|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
الفقه على المذاهب الأربعة المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري الجزء الرابع [مباحث الرجعة] صـــــ 376 الى صــــــــ 404 الحلقة (218) الصورة الرابعة: أن يقول لها: رجعتك من غير أن يعلم أن عدتها قد انقضت. وهذه الصورة تحتها حالتان. الحالة الأولى: أن تجيبه فور قوله هذا بقولها: قد انقضت عدتي بحيث يكون كلامها متصلاً بكلامه، وفي هذه الحالة تبطل الرجعة، بشرط أن يكون كلامها في زمن يصح فيه انقضاء العدة، بأن يكون قد مضى شهران إن كانت من ذوات الحيض، إلا أن تدعي الحمل، وأنها أسقطت سقطاً مستبين الخلق، وثبت ذلك. وإلا فلا يعبأ بقولها، وتصح الرجعة، والصاحبان يقولان: تصح الرجعة، ولو قالت له ذلك، لأن العدة كانت قائمة ظاهراً قبل قولها، فقوله: راجعت صادف قيام العدة، ولكن الإمام يقول: إنها أمينة على نفسها، فمتى قالت له: أن عدتي قد انقضت كان معناه أنها انقضت عدتي، فقال لها: راجعتك لا يكون ذلك رجعة باتفاق وللزوج تحليفها بأن عدتها قد انقضت عند إخباره بذلك. الحالة الثانية: أن يقول لها: راجعتك، فتسكت ولو قليلاً، ثم تقول له: قد انقضت عدتي، وفي هذه الحالة تصح الرجعة باتفاق لأنها متهمة بالسكوت. الصورة الخامسة: أن تدعي انقضاء عدتها ثم تكذب نفسها، وتقول: إن عدتي لم تنقض، وفي هذه الحالة يصح له أن يراجعها لأنها كذبت نفسها في حق عليها، وهو حق الزوج في رجعتها، فيبقى هذا الحق قائماً، بخلاف ما إذا كذبت نفسها قي حق لها، فإن تكذيبها لا يعتبر. الصورة السادسة: أن يخلو بها ثم يدعي أنه وطئها وهي تكذبه في دعوى الوطء، وتدعي أنه طلقها قبل الوطء، وبذلك تبين منه، فلا رجعة له عليها، وحكم هذه الصورة أن الرجعة تصح ويصدق هو بلا يمين، لأن الظاهر - وهو الخلوة بها - يؤيده ويكذبها. الصورة السابعة: إذا لم تثبت خلوته بها، وادعى أنه وطئها فكذبته، وفي هذه الصورة لا رجعة له، لأن الظاهر يكذبه عكس الصورة الأولى. خاتمة في أمور: أحدها إذا كان للزوجة مؤجل صداق إلى الطلاق وطلقها رجعياً، فهل لها المطالبة بالمؤجل قبل أن تبين منه بانقضاء العدة أو لا؟ والجواب: أن الصحيح ليس لها المطالبة إلا بعد أن تبين بانقضاء العدة. ثانيها: إذا قال لها: راجعتك على عشرين جنيهاً مثلاً، فطالبته بها، فهل يلزمه المبلغ أو لا؟ خلاف، فبعضهم يرى أنه يلزمه المبلغ ويجعل ملحقاً بالمهر، وبعضهم يرى أنه لا يلزمه، لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك، والعوض لا يجب عليه في مقابلة الملك، وهو الظاهر. ثالثها: إذا قال الرجل المطلق رجعياً: أبطلت رجعتي أو لا رجعة لي أو أسقطت حقي في مراجعتك ثم راجعها، فهل لها أن تقول له: إنك أسقطت حقك فلا رجعة لك علي؟ والجواب لا، فإن حقه في الرجعة ثابت بالشرع فلا يملك التنازل عنه ولا اسقاطه. المالكية - قالوا: تبطل الرجعة بالأمور المذكورة على التفصيل الآتي، فأما الحيض فإن عدتها تنقضي بثلاثة أطهار لا بثلاث حيض، وأقل مدة تنقضي فيها العدة بالإقراء شهر، وذلك لأنه إذا طلقها في أول الشهر وهي طاهرة، ثم حاضت بعد الطلاق بلحظة، فإن هذا الطهر يحسب لها، فإذا كان ذلك بالليل ثم استمر الدم إلى ما قبل الفجر وانقطع، فإنه يحسب لها حيضة، وذلك لأن أقل الحيض في باب العدة. هو أن ينزل يوماً أو بعض يوم، بشرط أن يقول النساء: إنه حيض، فإذا استمرت طاهرة إلى نهاية اليوم الخامس عشر حسب لها ذلك الطهر، لأن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ويحسب بالأيام لا بالليالي. فإذا حاضت في الليل واستمر الحيض إلى ما قبل طلوع الفجر كان ذلك حيضة. فإذا انقطع واستمرت طاهرة خمسة عشر يوماً ثانية كان ذلك طهراً ثالثاً، وعلى ذلك تكون قد طهرت ثلاثة أطهار. الطهر الذي طلقها فيه - وهو اللحظة التي حاضت بعدها - ثم الطهر الثاني. والطهر الثالث، وهما ثلاثون يوماً ولحظة، فإذا فرض ووقع ذلك في شهر رمضان فإنها تحيض فيه وتطهر وتقضي عدتها بنهايته، ولم تفطر فيه يوماً واحداً. فإذا قالت له: إن عدتها قد انقضت بالطهر من الحيض ثلاث مرات بعد الطلاق، فإن ذلك يحتمل ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تدعي انقضاء عدتها في زمن لا يمكن أن تنقضي فيه العدة مطلقاً، وهي أقل من شهر، فإنها في هذه الحالة لا تصدق في دعواها ولا يسأل في شأنها النساء. الوجه الثاني: أن تدعي انقضاء عدتها في زمن يندر انقضاء العدة فيه، وهو الشهر مثلاً لأنه وإن كان يمكن أن تنقضي العدة في شهر ولكنه نادر، وفي هذه الحالة تصدق بشهادة الخبيرات من النساء، فإذا شهدت بأن النساء قد يحضن ثلاث حيض في هذه المدة ويطهرن منها على الوجه المتقدم إذن تصدق بلا يمين، وقيل: بل تصدق إن حلفت بأن عدتها قد انقضت، فإن نكلت عنه صحت الرجعة. الوجه الثالث: أن تدعي انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاء العدة فيه غالباً. وفي هذه الحالة تصدق بلا يمين، ولا سؤال النساء. وإذا أراد رجعتها فقالت له: إن عدتها قد انقضت في زمن يمكن انقضاؤها فيه ثم كذبت نفسها، وقالت: أنها لم تحض، أو لم تلد لا يسمع قولها، حتى ولو شهدت النساء بأن ليس بها أثر حيض أو ولادة، لأنها تبين بمجرد قولها: حضت ثالثة. أو وضعت الحمل. هذا إذا صرحت بأنها حاضت الثالثة، أما إذا قالت: أنها رأت دم الحيضة الثالثة ثم رجعت، وقالت: إنها رأت الدم ولكنه لم يستمر يوماً أو بعض يوم فلم يكن دم الحيض الذي تنقضي به العدة، ففي هذا خلاف، فبعضهم قال: لا يسمع قولها أيضاً، كالأولى وبعضهم قال: يسمع قولها إن قالت أنها رأت الدم وانقطع، ولم يعد ثانياً، حتى مضى الطهر، أما إن قالت: أنها رأت المد وانقطع حالاً ثم عاد قبل أن تمضي عليه مدة طهر كان حيضاً تنقضي به العدة، وهذا هو الراجح. وإذا طلقها زوجها طلقة رجعية ثم مات عنها بعد سنة أو اكثر فادعت أنها لم تحض أصلاً، أو ادعت أنها حاضت واحدة أو اثنتين فقط حتى ترث منه لعدم انقضاء عدتها. فإن هذه لا يخلو حالها من أحد أمرين: الأول: أن تكون لها عادة باحتباس دم الحيض عندها، فتمكث مثل هذه المدة بدون حيض ثم تحيض، وقد وقع لها ذلك في زمن أن كانت زوجة للمتوفى، وأخبرت به الناس حتى عرف عنها، وفي هذه الحالة تسمع دعواها ويقبل قولها بيمين، ويكون لها حق الميراث. الثاني: أن لا يظهر منها هذا في حال حياة مطلقها، وفي هذه الحالة لا يقبل قولها ولا ترث، لأنها ادعت أمراً نادراً، أما إذا مات بعد ستة أشهر من يوم الطلاق. أو أكثر إلى سنة، وادعت عدم انقضاء العدة، فإنها ترث بيمين إن لم يظهر منها غيبة دم الحيض واحتباسه مدة حياة المطلق، أما إن ظهر منها ذلك فإنها ترثه بدون يمين، فإن مات بعد الطلاق بأربعة أشهر إلى ستة أشهر فإنها تصدق من غير يمين مطلقاً، ومثل ذلك ما إذا كانت مرضعة فإنها تصدق وترث بلا يمين، ولو مات بعد سنة أو أكثر، وكذا إذا كانت مريضة، وذلك لأن الرضاع والمرض يمنعان الحيض غالباً. هذا ما يتعلق بالحيض أو الإقراء، وأما الحمل، فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل كله، بحيث لو انفصل منها بعضه فإنه يحل للزوج رجعتها. ولا فرق بين أن يكون الولد كاملاً، أو سقطاً. فإذا ادعى الزوج أنه راجعها في العدة كذبته ولا بينة له، فتزوجت بغيره، ثم وضعت ولداً كاملاً لأقل من ستة أشهر بعد وطء الزوج الثاني فإن الولد يلحق بالأول لظهور كون الحمل منه لا من الثاني، ويفسخ النكاح الثاني، وترد إلى الأول برجعته التي ادعى أنه أنشأها قبل انقضاء العدة، وهل يتأبد تحريمها على الزوج الثاني بحيث لو مات زوجها الأول أو طلقها يحل له أن ينكحها ثانياً أو لا؟ والجواب: نعم يحل له ذلك. لأنها ليست معتدة حتى يقال: إن من نكح معتدة الغير حرمت عليه مؤبداً، وذلك لأن المفروض أن زوجها الأول راجعها، وألحق الولد به، فهي ذات زوج نكحها الثاني نكاحاً فاسداً، على أن بعضهم يقول: من تزوج معتدة بطلاق رجعي لا يتأبد عليه تحريمها، فلو فرض وكانت معتدة فإنه لا يتأبد عليه تحرمها. وإذا ادعى أنه راجعها في العدة بالوطء بنية الرجعة أو راجعها بالتلذذ بها في العدة وأقر بذلك أمام شهود قبل انقضاء العدة، بأن قال أمامهم: راجعت زوجتي بالوطء مع نية الرجعة. أو تلذذت بها بدون وطء مع نية الرجعة، وأنكرت هي ذلك، وشهدت الشهود بإقراره صحت رجعته ما دامت الخلوة بها ثابتة، ولو بامرأتين، كما تقدم، ومثل ذلك ما إذا ادعى الرجعة، وأتى ببينة شهدت بأنها رأته قد بات عندها، أو رأيته قد اشترى لها أشياء أرسلها لها فإن الرجعة تصح بشرط أن تشهد البينة بأنها عاينت ذلك، أما إذا شهدت بإقراره أمامها قبل انقضاء العدة، فإن الرجعة لا تصح. وإذا راجعها فقالت: حضت ثالثة، فلا رجعة لك علي، وأتى بشهود شهدوا بأنها أخبرتهم بأنها لم تحض الثالثة، ولم يمضي وقت يمكنها أن تحيض فيه، فإن رجعته تصح، وإن لم تقم البينة على ذلك فلا تصح. ثالثها: أن تنقضي عدتها بالأشهر. وسيأتي بيان ذلك في مباحث العدة. الشافعية - قالوا: تبطل الرجعة بانقضاء العدة وهي تنقضي بثلاثة أمور: أحدها: وضع الحمل، فإذا ادعت أنها وضعت الحمل ولا رجعة له عليها وأنكر الزوج فإنها تصدق بيمينها بغير بينة. بشروط أن تكون المدة التي مضت بعد طلاقها يمكن أن تضع فيها الحمل ثم إن الحمل الذي تنقضي به العدة ثلاثة أقسام: الأول أن تضعه تام الخلق، فإذا وضعت ولداً تام الخلق في مدة ستة أشهر ولحظتين: لحظة الوطء ولحظة الولادة من وقت إمكان اجتماعهما بعد عقد الزواج. فقد انقضت عدتها بذلك، أما إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت إمكان اجتماعهما، فإن عدتها لا تنقضي ولا يلتفت إليه، لأن الولد يكون من غيره ويكون له الحق في الرجعة بعد ولادته ما دامت في العدة، وعدتها تنقضي بثلاثة قروء - أطهار - بعد انقضاء النفاس، وذلك لأن النفاس كالحيض لا يحسب من العدة، القسم الثاني: أن تضعه سقطاً مصوراً وهذا يشترط في انقضاء العدة به أن يمضي على سقطه مائة وعشرون يوماً ولحظتان من إمكان اجتماعهما، فإن جاءت به لأقل من ذلك مصوراً فلا تنقضي به عدتها. لأنه لا يكون ابنه. القسم الثالث: أن تضعه مضغة، ويشترط لانقضاء العدة بها أن يمضي على إمكان اجتماعهما ثمانون يوماً ولحظتان، على أنه يشترط لهذا شرط آخر، وهو أن تشهد القوابل أن هذه المضغة أصل آدمي، وإلا فلا تنقضي بها العدة أصلاً. وقد استدلوا على أن أقل مدة الحمل التام ستة أشهر بقوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً} فإن مدة الفطام حولان، والباقي - وهو ستة أشهر - مدة الحمل، واستدلوا على أن أقل مدة المصور مائة وعشرون يوماً، وأقل مدة المضغة ثمانون يوماً بحديث الصحيحين. ثانيها: الإقراء، والقرء: الطهر من الحيض. والعدة تنقضي بثلاثة أقراء، فإذا ادعت أن عدتها انقضت بالإقراء في مدة ممكنة فإنها تصدق بيمينها بدون بينة، وأقل مدة ممكنة في الزوجة الحرة اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان. لحظة للقرء الأول، ولحظة للدخول في الحيض الثالثة، مثال ذلك: أن يطلق زوجته وهي طاهرة في آخر لحظة من ذلك الطهر، بشرط أن يكون طهراً عقب حيض، فتحيض بعد ذلك مباشرة، وترتفع الحيضة في أقل زمن الحيض وهو يوم وليلة، ثم تمكث طاهرة أقل الطهر. وهو خمسة عشر يوماً ثم تحيض يوماً وليلة أيضاً، ثم تطهر خمسة عشر يوماً ثم تحيض وبذلك يتم لها اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان: لحظة الطهر الذي طلقها فيه ومدة الحيضة الأولى، وهي يوم وليلة - أربعة وعشرون ساعة - ومدة الطهر الثاني الذي يلي الحيضة الأولى، وهو خمسة عشر يوماً بلياليها ومدة الحيضة الثانية التي تلي الطهر الثاني، وهي يوم وليلة أيضاً، ومدة الطهر الثالث الذي يلي الحيضة الثانية، وهي خمسة عشر يوماً ثم لحظة من الحيضة الثالثة التي يتم بها الطهر الثالث، ومجموع ذلك اثنان وثلاثون يوماً ولحظتان. هذا إذا طلقها في طهر قبله حيض، أما إذا طلقها وهي طاهر قبل أن تحيض أصلاً، فإن هذا الطهر لا يحسب من العدة لأن الطهر الذي يحسب من العدة هو ما كان بين دمين قبله وبعده، وهذه يمكن أن تنقضي عدتها بثمانية وأربعين يوماً، وذلك بأن يطلقها في آخر لحظة من ذلك الطهر الذي لا يحسب لها، فتحيض أقل الحيض يوماً وليلة، ثم تطهر أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض أقل الحيض كذلك ثم تدخل في الحيضة الرابعة بلحظة، فهذه ثلاثة أطهار بخمسة وأربعين يوماً، وثلاث حيض بثلاثة أيام، ولحظة الحيض الرابعة، فالمجموع ثمانية وأربعون ولحظة. هذا إذا طلقها في الطهر، أما إذا طلقها في آخر لحظة من حيضها فإنها يمكن أن تنقضي عدتها في هذه الحالة بسبعة وأربعين يوماً ولحظة من حيضة رابعة، وذلك لأنها تمكث طاهرة بعد الحيضة التي طلقها فيها خمسة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يوماً، ثم تحيض يوماً وليلة ثم تطهر خمسة عشر يوماً، هذا هو الطهر الثالث، ثم تحيض الرابعة، ومتى رأت الدم انقضت عدتها ومجموع ذلك ثلاثة أطهار في خمسة عشر يوماً يساوي خمسة وأربعين، وحيضتان بيومين، ولحظة الحيضة الرابعة، وهو العدد المذكور. هذا إذا كانت حرة، أما إذا كانت أمة فإنها إذا طلقت في آخر طهر انقضت عدتها بستة عشر يوماً ولحظتين، وإذا طلقت في حيض انقضت بأحد وثلاثين يوماً ولحظة، ولا يخفى توجيه ذلك. واعلم أن اللحظة من الحيضة الأخيرة ليس من العدة فلا تصح الرجعة فيها، وإنما هي معتبرة للاستدلال على تكملة القرء الأخير. ثالثها: الأشهر فتنقضي عدة الآيسة من الحيض بثلاثة أشهر كما سيأتي إيضاحه في مباحث العدة، وهذه لا يتصور فيها خلاف، فإذا كانت آيسة من الحيض وادعت أن عدتها انقضت بالإقرار وكذبها فإنه يصدق بيمينه، وكذا إذا كانت صغيرة، فإنها إذا ادعت أنها حاضت وانقضت عدتها بالإقراء والواقع أن مثلها لا يمكن أن تحيض، فإن القول قوله، ويصدق بيمينه وقيل: يصدق بدون يمين. هذا، وإذا ادعى الرجعة وأنكرت فلا يخلو إما أن يكون ذلك في العدة أو بعد انقضائها، فإذا كان في العدة فإنه يصدق بيمينه، فإن قلت: إذا كانت العدة باقية فيمكنه أن يقول: راجعت زوجتي وينتهي بدلاً من الخصومة والحلف، قلت: إن هذا يشمل ما إذا وطئها في العدة وادعى أنه راجعها قبل الوطء بدون بينة وأنكرت الرجعة، لأن لها الحق في المهر بالوطء قبل الرجعة كما تقدم فإذا حلف أنه راجعها قبل الوطء فإنه يصدق، وهل تعتبر دعواه في هذه الحالة إنشاء للرجعة أو إقراراً بها؟ قولان مرجحان. ولكن الأوجه أنها إقرار، إذ لا معنى لكون الدعوى إنشاء للرجعة. أما إذا ادعى الرجعة بعد انقضاء العدة، فإن في ذلك صوراً. الصورة الأولى: أن يتفقا على وقت انقضاء العدة، ويختلفا في وقت الرجعة، فتقول: إن عدتها انقضت يوم الجمعة مثلاً، وهو يوافقها على ذلك، ولكن يقول: إنه راجعها يوم الخميس قبل انقضاء العدة، وهي تقول: بل راجعني يوم السبت بعد انقضاء العدة ولم تكن قد تزوجت غيره ولم يكن له بينة على رجعته، وحكم هذه الصورة أن القول للمرأة بيمينها فتحلف على العلم أي تقول والله لا أعلم أنه راجع يوم الخميس، وبذلك تصدق، ولا يكون له عليها حق الرجعة. الصورة الثانية: عكس الأولى، وهي أن يتفقا على وقت الرجعة، ويختلفا في وقت انقضاء العدة، والمسألة بحالها، كأن يقول: إنه رجعها يوم الجمعة، وأنها ولدت يوم السبت بعد الرجعة وهي توافقه على أنه راجعها يوم الجمعة، ولكنها ولدت يوم الخميس قبل الرجعة، وفي هذه الحالة يكون القول قول الزوج بيمينه، فيحلف بأن عدتها لم تنقض يوم الخميس وتثبت رجعته، وذلك لأنها في هذه الصورة قد اعترفت بالرجعة، فكان الأصل وجود الرجعة وعدم انقضاء العدة حال الرجعة، فيعمل بالأصل ويكون القول للزوج بعكس الصورة الأولى، فإن الاتفاق فيه على انقضاء العدة فالزوج معترف بانقضاء العدة فكأن الأصل في هذه الحالة حصول انقضاء العدة وعدم الرجعة حال انقضاء العدة، فعمل بهذا الأصل، وجعل القول للزوجة بيمينها. الصورة الثالثة: أن تدعي أنها ولدت قبل أن يراجعها، وهو قد ادعى أنه راجعها قبل أن تلد، ولم يعين أحدهما وقتاً، وفي هذه الحالة تقبل دعوى السابق منهما، سواء رفعها إلى حاكم أو محكم وذلك لأنها إن سبقت الزوجة، فادعت أن عدتها انقضت وأنه لم يراجعها في العدة، وحضر الزوج فوافقها على انقضاء العدة، ولكنه قال: إنه راجعها قبل انقضائها، فقد اتفقا على الانقضاء واختلفا في الرجعة، وفي هذه الحالة يكون الأصل عدم الرجعة، وإن سبق الزوج فادعى الرجعة كانت الرجعة هي الأصل، لأنه سبق بذكرها قبل أن تدعي المرأة انقضاء عدتها، فتقررت الرجعة وهي موافقة عليها إلا أنها حصلت بقضاء العدة، ولكن الأصل عدم انقضاء العدة في هذه الحالة، وبعضهم يقول: إن حضرت أمام الحاكم من غير تراخ وادعت أنه راجعها بعد العدة كان القول لها، ولكن الراجح الأول. والحاصل أنها إن حضرت أولاً أمام الحاكم أو المحكم وادعت أن عدتها انقضت قبل الرجعة ثبت قولها، لأن لها الحق فيه ما دام الزمن يسع انقضاء العدة وتقرر أمام الحاكم فإذا حضر بعدها وادعى أنه راجعها قبل العدة كان قوله لغواً، وإذا حضر هو أمام الحاكم وقرر أنه راجعها ثبت قوله، لأن له الحق في ذلك، فإذا حضرت بعده وقالت: إنه راجعها بعد انقضاء العدة كان قولها لغواً. الصورة الرابعة: أن تتزوج غيره، ثم يدعي أنه راجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولا بينة له، وفي هذه الحالة تسمع دعواه وله عليها الحلف، فإن حلفت بأن عدتها قد انقضت فذاك وإن أقرت فإنها تلزم بدفع مهر مثلها لزوجها الأول. ولا يفسخ نكاحها من الثاني لكونه صحيحاً في الظاهر ولاحتمال أنها كاذبة في إقرارها لتتخلص من زوجها الثاني، نعم إذا مات زوجها الثاني أو طلقها فإنها ترجع إلى زوجها الأول بلا عقد جديد عملاً بإقرارها، واستردت منه المهر الذي غرمته له إذا أقام الزوج الأول بينة على أنه راجعها في العدة، فإن عقدها على الثاني يفسخ. وبهذا تعلم أن إقرارها بأنها تزوجت بالثاني قبل انقضاء عدت الأول لا يعتبر، لأنها كذبت نفسها، فإن إقدامها على التزوج إقرار بانقضاء العدة، فإذا قالت بعد ذلك: إن عدتها لم تنقص احتمل أنها كاذبة في الثاني لتتخلص من زوج الثاني، فلم يعمل به ولكن لما كان يحتمل أنها صادقة فيه من جهة أخرى، وقد ادعى الزوج الأول أنه راجعها، فإنه يعمل به من هذه الناحية إذا طلقت من زوجها الثاني، فتعود إليه بدون عقد جديد، أما البينة فإن الشأن فيها الصدق، ومتى شهدت بأنه راجعها قبل انقضاء العدة، فقد ثبت بطلان العقد الثاني، فيفسخ. الصورة الخامسة: أن يدعي أنه طلقها بعد أن وطئها، فله مراجعتها، وهي أنكرت الوطء وفي هذه الحالة يكون القول لها بيمينها لأن الأصل عدم الوطء، ثم إنه أقر لها بالمهر كاملاً وهي لا تدعي إلا نصفه، فإن كانت قد قبضته فلا رجوع له بشيء عملاً بإقراره وإن لم تكن قبضت فلا تطالبه عملاً بإقراره، فإن أخذت النصف، ثم اعترفت بعد ذلك بوطئه إياها، فهل تستحق النصف الآخر بناء على اعتراف الزوج الأول أو لا بد من ذلك من اعتراف جديد من الزوج؟ والمعتمد أنه لا بد فيه من اعتراف جديد. الصورة السادسة: أن تنكر الزوجة الرجعة، ثم تعترف بها، وفي هذه الحالة يقبل اعترافها. الحنابلة - قالوا: ينقطع حق الزوج في الرجعة بانقضاء العدة، فإذا انقضت العدة فلا رجعة لمفهوم قوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} فإن الرد للموصوف بكونه بعلاً، وهو الزوج، فإذا انقضت العدة لم يكن بعلاً، وتنقضي العدة بأمور. أحدها: أن تطهر من الحيضة الثالثة إن كانت حرة. أو من الحيضة الثانية إن كانت أمة ومعنى طهرها أن تغتسل بعد انقطاع الدم، فإن لم تغتسل لا تنقضي عدتها ويكون له الحق في رجعتها، ولو مكثت عشر سنين لم تغتسل، وذلك لأن عدم الغسل يحرم على الزوج وطأها كالحيض، وحيث أن الحيض يجعل له الحق في الرجعة، فكذلك عدم الغسل، لأنه كالحيض في منع الزوج من الوطء فكان له حكمه، ولا تحل للأزواج قبل الاغتسال بحال من الأحوال ولكن إذا مات زوجها قبل أن تغتسل فلا ترثه، وكذا إذا ماتت هي لا يرثها، لأن انقطاع الدم كاف في انقضاء العدة بالنسبة للميراث، وكذا بالنسبة للطلاق، فلو طلقها ثانية بعد انقطاع دم الحيضة الأخيرة لا يلحقها الطلاق لأنها تعتبر بائنة وكذا بالنسبة للنفقة وسائر حقوق الزوجية فإنها تنقطع بانقطاع دم الحيضة الأخيرة، ولو لم تغتسل. والحاصل أن انقطاع دم الحيضة الأخيرة تبطل به حقوق الزوجية، ولو لم تغتسل، ماعدا الرجعة وحلها للأزواج فإنهما لا يبطلان إلا بالغسل. واعلم أن الحنابلة يقولون: إن القرء هو الحيض، ولا بد أن تحيض الحرة ثلاث حيضات، وأقل مدة يمكن أن تحيض فيها ثلاث حيض تسعة وعشرون يوماً ولحظة، لأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، فإذا فرض وطلقها في آخر الطهر ثم حاضت عقب الطلاق يوماً وليلة حسبت لها حيضة، فإذا طهرت واستمر طهرها ثلاثة عشر يوماً حسب بها، فإذا حاضت يوماً وليلة حسبت لها حيضة ثانية، فيكون المجموع خمسة عشر يوماً، فإذا طهرت ثلاثة عشر يوماً حسب له طهر، فإذا حاضت بعده يوماً وليلة حسبت لها حيضة ثالثة وذلك أربعة عشر يوماً، فإذا ضمت إلى خمسة عشر كان المجموع تسعة وعشرين يوماً، أما اللحظة الباقية فهي أن تدخل في الطهر من الحيضة الثالثة، لأن بهذه اللحظة يعرف انقضاء الحيضة، وهي ليست من العدة، فإن ادعت أن عدتها انقضت في اقل من هذه المدة فلا تسمع دعواها، وأما الأمة فيمكن انقضاء عدتها في خمسة عشر يوماً ولحظة. ثانيها: أن تضع الحمل كله بحيث لو نزل بعضه يكون له الحق في الرجعة، وإذا كانت حاملاً في اثنين ووضعت أحدهما فإن العدة لا تنقضي ما لم ينزل الثاني، ويكون له الحق في الرجعة قبل نزوله، فإن لم يراجعها حتى وضعت الحمل كله فإنه لا يكون له حق في رجعتها، وتحل للأزواج ولو لم ينقطع نفاسها، وكذا لو لم تغتسل منه، لأن العدة تنقضي بوضع الحمل لا بانقطاع النفاس ولا بالغسل منه، وإذا تزوجت المطلقة رجعياً قبل أن تنقضي عدتها فإنها تعتبر في عدة الزوج الأول حتى يطؤها الثاني. مثلاً إذا حاضت الحرة حيضتين، ثم عقد عليها آخر، فإنها تعتبر في عدة الأول بعد العقد عليها، بحيث لو حاضت مرة ثالثة بعد العقد، وطهرت منه، بأن اغتسلت بعد انقطاعها، قبل أن يطأها الزوج الثاني انقضت عدة الزوج الأول، لأن العقد الثاني لا قيمة له، فإذا راجعها قبل ذلك صحت رجعته، أما إذا وطئها الزوج الثاني فإن عدة الزوج الأول تقف عند الوطء بحيث لا يحسب حيضها بعد الوطء من عدة الزوج الأول، فيحل له رجعتها وإذا حملت من الزوج الثاني كان له الحق في رجعتها مدة الحمل وبعد الوضع أيضاً، لأن الوضع ليس منه، فبه تنقضي عدتها من الثاني، أما عدتها من الأول فباقية ولم يقطعها ظاهراً إلا وطء الزوج الثاني، وإذا رجعت إلى الأول فإنه لا يحل له وطؤها إلا بعد أن تضع حملها وتطهر من نفاسها، وإذا أمكن أن تكون حاملاً من الأول ووطئها الثاني فأكمله، فإن للأول رجعتها قبل وضعه، لأنه إن كان من الأول فرجعته صحيحة قبل الوضع، وإن كان من الثاني فالأمر ظاهر، أما إذا راجعها بعد الوضع فإن الرجعة لا تصح إلا إذا كان الولد من الثاني، كما عرفت، أما إذا كان من الأول فالرجعة باطلة، لأن العدة تكون قد انقضت بالوضع. هذا، وإن ادعت انقضاء عدتها بوضع الحمل كاملاً ليس سقطاً لم يقبل قولها في أقل من ستة أشهر من حين إمكان الوطء بعد العقد، لأن ذلك أقل مدة الحمل، أما إن ادعت أنها أسقطت الحمل فإنه لم يقبل قولها في أقل من ثمانين يوماً من إمكان الوطء بعد العقد، لأن العدة لا تنقضي إلا بما يبين فيه الخلق، والجنين لا يبين خلقه إلا بعد هذه المدة. ثالثها: الأشهر إذا كانت يائسة من الحيض ولم تكن حاملاً. هذا، وإذا قالت: قد انقضت عدتي، فقال لها: كنت قد راجعتك، ولا بينة له، فالقول قولها، لأنها تملك الادعاء بهذا في الزمن الممكن، وإن بدأ هو فقال: قد راجعتك فقالت له: قد انقضت عدتي فلم يصدقها كان القول قوله، لأنه يملك الرجعة قبل قبولها، وقد صحت في الظاهر، فلا يقبل قولها في إبطالها. وإذا قال لها: راجعتك أمس، فإن قال لها ذلك وهي في العدة اعتبر رجعة، وإن قال لها ذلك بعد انقضاء العدة، فإن صدقته فذاك، وإن لم تصدقه فالقول لها. وإن اختلفا في الوطء قبل الطلاق فادعى أنه أصابها أو خلا بها - فله عليها حق الرجعة - وأنكرت كان القول لها، لأن الأصل عدم الوطء فإن ادعت هي بعد الطلاق أنه أصابها أو خلا بها لتستحق كل المهر، وأنكر هو كان القول قوله: لأنه المنكر. وهي لا تستحق في الموضعين إلا نصف المهر، سواء أنكرت الوطء أو ادعته، ولكن إذا ادعى أنه وطئها وأنكرت، وكانت قبضت المهر فلا يرجع عليها بشيء، أما إذا لم تكن قبضته فلا تستحق إلا نصفه، وفي حالة ما إذا ادعت أنه أصابها وأنكر، فإنه يرجع عليها بنصف المهر إذا كانت قد قبضته) .
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الفقه على المذاهب الأربعة المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري الجزء الرابع [مباحث الرجعة] صـــــ 404 الى صــــــــ 413 الحلقة (219) خاتمة في مسألتين -إحداهما: هل يملك الثلاث إذا عادت له بعد التزوج بغيره؟ ثانيهما: هل المطلقة رجعياً زوجة. أو لا؟ - 1 - إذا طلق الرجل زوجته واحدة. أو ثنتين وانقضت عدتها وتزوجت بغيره ووطئها الزوج الثاني، ثم طلقها وعادت للأول، فهل يملك عليها الطلقات الثلاث. كما لو طلقها ثلاثاً ووطئها زوج غيره، أو تعود له بما بقي من طلقة أو طلقتين؟ - 2 - وهل المطلقة رجعياً زوجة تعامل معاملة الأزواج قبل الرجعة. أو لا؟ أما الجواب عن المسألة الأولى: فهو أنها تعود بما بقي لها من الطلاق، سواء وطئها زوج آخر أو لا. وذلك لأن الذي يهدم عدد الطلقات هو الطلاق الثلاث فقط، فإذا طلقها ثلاثاً ثم تزوجت غيره ووطئها، وطلقها وعادت لزوجها الأول فإنه يملك عليها ثلاث طلقات، أما إذا طلقها واحدة أو ثنتين وعاد إليها فإنه يملك ما بقي فقط، سواء وطئها زوج غيره أو لا، وهذا يكاد يكون متفقاً عليه (1) وهو مروي عن عمر، وعلي، وأبي بن كعب وعمران بن الحصين. وأما الجواب عن المسألة الثانية، فهو أنها زوجة قبل الرجعة في غير الاستمتاع، فيه ترث من زوجها وتورث، ويصح الإيلاء منها، فإذا حلف أن لا يقرب مطلقته رجعياً مدة أربعة أشهر كان مولياً تجري عليه الأحكام الآتية في مبحث الإيلاء: ويصح لعانها، فإذا رمى مطلقته رجعياً بالزنا، ولم يأت بأربعة شهداء، تلاعنا، كما لو كانت غير مطلقة ويصح الظهار منها فإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي لزمته كفارة الظهار الآتي بيانها، ويلحقها الطلاق، فلو قال: زوجاتي طوالق، طلقة ثانياً: وإن خالعها صح الخلع، أما الزنية والاستمتاع ففيهما تفصيل المذاهب (2) . مباحث الإيلاء تعريفه -الإيلاء معناه في اللغة اليمين مطلقاً. سواء كان على ترك قربان زوجته. أو غيره، ومع هذا فقد كان الإيلاء على ترك وطء الزوجة في الجاهلية، له حكم خاص، وهو تحريمها حرمة مؤبدة فإذا قال: والله لا أطأ زوجتي، كان معنى ذلك عندهم تحريمها أبداً، فالمعنى اللغوي أعم من المعنى الشرعي، لأن الإيلاء في الشرع معناه الحلف على ترك وطء الزوجة خاصة فلا يطلق عند الفقهاء على الحلف على الأكل، أو الشرب، أو غير ذلك. وحكم الإيلاء في الشرع مغاير لحكم الإيلاء في الجاهلية، لأن الحلف به لا يحرم المرأة حرمة مؤبدة، كما ستعرفه، ثم إن الإيلاء مصدر آلي يولي إيلاء، كأعطى إعطاء، والألية اسم بمعنى اليمين، وتجمع على ألايا، كخطية وخطايا، ومثلها الألوة - بسكون اللام وتثليث الهمزة - فالألوة اسم بمعنى اليمين، ويقال أيضاً: تألى يتألى، بمعنى أقسم يقسم ومثله ائتلى يأتلي، ومنه قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم} الآية، أي لا يقسموا. أما معناه في الشرع، فهو الحلف على أن لا يقرب زوجته، سواء أطلق بأن قال: والله لا أطأ زوجتي، أو قيد بلفظ أبداً، بأن قال: والله لا أقربها أبداً، أو قيد بمدة أربعة أشهر فما فوق، بأن قال: والله لا أقرب زوجتي مدة خمسة أشهر، أو مدة سنة، أو طول عمرها، أو ما دامت السموات والأرض. أو نحو ذلك. فإن قال ذلك كان مولياً بذلك، أما إذا قيد بشهرين، أو ثلاثة، أو أربعة (3) بدون زيادة على الأربعة ولو يوماً، فإنه لا يعتبر مولياً بذلك ومثل الحلف بالله الحلف بصفة من صفاته، كما إذا قال: وقدر الله، أو علم الله ونحو ذلك، وكذا إذا حلف بغير الله وصفاته، كالطلاق والظهار، والعتق، والنذر، فإذا قال: هي طالق إن وطئتها، أو هي علي كظهر أمي إن وطأتها أو لله علي نذر أن أحج إلى بيت الله أو عبدي حر إن وطئتها، فإنه يكون مولياً بكل هذا (4) على أن تعريف الإيلاء شرعاً فيه تفصيل المذاهب (5) . __________ (1) (الحنفية - قالوا: خالف في ذلك أبو حنيفة، وأبو يوسف، فقالا: إذا وطئها زوج آخر بعقد صحيح، وعادت لزوجها الأول يملك عليها الثلاث، كما لو طلقها ثلاثاً بلا فرق وهذا مروي عن ابن عباس، وابن عمر، ولكن محققي الحنفية قالوا: إن قول محمد هو الصحيح، كقول الأئمة الثلاثة، وحجتهم في ذلك أنه مروي عن كبار الصحابة، وليس من السهل مخالفتهم. وبعضهم رجح قول الصالحين، وهو الراجح فيما يظهر، لأنه إن كان الترجيح مبنياً على مجرد الرواية فالصاحبان قد رويا عن فقيهين عظيمين من فقهاء الصحابة، وكفى بابن عباس، وابن عمر حجة في الفقه، وإن كان مبنياً على الدليل، بل المعقول القريب أن وطء الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فإنه يهدم الأقل من باب أولى، وقول محمد: أن قوله تعالى: {حتى تنكح زوجاً غيره} جعل غاية للحرمة الكبيرة فهدمها، لا يخفى ضعفه، لأنه لم يتعرض فيها لعدد وإنما بين الحل بنكاح الثاني، ولو سلم، فإنه لم يحصر الهدم على الثلاث، بلا أفاد أنه يهدم الثلاث فغيرها أولى) . (2) (الحنفية - قالوا: يجوز للمطلقة رجعية أن تتزين لزوجها الحاضر لا الغائب طبعاً. ويحوم ذلك في الطلاق البائن والوفاة، ولكن بشرط أن تكون الرجعة مرجوة، بحيث لو ظنت أنها إذا تزين له حسنت في نظره فيراجعها فإنها تفعل. أما إذا كانت تعتقد أن الزينة لا فائدة منها وإن طلاقها مبني على أمر آخر فلا تفعل، ويجوز له أن يخلو بها ويدخل عليها من غير استئذان ولكن يندب له إعلامها بأن يشعرها قبل دخوله، فإن لم يفعل كره ذلك تنزيهاً، ولكن يشترط في ذلك أن يكون ناوياً الرجعة، أما إذا كان مصراً على عدم العودة إليها فيكره له الخلوة بها إذا ربما لمسها بشهوة فيكون ذلك رجعة وهو لا يريدها، فيلزمه أن يطلقها ثانياً، فتطول عليها العدة، وهو ليس بحسن فإذا لم يكن قاصداً الرجعة فيكون له تنزيهاً أن بخلو بها وإنما كره تنزيهاً لأن زوجته يباح له وطؤها بلا نية رجعة، لكن ينبغي له أن لا يطيل عليها العدة بالوطء إذا لم يكن عازماً على الرجعة، فإذا كان عازماً فلا كراهة في ذلك مطلقاً، ولها الحق في القسم إن كان لها ضرة ما دام ناوياً على مراجعتها وإلا فلا. وهل يصح له أن يسافر بها ويخرجها من المنزل الذي طلقت فيه إذا كان ناوياً الرجعة، أو لا؟ والجواب: أن التحقيق لا يصح إخراجها من المنزل مطلقاً قبل الرجعة بالفعل لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} الآية، كما تقدم، وبعضهم يقول: إذا نوى الرجعة فله ذلك. ويندب للزوج أن يشهد على الرجعة رجلين عدلين، ولو بعد الرجعة بالفعل. المالكية - قالوا: إذا كان ناوياً مراجعتها فإنه يحل له أن يستمتع بها بلمس ونظر إلى عورة وخلوة ووطء، فإذا فعل شيئاً من ذلك مقارناً للينة كان رجعة وكان جائزاً وإلا حرم فإذا لم يكن ناوياً على العودة لها يحرم عليه أن يخلو بها أو ينظر إلى زينتها أو يستمتع بها، بل تكون منه في ذلك بمنزلة الأجنبية، أما إذا كان عازماً على العودة، فيه زوجة في الاستمتاع كغيره. الشافعية - قالوا: لا يحل له أن يخلو بها أو يستمتع بها قبل الرجعة بالقول، سواء كان ناوياً مراجعتها أو لا، فهي ليبست زوجة له في الاستمتاع قبل مراجعتها بالقول، وزوجة له فيما عدا ذلك فهي زوجة له في خمسة مواضع فقط، مبنية في خمس آيات من القرآن: إحداها: قوله تعالى: {الذين يؤلون من نسائهم} والإيلاء يشمل المطلقة رجعياً، فهي من النساء. ثانيها: قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} ، والمطلقة رجعياً ترث وتورث، فهي داخلة في الزوجات. ثالثها: قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم} الخ، والمطلقة رجعياً داخلة في الزوجات إذا رماها زوجها بالزنا كما ذكرنا. رابعها: قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم} والرجعية يصح الظهار منها، كما ذكرنا فهي من نساء الرجل. خامسها: قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء} والرجعية تطلق، فهي من الزوجات. الحنابلة - قالوا: للرجعية أن تتزين لمطلقها مطلقاً، وله أن يخلو بها، ويطأها، ويستمتع بها، ويسافر بدون كراهة، سواء نوى الرجعة أو لا إلا أن الاستمتاع بها بغير الوطء لا يكون رجعة، فهي زوجة له بالنسبة للاستمتاع كغيره من الأمور المذكورة) . (3) (الحنفية - قالوا: أقل مدة الإيلاء أربعة أشهر فقط، فلا يشترط الزيادة عليها، كما سيأتي توضيحه في حكم الإيلاء) . (4) (الحنابلة - قالوا: أنه لا يكون مولياً إلا إذا حلف