تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 223 - عددالزوار : 1334 )           »          تعريف مختصر بالإمام الشافعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          الأحاديث النبوية الصحيحة في دعاء رؤية المطر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          موقف الصحابة من مبتدعة زمانهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ‏عشرة تصرفات تضعف الروابط الأسرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          النساء والهاتف ترويح وتسلية.. أم غيبة ونميمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          من نعم الله على عباده؛ البلاء! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          طوبى للغرباء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          رحلة الأعمار إلى يوم التلاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          رجب شهر الزرع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 23-12-2021, 07:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
الحلقة (30)

صــ163 إلى صــ 168

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ

قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الصَّلَوَاتُ مِنَ اللَّهِ: الْمَغْفِرَةُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ بِالْاسْتِرْجَاعِ .

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَعْمَ الْعَدْلَانِ ، وَنَعْمَتِ الْعِلَاوَةُ: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهِ شَاكِرٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنَ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَمَنَاةَ: صَنَمٌ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا لَا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ .

وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الصَّفَا تَمَاثِيلٌ وَأَصْنَامٌ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ وَثَنٌ عَلَى [ ص: 164 ] الصَّفَا يُدْعَى: إِسَافَ ، وَوَثَنٌ عَلَى الْمَرْوَةَ يُدْعَى: نَائِلَةَ ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُمَا وَيُمَسِّحُونَهُمَا ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُمَا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطُوفُ بِهِمَا; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ . رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: الصَّفَا فِي اللُّغَةِ: الْحِجَارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا ، وَهُوَ جَمْعٌ ، وَاحِدُهُ صَفَاةً وَصَفًّا ، مِثْلُ: حَصَاةً وَحَصًى . وَالْمَرْوَةُ: الْحِجَارَةُ اللَّيِّنَةُ ، وَهَذَانَ الْمَوْضِعَانِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ، أَيْ: مِنْ أَعْلَامِ مُتَعَبَّدَاتِهِ . وَوَاحِدُ الشَّعَائِرِ: شَعِيرَةٌ . وَالشَّعَائِرُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ مَوْقِفٍ أَوْ سَعْيٍ أَوْ ذَبْحٍ . وَالشَّعَائِرُ: مَنْ شَعَرَتْ بِالشَّيْءِ: إِذَا عَلِمَتْ بِهِ ، فَسُمِّيَتِ الْأَعْلَامُ الَّتِي هِيَ مُتَعَبَّدَاتِ اللَّهِ: شَعَائِرُ اللَّهِ . وَالْحَجُّ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ ، وَكَذَلِكَ كَلُّ قَاصِدٍ شَيْئًا فَقَدِ اعْتَمَرَهُ . وَالْجَنَاحُ: الْإِثْمُ ، أُخِذَ مِنْ جَنَحَ: إِذَا مَالَ وَعَدَلَ ، وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَاحِ الطَّائِرِ ، وَإِنَّمَا اجْتَنَبَ الْمُسْلِمُونَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا ، لِمَكَانِ الْأَوْثَانِ ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّ نَصْبَ الْأَوْثَانِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ اجْتِنَابَهُمَا ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا جَنَاحَ فِي التَّطَوُّفِ بِهِمَا ، وَأَنَّ مَنْ تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ . وَالشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ: الْمُجَازَاةُ وَالثَّنَاءُ الْجَمِيلُ ، وَالْجُمْهُورُ قَرَؤُوا (وَمَنْ تَطَوَّعَ) بِالتَّاءِ وَنَصْبِ الْعَيْنِ . مِنْهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَعَاصِمٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ "يَطَوَّعْ" بِالْيَاءِ وَجَزْمِ الْعَيْنِ . وَكَذَلِكَ خِلَافُهُمْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا بِآَيَاتٍ .

فَصْلٌ

اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ إِمَامِنَا أَحْمَدَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ لَمْ يُجِزْهُ حَجُّهُ . وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَهُ . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ تَطَوُّعٌ .

[ ص: 165 ] قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ فِي رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ ، كَتَمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَالْبَيِّنَاتُ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْحُدُودُ وَالْفَرَائِضُ . وَالْهُدَى: نَعْتُ النَّبِيِّ وَصِفَتُهُ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ قَالَ مُقَاتِلٌ: لِبَنِي إِسْرَائِيلَ . وَفِي الْكِتَابِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ التَّوْرَاةُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ ، قَالَهُ قَتَادَةُ . (أُولَئِكَ) إِشَارَةٌ إِلَى الْكَلِمَتَيْنِ (يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَصْلُ اللَّعْنِ فِي اللُّغَةِ: الطَّرْدُ ، وَلَعَنَ اللَّهُ إِبْلِيسَ ، أَيْ: طَرَدَهُ ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ فَصَارَ قَوْلًا . قَالَ الشَّمَّاخُ وَذَكَرَ مَاءً:


ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ


أَيِ: الطَّرِيدُ . وَفِي اللَّاعِنِينَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ: دَوَابُّ الْأَرْضِ ، رَوَاهُ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ . قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُولُونَ: إِنَّمَا مُنِعْنَا الْقَطْرَ بِذُنُوبِكُمْ ، فَيَلْعَنُونَهُمْ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ ، قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، وَقَتَادَةُ . وَالرَّابِعُ: أَنَّهُمُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَكُلُّ دَابَّةٍ قَالَهُ عَطَاءٌ .

فَصْلٌ

وَهَذِهِ الْآَيَةُ تُوجِبُ إِظْهَارَ عُلُومِ الدِّينِ ، مَنْصُوصَةٌ كَانَتْ أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ ، وَتَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ، إِذْ غَيْرُ جَائِزٍ اسْتِحْقَاقُ الْأَجْرِ عَلَى مَا يَجِبُ فِعْلُهُ ، وَقَدْ رَوَى الْأَعْرَجُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، [ ص: 166 ] وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ ، وَايْمُ اللَّهِ: لَوْلَا آَيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ أَحَدًا بِشَيْءٍ أَبَدًا ، ثُمَّ تَلَا إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا إِلَى آَخِرِهَا .
إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا الَّذِينَ تَابُوا .

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الْيَهُودِ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ ، وَبَيَّنُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ فِي كِتَابِهِمْ .

فَصْلٌ

وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْآَيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِالْاسْتِثْنَاءِ فِي هَذِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِخْرَاجُ بَعْضِ مَا شَمِلَهُ اللَّفْظُ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصُ دُونَ النَّسْخِ ، وَمِمَّا يُحَقِّقُ هَذَا أَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْآَخَرِ ، وَهَاهُنَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ .

إِنَّمَا شَرَطَ الْمَوْتَ عَلَى الْكُفْرِ ، لِأَنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) وَأَهْلُ دِينِهِ لَا يَلْعَنُونَهُ ، فَعَنْهُ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ يَلْعَنُونَهُ فِي الْآَخِرَةِ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [ ص: 167 ] [ الْعَنْكَبُوتِ: 25 ] . وَقَالَ: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [ الْأَعْرَافِ: 38 ] . وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ هَاهُنَا الْمُؤْمِنُونَ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَتَادَةُ ، وَمِقَاتِلٌ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا مِنَ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ . وَالثَّالِثُ: أَنَّ اللَّعْنَةَ مِنَ الْأَكْثَرِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا: لَعْنَةُ جَمِيعِ النَّاسِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْأَكْثَرِ عَلَى الْأَقَلِّ .
خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: خَالِدِينَ فِيهَا فِي هَاءِ الْكِنَايَةِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَعُودُ إِلَى اللَّعْنَةِ ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُقَاتِلٌ . وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى النَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْرٌ فَقَدْ عُلِمَتْ .
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهٌ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ وَانْسِبْهُ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، وَسُورَةُ الْإِخْلَاصِ . وَالْإِلَهُ بِمَعْنَى: الْمَعْبُودِ .
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنَ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .

فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ: اجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا إِنْ كُنْتُ صَادِقًا; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، حَكَاهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ لَمَّا قَالُوا انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ وَصِفْهُ; فَنَزَلَتْ: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ قَالُوا: فَأَرِنَا آَيَةَ ذَلِكَ; فَنَزَلَتْ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ: (يَعْقِلُونَ) رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: كَيْفَ يَسَعُ النَّاسَ إِلَهٌ وَاحِدٌ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآَيَةُ ، قَالَهُ عَطَاءٌ .

[ ص: 168 ] فَأَمَّا (السَّمَاوَاتُ); فَتَدُلُّ عَلَى صَانِعِهَا ، إِذْ هِيَ قَائِمَةٌ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَفِيهَا مِنَ الْآَيَاتِ الظَّاهِرَةِ ، مَا يَدُلُّ يَسِيرُهُ عَلَى مُبْدِعِهِ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ فِي ظُهُورِ ثِمَارِهَا ، وَتَمْهِيدِ سُهُولِهَا ، وَإِرْسَاءِ جِبَالِهَا ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَادِثٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، وَزَائِلٌ بَعْدَ أَنْ كَانَ (وَالْفُلْكِ): السُّفُنُ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: وَاحِدُهُ فَلْكَةٌ ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْفُلْكُ: السُّفُنُ ، وَيَكُونُ وَاحِدًا ، وَيَكُونُ جَمْعًا ، لِأَنَّ فَعَلَ ، وَفُعُلَ جَمْعُهُمَا وَاحِدٌ ، وَيَأْتِيَانِ كَثِيرًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ . يُقَالُ: الْعَجَمُ وَالْعُجُمُ: وَالْعُرُبُ وَالْعَرَبُ ، وَالْفُلْكُ وَالْفَلَكُ . وَالْفُلْكُ: يُقَالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٌ ، أَوْ فِيهِ اسْتِدَارَةٌ . وَ (الْبَحْرِ): الْمَاءُ الْعُزَيْرُ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنَ الْمَعَايِشِ . وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ مَاءٍ يَعْنِي: الْمَطَرَ ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَأَجْزَاءُ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْأَنْوَاعُ تَخْتَلِفُ فِي النَّبَاتِ وَالطُّعُومِ الْأَلْوَانِ وَالْأَشْكَالِ الْمُخْتَلِفَاتِ ، وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبِيعَةِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ يَتَّفِقَ مُوجِبُهَا ، إِذِ الْمُتَّفِقُ لَا يُوجِبُ الْمُخْتَلِفَ ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ [ الرَّعْدِ: 4 ] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَبَثَّ) أَيْ: فَرَّقَ .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,023.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,021.56 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.16%)]