ما أبيح له إلى القسم الذي هو أخلق بمكارم أخلاقه ، وترك الانتصار ممن قال له : اعدل ; فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ، ونهى من [ ص: 427 ] أراد قتله ، وترك قتل المرأة التي سمت له الشاة ، ولم يعاقب غورث بن الحارث إذ أراد الفتك به ، وقال : من يمنعك مني ؟ الحديث [ ص: 428 ] ومنها : الترك للمطلوب خوفا من حدوث مفسدة أعظم من مصلحة ذلك المطلوب ; كما جاء في الحديث عن عائشة : لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية ; فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت ، وأن ألصق بابه بالأرض ، وفي رواية : لأسست البيت على قواعد إبراهيم ، ومنع من قتل أهل النفاق ، وقال : لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . وكل هذه الوجوه قد ترجع إلى الأصل المتقدم [ ص: 429 ] أما الأول ; فلم يكن في الحقيقة من هذا النمط لأنه ليس بترك بإطلاق ، كيف وقد أكل على مائدته عليه الصلاة والسلام .

وأما الثاني ; فقد صار في حقه التناول ممنوعا أو مكروها لحق ذلك الغير ، هذا في غير مقاربة المساجد ، وأما مع مقاربتها والدخول فيها ; فهو عام فيه وفي الأمة ; فلذلك نهى آكلها عن مقاربة المسجد ، وهو راجع إلى النهي عن أكلها لمن أراد مقاربته .

وأما الثالث ; فهو من الرفق المندوب إليه ; فالترك هنالك مطلوب ، وهو راجع إلى أصل الذرائع إذا كان تركا لما هو مطلوب خوفا مما هو أشد منه ، فإذا رجع إلى النهي عن المأذون فيه خوفا من مآل لم يؤذن فيه ; صار الترك هنا مطلوبا .

وأما الرابع ; فقد تبين فيه رجوعه إلى المنهي عنه .

وأما الخامس ; فوجه النهي المتوجه على الفعل حتى حصل الترك أن [ ص: 430 ] الرفيع المنصب مطالب بما يقتضي منصبه ، بحيث يعد خلافه منهيا عنه وغير لائق به ، وإن لم يكن كذلك في حقيقة الأمر ، حسبما جرت به العبارة عندهم في قولهم : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، إنما يريدون في اعتبارهم لا في حقيقة الخطاب الشرعي ، ولقد روي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد القسم على الزوجات ، وإقامة العدل على ما يليق به يعتذر إلى ربه ويقول : اللهم ! هذا عملي فيما أملك ; فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك ، يريد بذلك ميل القلب

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17-10-2022, 04:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (181)
صـ71 إلى صـ 80





وإذا كان كذلك لم يدل على وضع الاختلاف شرعا ، بل وضعها للابتلاء فيعمل الراسخون على وفق ما أخبر الله عنهم ، ويقع الزائغون في اتباع أهوائهم ، ومعلوم أن الراسخين هم المصيبون ، وإنما أخبر عنهم أنهم على مذهب واحد في الإيمان بالمتشابهات علموها أو لم يعلموها ، وأن الزائغين هم المخطئون; فليس في المسألة إلا أمر واحد لا أمران ، ولا ثلاثة ، فإذا لم يكن إنزال المتشابه علما للاختلاف ، ولا أصلا فيه .

وأيضا لو كان كذلك لم ينقسم المختلفون فيه إلى مصيب ومخطئ ، بل كان يكون الجميع مصيبين; لأنهم لم يخرجوا عن قصد الواضع للشريعة; لأنه قد تقدم أن الإصابة إنما هي بموافقة قصد الشارع ، وأن الخطأ بمخالفته ، فلما كانوا منقسمين إلى مصيب ومخطئ دل على أن الموضع ليس بموضع اختلاف شرعا .

وأما مواضع الاجتهاد فهي راجعة إلى نمط التشابه; لأنها دائرة بين [ ص: 72 ] طرفي نفي وإثبات شرعيين; فقد يخفى هنالك وجه الصواب من وجه الخطأ .

وعلى كل تقدير إن قيل بأن المصيب واحد; فقد شهد أرباب هذا القول بأن الموضع ليس مجال الاختلاف ، ولا هو حجة من حجج الاختلاف ، بل هو مجال استفراغ الوسع ، وإبلاغ الجهد في طلب مقصد الشارع المتحد; فهذه الطائفة على وفق الأدلة المقررة أولا ، وإن قيل : إن الكل مصيبون; فليس على الإطلاق ، بل بالنسبة إلى كل مجتهد أو من قلده لاتفاقهم على أن كل مجتهد لا يجوز له الرجوع عما أداه إليه اجتهاده ، ولا الفتوى إلا به; لأن الإصابة [ ص: 73 ] عندهم إضافية لا حقيقية ، فلو كان الاختلاف سائغا على الإطلاق; لكان فيه حجة ، وليس كذلك .

فالحاصل أنه لا يسوغ على هذا الرأي إلا قول واحد ، غير أنه إضافي; فلم يثبت به اختلاف مقرر على حال ، وإنما الجميع محومون على قول واحد هو قصد الشارع عند المجتهد ، لا قولان مقرران; فلم يظهر إذا من قصد الشارع وضع أصل للاختلاف ، بل وضع موضع للاجتهاد في التحويم على إصابة قصد الشارع الذي هو واحد ومن هناك لا تجد مجتهدا يثبت لنفسه قولين معا أصلا ، وإنما يثبت قولا واحدا وينفي ما عداه .

وقد مر جواب مسألة التصويب والتخطئة .

وأما تجويز أن يأتي دليلان متعارضان; فإن أراد الذاهبون إلى ذلك التعارض في الظاهر ، وفي أنظار المجتهدين لا في نفس الأمر فالأمر على ما قالوه جائز ولكن لا يقضي ذلك بجواز التعارض في أدلة الشريعة ، وإن أرادوا تجويز [ ص: 74 ] ذلك في نفس الأمر; فهذا لا ينتحله من يفهم الشريعة لورود ما تقدم من الأدلة عليه ، ولا أظن أن أحدا منهم يقوله .

وأما مسألة قول الصحابي ، فلا دليل فيه لأمرين :

أحدهما : أن ذلك من قبيل الظنيات إن سلم صحة الحديث ، على أنه مطعون في سنده ، ومسألتنا قطعية ، ولا يعارض الظن القطع .

والثاني على تسليم ذلك فالمراد أنه حجة على انفراد كل واحد منهم أي أن من استند إلى قول أحدهم; فمصيب من حيث قلد أحد المجتهدين ، لا أن كل واحد منهم حجة في نفس الأمر بالنسبة إلى كل واحد; [ ص: 75 ] فإن هذا مناقض لما تقدم .

وأما قول من قال : إن اختلافهم رحمة وسعة; فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال : ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة ، وإنما الحق في واحد ، قيل له : فمن يقول إن كل مجتهد مصيب ؟ فقال : هذا لا يكون ( هكذا لا يكون ) قولان مختلفين صوابين .

ولو سلم; فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد ، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله فيها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك ، قال القاضي إسماعيل : إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي ، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا ، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا ، قال ابن عبد البر : كلام إسماعيل هذا حسن جدا .

وأيضا; فإن قول من قال : إن اختلافهم رحمة ، يوافق ما تقدم ، وذلك [ ص: 76 ] لأنه قد ثبت أن الشريعة لا اختلاف فيها ، وإنما جاءت حاكمة بين المختلفين ، وقد ذمت المختلفين فيها ، وفي غيرها من متعلقات الدين; فكان ذلك عندهم عاما في الأصول والفروع ، حسبما اقتضته الظواهر المتضافرة والأدلة القاطعة ، فلما جاءتهم مواضع الاشتباه وكلوا ما لم يتعلق به عمل إلى عالمه على مقتضى قوله : والراسخون في العلم يقولون آمنا به [ آل عمران : 7 ] ولم يكن لهم بد من النظر في متعلقات الأعمال; لأن الشريعة قد كملت ، فلا يمكن خلو الوقائع عن أحكام الشريعة فتحروا أقرب الوجوه عندهم إلى أنه المقصود الشرعي ، والفطر والأنظار تختلف; فوقع الاختلاف من هنا لا من جهة أنه من مقصود الشارع ، فلو فرض أن الصحابة لم ينظروا في هذه المشتبهات الفرعية ولم يتكلموا فيها - وهم القدوة في فهم الشريعة والجري على مقاصدها - لم يكن لمن بعدهم أن يفتح ذلك الباب للأدلة الدالة على ذم الاختلاف ، وأن الشريعة لا اختلاف فيها ، ومواضع الاشتباه مظان الاختلاف في إصابة الحق فيها; فكان المجال يضيق على من بعد الصحابة; فلما اجتهدوا ونشأ من اجتهادهم في تحري الصواب الاختلاف سهل على من بعدهم سلوك الطريق; فلذلك والله أعلم قال عمر بن عبد العزيز : وما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم . وقال : ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا .

وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك أيضا لا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل ، ومصادفة العامي المفتي; فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد ، فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا ، ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ، ولا ترجيح ، كذلك لا يجوز [ ص: 77 ] للعامي اتباع المفتيين معا ، ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح .

وقول من قال : إذا تعارضا عليه تخير ، غير صحيح من وجهين :

أحدهما : أن هذا قول بجواز تعارض الدليل في نفس الأمر ، وقد مر ما فيه آنفا .

والثاني : ما تقدم من الأصل الشرعي ، وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه ، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل ، وهو غير جائز; فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة وعلى مصلحة كلية في الجملة ، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته [ ص: 78 ] وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته; اعتقادا ، وقولا ، وعملا; فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع ، ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار ، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة ، فلا يصح القول بالتخيير على حال ، وانظر في الكتاب " المستظهري " للغزالي; فثبت أنه لا اختلاف في أصل الشريعة ، ولا هي موضوعة على كون وجود الخلاف فيها أصلا يرجع إليه مقصودا من الشارع ، بل ذلك الخلاف راجع إلى أنظار المكلفين ، وإلى ما يتعلق بهم من الابتلاء ، وصح أن نفي الاختلاف في الشريعة ، وذمه على الإطلاق والعموم في أصولها وفروعها; إذ لو صح فيها وضع فرع واحد على قصد الاختلاف; لصح فيها وجود الاختلاف على الإطلاق; لأنه إذا صح اختلاف ما صح كل الاختلاف ، وذلك معلوم البطلان; فما أدى إليه مثله .

[ ص: 79 ] فصل

وعلى هذا الأصل ينبني قواعد ، منها أنه ليس للمقلد أن يتخير في [ ص: 80 ]

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-11-2022, 04:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (191)
صـ171 إلى صـ 180




ومنه ألا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي ، بل يربي بصغار [ ص: 171 ] العلم قبل كباره ، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها وإن كانت صحيحة في نظر الفقه ، كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور في الطلاق لما يؤدي إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق ، وهو مفسدة .

من ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات ، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيمة ، ولذلك أنكرت عائشة على من قالت : لم تقضي الحائض الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ وقالت لها : أحرورية أنت ؟ وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل ، وربما أوقع خبالا وفتنة وإن كان صحيحا وتلا قوله تعالى : وفاكهة وأبا [ عبس : 31 ] فقال هذه الفاكهة فما الأب ؟ ثم قال : ما أمرنا بهذا .

إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر ، وإن كان حقا ، وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلما ما تكلم فيها ، ولا حدث بها ، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل ، وأخبر عمن تقدمه أنهم كانوا يكرهون [ ص: 172 ] ذلك فتنبه لهذا المعنى .

وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة; فإن صحت في ميزانها; فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله; فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول; فإن قبلتها; فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم ، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ; فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية .
فصل .

هذه الفرق ، وإن كانت على ما هي عليه من الضلال; فلم تخرج من الأمة ، ودل على ذلك قوله : " تفترق أمتي " فإنه لو كانت ببدعتها تخرج من الأمة لم يضفها إليها .

وقد جاء في الخوارج : " في هذه الأمة كذا " فأتى ب " في " المقتضية [ ص: 173 ] أنها فيها وفي جملتها .

وقال في الحديث : " وتتمارى في الفوق " ولو كانوا خارجين من الأمة لم يقع تمار في كفرهم ، ولقال : إنهم كفروا بعد إسلامهم .

[ ص: 174 ] فإن قيل : فقد اختلف العلماء في تكفير أهل البدع ; كالخوارج والقدرية وغيرهما .

[ ص: 175 ] فالجواب : أنه ليس في النصوص الشرعية ما يدل دلالة قطعية على خروجهم عن الإسلام ، والأصل بقاؤه حتى يدل دليل على خلافه ، وإذا قلنا بتكفيرهم; فليسوا إذا من تلك الفرق ، بل الفرق من لم تؤدهم بدعتهم إلى [ ص: 176 ] الكفر ، وإنما أبقت عليهم من أوصاف الإسلام ما دخلوا به في أهله ، والأمر بالقتل في حديث الخوارج لا يدل على الكفر ; إذ للقتل أسباب غير الكفر ، كقتل المحارب والفئة الباغية بغير تأويل ، وما أشبه ذلك; فالحق ألا يحكم بكفر من هذا سبيله ، وبهذا كله يتبين أن التعيين في دخولهم تحت مقتضى الحديث صعب ، وأنه أمر اجتهادي لا قطع فيه; إلا ما دل عليه الدليل القاطع للعذر ، وما أعز وجود مثله .
[ ص: 177 ] المسألة العاشرة

النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل ، مشروعا لمصلحة فيه تستجلب ، أو لمفسدة تدرأ ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه ، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ، ولكن له مآل على خلاف ذلك ، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية; فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى المفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها; فيكون [ ص: 178 ] هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية ، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم مشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد ، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية ، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة .

والدليل على صحته أمور :

أحدها : أن التكاليف - كما تقدم - مشروعة لمصالح العباد ، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية ، أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم ، وأما الدنيوية; فإن الأعمال - إذا تأملتها - مقدمات لنتائج المصالح; فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع ، والمسببات هي مآلات الأسباب; فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب ، وهو معنى النظر في المآلات .

لا يقال : إنه قد مر في كتاب الأحكام أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب ، لأنا نقول - وتقدم أيضا - : أنه لا بد من اعتبار المسببات [ ص: 179 ] في الأسباب ، ومر الكلام في ذلك والجمع بين المطلبين ، ومسألتنا من الثاني لا من الأول; لأنها راجعة إلى المجتهد الناظر في حكم غيره على البراءة من الحظوظ; فإن المجتهد نائب عن الشارع في الحكم على أفعال المكلفين ، وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسببات في الأسباب ، وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بد من اعتبار المسبب ، وهو مآل السبب .

والثاني : أن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرة شرعا أو غير معتبرة; فإن اعتبرت فهو المطلوب ، وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال ، وذلك غير صحيح; لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد ، ولا مصلحة تتوقع مطلقا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد .

وأيضا; فإن ذلك يؤدي إلى ألا نتطلب مصلحة بفعل مشروع ، ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع ، وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق .

والثالث : الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية; كقوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 21 ] .

[ ص: 180 ] وقوله : كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ البقرة : 183 ] .

وقوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام الآية [ البقرة : 188 ] .

وقوله : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله الآية [ الأنعام : 108 ] .

وقوله : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل الآية [ النساء : 165 ] .

وقوله : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج [ الأحزاب : 37 ] .

وقوله : كتب عليكم القتال وهو كره لكم الآية [ البقرة : 216 ] .

وقوله : ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب [ البقرة : 179 ] .

وهذا مما فيه اعتبار المآل على الجملة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 144.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 140.98 كيلو بايت... تم توفير 3.52 كيلو بايت...بمعدل (2.43%)]