بالله، أو بصفة من صفاته كما هو موضح في تعريفهم الآتي) . (5) (الحنفية - عرفوا الإيلاء بأنه اليمين على ترك قربان الزوجة مطلقاً غير مقيد بمدة أو مقيداً بمدة أربعة أشهر فصاعداً بالله تعالى، أو تعليق القربان على فعل شاق، فقولهم: اليمين بالله شمل ما إذا حلف باسم الله أو بصفة من صفاته، وقولهم: على ترك قربان الزوجة المراد به الوطء في القبل على الوجه الآتي بيانه، وقولهم أو تعليق القربان على فعل شاق شمل ما إذا علق على طلاق كما إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق، أو على عتق، كما إذا قال: إن أتيتك فعبدي حر، أو على نذر، كأن قربتك فعلي حج، أو صيام ولو يوم، لأنه شاق، بخلاف ما إذا قال: إن قربتك فعلي صيام هذا الشهر أو الشهر الماضي، لأن الماضي لا يصح نذره، والشهر الحاضر يمكنه أن يطأها بعد نهايته ولا شيء عليه، لنه يصير ماضياً، وكذا إذا قال: فعلي هدي، أو اعتكاف، أو يمين أو كفارة يمين، أو فعلي عتق رقبة، من غير أن يعين، أو علي صلاة مائة ركعة، ونحو ذلك مما في فعله مشقة على النفس، بخلاف ما إذا قال: علي صلاة ركعات أو إتباع جنازة، أو تسبيحات أو نحو ذلك مما لا مشقة جنازة، أو تسبيحات أو نحو ذلك مما لا مشقة فيه فإنه لا يكون مولياً، فإن أتاها، وكان مولياً بالله، كان عليه كفارة يمين، وإن كان معلقاً على طلاق وقع الطلاق، سواء علق على طلاقها أو طلاق امرأة غيرها، وإن كان معلقاً على عتق رقبة غير معينة لزمته، وإن كان معلقاً على غير ذلك لزمه وسقط الإيلاء، وإن لم يقربها فرق بينهما على الوجه الآتي. وبهذا تعلم أن الإيلاء إنما يصح بالطلاق، والعتاق، والظهار، والهدي، والحج، والصوم، ونحو ذلك، لأن في فعلها مشقة على النفس، أما النذر فإن كان في الوفاء به مشقة على النفس فإنه يصح الإيلاء به، وإلا فلا يصح، كما إذا قال: إن وطئتك فلله علي أن أصلي عشرين ركعة إذ لا يخفى أن صلاة عشرين ركعة لا مشقة فيها في ذاتها، وإن كانت قد يشق فعلها على بعض النفوس الضعيفة بسبب الكسل، فمن قال ذلك فإنه لا يكون مولياً، بخلاف ما إذا نذر صلاة مائة ركعة، فإن فيها مشقة في ذاتها، فيعتبر الحالف بنذرها مولياً. فإن قلتك إنه إذا حلف بالله، بأن قال: والله لا أطأ زوجتي يكون مولياً، بل هو الأصل في الإيلاء، مع أنه إذا وطئ امرأته لا يلزمه فعل شيء شاق، والجواب: أنه يلزمه كفارة اليمين، وظاهر أن الكفارة فعل شاق، وأورد على هذا أمران. أحدهما: إيلاء الذمي باليمين، كأن يقول: والله لا أطأ زوجتي، فإنه يكون بذلك مولياً عند الإمام بحيث لو رفع إلينا الأمر فإننا نحكم بكونه مولياً، مع انه إذا وطئها فلا كفارة عليه، لأن الذمي غير مخاطب بالكفارة وأجيب: بأنه يلزمه الإيلاء لأنه معاملة لا عبادة، ولا تلزمه الكفارة لأنها عبادة، وهو ليس من أهل العبادة، فهي مستثنى من هذا الحكم لعارض الكفر. ثانيهما: أنه إذا قال: والله لا أطأ زوجاتي الأربع، فإن له أن يطأ ثلاثاً منهم بدون كفارة وبهذا يكون قد آلى من زوجاته بدون أن يفعل أمراً شاقاً. والجواب: أنه إذا قال: والله لا أطأ زوجاتي الأربع كان معناه أنه حلف على ترك وطء الأربع جميعاً، فإذا أتى بعضهن لا يحنث، بل يحنث إذا أتى الأربع، فإذا أتى الثلاث وترك واحدة صار مولياً منها وحدها، ونظير ذلك ما إذا حلف لا يكلم زيداً، وعمراً، ثم كلم زيداً فقط فإنه لا يحنث، فإذا كلم عمراً بعد زيد حنث، كما إذا كلمهما معاً وكذا لو قال لزوجته، وأمته: والله لا أقربكما، ثم أتى زوجته وحدها فإنه لا يكون مولياً، فإذا أتى الأمة بعدها كان مولياً من زوجته لتوقف الحلف على اتيانهما معاً. الحنابلة - قالوا: الإيلاء حلف زوج - يمكنه أن يجامع - بالله تعالى أو صفة من صفاته على ترك وطء امرأته ولو قبل الدخول في قبلها، فقولهم: زوج خرج به سيد الأمة، فإنه لو حلف أن لا يطأ أمته لا يكون مولياً، وقولهم: يمكنه أن يجامع خرج به الصغير الذي لا يمكنه الجماع، ومثله العنين، والمجبوب، فإن حلف هؤلاء لا يكون إيلاء شرعياً وقولهم: بالله أو صفة من صفاته خرج به الحلف بالكعبة، والنبي، والطلاق، والعتق والظهار، ونحو ذلك، فإن من حلف بها لا يكون مولياً، وقولهم على ترك وطء امرأته في قبلها خرج به ما لو حلف على ترك وطئها في دبرها أو بين فخذيها أو نحو ذلك، مما سيأتي تفصيله. وهل الحلف بالنذر، كالحلف بالله، أو كالحلف بغيره؟ خلاف، فلو قال لها: إن وطئتك فالله علي أن أصلي عشرين ركعة، كان مولياً ينتظر له أربعة أشهر، ثم يعمل معه ما يعمل مع المولي، وبعضهم يقول: إنه يكون مولياً لأن الحلف بالنذر كغيره ليس بيمين، وهو الظاهر، وذلك لأن الحنابلة قالوا: إن الإيلاء هو قسم، والقسم لا يكون إلا بالله أو صفة من صفاته، فإذا علق الحلف على الوطء بالطلاق، كأن قال: إن جامعتك فأنت طالق، أو علقه على العتق، كان قال: إن أتيتك فعبدي حر، أو علقه على ظهار، كأن قال: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، أو علي نذر كأن قال: إن جامعتك فعلي حج أو صدقة، أو نحو ذلك. فإنه لا يكون بكل هذا مولياً، لأن العليق بالشرط ليس فيه معنى القسم، ولذا لم يؤت فيه بحرف القسم، غايته أن يشارك القسم في المنع من الفعل أو الترك، فتسميته حلفاً من باب التجوز، فالحالف بالتعلق كالحلف بالكعبة في أن كل منهما ليس قسماً، فإذا حلف بشيء من ذلك وجامعها كان عليها جزاؤه فيقع طلاقه. ويلزمه عتقه، ونذره، وصلاته، وصيامه، وإن لم يجامعها لم يكن مولياً. نعم للزوجة إذا تركها زوجها أربعة أشهر - ولو بدون إيلاء - الحق في رفع أمرها للحاكم ليأمره بإتيانها، أو بطلاقها كما سيأتي في حكم الإيلاء. وإذا قال لها: إن وطئتك فلله علي صوم أمس، فإنه لا يلزمه بوطئها شيء، لأن نذر الماضي لا يلزم، ومثل ذلك ما إذا قال لها: إن وطئتك فعلي صوم هذا الشهر، ثم وطئها بعد انقضائه، فإنه لا يلزمه شيء لأنه صار ماضياً، أما إذا قال لها: إن وطئتك فعلي صيام الشهر الذي أطؤك فيه، ثم وطئها كان عليه أن يصوم ما بقي من ذلك الشهر. وإذا قال لها: والله لا أطؤك إن شاء الله، ثم وطئها، فلا شيء عليه، لأن الاستثناء ينفعه، ومن هنا يتضح لك أن الحنابلة يخالفون الحنفية وباقي الأئمة في أن التعليقات ليست قسماً على التحقيق، فلا يعتبرونها إيلاء إلا أنهم مع هذا يوجبون جزاءها إذا فعل المعلق عليه، على أنه لا فرق بينهم وبين غيرهم في النتيجة لأنهم يحتمون على ما حلف بها أن يأتي زوجته بعد أربع أشهر، أو يطلق، وإن لم يكن مولياً. المالكية - قالوا: الإيلاء شرعاً هو حلف زوج مسلم، مكلف يمكنه أن يجامع النساء على ترك وطء زوجته غير المرضعة أكثر من أربعة أشهر إن كان حراً، وأكثر من شهرين إن كان رقيقاً، فقوله حلف زوج يشمل ثلاث أنواع: النوع الأول: الحلف بالله تعالى أو بصفة من صفاته، كأن يقول: والله لا أطؤك أصلاً، أو لا أطؤك مدة خمسة أشهر، ومثل ذلك ما إذا قال: وعلم الله وقدرة الله ونحو ذلك. النوع الثاني: التزام أمر معين يصح التزامه من طلاق، وعتق وصدقة، وصلاة وصيام، وحج، وأمثلة ذلك هي أن يقول: إن وطئتك فأنت طالق، فعلي عتق عبدي فلان، أو فعلي جنيه صدقة، أو فعلي صلاة مائة ركعة، أو فعلي صيام شهر، أو فعلي المشي إلى مكة، ويسمى هذا نذراً معيناً، النوع الثالث: التزام أمر مبهم، كأن يقول: علي نذر إن وطئتك، أو علي صدقة إن وطئتك. أما إذا قال: علي نذر أن لا أطأك، أو أن لا أقربك، فإن فيه خلاف، فبعضهم يقول: إنه يكون مولياً بذلك وبعضهم يقول: لا، ووجه الأول أن معنى قول القائل: علي نذر أن لا أطأك إن انتفى وطؤك فعلي نذر فقد علق النذر في الواقع على عدم وطء زوجته، وعدم وطء الزوجة معصية، والنذر المعلق على المعصية لازم، ووجه القول الثاني أن هذا ليس بتعليق، وإنما معناه مصدر مأخوذ من - أن ... والفعل فكأنه قال: عدم وطئك نذر علي، وهذا نذر للمعصية لا تعليق للنذر على معصية، ونذر المعصية لا يصح. وبهذا تعلم أن الخلاف دائر على أنه تعليق، أو ليس تعليق؟ فمن يقول: إنه تعليق للنذر على عدم الوطء، يقول: إنه لازم، لأن تعليق النذر على المعصية لازم، ومن يقول: إنه ليس بتعليق وإنما هو مبتدأ وخبر، فكأنه قال: عدم وطئك علي نذر، فإنه يقول: إنه غير لازم لأنه نذر للمعصية لا تعليق النذر على المعصية، فلا يصح الإيلاء به، فإن كان التعلق صريحاً فلا خلاف في أنه يصح به الإيلاء سواء كان النذر معيناً، أو مبهماً، كما في الصورة التي قبل هذه، وهي إن وطئتك فعلي نذر، فإنه علق النذر على وطئها، فهو لازم بلا كلام، وقوله مسلم خرج به إيلاء الكافر فإنه لا يكون مولياً، بحلفه، خلافاً للأئمة الثلاثة، فإنهم يقولون: إن إيلاء الكافر صحيح كما ستعرفه في الشروط، وقد استل الأئمة على رأيهم بقوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم} الخ. والموصول من صيغ العموم يشمل المسلم، والكافر، والحر، والعبد، وأجاب المالكية عن ذلك بأن ذلك يصح إذا بقي الموصول على عمومه، ولكن قوله تعالى بعد ذلك، {فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم} يدل على تخصيص - الذين - بالمسلمين، لأن الذين يغفر الله لهم بالرجوع إلى وطء زوجاتهم هم المسلمون، أما الكافر فهو خارج عن رحمة الله على أي حال وقد أجيب عن هذا بأن قاعدة مذهب المالكية تفيد أن الكافر يعذب على الكفر وعلى المعصية، فلا يعذبه عليه، وهو وجيه، وقوله مكلف خرج به إيلاء الصبي والمجنون، فإن إيلاءهما لا ينعقد، كالكافر، وقوله: يمكنه أن يجامع النساء خرج به المجبوب، والخصي، والشيخ الفاني العاجز عن إتيان النساء، أما المريض الذي يمنعه مرضه عن إتيان النساء حال مرضه، فإنه يصح الإيلاء منه ما لم يقيده بمدة المرض فإنه لا يكون مولياً في هذه الحالة لأنه لا يقدر على الوطء فيها بطبيعته، وقوله: على ترك وطء زوجته يشمل ما إذا كلن الترك منجزاً أو معلقاً فمثال المنجز أن يقول لها: والله لا أطؤك أكثر من أربعة أشهر ومثال المعلق أن يقول لها: لا أطؤك ما دمت في هذه الدار أو في هذه البلدة، فكما أن اليمين تارة يكون منجزاً، وتارة يكون معلقاً فكذلك ترك الوطء، تارة يكون منجزاً وتارة يكون معلقاً. وكذلك الزوجة تارة تكون منجزة، وتارة تكون معلقة فأما المنجزة فظاهرة وأما المعلقة، فمثالها أن يقول: إن تزوجت فلانة فوالله لا أطؤها مدة خمسة أشهر مثلاً، أو يقول: والله لا أطأ فلانة وهي أجنبية، ثم يتزوجها فإنه يكون مولياً بذلك، وهذا هو المشهور، وبعضهم يقول: لا إيلاء على الزوجة المعلقة لقوله تعالى: {للذين يؤولون من نسائهم} فجعل الإيلاء خاصاً ولا يخفى أن الأجنبيات لا يدخلن في نساء الرجل، ولكن المشهور هو الأول. فالحاصل أن اليمين تارة يكون منجزاً، وتارة يكون معلقاً، وقد عرفت الأمثلة في أنواع الحلف وكذا المحلوف عليه، وهو ترك الوطء تارة يكون منجزاً وتارة يكون معلقاً، وكذلك الواقع عليها الحلف، وهي الزوجة وقد عرفت الأمثلة، وقوله: غير المرضعة خرج به المرضعة، فإنه إذا حلف أن لا يطأها ما دامت مرضعة فإنه لا يكون مولياً، بشرط أن يقصد مصلحة الولد أو لم يقصد شيئاً، أما إن قصد منع نفسه من جماعها بدون سبب فإنه يكون مولياً، وقوله: أكثر من أربعة أشهر خرج به ما إذا حلف أن لا يقربها أربعة أشهر أو أقل، فإنه لا يكون مولياً بذلك فلا بد من الزيادة على الأربعة ولو بيوم، وهو رأي الأئمة الثلاثة خلافاً للحنفية، فإنهم يقولون: إنه يكون مولياً بالأربعة بدون زيادة عليه. الشافعية - قالوا: الإيلاء هو حلف زوج يتصور وطؤه ويصح طلاقه على امتناعه من وطء زوجته التي يتصور وطؤها في قبلها مطلقاً، أو فوق أربعة أشهر، فقوله: حلف، يشمل ثلاثة أشياء. الأول: الحلف باسم من اسمائه تعالى أو صفة من صفاته، كقوله: والله لا أطأ زوجتي، أو وقدرة الله لا أطأ زوجتي. الثاني: يتعلق الطلاق أو العتق على الوطء كما إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق، أو إن وطئتك فضرتك طالق. ومثل ذلك ما إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر فقد علق بذلك طلاقها أو طلاق ضرتها على وطئها، كما علق عتق عبده على وطئها. الثالث: الحلف بالتزام النذر، كصلاة وصيام، وغيرهما من القرب كما إذا قال: إن وطئتك فالله علي صلاة، أو صيام، أو علي عتق، أو علي حج، أو صدقة، أو نحو ذلك، فهذه هي الأمور الثلاثة التي ينعقد بها الحلف على وطء الزوجة. ويكون الزوج بها مولياً وسيأتي بيان حكم كل واحد منها في مبحث حكم الإيلاء. وقوله: زوج، يشمل المسلم، والكافر، ويشمل الكبير والصغير، والحر والعبد، ويشمل أيضاً السكران، فلو حلف وهو سكران ألا يطأ زوجته كان مولياً، ويشمل أيضاً المريض الخصي - وهو مقطوع الأنثيين القادر على الوطء والمجبوب الذي لا يقدر على الوطء إذا حلف وقوله: يتصور وطؤه خرج به الصبي الذي لا يعرف الوطء وكذا من أصيب بشلل في عضو التناسل فعجز عن الوطء أو قطع ذكره بحيث لم يبق منه القد الذي يصلح للوطء، لأن إيلاء مثل هذا لا معنى له، إذ هو عجز بطبيعة الحال. وهذا بخلاف المريض الذي يرجى برؤه، فإن إيلاءه يصح ما لم يقيد بمدة المرض، فإنه في هذه الحالة لا يكون لإيلائه معنى، لأنه عاجز بطبيعته، فلا إيذاء للزوجة من حلفه. وقوله: يصح طلاقه به إيلاء من لا يصح طلاقه كالصبي، والمجنون، والمكره، فإن إيلاء هؤلاء لا يصح، وإنما قال: زوج ليخرج غير الزوج، فلو حلف شخص لا يطأ هنداً، وهي غير زوجة له لا يكون مولياً منها إذا تزوجها، وإنما يكون مقسماً، فلو وطئها يكون عليه كفارة يمين وقد عرفت فيما تقدم أن الحلف بالطلاق على الأجنبية لا يقع. وقوله: من وطء زوجته خرج به ما إذا حلف على ترك وطء أمته فإنه لا يكون مولياً، إلا إذا الأمة زوجة. فإن الإيلاء يصح منها كالحرة. وقوله: التي يتصور وطؤها خرج به الصغيرة التي لا تطيق الوطء فإذا حلف أن لا يطأها سنة وكانت تطيق الوطء بعد ستة أشهر إلا قليلاً، فإنه يكون مولياً منها، لأن المدة من السنة التي تطيق فيها الوطء هي مدة الإيلاء، ومثل الصغيرة التي لا تطيق الوطء من بها علة تمنع الوطء كما إذا كانت رتقاء، بخلاف ما إذا كانت مريضة مرضاً لا يمنع الوطء أو يمنعه مؤقتاً فإن الإيلاء يصح، ولكن لا يكون لها الحق في المطالبة بالرجعة إلى الوطء إلا بعد برأها، كما يأتي في حكم الإيلاء. وقوله: في قبلها خرج به ما إذا حلف أن لا يطأها في دبرها، فإنه لا يكون مولياً بذلك، لأنه حلف على ترك فعل مطلوب تركه، هذا بخلاف ما إذا قال: والله لا أطؤها إلا في دبرها فإنه يكون بذلك مولياً، فكأنه قال: والله لا أطؤها في قبلها، ولو قال: والله لا أطؤها إلا وهي حائض أو إلا وهي صائمة رمضان، أو إلا في المسجد، فإنه لا يكون مولياً بذلك، وذلك لأنه وإن كان قد حلف أن لا يطأها في وقت يحرم عليه وطؤها، ولكن ليس فيه حلف على ترك وطئها في قبلها والتحريم لعارض الحيض ونحوه لا يمنع من جواز الوطء في المحل، بخلاف ما إذا حلف أن لا يأتيها إلا في الدبر، لأن تحريمه ذاتي، وإذا حلف أن يطأها بين فخذيها أو نحو ذلك فإنه لا يكون مولياً. وقوله: مطلقاً شمل ما لم يقيد المدة بوقت ما. كما إذا قال لها: إن وطئتك فأنت طالق أو قيدها بما يفيد التأبيد كما إذا قال لها: والله لا أطؤك أبداً، أو طول عمرك، أو حتى ينزل المسيح. أو حتى تقوم الساعة، أو قيدها بما يزيد على أربعة أشهر ولو لحظة، كما إذا قال لها: والله لا أطؤك أربعة أشهر وخمس دقائق مثلاً، أما إذا قال لها: أربعة أشهر فقط. أو أقل فإنه لا يكون مولياً بذلك) .
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
الفقه على المذاهب الأربعة المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري الجزء الرابع [مباحث الظهار] صـــــ 431 الى صــــــــ 443 الحلقة (221) مباحث الظهار تعريفه وحكمه. ودليله -معنى الظهار في اللغة، هو أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ويظهر أنه مأخوذ من الظهر تشبيهاً للمرأة بالمركوب على ظهره، لأن الرجل يركبها حين يغشاها، وإن كان ركوبها على بطنها لا على ظهرها، لأن الغرض تشبيهها بالمركوب في الجملة، وعلى كل حال فحقيقة الظهار في اللغة هي أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وإذا قال لها ذلك فقد حرمت عليه مؤبدة، كما تحرم على غيره، ولما جاء الدين الإسلامي لم يبطل ما كان عليه الناس إلا بوحي. فما كان من أقوالهم وأفعالهم حسناً أقره الله، وما كان قبيحاً نهى الله عنه، وما كان محتاجاً إلى تهذيب هذبه الله. فالظهار كان مستعملاً في تحريم وطء الزوجة في الجاهلية، وكان حكمه تأبيد التحريم على الزوج وعلى غيره. ولكن الشريعة الإسلامية جعلت له حكماً أخروياً، وحكماً قي الدنيا، فأما حكمه الأخروي فهو الاثم، فمن قاله فقد أثم، وأما حكمه الدنيوي فهو تحريم وطء المرأة حتى يخرج كفارة تأديباً له وتغليظاً عليه، وسيأتي بيان الكفارة. فيجب على المسلمين أن يفهموا جيداً ما انطوت عليه هذه الكلمة من مساوئ، فلا يقدموا عليها، إذ ليس من الدين أن يغضب الرجل فيقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، أو مثل أمي أو مثل أختي، أو نحو ذلك، مما سيأتي، لأن هذه اللفظة يترتب عليها معصية الله تعالى وعقابه الأخروي، كما يترتب عليها ندم بأداء الكفارة الشاقة على أن في معنى الظهار شرعاً تفصيل المذاهب (1) . أما دليله: فهو قوله تعالى: {الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً} فهذا هو دليل حكمه الأخروي. فقد وصفه الله بأنه منكر وزور، أما دليله الدنيوي، فقوله بعد هذه الآية: {والذين يظاهرون منكم من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} الآيات، فهذا دليل حكمه الدنيوي. وبذلك تعلم أنه لا منافاة بين كونه منكراً من القول. وبين كونه يترتب عليه تحريم المرأة مؤقتاً حتى يخرج الكفارة، لأن الكفارة جزاء على عصيان الله، وتحريم المرأة مؤقتاً تأديب له، وفي ذلك زجر شديد للمؤمنين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. هذا، وقد روي أن سبب تشريع حكم الظهار، هو أن خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت رآها زوجها وهي تصلي، فلما سلمت راودها، فأبت، فغضب فظاهر منها، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوساً تزوجني وأنا شابة مرغوب في فلما خلا سني ونثرت بطني - أي كثرت أولادي - جعلني كأمه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عندي في أمرك شيء" لأن الله لم يوح إليه بإبطال ما كانوا عليه بشأن الظهار، فتألمت لذلك وشكت إلى الله، وقالت له: يا رسول الله إن لي صبية صغاراً، إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا، فأعاد عليها قوله، فكانت كلما قال لها ذلك تهتف وتقول: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي فنزل قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم} الآيات. أركان الظهار وشروطه -أركان الظهار، أربعة مظاهر، وهو الزوج. ومظاهر منها، وهي الزوجة ومشبه به، وصيغة. ولكل منها شروط مفصلة في المذاهب (2) . __________ (1) (الحنفية - قالوا: الظهار هو تشبيه المسلم زوجته. أو تشبيه ما يعبر به عنها من أعضائها أو تشبيه جزء شائع منها بمحرم عليه تأبيداً بوصف لا يمكن زواله. ومعناه إجمالاً أن حقيقة الظهار الشرعية هي صيغة الظهار المشتملة على تشبيه الزوجة بالأم ونحوها من المحرمات. أو تشبيه جزء يعبر به عن المرأة كالرأس والعنق أو جزء شائع كالنصف والثلث، فقوله: تشبيه خرج عنه ما ليس تشبيهاً، فإذا قال لها: أنت أمي أو أختي بدون تشبيه، فإنه لا يكون ظهاراً، ولو نوى به الظهار. وهو عام يشمل التشبيه الصريح والتشبيه الضمني فالصريح أن يقول: أنت علي كظهر أمي، أو كأمي، أو نحو ذلك والضمني كأن يشبه زوجته بامرأة ظاهر منها زوجها، بأن يقول لها: أنت علي مثل فلانة، وهو ينوي بذلك الظهار فإنه وإن لم يذكر الظهار صريحاً، ولكن ذكره ضمنياً، ومثل ذلك ما إذا كان له زوجتان فظاهر من إحداهن ثم قال للأخرى: أنت علي مثل فلانة أو أشركتك معها ناوياً الظهار فإنه يكون مظاهراً، لأن ذلك متضمن - أنت علي كظهر أمي - وشمل أيضاً التشبيه المنجز والمعلق، ولو على مشيئتها، كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي إن شئت وكذلك المؤقت، كأن يقول لها أنت علي كظهر أمي شهراً. أو أسبوعاً، فإنه يصح، ويكون ظهاراً تجب به الكفارة عند العزم على وطئها في ذلك الوقت. وإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي شهر رجب كله، وشهر رمضان كله فإنه يصح، وإذا عزم على وطئها في شهر رجب، فإنه يجب عليه أن يخرج الكفارة أولاً، فإذا فعل أجزأته هذه الكفارة عن كفارة شهر رمضان، وإذا لم يعزم على وطئها في شهر رجب وعزم على وطئها في شهر شعبان فإن إخراج الكفارة لا تجزئه، وذلك لأنه ليس مظاهراً منها في شعبان، فله وطؤها بدون كفارة والكفارة إنما تجب لاستباحة الوطء الممنوع شرعاً عند العزم عليه. فلا تجب قبل العزم على ذلك الوطء. وقد عرفت أن الوطء في شعبان مباح لا ممنوع، فلا تجب له كفارة، أما إذا أخرجها عند العزم في رمضان فإنها تجزئ عن رجب ورمضان من باب أولى، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي إلا يوم الجمعة، فإنه إذا عزم على وطئها في يوم غير يوم الجمعة وجبت عليه الكفارة فإذا أخرجها يوم الجمعة لا تجزئه، لأن يوم الجمعة يباح له فيه وطؤها بدون كفارة، وإذا قال لها أنت علي كظهر أمي إن سافرت إلى بلدة أبيك، وسافرت لزمته الكفارة عند العزم على الوطء فإذا قال لها: كلنا سافرت، تعددت الكفارة بعدد مرات سفرها، وإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي كل يوم فلا يلزمه إلا كفارة واحدة، وإذا قال لها: أنت علي كظهر أمي في كل يوم وجبت عليه كل يوم يعزم فيه على وطئها كفارة، ولكن إذا وطئها ليلاً جاز ولا كفارة عليه: لأن اليوم الشرعي هو النهار لا الليل. وقوله: المسلم خرج به الذمي، فلا يصح ظهاره، وإن كان يصح طلاقه وإيلاؤه، ولكن لا يصح ظهاره، وذلك لأن الظهار يوجب تحريم الزوجة قبل الكفارة، والذمي لا كفارة عليه، لأنه ليس أهلاً للكفارة، وقد يقال: إنكم قلتم: إن إيلاء الذمي يصح فيما إذا حلف بالله، ولكن لا تجب عليه الكفارة، فلماذا لا يلزمه الظهار وتسقط عنه الكفارة؟ والجواب: أنه في حال الإيلاء منع نفسه من إتيان امرأته باليمين، فإذا لم يأتها حتى مضت مدة الإيلاء بانت منه رفعاً للضرر عنها، أما وطؤها بعد الحلف فلا شيء عليه، أما هنا فقد منع وطؤها من قبل الشارع إلا إذا أدى الكفارة عليه فلا معنى لصحة ظهاره. وقوله: زوجته يشمل ما إذا كانت الزوجة أمة فإن الظهار يصح منها أما إذا كانت مملوكة فلا يصح الظهار منها: وكذا إذا كانت أجنبية إلا إذا أضافه إلى الملك، أو سبب الملك ومثال الأول: أن يقول لها: إن أصبحت أو صرت زوجة لي فأنت علي كظهر أمي. ومثال الثاني: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي. فإن الزواج سبب لملك الزوجة، وإذا قال لها: إن تزوجتك فأنت علي ظهر أمي مرة فإنه إن تزوجها يجب عليه في كل مرة يعزم فيها وطئها كفارة حتى يخرج مائة كفارة وكذا إذا عدد مائة مرة، فإنه يجب عليه مائة كفارة من باب أولى. وقوله: تشبيه المسلم زوجته خرج به تشبيه المسلمة زوجها، فلو قالت له: أنت علي كظهر أبي أو كظهر أمي. أو أنا عليك كظهر أمك كان لغواً من القول لا قيمة له، لأنها لا تملك التحريم، وبعضهم يقول: يصح ظهارها وعليها الكفارة إن مكنته من نفسها والأول هو المعتمد، وكذا يشمل الزوجة الكتابية. والصغيرة والمجنونة، والرتقاء، والمدخول بها وغير المدخول بها، فإن كلهن يصح الظهار منهن كما يصح الظهار من المطلقة رجعياً، لأنها زوجة، أما البائنة فلا يصح الظهار منها، ولو كانت في العدة. وقوله: بمحرم عليه، أي بجزء محرم عليه من الأجزاء التي لا يصح له النظر إليها، كظهر أمه أو بطنها، أو فرجها، وكذا سائر المحرمات عليه من الرضاع، أو من النسب، أو المصاهرة، فلو قال لها: أنت كظهر حماتي، أو كظهر بنتك، كظهر أختي فلانة من الرضاع فإن الظهار يصح وكما يصح التشبيه بجزء يحرم النظر إليه، فإنه يصح بالكل، كما إذا قال لها: أنت علي كأمي، وأختي لأنه فيه الظهر وزيادة، ولكن لا يكون ظهاراً إلا إذا نوى به الظهار، فهو كناية في الظهار وقولنا بجزء محرم، أي أن التشبيه لا بد أن يكون بجزء يحرم النظر إليه، فلو قال لها: أنت علي كرأس أمي. أو رجل أمي فإنه لا يكون ظهاراً. نعم يصح أن يكون المشبه جزءاً لا يحرم النظر إليه كما إذا قال: رأسك علي كظهر أمي، ويشترط أن يكون التشبيه بجزء امرأة، أو بجميع امرأة محرمه تحريماً مؤبداً كالأم، والأخت نسباً ورضاعاً وكالحماة، وبنت الزوجة، فإن قال: أنت علي كظهر أختك فإن الظهار لا يصح، لأن أختها ليست محرمة عليه حرمة مؤبدة، إذ يصح له أن يتزوجها بعد تطليق أختها، وقولنا بجزء امرأة خرج به التشبيه بجزء رجل. كما إذا قال: أنت علي كفرج أبي أو أخي فإنه لا يكون بذلك مظاهراً على المعتمد. المالكية - قالوا: الظهار تشبيه المسلم المكلف من تحل أو جزءها بظهر محرم أو جزئه أو كظهر أجنبية، فقوله: تشبيه المراد به اللفظ المشتمل على التشبيه، سواء كانت أداة التشبيه الذكورة أو لا. والأول كما إذا قال لها: أنت علي كظهر أمي، والثاني كما إذا قال لها: أنت على أمي، فإذا قال لها: أنت أمي بحذف أداة التشبيه كان مظهراً، إلا أن ينوي به الطلاق فإن نوى به الطلاق كان طلاقاً بائناً، أما إذا ناداها بقوله: يا أمي أو يا أختي فإنه لا يكون مظاهراً، ولكن إذا نوى به الطلاق عد طلاقاً، وقوله المسلم، والمراد به الزوج. أو السيد، فإنه يظاهر من عبده، خرج به الكافر، فإن ظاهر ثم أسلم فإن الظهار لا يلزمه كما لا يلزمه الطلاق أو العتق، أو الصدقة، أو النذر، وإنما قال: المسلم، ولم يقل المسلمة لأن تشبيه المسلمة زوجها ليس بظهار، فإذا قالت له: أنت علي كظهر أبي. أو أمي كان ذلك لغواً. فلا يلزمها كفارة ظهار ولا كفارة يمين، وإذا جعل أمرها بيدها فقالت: أنا عليك كظهر أمي لم يلزمه ظهار، لأن الكفارة غرم. وقوله: الملكف خرج به الصبي، والمجنون والمكره والسكران بسكر حلال، أما السكران بحرام فإنه يلزمه الظهار كما يلزمه الطلاق، وقوله: من تحل المراد بها الزوجة، والأمة، لأن الأمة يصح الظهار منها، فإن قلت: إن هذا القيد يفيد عدم صحة الظهار من الحائض، والنفساء، والمتلبسة بالإحرام لأنها لا تحل في هذه الحالة، والجواب: أن المراد من تحل بحسب ذاتها، وتحريمها في هذه الأحوال لعارض زائل، فإذا قال لزوجته الحائض: أنت علي كظهر أمي لزمه الظهار، وقوله أجزاءها شمل الجزء الحقيقي من يد ورأس وغيرها. والجزء الحكمي من شعر، وريق فإنه في حكم الجزء لا لتصاقه بالبدن فإذا قال: رأسك علي كرأس أمي، أو قدها، أو قال: شعرك كان ذلك ظهاراً. وقوله: بظهر محرم أو جزئه - بفتح الميم والراء مخففة - المراد بها محارمه التي لا يحل له زواجها ومعناه أن الظهار كما يكون بتشبيه زوجته أو جزئها بظهر واحدة من محارمه يكون كذلك بأي جزء من أجزائها. وقوله: أو ظهر أجنبية، أي تشبيه زوجته أو أمته، أو جزئها بظهر الأجنبية خاصة فإذا قال لزوجته: أنت علي كظهر فلانة الأجنبية كان مظاهراً منها. أما إذا قال لها: أنت علي كرأسها أو يدها، أو غير ذلك من باقي أجزائها فإنه لا يكون مظاهراً فتحصل من هذا أربع صور: الصورة الأولى: تشبيه كل زوجته، أو كل أمته بكل واحدة من محارمه. كأن يقول لها: أنت علي كأمي، أو كأختي أو أختي إذا لم ينو به الطلاق. الصورة الثانية: تشبيه كل زوجته، أو أمته بجزء واحدة من محارمه. كأن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، أو رأسها أو نحو ذلك من باقي أجزاء بدنها. الصورة الثالثة: تشبيه جزء زوجته، أو أمته بكل محرمة عليه، كأن يقول: ظهرك علي كأمي ومثل ذلك ما إذا قال: رأسك أو ريقك، أو نحو ذلك. الصورة الرابعة: أن يشبه جزء أمته بجزء محرمة عليه، كأن يقول: رأسك، أو ظهرك كرأس أمي، فإذا شبه بأجنبية محرمة عليه فإنه لا يكون مظاهراً إلا إذا شبه بظهرها خاصة كأن يقول لها: أنت علي كظهر فلانة. ولا بد أن تكون المشبهة بها محرمة عليه بطريق الأصالة، فلو قال لها: أنت محرمة علي كضرتك النفساء فإنه لا يكون ظهاراً الشافعية - قالوا: الظهار تشبيه الزوج زوجته في الحرمة بمحرمة. فقوله: تشبيه الزوج، المراد بالزوج كل من يصح طلاقه، فيشمل العبد، والكافر، فإنه يصح ظهاره. خلافاً للحنفية والمالكية علي التفصيل المتقدم في مذهبهما، ووفاقاً للحنابلة الذين يقولون: أن الظهار يصح من الكافر، كما ستعرفه في مذهبهم، وكذلك يشمل الخصي والمجبوب والسكران، فإن ظهارهم يصح، خرج بالزوج ما ليس بزوج، فلو قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي لم يكن ذلك ظهاراً، حتى ولو تزوجها، وخرج بقولنا: من يصح طلاقه الصبي، والمجنون، والمكره فإن ظهارهم لا يصح. كما لا يصح طلاقهم. وقوله: زوجته، المراد بها منعقد عليها عقد نكاح صحيح، سواء كانت بالغة، أو صغيرة أو مجنونة، أو مريضة، أو رتقاء، أو قرناء، أو كافرة، أو مطلقة طلاقاً رجعياً لا طلاقاً بائناً فإن كلهن يصح منهن الظهار، وخرج به الأجنبية، كما ذكرنا، ومثلها الأمة. فإنه لا يصح الظهار منها، خلافاً للمالكية والحنفية، وقوله: بمحرمة، المراد بالمحرم كل أنثى لا يحل نكاحها بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة، ولا فرق بين أن يشبه بها كلها أو يشبه بجزء منها. فلو شبه بجزء ذكر محرم، أو بكله فإنه لا يكون ظهاراً، وكذا إذا شبه بخنثى مشكل ويشترط أن يكون التحريم أصلياً لا عارضاً، فلو قال لها: أنت علي كزوجة ابني، أو كظهرها لا يكون مظاهراً، لأن زوجة ابنه كانت حلالاً له قبل أن يتزوجها ابنه، ومثل ذلك إذا قال لها: أنت علي كزوجتي التي حرمت منه باللعان، فإن تحريمها عارض. ومثال التشبيه بالكل أنت علي، أو امرأتي، أو هذه كظهر أمي أو كجسمها، أو يدها، أو شعرها أو ظفرها أو نحو ذلك من الأجزاء الظاهرة، أما الأجزاء الباطنة، كالكبد والقلب فلا يكون ظهاراً لا في المشبه، ولا المشبه به وخرج بالأجزاء الفضالات، فإنه لا يصح بها الظهار كالمني، واللبن والريق، فإن كل ذلك لا يكون ظهاراً لا صريحاً ولا كناية والظهار بهذه الألفاظ صريح، أما الكناية، فهي أن يقول: أنت كأمي، أو كعينها أو نحو ذلك فإنه يكون ظهاراً بالنية. الحنابلة - قالوا: الظهار هو تشبيه الزوج امرأته بمن تحرم عليه مؤبداً ومؤقتاً، أو تشبيهه عضواً من امرأته بظهر من تحرم عليه حرمة مؤبدة أو مؤقتة أو بعضو من أعضائها الثابتة غير الظهر، أو تشبيهه امرأته أو عضواً منها برجل، أو عضو منه، سواء كان ذلك الرجل قريبه أو أجنبياً فقولهم الزوج المراد به كل من يصح طلاقه، مسلماً كان أو كافراً، حراً أو عبداً كبيراً كان أو صغيراً بشرط أن يكون مميزاً يعقل الظهار، وبعضهم يرى عدم صحة ظهار الصغير المميز وعدم صحة إيلائه لأنهما يمينان لهما كفارة على الصبي، ولأن كفارة الظهار لزمت لما فيه من قول المنكر والزور، والصغير مرفوع عنه المؤاخذة بما يقول، وهذا وجيه. ولا يصح من المجنون: أو المغمى عليه، أو النائم، أما السكران بشراب محرم فإن ظهاره يصح لأن طلاقه يصح، فإن كان سكره بدواء ونحوه فإنه لا يقع ظهاره كطلاقه، وقوله: امرأته المراد بها من تحل له بالعقد الصحيح، سواء كانت بالغة، أو صغيرة، حرة، أو أمة، مسلمة، أو ذمية يمكن وطؤها، فخرج به أمته أو أم ولده، فإنها ليست زوجة، فإذا قال شخص لأمته أنت علي كظهر أمي فعليه كفارة يمين. وقوله: تشبيه الزوج امرأته خرج به تشبيه المرأة زوجها، كأن تقول له: أنت علي كظهر أبي أو إن تزوجت فلاناً يكون علي كظهر أبي أو أخي أو نحو ذلك فإن ذلك ليس بظهار ولكن يجب عليها بذلك كفارة الظهار إلا أنها لا تمنع نفسها عن زوجها بل يجب عليها بذلك أن تمكنه من نفسها قبل إخراج الكفارة، لأن وطأها حق الزوج ولا يسقط حقه بيمينها، وإنما وجبت عليها الكفارة تأديباً لها. وقوله: أو تشبيه عضواً من امرأته، والمراد بالعضو العضو الثابت في المشبه والمشبه به كاليد والرأس، والبطن، والظهر أما الأعضاء التي تزول وتأتي، كالشعر، والسن، والظفر والريق، والدمع، والدم، العرق فإن التشبيه بها لا يكون ظهاراً فمثال تشبيه الزوج امرأته بمن تحرم عليه حرمة مؤبدة أن يقول لها: أنت علي كأمي، أو أختي أو عمتي. ومثال تشبيهه إياها بمن يحرم عليه حرمة مؤقتة، أنت علي كظهر أختك أو عمتك، ومثال التشبيه بالظهر أنت علي كظهر أمك أو ظهر أختك، ومثال التشبيه بجزء غير الظهر أنت علي كرأس أمي، أو أختك، أو بطنها، أو رأسك، أو يدك، أو فرجك كرأس أمي، أو أختك، أو يدها، أو نحو ذلك، أما إذا قال: كشعر أمي، أو سنها، أو شعرك كشعر أمي، أو نحو ذلك فإنه لا يكون ظهاراً. ومثل ذلك ما إذا قال لها: روحك كروح أمي، وقوله: أو تشبيهه امرأته أو عضواً منها برجل الخ، معناه أن التشبيه بالرجل الأجنبي أو القريب ظهار، لأنه محرم عليه، فإذا قال لها: أنت علي كزيد، أو كرأسه، أو كظهره، فإنه يكون مظاهراً، خلافاً للحنفية، والشافعية ووفاقاً للمالكية الذين يقولون بصحة الظهار إذا نواه، وكان التشبيه بظهره خاصة) . يتبع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |