|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#15
|
||||
|
||||
![]() شرح العمدة لابن تيمية كتاب الحج (2) تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية من صــ 355الى صــ 368 (65) وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " الصَّوْمُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَصُمْ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ ". رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ: عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ نَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَكَاهُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا يُعْرَفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا: أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ مِنًى، وَذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُهَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى بِحَالٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا جَوَّزَ لَهُ الِانْتِقَالَ عَنِ الْهَدْيِ بِأَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، فَإِذَا لَمْ يَصُمْهَا فِي وَقْتِهَا: لَمْ يُجْزِهِ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُ قَدْ يَكُونُ بَاقِيًا، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ، وَلِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ رُخْصَةٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ خُيِّرَ بَيْنَ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَبَيْنَ الْهَدْيِ، وَفَاتَ وَقْتُ الصَّوْمِ: لَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ، فَلَأَنْ يَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ إِذَا كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ الْأَصْلِيَّ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْمُؤَقَّتَةَ إِذَا فَاتَتْ: فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَلَيْسَ فِي قَضَاءِ صَوْمِ الْمُتْعَةِ أَمْرٌ. وَإِنْ قُلْنَا: يَقْضِي فَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، وَهُنَا قَدْ أَمْكَنَ إِبْدَالُ الْهَدْيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الصَّوْمِ فَهُوَ أَوْلَى مِنَ الِاسْتِبْدَالِ بِصَوْمٍ؛ وَلِأَنَّ الْبَدَلَ إِذَا كَانَ مُؤَقَّتًا فَفَاتَ وَقْتُهُ: رُجِعَ إِلَى الْأَصْلِ؛ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ عَنِ الْأَدَاءِ فَلَوْ شُرِعَ فِي الْإِبْدَالِ لَكَانَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ بَعْدَهُ، وَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا كَامِلَةٌ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَثْبُتُ لِأَيَّامٍ فِي غَيْرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ ثَبَتَتْ لَهَا لَجَازَ التَّأْخِيرُ، وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْعَشَرَةُ كَامِلَةً لَمْ يُجْزِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِعَشَرَةٍ كَامِلَةٍ، وَلِأَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَجِّ مِنَ الْمَنَاسِكِ - وَإِنْ كَانَتْ صَوْمًا - كَمَا أَنَّ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مِنَ الْمَنَاسِكِ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةً، وَلِهَذَا يَصُومُهَا الْمُتَمَتِّعُ عَنْ غَيْرِهِ. فَإِنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ تَخْتَصُّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَالْمَنَاسِكُ الْمُؤَقَّتَةُ تَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَقْضِي بِحَالٍ، وَإِذَا لَمْ تُقْضَ: فَمِنْهَا مَا يَجِبُ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الدَّمُ. وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَقْضِيهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى إِذَا فَاتَ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْمَنْذُورِ الْمُؤَقَّتِ، وَلِأَنَّ الصَّوْمَ وَالْهَدْيَ فِي التَّوْقِيتِ سَوَاءٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ الْآخَرُ، وَيَقْضِيهَا مَعَ صَوْمِ السَّبْعَةِ إِنْ شَاءَ مُتَتَابِعًا وَإِنْ شَاءَ مُتَفَرِّقًا. وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ عَلَى ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ؛ - إِحْدَاهُنَّ: عَلَيْهِ دَمٌ وَهِيَ اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ نَصُّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى جَازَ أَيَّامَ النَّحْرِ صَامَ عَشَرَةً إِذَا رَجَعَ وَعَلَيْهِ دَمٌ قَدْ فَرَّطَ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ - إِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ مِنْ تَمَتُّعٍ، أَوْ جَزَاءِ صَيْدٍ، أَوْ كَفَّارَةِ ظِهَارٍ أَوْ زَكَاةٍ فَفَرَّطَ فِيهَا حَتَّى ذَهَبَ مَالُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ، وَإِذَا فَرَّطَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُتَمَتِّعٌ: صَامَ بَعْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: مَا تَقَدَّمَ فِي الْهَدْيِ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ خَرَّجَهَا شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي تَأْخِيرِ الْهَدْيِ، وَاخْتَارَ هُوَ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الصَّوْمِ دَمٌ بِحَالٍ مَعَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْهَدْيِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يَجِبُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ دَمٌ بِخِلَافِ الْهَدْيِ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَنَاسِكِ، وَتَأْخِيرُ الْمَنَاسِكِ فِي الْجُمْلَةِ قَدْ يُوجِبُ دَمًا. وَالصَّوَابُ طَرِيقَةُ شَيْخِهِ؛ فَقَدْ ذَكَرْنَا نَصَّ أَحْمَدَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ ذَكَرَهَا الْقَاضِي مَنْصُوصَةً فِي خِلَافِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَلَعَلَّهُ خَرَّجَهَا فِي كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ، ثُمَّ وَجَدَهَا مَنْصُوصَةً، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِنْ فِقْهِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْهَدْيِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ: لَا دَمَ بِحَالٍ قَالَ - فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ - إِنْ لَمْ يَصُمْ فِي الْحَجِّ فَلْيَصُمْ إِذَا انْصَرَفَ، وَلَا يَرْجِعْ إِلَى الدَّمِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الصِّيَامَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ قَضَائِهِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا. فَعَلَى هَذَا إِذَا أَيْسَرَ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ فَهَلْ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَوْ أَرَادَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُهْدِيَ وَلَا يَصُومَ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: عَلَيْهِ الصِّيَامُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ فَاتَ وَقْتُهُ، وَيَتَخَرَّجُ جَوَازُهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا صَوْمُ السَّبْعَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْلِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ، وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْبِدَارَ إِلَى الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى: {إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] وَهَذَا تَوْقِيتٌ لَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ؛ لِأَنَّ إِذَا ظَرْفٌ مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ قَوْلَهُ: {إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لِأَوَّلِ وَقْتِ الْفِعْلِ، أَوْ لِآخِرِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِأَوَّلِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ وَقْتٌ لِآخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: سَبْعَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ: لَظَنَّ ظَانٌّ وُجُوبَ تَقْدِيمِهَا إِلْحَاقًا لَهَا بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ: {إِذَا رَجَعْتُمْ} [البقرة: 196] بَيَانٌ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا، وَلَوْ أُرِيدَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا لَقِيلَ: وَسَبْعَةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أَوْ مَتَى شِئْتُمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ. ![]() فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ: فَقَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ - إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَصُمِ السَّبْعَةَ أَيَّامٍ يُطْعَمُ عَنْهُ بِمَكَّةَ مَوْضِعَ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِطْعَامِ عَنْهُ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ؛ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ وَهُوَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ صَوْمِهَا بِمَكَّةَ فِي الْغَالِبِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْهَدْيَ وَالصَّوْمَ عَنْهُ يَجِبُ إِمَّا بِالْإِحْرَامِ، أَوْ بِالْوُقُوفِ. وَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِهِ إِلَّا وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ عَنْهُ إِذَا مَاتَ، كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهَدْيِ؛ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ عَنْهُ إِذَا مَاتَ بَعْدَ أَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ. فَلَوْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَصِحَّ الْوُجُوبُ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا؛ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَطَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا يَجِبُ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُ إِلَّا إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ كَمَا قُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إِذَا مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ قَضَائِهِ لَمْ يُطْعَمْ عَنْهُ. وَالتَّمَكُّنُ الْمُعْتَبَرُ: إِمَّا الِاسْتِيطَانُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ، أَوِ الصِّحَّةُ فَقَطْ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى صَوْمِ بَعْضِ الْعَشَرَةِ أُطْعِمَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا يُصَامُ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَظَاهِرُ النَّصِّ أَجْوَدُ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ لَيْسَ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِسَبَبٍ مِنَ الْمُكَلَّفِ، فَهُوَ كَصَوْمِ النَّذْرِ، وَصَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَكَالصَّوْمِ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ، أَوِ الصَّوْمِ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى. وَهَذَا لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُدْرَةُ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الشُّرُوطِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهِيَ عَشَرَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنِ اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ، أَوْ مَا قَبْلَهُ مِنَ الشُّهُورِ: لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ إِنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ هَدْيٌ؛ نَصَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا يَجِبُ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ الْحَجِّ هَدْيٌ. فَلَوْ تَحَلَّلَ مِنَ الْحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَحْرَمَ فِيهِ بِعُمْرَةٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَقَدْ جُعِلَ فِي حُكْمِ مَا لَيْسَ مِنْ أَشْهُرِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَجَّ يَفُوتُ فِيهِ وَلَا يُدْرَكُ بِإِدْرَاكِهِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ. ![]() وَمَعْنَى الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ: أَنْ يُحْرِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ هِلَالِ شَوَّالٍ بِسَاعَةٍ: لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ لِلشَّهْرِ الَّذِي أَهَّلَ فِيهِ لَا لِلشَّهْرِ الَّذِي أَحَلَّ فِيهِ، أَوْ طَافَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، حَتَّى قَالَ: عُمْرَةٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً، فَإِنْ أَدْرَكَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فَقَدْ أَدْرَكَ عُمْرَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَالَ - فِيمَنْ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَدَخَلَ الْحَرَمَ فِي شَوَّالٍ -: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا عُمْرَةً فِي شَهْرٍ مُسَمًّى، ثُمَّ يَخْلُو إِلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَحِيضُ قَالَ: " لِتَخْرُجْ ثُمَّ لْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لْتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لْتَطُفْ بِالْكَعْبَةِ وَتُصَلِّي ". وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ. وَلِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ إِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ لِتَرَفُّهِهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَقَطْ فَلَمَّا عَدَلَ عَنْهُ إِلَى الْإِحْرَامِ بِعُمْرَةٍ وَأَتَى بِالْحَجِّ أَيْضًا: شُرِعَ لَهُ الْهَدْيُ. فَإِذَا أَهَلَّ قَبْلَ شَوَّالٍ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي وَقْتٍ تَنْفَرِدُ بِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ لَهَا وَطَافَ قَبْلَ شَوَّالٍ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَوِ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَرَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ، أَوْ أَقَامَ بِالْحَرَمِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُسَافِرَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ، فَإِنْ سَافَرَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ: فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا كَمَا سَافَرَ لِلْعُمْرَةِ سَفَرًا وَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ. وَأَمَّا حَدُّ السَّفَرِ الَّذِي يُخْرِجُهُ عَنِ التَّمَتُّعِ: فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ -: إِذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ - وَيُعْجِبُنِي هَذَا الْقَوْلُ - وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ مَنْ جَاءَ إِلَى مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ، أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَنْ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الشُّهُورِ فَإِنَّمَا هِيَ عُمْرَةٌ وَلَيْسَ هُوَ مُتَمَتِّعًا، وَإِذَا دَخَلَ بِعُمْرَةٍ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ ثُمَّ انْتَظَرَ حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ. فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَالْأَثْرَمِ - مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إِذَا أَقَامَ حَتَّى يَحُجَّ فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ سَفَرًا يَقْصُرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَحَجَّ: فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَأَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ -: إِذَا أَقَامَ فَأَنْشَأَ الْحَجَّ فِي مَكَّةَ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ -: إِذَا سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَ الْقَاضِي - فِي الْمُجَرَّدِ - وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ - وَأَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةُ وَغَيْرُهُمْ: إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ، أَوْ خَرَجَ إِلَى مَوْضِعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَجَعَلُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ خُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ، وَإِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ: رَافِعًا لِلْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ذَكَرَ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّ الَّذِي يُزِيلُ الْمُتْعَةَ: السَّفَرُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمِيقَاتَ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ لَزِمَهُ أَنْ يَحْكِيَ رِوَايَةً ثَالِثَةً: بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِخُرُوجِهِ إِلَى الْمِيقَاتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى. وَقَالَ الْخَرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِمَا، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَابْنُ عَقِيلٍ - فِي مَوَاضِعَ -: الِاعْتِبَارُ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ خَاصَّةً. فَمَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَلَيْسَ هُوَ بِمُتَمَتِّعٍ. قَالَ الْقَاضِي: إِذَا رَجَعَ الْمُتَمَتِّعُ إِلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعُمْرَةِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ. قَالَ: وَقَوْلُ أَحْمَدَ فَإِنْ خَرَجَ إِلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ. وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ أَحْمَدَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا. ![]() وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَا يَرْجِعُ إِلَى اخْتِلَافٍ فِي الْحُكْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ كُلَّهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ؛ فَإِنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ مِنْ نَاحِيَةِ السَّاحِلِ، وَالْجُحْفَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَسَائِرَ الْمَوَاقِيتِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ يَوْمَانِ قَاصِدَانِ. فَكُلُّ مَنْ خَرَجَ إِلَى مِيقَاتٍ فَقَدْ خَرَجَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَقَدْ يَخْرُجُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ. وَلَا يَصِلُ إِلَى الْمِيقَاتِ، فَإِذَنْ كِلَا الطَّرِيقَيْنِ جَيِّدَةٌ، وَإِنْ كَانَ الضَّابِطُ فِي الْخُفَّيْنِ السَّفَرَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ. لَكِنْ مَنِ اعْتَقَدَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ تَوَهَّمَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الْمِيقَاتِ مَنْ لَا يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لِيَجْعَلَ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، أَوْ تَنَاوَلَ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْمُتْعَةُ بِالْخُرُوجِ إِلَى مِيقَاتِهِ، أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطٌ عَلَى انْفِرَادِهِ: فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا مُسْتَنَدُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمَسَافَةِ، وَهَذَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مُخَالَفَةٌ وَاضِحَةٌ لِكَلَامِ أَحْمَدَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْمِيقَاتِ مُسْقِطٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَسَافَاتِ الْمَوَاقِيتِ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا سَافَرَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَحْرَمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ مِنْ نَاحِيَةِ مِيقَاتِهِ أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَتَرَفَّهْ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، بَلْ سَافَرَ لِلْحَجِّ سَفَرًا صَحِيحًا فَزَالَ مَعْنَى التَّمَتُّعِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى مِصْرِهِ، أَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْمِيقَاتَ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلدَّمِ سُقُوطُ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهِ عَلَى الْقَارِنِ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ فِي سَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَلَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ مِنَ الْمِيقَاتِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْقَارِنِ دَمٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ - فِي لِسَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ -: هُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ بِسَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ سَافَرَ بَيْنَهُمَا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ: فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ دُونَ مِيقَاتِهِ؛ لِأَنَّ مِيقَاتَ مَنْ إِنْ شَاءَ الْحَجَّ مِنْ دُونِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ مُتْعَةٍ، كَمَا لَوْ رَجَعَ إِلَى مِصْرِهِ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. وَلِهَذَا أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ: بِسَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ إِحْرَامَهُ مِنْهُ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ. وَاشْتَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا سَافَرَ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَإِنْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِلْحَجِّ - مُحِلًّا - ثُمَّ بَدَا لَهُ الْحَجُّ فَأَحْرَمَ مِنْهَا فَعَلَيْهِ أَيْضًا دَمٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ وَرَجَعَ حَرَامًا، إِمَّا بِأَنْ يَكُونَ سَائِقًا هَدْيًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ قِيلَ: لَيْسَ بِتَمَتُّعٍ أَيْضًا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَالْأَشْبَهُ: أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَمَا لَوْ سَافَرَ الْقَارِنُ، أَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ سَافَرَ مُحْرِمًا إِلَى مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 196]، وَحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: أَهْلُهُ وَمَنْ بَيْنَهُ مَسَافَةٌ لَا تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ. وَهَلِ الْعِبْرَةُ بِبُعْدِهِ عَنِ الْحَرَمِ، أَوْ عَنْ نَفْسِ مَكَّةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَعَنْهُ أَنَّهُمْ هَؤُلَاءِ وَمَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ مُطْلَقًا. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ - فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ - فِيمَنْ كَانَ حَوْلَ مَكَّةَ فِيمَا لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَهُوَ مِثْلُ أَهْلِ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عُمْرَةٌ، وَلَا مُتْعَةٌ إِذَا قَدِمُوا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ فِيمَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ: فَعَلَيْهِ الْمُتْعَةُ إِذَا قَدِمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَأَقَامَ إِلَى الْحَجِّ. وَقَالَ - فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ -: إِذَا كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ مِمَّا لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ .. . . فَعَلَى هَذَا: أَهْلُ الْمَوَاقِيتِ لَيْسُوا مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ أَدْنَاهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ مِنْهَا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ ذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قَرْنٍ وَذَاتِ .. . . فَصْلٌ وَهَلْ لِحَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ يَتَمَتَّعُوا .. . . قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ التَّمَتُّعُ لِأَهْلِ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا لِكُلِّ مَنْ مَنْزِلُهُ دُونَ النُّصْبِ إِلَى مَكَّةَ لِلْآيَةِ .. . . [مَسْأَلَةٌ فدية الجماع] مَسْأَلَةٌ: (وَفِدْيَةُ الْجِمَاعِ بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامٌ كَصِيَامِ التَّمَتُّعِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَدَمُ الْفَوَاتِ) ![]() [مَسْأَلَةٌ الإحصار] مَسْأَلَةٌ: (وَالْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ دَمٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ). وَجُمْلَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِذَا صَدَّهُ عَدُوٌّ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ يَذْهَبُ فِيهِ، أَوْ صُدَّ عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ وَيَرْجِعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَالتَّحَلُّلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِنِيَّةِ الْإِحْلَالِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْإِحْرَامِ. فَلَوْ حَلَقَ، أَوْ ذَبَحَ، أَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ غَيْرَ نَاوٍ لِلتَّحَلُّلِ: لَمْ يَصِرْ حَلَالًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ إِتْمَامِ النُّسُكِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَمَّ نُسُكُهُ صَارَ حَلَالًا بِالشَّرْعِ حَتَّى لَوْ نَوَى دَوَامَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِحَّ، كَالصِّيَامِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ وَالْمُصَلِّي إِذَا سَلَّمَ. وَإِذَا لَمْ يُتِمَّ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْإِحْلَالِ كَالْمَرِيضِ الصَّائِمِ وَالْمُصَلِّي الَّذِي يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ. لَا يَخْرُجُ مِنَ الْعِبَادَةِ إِلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنَ النِّيَّةِ وَنَحْوِهَا، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَفْسُدُ إِحْرَامُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا بُدَّ مِنْ .. . . وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إِنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَجَعَلَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ قَائِمًا مَقَامَ الْإِتْمَامِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّ التَّقْدِيرَ: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَعَلَيْكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَوْ فَفَرْضُكُمْ مَا اسْتَيْسَرَ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، تُرِكَ ذِكْرُ الْمَحْذُوفِ لِدَلَالَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، وَكَمَا قَالَ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185]. ![]()
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |