تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         فاجتنبوه | الشيخ شعبان درويش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 5 - عددالزوار : 63 )           »          ميزة جديدة برسائل جوجل تمكنك من إثبات هوية المتحدث إليك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          وداعًا للصوت المكتوم.. ويندوز 11 يُحسّن جودة صوت سماعات البلوتوث (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          جوجل تطلق برنامج جديد لحماية الأجهزة يسمى Pixel Care+ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          واتساب يطلق مساعد للكتابة بالذكاء الاصطناعى يساعدك فى صياغة الرسائل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          إنستجرام يطلق ميزة جديدة تمكن طلاب الجامعات من التواصل مع زملائهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          دليلك لنقل كل بياناتك من هاتفك القديم إلى الجديد بسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          تطبيق Gemini يضيف لإنشاء الصور المزيد من أدوات التحرير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          أهم 7 نصائح لإنشاء بريد إلكترونى آمن يصعب اختراقه لحماية بياناتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          جوجل ترجمة تطلق ميزة تعلمك لغة جديدة بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-01-2022, 09:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,609
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"
محمد جمال الدين القاسمي
سورة الفاتحة
المجلد الثانى
صـ 16 الى صـ 23
الحلقة (4)


[ ص: 16 ] وَثَالِثُهَا هِدَايَةٌ يُوَلِّيهَا صَالِحِي عِبَادِهِ بِمَا اكْتَسَبُوهُ مِنَ الْخَيْرَاتِ ، وَهِيَ الْهِدَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ وَقَوْلُهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وَقَوْلُهُ : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ هِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ

وَيَصِحُّ أَنْ نَنْسُبَ هَذِهِ الْهِدَايَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُقَالُ : هُوَ آثَرَهُمْ بِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ السَّبَبُ فِي وُصُولِهِمْ إِلَيْهَا . وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : اكْتَسَبُوهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ تَوَصَّلُوا إِلَيْهَا بِاجْتِهَادِهِمْ . فَمَنْ قَصَدَ سُلْطَانًا مُسْتَرْفِدًا فَأَعْطَاهُ ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ السُّلْطَانَ خَوَّلَهُ . وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : فُلَانٌ اكْتَسَبَ بِسَعْيِهِ ، وَلِانْطِوَاءِ ذَلِكَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ ، قَالَ تَعَالَى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ فَنَبَّهَ أَنَّ ذَلِكَ بِجُهْدِهِمْ وَبِفَضْلِهِ جَمِيعًا .

وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : هِيَ مُبَاحَةٌ لِلْعُقَلَاءِ كُلِّهِمْ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : هِيَ مَحْظُورَةٌ [ ص: 17 ] إِلَّا عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، لِمَا كَانَ فِي إِمْكَانِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ أَنْ يَتَرَشَّحُوا لِتَنَاوُلِهَا ، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ : إِنَّهَا لَا يَسْهُلُ تَنَاوُلُهَا قَبْلَ أَنْ يَتَشَكَّلَ الْإِنْسَاْنُ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ ، بِتَقْدِيمِ عِبَادَاتٍ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : الْهُدَى مِنَ اللَّهِ كَثِيرٌ ، وَلَا يُبْصِرُهُ إِلَّا الْبَصِيرُ ، وَلَا يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا الْيَسِيرُ . أَلَا تَرَى أَنَّ نُجُومَ السَّمَاءِ مَا أَكْثَرَهَا وَلَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا الْعُلَمَاءُ . وَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ : إِنَّ مَثَلَ هِدَايَةِ اللَّهِ مَعَ النَّاسِ كَمَثَلِ سَيْلٍ مَرَّ عَلَى قِلَاتٍ وَغُدْرَانٍ ، فَيَتَنَاوَلُ كُلُّ قَلْتٍ مِنْهَا بِقَدْرِ سِعَتِهِ -ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ- : أَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ كَمَطَرٍ أَتَى عَلَى أَرَضِينَ فَيَنْتَفِعُ كُلُّ أَرْضٍ بِقَدْرِ تَرْشِيحِهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ .

(وَالْمَنْزِلَةُ الرَّابِعَةُ) : مِنَ الْهِدَايَةِ التَّمْكِينُ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ فِي دَارِ الْخُلْدِ ، وَإِيَّاهَا عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَنَـزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنَ الْهِدَايَةِ مَا لَا يُنْفَى عَنْ أَحَدٍ بِوَجْهٍ . وَمِنْهَا مَا يُنْفَى [ ص: 18 ] عَنْ بَعْضٍ ، وَيَثْبُتُ لِبَعْضٍ ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَقَالَ : لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ : وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ فَإِنَّهُ عَنَى الْهِدَايَةَ -الَّتِي هِيَ التَّوْفِيقُ وَإِدْخَالُ الْجَنَّةِ- دُونَ الَّتِي هِيَ الدُّعَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَقَالَ فِي الْأَنْبِيَاءِ : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا

فَقَوْلُهُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فُسِّرَ عَلَى وُجُوهٍ بِحَسَبِ أَنْظَارٍ مُخْتَلِفَةٍ إِلَى الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ :

(الْأَوَّلُ) : أَنَّهُ عَنَى الْهِدَايَةَ الْعَامَّةَ ، وَأَمَرَ أَنْ نَدْعُوَ بِذَلِكَ -وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ فَعَلَهُ لَا مَحَالَةَ- لِيَزِيدَنَا ثَوَابًا بِالدُّعَاءِ، كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ . (الثَّانِي) قِيلَ : وَفِّقْنَا لِطَرِيقَةِ الشَّرْعِ .

(الثَّالِثُ) : احْرُسْنَا عَنِ اسْتِغْوَاءِ الْغُوَاةِ وَاسْتِهْوَاءِ الشَّهَوَاتِ ، وَاعْصِمْنَا مِنَ الشُّبُهَاتِ .

[ ص: 19 ] الرَّابِعُ : زِدْنَا هُدًى اسْتِنْجَاحًا لِمَا وَعَدْتَ بِقَوْلِكَ : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَقَوْلِكَ : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى

(الْخَامِسُ) : قِيلَ : عَلِّمْنَا الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ فَذَلِكَ سَبَبُ الْخَلَاصِ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنُّورِ فِي قَوْلِهِ : يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ

(السَّادِسُ) : قِيلَ : هُوَ سُؤَالُ الْجَنَّةِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ الْآيَةَ. فَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ أَنْظَارِهِمْ إِلَى أَبْعَاضِ الْهِدَايَةِ وَجُزْئِيَّاتِهَا ، وَالْجَمِيعُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِالْآيَةِ - إِذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهَا – [ ص: 20 ] وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ" . اهـ كَلَامُ الرَّاغِبِ . وَبِهِ يُعْلَمُ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْهِدَايَةِ فِي سَائِرِ مَوَاقِعِهَا فِي التَّنْزِيلِ الْكَرِيمِ ، وَأَنَّ الْوُجُوهَ الْمَأْثُورَةَ فِي آيَةٍ مَا -إِذَا لَمْ تَتَنَافَ- صَحَّ إِرَادَتُهَا كُلُّهَا ؛ وَمِثْلْ هَذَا يُسَمَّى : اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ لَا اخْتِلَافَ تَضَادٍّ.

كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَبْحَثٍ لَهُ مُهِمٍّ ، نَأْثُرُهُ عَنْهُ هُنَا ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ ، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ :

يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا لَيْسَ فِيهِ تَضَادٌّ وَتَنَاقُضٌ ، بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَقًّا، وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ أَوِ اخْتِلَافٌ فِي الصِّفَاتِ أَوِ الْعِبَارَاتِ ، وَعَامَّةُ الِاخْتِلَافِ الثَّابِتِ عَنْ مُفَسِّرِي السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا ذَكَرَ فِي الْقُرْآنِ اسْمًا مِثْلَ قَوْلِهِ : "اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ" فَكُلُّ الْمُفَسِّرِينَ يُعَبِّرُ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ بِعِبَارَةٍ تَدُلُّ بِهَا عَلَى بَعْضِ صِفَاتِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ بِمَنْزِلَةِ مَا يُسَمِّي اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكِتَابَهُ بِأَسْمَاءٍ ، كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمُ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ ، أَوِ اتِّبَاعُ كِتَابِ اللَّهِ . وَيَقُولُ الْآخَرُ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُ الْإِسْلَامِ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَيَقُولُ الْآخَرُ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ ، أَوْ طَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرِّضَا وَالْحُبِّ ، وَامْتِثَالُ الْمَأْمُورِ ، وَاجْتِنَابُ الْمَحْظُورِ ، أَوْ مُتَابَعَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ أَوِ الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ، أَوْ نَحْوَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعِبَارَاتِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسَمَّى هُوَ وَاحِدٌ ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ صِفَاتُهُ وَتَعَدَّدَتْ أَسْمَاؤُهُ وَعِبَارَاتُهُ ؛ وَكَثِيرٌ مِنَ التَّفْسِيرِ وَالتَّرْجَمَةِ تَكُونُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .

وَمِنْهُ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفَسِّرُ وَالْمُتَرْجِمُ مَعْنَى اللَّفْظِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ وَالْحَصْرِ - مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مِنَ الْعَجَمِ: مَا مَعْنَى الْخُبْزِ ؟ فَيُشَارُ لَهُ إِلَى رَغِيفٍ -وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ عَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا الْإِشَارَةُ إِلَى تَعْيِينِ هَذَا الشَّخْصِ تَمْثِيلًا . وَهَذَا كَمَا إِذَا سُئِلُوا عَنْ قَوْلِهِ : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [ ص: 21 ] . أَوْ عَنْ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ أَوْ عَنِ الصَّالِحِينَ أَوِ الظَّالِمِينَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ الْجَامِعَةِ الَّتِي قَدْ يَتَعَسَّرُ أَوْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْتَمِعِ أَوِ الْمُتَكَلِّمِ ضَبْطُ مَجْمُوعِ مَعْنَاهُ ; إِذْ لَا يَكُونُ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ فَيَذْكُرُ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَأَشْخَاصِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُهُ ، وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى نَظَائِرِهِ . فَإِنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ هُوَ تَارِكُ الْمَأْمُورِ فَاعِلُ الْمَحْظُورِ ، وَالْمُقْتَصِدُ هُوَ فَاعِلُ الْوَاجِبِ وَتَارِكُ الْمُحَرَّمِ ، وَالسَّابِقُ هُوَ فَاعِلُ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ ، وَتَارِكُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ . فَيَقُولُ الْمُجِيبُ بِحَسَبِ حَاجَةِ السَّائِلِ : الظَّالِمُ الَّذِي يُفَوِّتُ الصَّلَاةَ ، أَوِ الَّذِي لَا يُسْبِغُ الْوُضُوءَ ، أَوِ الَّذِي لَا يُتِمُّ الْأَرْكَانَ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَالْمُقْتَصِدُ الَّذِي يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ - كَمَا أُمِرِ - وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ الَّذِي يُصَلِّي الصَّلَاةَ بِوَاجِبَاتِهَا وَمُسْتَحِبَّاتِهَا وَيَأْتِي بِالنَّوَافِلِ الْمُسْتَحَبَّةِ مَعَهَا ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا فِي الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :

تَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا ، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَهُوَ كَاذِبٌ .

وَالصَّحَابَةُ أَخَذُوا عَنِ الرَّسُولِ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ كَمَا أَخَذُوا عَنْهُ السُّنَّةَ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ غَيَّرَ السُّنَّةَ ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ غَيَّرَ بَعْضَ مَعَانِي الْقُرْآنِ - إِذْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ بَعْضُ مَعَانِي الْقُرْآنِ ، كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ السُّنَّةِ ، فَيَقَعُ خَطَأُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

وَتَقَدَّمَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَسْطٌ لِهَذَا الْبَحْثِ فَارْجِعْ إِلَيْهِ . (انْظُرْ : ج1 ص17).

[ ص: 22 ] وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْآيَةِ :

"كُلُّ عَبْدٍ مُضْطَرٍّ دَائِمًا إِلَى مَقْصُودِ هَذَا الدُّعَاءِ ، وَهُوَ هِدَايَةُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ، فَإِنَّهُ لَا نَجَاةَ مِنَ الْعَذَابِ إِلَّا بِهَذِهِ الْهِدَايَةِ ، وَلَا وُصُولَ إِلَى السَّعَادَةِ إِلَّا بِهِ ، فَمَنْ فَاتَهُ هَذَا الْهُدَى فَهُوَ : إِمَّا مِنَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ، وَإِمَّا مِنَ الضَّالِّينَ ؛ وَهَذَا الِاهْتِدَاءُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِهُدَى اللَّهِ : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا فَإِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ : أَنْ تَفْعَلَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا أُمِرْتَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ عِلْمٍ وَعَمَلٍ ، وَلَا تَفْعَلُ مَا نُهِيتَ عَنْهُ ، وَهَذَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَى أَنْ تَعْلَمَ : مَا أَمَرَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَمَا نَهَى عَنْهُ ، وَإِلَى أَنْ يَحْصُلَ لَكَ إِرَادَةٌ جَازِمَةٌ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ ؛ وَكَرَاهَةٌ لِتَرْكِ الْمَحْظُورِ . وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ قَدْ فُسِّرَ بِالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ وَطُرُقِ الْعُبُودِيَّةِ ، وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ ، فَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهَذَا وَبِغَيْرِهِ ، فَحَاجَتُهُ إِلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ ضَرُورِيَّةٌ فِي سَعَادَتِهِ وَنَجَاتِهِ ؛ بِخِلَافِ الْحَاجَةِ إِلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ ، وَإِنِ انْقَطَعَ رِزْقُهُ مَاتَ -وَالْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ- فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهِدَايَةِ ، كَانَ سَعِيدًا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَكَانَ الْمَوْتُ مُوَصِّلًا لَهُ إِلَى السَّعَادَةِ الدَّائِمَةِ الْأَبَدِيَّةِ ، فَيَكُونُ رَحْمَةً فِي حَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ النَّصْرُ -إِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ قُهِرَ وَغُلِبَ حَتَّى قُتِلَ - فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْهِدَايَةِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ مَاتَ شَهِيدًا ، وَكَانَ الْقَتْلُ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ حَاجَةَ الْعِبَادِ إِلَى الْهُدَى أَعْظَمُ مِنْ حَاجَتِهِمْ إِلَى الرِّزْقِ وَالنَّصْرِ ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الدُّعَاءُ مَفْرُوضًا عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ - فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا - وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ يَتَضَمَّنُ الرِّزْقَ وَالنَّصْرَ لِأَنَّهُ إِذَا هُدِيَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ كَانَ مِنَ الْمُتَّقِينَ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَكَانَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى [ ص: 23 ] اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ وَكَانَ مِمَّنْ يَنْصُرُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَمَنْ يَنْصُرُ اللَّهَ يَنْصُرُهُ ، وَكَانَ مِنْ جُنْدِ اللَّهِ ، وَجُنْدُ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ . فَالْهُدَى التَّامُّ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ أَعْظَمِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الرِّزْقُ وَالنَّصْرُ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ تَحْصُلُ بِهِ كُلُّ مَنْفَعَةٍ، وَتَنْدَفِعُ بِهِ كُلُّ مُضِرَّةٍ .

(فَائِدَةٌ) : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ أَصْلُهُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ ، وَلَا انْحِرَافَ ، وَيُسْتَعَارُ لِكُلِّ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ يَبْلُغُ بِهِ صَاحِبُهُ الْغَايَةَ الْحَمِيدَةَ ، فَالطَّرِيقُ الْوَاضِحُ لِلْحِسِّ ، كَالْحَقِّ لِلْعَقْلِ ، فِي أَنَّهُ : إِذَا سُيِّرَ بِهِمَا أَبْلَغَا السَّالِكَ النِّهَايَةَ الْحُسْنَى .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى :

[7 ] صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ

أَيْ: بِطَاعَتِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 131.72 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 130.06 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]