|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" من صحيح الإمام البخاري (14) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله . ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الحادي عشر: قال البخاري رحمه الله: 7287- حدثنا عبد الله بن مسلمة، , عن مالك, عن هشام بن عروة, عن فاطمة بنت المنذر, عن أسماء ابنة أبي بكر -رضي الله عنهما-أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس والناس قيام, وهي قائمة تصلي، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها نحو السماء فقالت: سبحان الله, فقلت: آية؟ قالت برأسها: أن نعم, فلما انصرف رسول الله[ حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما من شيء لم أره، إلا وقد رأيته في مقامي, حتى الجنة والنار, وأوحي إليّ أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال, فأما المؤمن أو المسلم – لا أدري أي ذلك قالت أسماء – فيقول: محمد جاءنا بالبينات، فأجبنا وآمنا, فيقال: نم صالحا علمنا أنك موقن, وأما المنافق أو المرتاب – لا أدري أي ذلك قالت أسماء – فيقول : لا أدري؟! سمعت الناس يقولون شيئا فقلته « . (طرفه في: 86). الشرح: الحديث الحادي عشر حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها, وأسماء أخت عائشة وكانت أكبر سنا من عائشة -رضي الله عنها- وهي زوج الزبير ابن العوام -رضي الله عنه- يرويه البخاري -رحمه الله- عن شيخه عبد الله بن مسلمة ابن قعنب القعنبي أبو عبد الرحمن البصري، الثقة الجليل، وكان ابن معين وابن المديني لا يقدمان عليه في الموطأ أحدا. يرويه عن شيخه مالك, وهو ابن أنس الأصبحي أمام دار الهجرة, عن هشام بن عروة، وهو ابن الزبير بن العوام الأسدي, ثقة فقيه ربما دلس، عن فاطمة بنت المنذر وهي بنت المنذر بن الزبير، فهي بنت عمه, وهي ثقة, وأسماء جدة لهما. تقول أسماء: «أتيت عائشة حين خسفت الشمس», وفي رواية: «حين كسفت الشمس» والخسوف والكسوف ذهاب النور من جرم الشمس والقمر. قولها: «والناس قيام» أي: في المسجد, لعلها لما جاءت إلى بيت عائشة من غرفتها إلى داخل المسجد فرأت الناس قيام يصلون. قولها: «وهي قائمة تصلي» إما أنها كانت تصلي بصلاتهم, وإما أنها كانت تصلي لوحدها. قولها: «فقلت ما للناس، أو ما شأن الناس - كما في الرواية الأخرى - فأشارت بيدها نحو السماء فقالت: سبحان الله «يعني عائشة أشارت بيدها إلى السماء أن سبحان الله، يعني: أن هناك آية عظيمة, وقولها «قالت» يعني أشارت – أشارت بيدها أن سبحان الله. قولها: «فقلت آية فقالت برأسها أن نعم» يعني أشارت برأسها أن نعم, وهذا استعمال معروف في اللغة قال بيده يعني أشار بيده, قال برأسه يعني أشار برأسه. قولها: «فلما انصرف رسول الله[ حمد الله وأثنى» أي: لما انتهى من صلاة الكسوف خطب خطبة حمد الله تعالى فيها وأثنى عليه, وهذا هديه[ في الكسوف أنه يصلي ثم يخطب، وهي سنة نبوية مؤكدة تشرع إذا حصل الخسوف في القمر أو الكسوف للشمس . وهديه أيضا في خطبته، أنه يبدأ فيها بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله. قولها: «ثم قال ما من شيء لم أره، إلا وقد رأيته في مقامي ، هذا حتى الجنة والنار». فالرسول[ وهو يصلي صلاة الكسوف، يقول: عرض عليه أشياء كثيرة، حتى إنه قال: «إنه ما من شيء لم يره من قبل إلا وقد صور له أمامه في حائط المسجد حتى إنه رأى الجنة والنار, رأى الجنة حتى إنه تقدم ليتناول منها قطفا من عنب, ورأى النار حتى إنه شعر بلفح النار ولهيبها وحرها، فتراجع وتأخر. قولها: «وأوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريبا من فتنة الدجال»: أي أن النبي [ أمر أن يبلغ أصحابه وأمته، أن هذه الأمة تختبر في قبورها اختبارا عظيما، أي تعرض عليهم فتنة عظيمة، نسأل الله تعالى السلامة منها, قريبا من فتنة الدجال, وكان النبي [ كما ثبت عنه: أنه لا يصلي صلاة، إلا قال: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» فكان[ يتعوذ بالله تعالى في ختام كل صلاة من هؤلاء الأربع. قوله: «فأما المؤمن أو المسلم - لا أدري أي ذلك قالت أسماء – أي الشك من الراوي, فيقول المؤمن والمسلم إذا سئل : من نبيك؟ كما جاء في الأحاديث الصحيحة المبسوطة، قال مجيبا: محمد[ جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا , هذا قول المؤمن إذا سئل في قبره عن نبيه[؛ لأن الميت يسأل في قبره عن ثلاث: عن ربه, وعن دينه, وعن نبيه, فأما المؤمن أو المسلم فيقول إذا سئل من نبيك، قال: «محمد[ جاءنا بالبينات فأجبناه وآمنا, فيقال: نم صالحا علمنا أنك موقن» وفي رواية أبي داود: « نم نومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب الناس إليه « يعني: ينام نومة هنيئة سعيدة كنومة العروس, والعروس يطلق على الرجل والمرأة, وهو من تزوج حديثا منهما, أي: هكذا ينام الميت سعيدا فرحا مسرورا إلى أن تقوم الساعة. وقوله: «محمد جاءنا بالبينات، فأجبنا وآمنا» أي: صدقنا به وبما جاء به، وأيقنا أنه صادق في هذه الكلمة ولم يكن مدعيا ولا كاذبا في دعواه، بل اتبع محمدا[، واعتصم بسنته وعمل بها في حياته، ونشرها بين الخلق ودعا الناس إليها، فهو صادق في هذه الكلمة ، لأنه أتبعها بالانقياد والعمل. قوله: ولهذا تقول له الملائكة مصدقة له: «علمنا أنك موقن» أي: مصدق وأنك صادق في قولك هذا. قوله: «وأما المنافق أو المرتاب» أي: شك الراوي أيهما قالت أسماء. قوله: «فيقول لا أدري» أي: إذا سئل عن نبيه[ فإنه يقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته» هكذا حال المنافق الذي لم يكن صاقا ولا مخلصا في إيمانه، وكان معرضا عن اتباع نبيه[، والعمل بما جاء به من الهدى والنور, فإنه - والعياذ بالله - يضل عقله ، وينسيه الله، ولا يعلم بماذا يجيب, فيذهل عن الجواب, هو كان يعرف في الدنيا أن نبيه محمد[، لكن لما كان مكذبا ومعرضا عن اتباعه ، مستمسكا بهدي غيره، فإن الله تعالى يضله في الآخرة، والقبر أول منازل الآخرة، جزاء وفاقا, وقد أخبر الله تبارك وتعالى عن هذا الامتحان والاختبار في قوله سبحانه: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} (إبراهيم: 27). وقد اختلف أهل العلم: هل هذا السؤال يكون للمنافق والكافر؟ أم أنه خاص بمن أظهر الإسلام وعصى الرسول[ وخالف سنته؟ فالقول الراجح من أقوال أهل العلم: أنه يشمل الجميع المنافق والكافر؛ لأن الكافر بعد بعثته[ يدخل في أمته, كما مر معنا سابقا، فهو يدخل في أمة الدعوة المحمدية، ولهذا فهو داخل فيمن يختبر ويسأل عن النبي[. وقد قال الله سبحانه وتعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} (الأعراف: 6). وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر: 92). كما أن الحديث النبوي يدل على ذلك، كما جاء في بعض الروايات: «فإن كان فاجرا أو كافرا» ففيها تصريح بأن الذي يسأل كان كافرا أو فاجرا، فإنه يقول: لا أدري. إذاً من يدعي الإيمان من المنافقين أومن كان كافرا، فإنه يسأل عن نبيه في قبره، فعند ذلك لا يجيب ولا يعرف الإجابة. وهذا الحديث فيه تحذير للمسلم من الإعراض عما جاء به محمد[ من الهدى والنور, أو ترك العمل به ومعصية أوامره، والإقبال على هدي غيره؟! فمحمد[ جاء بالكتاب والسنة , وفيهما الهداية التامة، والنور التام، والنجاة في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} (طه: 123) كما قال: {فمن اتبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. فاحذر يا عبد الله, واحذري يا أمة الله، من الإعراض أو الكفر أو الغفلة عما جاء به محمد[، وترك الاعتصام بما جاء عليه الصلاة والسلام به، والإيمان به، ثم العمل به، ودعوة الخلق إليه؛ حتى يثبتنا الله وإياكم جميعا بالقول الثابت في الدنيا والآخرة.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" من صحيح الإمام البخاري (15) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، وتخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. • الحديث الثاني عشر : 7288- حدثنا إسماعيل: حدثني مالك, عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة, عن النبي [ قال: «دعوني ما تركتكم , إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم, واختلافهم على أنبيائهم, فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». الشرح: الحديث الثاني عشر في هذا الباب، حديث أبي هريرة - رضي الله عنه وأرضاه - يرويه البخاري - رحمه الله - عن إسماعيل بن أويس الأصبحي قال: حدثني مالك قال عن أبي الزناد, واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني ثقة فقيه، وأبو الزناد لقبه، وكان يغضب إذا قيل له : أبو الزناد، لكن هذا اللقب أو هذه الكنية غلبت عليه واشتهر بها، فلم يجد أهل الحديث بداً من أن يذكر بها, وهذا من المواضع التي تباح فيها الغيبة، وهو إذا كان الرجل لا يعرف إلا بلقبه، فإنه يجوز تلقيبه به, فهذا من الوجوه التي تسوغ فيها الغيبة، فإذا كان لا يعرف إلا بالأعرج, بالأعمش, أو بالأخفش, أو بالأفطس, أو بالطويل, أو بالقصير, إذا كان لا يعرف إلا بهذا الوصف فإنه يجوز تلقيبه بذلك ليعرف, أما إذا أمكن تحاشي هذه الألقاب فالواجب على المسلم أن يتحاشاها لئلا يقع في الغيبة, كما قال تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} (الحجرات: 11). قوله: عن الأعرج، هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني، ثقة ثبت عالم، وهو أحد المكثرين في الرواية، عن أبي هريرة -رضي الله- عنه عن النبي [ قال: «دعوني ما تركتكم» وفي رواية: «ذروني ما تركتكم» وهي بمعنى: دعوني, وقد ذكر الإمام مسلم سبب هذا الحديث: وهو أن الرسول [ خطب الناس فقال: «يأيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول [ حتى قالها ثلاثا فقال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم, ذروني ما تركتكم». وجاء في حديث ابن عباس عند الطبري أن الله تعالى أنزل عند ذلك: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (المائدة: 101), وسيأتي الكلام فيما يتعلق بالسؤال في الباب القادم. فقوله: «ذروني ما تركتكم» يعني: اتركوني مدة تركي إياكم بغير أمر ولا نهي, إذا تركتكم فلم آمركم ولم أنهكم فاتركوني، فلا تسألوا في تلك المدة التي لم آمركم فيها بشيء، ولم أنهكم فيها عن شيء, لأن هذا من عفو الله تعالى, فالمراد ترك السؤال عن شيء لم يقع؛ خشية أن ينزل فيه تحريم أو إيجاب. فالرسول [ كان رؤوفا رحيما بالأمة, ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما, وكان يكره أن يسأله أصحابه عن شيء لم يحرم فيحرم, وقد قال [ – كما في حديث مسلم-: «إن من أشد الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته». وهذا ترهيب أن يُسأل عليه الصلاة والسلام عن شيء لم يحرم ولم يقع فيحرمه من أجل المسألة، وهذا الأمر - كما تعلمون - قد انتهى بوفاة النبي [, إذ بوفاته [ اكتمل الشرع, وكملت الفرائض, واكتملت الأحكام الشرعية، وشرعت الحدود. وأيضا قوله: «دعوني ما تركتكم» نهي عن كثرة السؤال, لأن كثرة السؤال توقع الإنسان في العنت وفي الشدة, يعني: لا تكثر من الأسئلة ولا تكثر من الاستفصال الذي لا فائدة منه، ولا تنقب كما فعلت بنو إسرائيل لما أمروا أن يذبحوا بقرة: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (البقرة: 67)؛ فبنو إسرائيل لما أمروا أن يذبحوا بقرة تلكؤوا وتباطؤوا , ولو أخذوا أدنى بقرة وذبحوها لكفتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم؛ ولهذا قال [: «إنما أَهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم» فبنوا إسرائيل شددوا على أنفسهم في البقرة، فقالوا: ما هي؟ ما سنها, ما لونها, ما وصفها؟ وفي كل مرة ينزل عليهم فيها تشديد، حتى إنهم - فيما ذكر أهل التفسير - لم يجدوا البقرة الموصوفة إلا عند رجل باعها بملء جلدها ذهبا! فهؤلاء لو أنهم أخذوا أي بقرة كما أخبرهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}، وأخذوا عضوا من أعضائها وضربوا به الميت لأحياه الله عز وجل ولأخبرهم بمن قتله, لكنهم شددوا حتى وقعوا في الشدة, وقد جاء ذلك مرفوعا إلى النبي [ عن أبي هريرة: «لو اعترض بنو إسرائيل أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم» رواه ابن أبي حاتم في تفسيره والبزار وفيه ضعف، ومعناه ورد عن ابن عباس وغيره. إذًا هذا سبب هلاك السابقين: كثرة سؤالهم واعتراضهم على أنبيائهم, إما سؤالهم عن أشياء لم تقع، أو كثرة استفصالهم عند الأمر والنهي وعدم المسارعة للاستجابة. وأيضا: كثرة الأسئلة المتكررة التي يحصل فيها عنت ومشقة. ثم إن النبي [ دلهم على الواجب عليهم، وهو الاستجابة الفورية، وترك كثرة السؤال، فهذا هو الواجب على المؤمنين، كما قال [ في حديثه الآخر: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فيا عبد الله! اترك عنك كثرة القيل والقال, وترديد السؤال, واعمل بالواجب حالا، فهذا إرشاده [ للخلق أن يشتغلوا بما أمروا به. وإذا رأيت إنسانا يطلب علما لا فائدة منه، أو يكثر من السؤال عن أمور لا تنفعه ولا يترتب عليها عمل، أو يشتغل مثلا بأعراض العلماء والدعاة أو العاملين في مجال الدعوة بغير حق، فعليك أن تنصحه وتقول له: اشتغل بما أمرت به, وانته عما نهيت عنه؛ فالله تعالى أمرك بأن تجتنب محارمه، وأمرك بطاعته. وكذا السؤال على وجه التعنت أو التكلف، أو السؤال عما لا يفع أصلا, فهذا أيضا من الذي نهينا عنه في هذا الحديث؛ لأن هناك ما هو أهم منه, فالحديث يشير إلى أن المسلم يجب عليه أن يشتغل بالمهم من الأمور، وما يحتاج إليه عاجلا أو آجلا, فربما لا أحتاج اليوم إلى معرفة أحكام الزكاة أو الحج؛ لأني لا أملك النصاب أو المال للحج, لكن أتعلم أحكام الزكاة والحج؛ لأني في المستقبل سيرزقني الله مالا وتجب علي الزكاة والحج. وقوله [: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه مطلقا؛ لأنه لم يذكر الاستطاعة, وهذا عام في جميع المناهي الشرعية, فأي شيء نهاك الله تعالى عنه أو ورسوله [ فاجتنبه, هذا هو الأصل، إلا ما أكرهت عليه أو إلا ما اضطررت إليه، كأكل الميتة لمن خاف الهلاك مثلا؛ فقد قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} (الأنعام : 119), فحال الضرورة والاضطرار، أو حال الإكراه, هذه مسائل استثنائية، وإلا فالأصل أن الإنسان يترك جميع المنهيات الواردة في الكتاب والسنة, وقد جمعها جماعة من العلماء والمؤلفين قديما وحديثا باسم: «المنهيات الشرعية» أو الكبائر, يعني ما نهى الله عنه في كتابه، وما نهى عنه رسوله, وأعظم المنهيات الشرعية»، الشرك بأنواعه أما أعظم ما أمر الله تعالى به، فالتوحيد ومقاماته، كالتوكل والمحبة والخوف والتعظيم والرغبة والرهبة وغيرها. فقوله: «إذا نهيتكم عن شيء» يعني: أي شيء فاجتنبوه, وهذا يدلنا على أن الأصل في النهي التحريم لا الكراهة؛ لأن الرسول [ يقول: «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» فالأصل الاجتناب والبعد، فإذا نهاك الله عن شيء أو نهاك رسوله عنه، فالأصل فيه الاجتناب , إلا ما اضطررتم إليه. وهاهنا مسألة: هل مما اضطررنا إليه أن نتداوى بالحرام؟! والجواب: لا؛ لأن الرسول [ سأله رجل عن الخمر يصنعها؟ فقال [: «هي حرام» قال: إني أصنعها للدواء، فقال [: «إنها داء، وليست بدواء» رواه مسلم. فمنعه من التداوي بالخمر والحرام. وفيه جواب لبعض الناس إذا سألوا: ما حكم شرب بعض دماء الحيوانات؟ يقولون بقصد التداوي!! كما يشرب بعضهم دم الضب بقصد التداوي؟! نقول: إنه داء وليس بدواء؛ فلا يجوز أن يتداوى الإنسان بحرام! وهو [: «نهى عن الدواء الخبيث» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، رضي الله عنه. وهو القائل [: «تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء» رواه أحمد وأصحاب السنن. فالحرام ليس بدواء، وهو وإن شفى شيئا من الأمراض، أورث أمراضا أخرى!! ولو لم يكن من الأمراض التي يورثها إلا الخدش والطعن في الدين والعقيدة لكفى, وهذا مرض عظيم, أن الإنسان يشفى من مرض البدن ويصاب بمرض القلب والروح والعقيدة! وأيهما أولى بالسلامة وأن يحافظ عليه الإنسان؟! لا شك أن العقيدة والقلب والروح أولى بأن يحافظ عليها المسلم من الداء الذي يدخلها النار والعياذ بالله, وأما مرض البدن فإنه وإن بقي في الدنيا فالإنسان مأجور عليه في الدنيا والآخرة. وأيضا يقول العلماء: إن اجتناب المنهي لا يحصل إلا باجتماع جميعه, «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه», فلا تكون مجتنبا للنواهي حتى تجتنبها جميعا, أما بالنسبة للأمر فـ «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم», وهذا من جوامع الكلم النبوي كما قال النووي وغيره؛ لأنه يدخل فيها قواعد الإسلام وكثير من الأحكام الشرعية. قوله: «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فمن لا يستطيع أن يصلي قائما نقول له صل قاعدا، ولا نقول له: اترك الصلاة!! لأن النبي [ يقول: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فإن لم تستطع أن تصلي قاعدا فصل على جنب, وإذا لم تستطع أن تغسل جميع أعضاء الوضوء فاغسل منها ما استطعت ولا تترك الوضوء كله, وإذا لم تستطع أن تغتسل من الحدث الأكبر فاغسل ما استطعت، أو انتقل إلى التيمم, وإذا لم تستطع أن تستر العورة في الصلاة فاستر منها ما استطعت وصل, وإذا لم تستطع أن تؤدي زكاة الفطر عن نفسك وأهلك، فابدأ بنفسك، فإن فضل شيء فبزوجتك ثم ولدك، فلا يترك زكاة الفطر بالكلية، بل يؤدي منها ما استطاع. وهكذا، فهذه قاعدة عظيمة، معمول بها في الشرع المطهر. فكثير من الواجبات إذا عجز الإنسان عن شيء منها لا تسقط بالكلية، وإنما ينتقل المكلف إلى مرتبة أدنى، فمن أمر بشيء فعجز عن بعضه ففعل المقدور، فإنه يسقط عنه ما عجز عنه؛ لأن الله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وسعها} (البقرة: 286). ومن فوائد هذا الحديث: النهي عن كثرة المسائل التي لا يترتب عليها عمل أو حكم شرعي، أو لا يترتب عليها فائدة للسائل , وهذه صفة في كثير من الناس أنه يسأل عن شيء لا ينفعه، وإنما هو إما من باب التطفل، أو إما من باب التدخل في شؤون الآخرين، وقد قال [: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» وهو حديث حسن. فأترك السؤال الذي لا ينفعك واسأل عما ينفعك, والحديث لا ينهى عن السؤال النافع؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النحل: 43), فما يحتاج إليه المسلم والمسلمة من أمور الدين والفقه فيه, ومعرفة ما أنزل الله تعالى على نبيه [ من الفرائض والأحكام نحن مأمورين بأن نبحث فيه, ونسأل عنه ونقرأ وندرس؛ لأن الله تعالى يقول: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص: 29). ومن فوائد الحديث: أن فيه إشارة أو تنبيها على أن الإنسان يبدأ بالأهم فالمهم، فإذا أراد أن يتعلم العلوم فيجب عليه أن يقدم الأهم, فيقدم علم العقيدة والتوحيد, ثم معرفة كتاب الله ثم سنة رسول الله [, فإن بقي عنده وقت اشتغل بالنحو والعربية , إن بقي عنده وقت اشتغل بالرد على أهل الأهواء والبدع, لكن لا يعكس مراتب العلوم فيقدم فروض الكفاية على فروض الأعيان؟! فهناك علوم تلزم كل مسلم بعينه، وهناك علوم تجب على العلماء وطلبة العلم والدعاة, فإذا كان عند الإنسان سعة من الوقت والعمر بحث فيها وتعلمها. والحديث أيضا فيه : ذم المراء والجدال الذي لا طائل من ورائه من باب أولى؛ لأن المراء والجدال لا نفع فيه! فهو مذموم كالسؤال الذي لا نفع فيه. هذا، والله أسأل أن ينفعنا وإياكم بما قلنا من الحق، وأن يثبتنا عليه حتى نلقاه، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب"الإعتصام بالكتاب والسنة" من صحيح الإمام البخاري (39) : التحذير من التشبه بالأمم الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. - الباب الرابع عشر: 14 – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم». الحديث الأول: 7319 – حدثنا محمد بن يونس: حدثنا بن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشر وذراعا بذراع» 0 فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟!». الحديث الثاني: 7320 – حدثنا محمد بن عبدالعزيز: حدثنا أبو عمر الصنعاني – من اليمن – عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم «قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى»؟ قال: «فمن؟!» (طرفه:3456 ). - الشرح: الباب الرابع عشر: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، والسنن: بفتح السين وضمها، والأكثر على الفتح، والمقصود بالسنن: الطرق والسبل. ثم روى البخاري بسنده عن شيخه أحمد ابن يونس، وهو ابن عبدالله الكوفي التميمي اليربوعي، ثقة حافظ. قال: حدثنا ابن أبي ذئب، وهو عبدالرحمن بن أبي ذئب المدني، من الأئمة الأعلام المشهورين بالحفظ والإتقان، وكان قوالا بالحق. عن المقبري، وهو سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، من الرواة المكثرين عن أبي هريرة. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبراً بشبر، وذراعا بذراع، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟!». في الحديث إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم باتباع هذه الأمة للقرون من قبلها كما سيأتي بيانه، والقرون: جمع قرن، وهم الأمة من الناس، وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل: القرن مائة سنة، وهو الأشهر. وفي الحديث الذي بعده، الذي رواه البخاري عن شيخه محمد بن عبدالعزيز وهو ابن محمد العمري، أبو عبدالله الرملي، صدوق يَهِمُ. قال: حدثنا أبو عمر الصنعاني، وهو حفص بن ميسرة العُقيلي، ثقة ربما وهم. وقول الراوي: من اليمن، يعني هو من أهل اليمن، والصنعاني نسبة إلى صنعاء اليمن، لا صنعاء الشام؛ لأن الشام كان بها أيضا بلد يسمى صنعاء، فأراد التنبيه. عن زيد بن أسلم، وهو العدوي، أبوعبدالله وأبو أسامة، أحد الثقاة المشهورين بالحديث والتفسير. عن عطاء بن يسار التابعي الجليل المشهور، ومضى الكلام عليه. قال: عن أبي سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، أحد من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فوق الألف كما مر معنا. قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا شبرا، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». قوله: «لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم «أو» سُنن من كان قبلكم» فيه إخبار من المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر الغيبي، والذي هو من دلائل النبوة وعلامات الساعة الواقعة في الأمة، وهي خصلة إتباع سبيل من سبقها من الأمم، وطرق من سبقها من القرون، وهي أمم ضلت عن سواء السبيل، وانحرفت عن الصراط المستقيم، فسيكون أناس من هذه الأمة يأخذون بأخذها، والأخذ: يعنى السير على سيرتها، يقال: أخذ فلان بأخذ فلان، يعني: عمل بسيرته، وفعل مثل فعله، وقصد مثل قصده. قوله: «شبرا بشبر، وذراعا بذراع» هذا للتشبيه، فالشبر والذراع من المقاييس، وهذا كله للتشبيه والتمثيل، وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: «حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»، هذا للتمثيل أيضا، والضب هو الحيوان المعروف، وقد قال العلماء: إن جحره ضيق، ويضرب به المثل في الضيق والسوء. فهذا يدل على أن هناك طوائف من هذه الأمة ستأخذ بسيرة من قبلها من القرون من اليهود والنصارى، وفارس والروم، كما في الرواية الثانية، وكان فيهم يهود ونصارى، ولو كان شيئا فيه ضيق وسوء كالجحور! ولو كان أمرا مستقبحا، أو خلاف الفطرة، فإنهم سيقلدونهم ويتابعونهم عليه كالعميان! وورد في أحاديث أخرى أيضا التحذير من هذه الخصلة التي ستكون في هذه الأمة، وفي أواخر هذه الأمة، وهي التشبه بالأمم، وهي تزداد بابتعاد الناس عن العصر النبوي والعلم الشرعي. فقد ورد في حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تترك هذه الأمة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه» رواه الطبراني في (الأوسط)، يعني: كل الذنوب وكل الأفعال والأحوال والأقوال التي مضت فيمن سبق، سترتكبها طوائف ممن ينتسبون لهذه الأمة. قال ابن بطال رحمه الله: أعلمَ صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور، والبدع والأهواء، كما وقع للأمم قبلهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، وأن الدين إنما يبقى قائما عند خاصة من الناس. قال الحافظ ابن حجر: قلت: وقد وقع معظم ما أنذر به صلى الله عليه وسلم وسيقع بقية ذلك. وقال صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه أحمد وغيره. وقال صلى الله عليه وسلم: « ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى «رواه الترمذي عن ابن عمرو رضي الله عنه. فقوله: «ليس منا» تبرؤ ممن يقع في هذا الفعل المحرم. وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب: «كفارس والروم» لما سئل فقال: «ومن الناس إلا أولئك؟!». وفي الحديث الثاني: قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟» يعني: فمن الناس إلا هؤلاء، وذلك لأن فارس والروم كانوا أكبر ممكلتين في الدنيا، وأوسع أمتين في الأرض، وأكثرهم رعية، وأوسعهم بلادا. وفي الحديث الآخر قال: «اليهود والنصارى»؛ لأن اليهودية والنصرانية كانتا أعظم ديانتين يدين بهما الناس قبل الإسلام، فقال أهل العلم: إن طوائف من هذه الأمة ستتبع ما يتعلق بالدنيا والسياسات أعظم أمتين سابقتين فيها، وهما فارس والروم، وأما فيما يتعلق بالديانات، وأصولها، وفروعها فسيحصل التقليد والتشبه باليهود والنصارى، وهذا الحديث يدل على ذم التشبه باليهود والنصارى، وغيرهما من الأمم من باب أولى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب، فكيف بغيرهما ممن لا كتاب له ولا نبي؟! فهذا أقبح. وهذا الفعل الواقع في الأمة، هو مذموم، كما ذكرنا. وقد وردت آيات من كتاب ربنا سبحانه وتعالى في ذلك، وهي تؤيد الأحاديث النبوية الصحيحة السابقة في ذم اتباع الأمم، كقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} (الجاثية: 18). أي: قد شرعنا لك شريعة كاملة، تدعو إلى كل خير، وتنهى عن كل شر، فاتبعها فإن فيها السعادة في الدنيا والآخرة، ولا تتبع أهواء الجهلة الذين لا علم لهم ولا كتاب، بل يمشون وراء أهوائهم الفاسدة وشهواتهم الدنية. وكقوله عز وجل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (المائدة: 51). فينهى الله عز وجل عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، أي: أحبابا وأنصارا وأصفياء مقربين، بعد أن بين صفاتهم غير الحسنة في ثنايا كتابه الكريم، وتوليهم عن طاعة ربهم ورسله الكرام. وغير ذلك من الأحاديث والآيات في هذا الباب، والتي تدل على حرمة التشبه بالأمم قبلنا؛ لأن الله تبارك وتعالى قد جعلنا على شريعة واضحة، ودين كامل شامل رضيه لنا وأتمه علينا، كما قال عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة: 3 ). وقد بدأ التشبه بالأمم الكافرة يسري إلى هذه الأمة لما دخل طوائف من اليهود والنصارى إلى الإسلام، ولما كثرت الفتوحات في الدولة المسلمة، فدخلت بعض العادات والتقاليد من البلاد المفتوحة إلى أبناء المسلمين الجهلة، ولا يزال هذا الأمر يعظم ويكثر كلما كثر الجهل بدين الله، واندثر العلم. وقد كتب كثير من السلف والخلف في هذا الموضوع كتبا وبحوثا، يحذرون من الصفات الرديئة والعادات الطارئة التي دخلت على الأمة، وتبين خطرها على العقيدة والخلق والسلوك وعلى العبادة، بأن الله سبحانه وتعالى قد نهانا عن التشبه بغيرنا عقيدة وشريعة وخلقا وسلوكا، والتساهل في هذا الباب يضيع هوية المسلم وشخصيته، ولاسيما عند ضعف التقوى والأيمان. وقد دخلت عادات الغربيين والشرقيين من الكفار والمشركين، في هذه الأيام إلى أبناء كثير من المسلمين عبر أجهزة الإعلام المختلفة، وخاصة الفضائيات التي تنقل الغث والسمين، وتنقل أحوال الكفار وملابسهم وعاداتهم، وتنقل عبرها احتفالاتهم واجتماعاتهم وأعيادهم الوثنية والشركية، فيراها أبناء وبنات المسلمين ويقلدونها، ويريدون أن يكون للمسلمين مثلها، ومعلوم أن الإنسان الجاهل والخالي الوفاض من العلم النبوي، يحب التقليد لغيره، أما إذا ذكر له سير الصالحين، وأحوال النبيين، وعلم أخبارهم، فإنه يحب أن يكون مثلهم، وإذا وضعت أمامه أحوالهم وأقوالهم وعاداتهم وذكرت له ملابسهم وزينهم، فإنه يحب أن يكون كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (40) إثم من دعا إلى ضلالة الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الخامس عشر: 15 – باب إثم مَن دعا إلى ضلالة , وسنّ سنة سيئة؛ لقول الله تعالى: {ومن أوزار الذين يضلونهم} (النحل: 25). 7321 – حدثنا الحميدي: حدثنا سفيان: حدثنا الأعمش, عن عبدالله بن مرة, عن مسروق, عن عبدالله قال: قال النبي[: «ليس من نفسٍ تقتل ظلما, إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها – وربما قال سفيان: من دمها - لأنه أولُ من سنّ القتل أولا». طرفه في: 3335 . الشرح : الباب الخامس عشر هو: باب إثم من دعا إلى ضلالة, وسن سنة سيئة؛ لقول الله تعالى: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} (النحل: 25). ترجم البخاري - رحمه الله - لهذا الباب بحديثين ليسا على شرطه, واكتفى بما يؤدي معنى الحديثين, وهما حديثان أخرجهما صاحبه وتلميذه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري . فأما حديث: «من دعا إلى ضلالة» فأخرجه الإمام مسلم عن العلاء بن عبدالرحمن, عن أبيه, عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال [: «منَ دعا إلى هدى كان له من الأجر، مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا, ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا». وأما حديث: «من سن سنة سيئة» فأخرجه الإمام مسلم من رواية عبدالرحمن بن هلال عن جرير بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه - قال: قال[: «من سنّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا, ومن سن في الإسلام سنة سيئةً، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا». فهذا الباب في معنى هذين الحديثين العظيمين، ويبين أن من دعا إلى هدى جاء به النبي [, وأحياه وذكر به الناس, وعلم به الجاهل، فإن له أجر من استجاب له وعمل به، من غير أن ينقص من أجره شيئا وذلك إلى يوم القيامة, وإذا دعا إلى ضلالة, إذا ابتدع ضلالة أو ابتدع بدعة فعليه وزرها، ووز من عمل بها بعده، لا ينقص ذلك من وزره شيئا، والعياذ بالله . وقوله [: «من سن في الإسلام سنة حسنة» يعني: أحيا سنة نبوية ميتة؛ فإن السنن تموت وتحيا, تموت بظهور البدع والمحدثات، وتحيا السنن بموتها, كما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: «ما أحييت بدعة إلا وأميتت سنة»، فإحياء البدع معناه موت السنن, وهذه نتيجة طبيعية؛ وذلك أن للإنسان طاقة محصورة، وعمرا ووقتا محدودا, فإذا اشتغل بالبدع والمحدثات لم يبق له وقت, ولا جهد, ولا قصد, ولا همة لإحياء السن والاشتغال بها؛ لأنه قد اشتغل بضدها, وهكذا إذا اشتغل المسلم بالسنن, وملأ حياته بالاقتداء بسيد الخلق [, لم يبق عنده وقت للالتفات إلى المحدثات والبدع, أو إلى العادات السخيفة والطرائق التي تخالف طريقة نبينا عليه الصلاة والسلام. ويدخل في إحياء السنن: العمل بكل ما أمر الله تعالى به, وما أمر به رسوله [؛ لأن سبب هذا الحديث أن الرسول [ دعا الناس إلى البذل والنفقة في سبيل الله؛ لمجيء قوم عراة أو لا يلبسون إلا ما يكاد يستر عوراتهم، فدعا الناس للإنفاق, فقام رجل بُصرة قد عجزت كفه عن حملها, وجاء آخر بثياب, وجاء آخر بطعام, حتى توافر لدى النبي [ كوم من طعام وكوم من ثياب؛ فتهلل وجهه عليه الصلاة والسلام, وقال هذا الحديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا». وأما الآية في الباب: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (النحل: 25), أي: إن من أضل إنسانا عن سبيل الحق، ودعاه إلى الباطل، وقلده في قوله وعمله بجهل، فإنه يحمل وزره، ووزر من أضله إلى يوم القيامة على ظهره في المحشر. وكذا من حمل أحدا على ارتكاب معصية, ومن زين لإنسان معصية ووقع فيها فعليه وزرها, فإنه يحمل ذنبه وذنب من أضله؛ ولهذا قال مجاهد إنهم يحملون ذنوب أنفسهم, وذنوب من أطاعوهم، يعني من زينوا لهم البدعة أو زينوا لهم المعصية فأطاعوهم, ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئا؛ لأن من أطاع غيره في ارتكاب معصية فهو مسؤول عن نفسه, ومسؤول عن معصيته لكن من أمره بالمعصية فأطاعه يكون ذنبه مضاعفا . واستدل البخاري بحديث ابن مسعود الذي ساقه من طريق شيخه الحميدي, والحميدي هو عبدالله بن الزبير , وهو أحد الحفاظ وصاحب المسند المعروف باسمه اليوم, وهو مطبوع في مجلدين باسم (مسند الحميدي)، قال: حدثنا سفيان, وهو شيخه سفيان بن عيينة الهلالي أبو محمد، قال: حدثنا الأعمش, وهو سليمان بن مهران كما مر معنا, عن عبدالله بن مرة وهو الهمداني تابعي ثقة. عن مسروق وهو ابن الأجدع الهمداني، أبوعائشة الكوفي، ثقة فقيه مخضرم، وأحد أصحاب عبدالله بن مسعود، عن ابن مسعود -رضي الله عنه وأرضاه - قال: قال النبي [: «ليس من نفس تقتل ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها أو كفل منها؛ لأنه سن القتل أولا». وابن آدم الأول هو الذي قص الله سبحانه وتعالى علينا قصته في سورة المائدة في قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة: 27 - 28) . وحاصل القصة: أن أحد الرجلين اختلف مع أخيه في شيء، قيل: في زواجه من أخته التي معه بنفس البطن, وقيل: غير ذلك، فأمرهما أبوهما آدم عليه السلام أن يقربا قربانا، فمن تقبل قربانه فهو على الحق والصواب, والذي لا يتقبل قربانه فهو على الباطل والخطأ، فتقبل الله تبارك وتعالى قربان أحدهما, وذلك بنار تنزل من السماء فتأكل القربان؛ فعند ذلك اغتاظ الآخر وقال: لأقتلنك, فذكّره بالله تعالى، وأن هذا الفعل عدوان وظلم وحرام، وأخبره أنه لو أراد قتله فإنه لن يقتله, ولن يدافع عن نفسه, فقام أخوه, ويقال في التفسير أنه هابيل, قام على أخيه بصخرة عظيمة فشدق بها رأس أخيه قابيل وهو نائم. فالنبي [ يذكر في هذا الحديث أنه لا تقتل نفس في الأرض ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل, والكفل: هو الحظ والنصيب, كما في قوله تعالى: {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} (النساء: 87). والمعنى: إلا كان على ابن آدم الأول نصيب من وزرها , وكفل من إثمها ودمها، لماذا؟ لأنه كان أول من سن وابتدأ القتل. فأول من أظهر هذه الجريمة في الأرض وهي القتل، هو هابيل، فاتبعه من تبعه من فجرة بني آدم في قتل النفوس ظلما, وتجاوز لحدود الله والوقوع في حرماته, والدعوة إلى هذا الفعل. وهذا الباب في التحذير من الضلال, واجتناب البدع ومحدثات الأمور, والنهي عن مخالفة سبيل المؤمنين, وقد قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 115). وهذا الباب: فيه التحذير من الآثام التي تلحق المرء ولو بعد موته، فتكون من السيئات الجارية والعياذ بالله، من عمل بمعصية فاشتهرت عنه, وعمل بها الخلق من بعده؛ لأنه الأصل في إحداثها أو الدعوة إليها, ويدخل في ذلك في زماننا ما يكتبه وينشره أصحاب الكتب المنحرفة, والمناهج الهدامة, والبدع المضلة، الداعية للبدع والشركيات، وأصحاب المجلات الساقطة التي فيها الصور العارية الخليعة, وأصحاب إنتاج أشرطة (الفيديو كلب), والأفلام الخبيثة, وأشرطة المعازف والغناء، وكذا المغنون والمغنيات, والممثلون والممثلات, ومن على شاكلتهم من أصحاب الدعوات الباطلة والمنكرة، كلهم داخلون في هذا الباب والعياذ بالله تعالى؛ لأنهم دعاة إلى الشر, يدعون الناس إلى البدع والضلالات، أو الفسوق والفجور والعصيان, ويزينون للخلق كافة مخالفة ربهم, وعصيان رسوله [, فتكون لهم هذه الأعمال، سيئات جارية مستمرة حتى بعد خروجهم من الدنيا. نحن سمعنا عن الصدقات الجارية ، كأن تحفر بئرا، أو تورث مصحفا، أو تبني مسجدا، أو تبني بيتا لابن السبيل أو لليتيم أو للأرملة، أو ما أشبه ذلك من الأوقاف الخيرية التي هي صدقات جارية لك بعد مماتك, لكن هل سمعنا عن السيئات الجارية؟! إنها التي يدعو فيها الإنسان الخلق إلى معصية الله, وارتكاب حرماته فتكتب وتسجل عليه، ثم كل من قلده فيها ووافقه وسار على نهجه كتب له من أوزارهم على ظهره كما قال الله عز وجل: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (النحل: 25). فوالله العظيم، لو علم هؤلاء الدعاة إلى الضلال والشر والباطل, ماذا عليهم من الإثم لكفوا وانتهوا عن ذلك! لو أنهم حكموا عقولهم، ونظروا بعين البصيرة ماذا يكون عليهم من الآثام في إضلالهم لخلق الله سبحانه وتعالى, ودعوتهم إلى الشر والمنكر والباطل , لكفوا عن ذلك وابتعدوا، واكتفوا على الأقل بسيئات أنفسهم. وانظروا اليوم إلى السبل الكثيرة التي يراها المسلمون, والطرائق الخبيثة التي تعرض عليهم صباح مساء في الفضائيات, وفي الجرائد والمجلات، والأسواق وغيرها, حتى المسلم - أو المسلمة - إذا خرج على الناس وقد صنع بنفسه شيئا منكرا فقلده عليه غيره من خلق الله، فإنه يكون داعية إلى ذلك الشر, ويكون داخلا في قول الرسول [: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه, لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (41) الإجماع وعمل أهل المدينة الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب السادس عشر: 16- باب ما ذكر النبيُّ [ وحضّ على اتفاق أهل العلم، وما اجتمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي [ والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي [ والمنبر والقبر. الحديث الأول: 7322 – حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله السلمي: أن أعرابيا بايع رسول الله [ على الإسلام، فأصاب الأعرابي وعكٌ بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول الله [ فقال: يا رسول الله، أقلني بيعتي، فأبى رسول الله [، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله [: «إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها وينصع طيبها « (طرفه في: 1883). الشرح: الباب السادس عشر: باب ما ذكر النبي [ وحض على اتفاق أهل العلم، وما اجتمع عليه الحرمان مكة والمدينة، وما كان بها من مشاهد النبي [ والمهاجرين والأنصار، ومصلى النبي [ والمنبر والقبر. فهذا الباب ذكر فيه البخاري رحمه الله ثلاثة وعشرين حديثا، فيها حث النبي [ وتحريضه على الاتفاق قدر المستطاع، والبعد عن الاختلاف والتنازع، وذكر حجية ما اجتمع عليه أهل الحرمين مكة والمدينة النبوية؛ لما كان فيهما من توافر أصحاب رسول الله [ من المهاجرين والأنصار. وأما الإجماع فهو كما ذكر أهل العلم: اتفاق مجتهدي العصر من أمة محمد [ على أمر من الأمور الدينية. وكان الإمام مالك رحمه الله يرى أن عمل أهل المدينة حجة على غيرهم وأنه إجماع، وعلل ذلك بأن المدينة النبوية هي مأوى النبي [، ودار إقامته، وهي محل إقامة أصحابه رضي الله عنهم من المهاجرين والأنصار من بعده؛ فعملهم حجة على غيرهم، بل عملهم حجة على فهم النصوص والعمل بها أو عدم العمل، هكذا رأى الإمام مالك؛ ولهذا لم يأخذ الإمام مالك رحمه الله بحديث: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» وهو متفق عليه؛ لأن أهل المدينة لم يكونوا يعملون به، والصحيح: أن عمل أهل المدينة لا شك في قوته وحجيته، لكن لا يمكن أن يقدم عملهم على النصوص الشرعية الواضحة الصريحة، بل النص الشرعي يقدم على قول كل أحد، وعمل كل أحد، كائنا من كان. ثم إن أصحاب النبي [ خرج كثير منهم بعد وفاة النبي [ من المدينة إلى الفتوحات والبلدان المختلفة، واستقروا في البلاد المفتوحة، معلمين للخلق الدين والسنن، سنن نبينا [، فكانوا نعم القادة ونعم السادة المعلمون، المفقهون، المفهمون لكتاب الله تعالى وسنة رسوله [. إذًا إجماع أهل المدينة حجة ما لم يخالف النص، ولا شك في أفضلية المدينة وأفضلية أهل المدينة، لكن الفاضل من الصحابة وغيرهم قد يخطئ كما هو معلوم، بل قد يخطىء الفاضل ويصيب المفضول. وهناك أيضا من ذهب إلى حجية عمل أهل الكوفة؛ بحجة أن أهل الكوفة كان عامة علمائهم من أصحاب رسول الله [؛ لأنها من البلدان التي كثر فيها نزول الصحابة بعد فتحها في عهد عمر رضي الله عنه، أو تخطيطها في زمن عمر رضي الله عنه. ونقول نحن: إن أفضلية المكان وأفضلية أهله، وكذا أفضلية الزمان، لا يدلان على إصابة الحق دائما، بل الحجة تدور مع النص حيث دار، وكما قيل: اعرف الحق تعرف أهله. ويمكن أن يقال: إن الإمام مالك بن أنس رحمه الله بنى ذلك على ندرة مخالفة أهل المدينة للنصوص الشرعية، وهذا صحيح، لكن ليس دائما. وعلى كل حال فإن عمل أهل المدينة حجة ما لم يخالف نصا من كتاب الله، أو سنة رسوله [. ثم ذكر البخاري رحمه الله في أول ما ذكر من الأحاديث: حديث جابر بن عبدالله السلمي، يرويه عن إسماعيل وهو بن أبي أويس، قال: حدثني مالك، وهو الإمام المشهور مالك بن أنس إمام دار الهجرة، عن محمد بن المنكدر المدني، ثقة فاضل وهو من المكثرين في الرواية عن جابر. عن جابر رضي الله عنه: «أن أعرابيا بايع النبي [ على الإسلام؛ فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة « يعني: أصابته وعكة ومرض، وهذا مما يصيب من سكن المدينة أولا، كما جاء في حديث ابن عمر مرفوعا: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد، إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» رواه مسلم (2/1004). واللأواء: حمى المدينة. فجاء الأعرابي إلى رسول الله [ فقال: «يا رسول الله أقلني بيعتي» يعني: ردّ علي بيعتي لأني أريد أن أخرج من المدينة، فهو هاجر إلى المدينة، وبايع رسول الله على الهجرة، ثم إنه أراد ترك الهجرة والرجوع إلى البادية، فأبى رسول الله [ أن يرد عليه هجرته؛ لأنه لا يرد من بايعه، ولا يقيل من بايع على الهجرة أبدا. قوله: «ثم جاءه مرة أخرى، وقال: أقلني بيعتي، فأبى، ثم جاءه الثالثة فأبى [، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله [: «إنما المدينة كالكير، تنفي خبثها، وينصع طيبها». هذا الحديث استدل به البخاري على تفضيل المدينة النبوية على غيرها من المدن، بما خصها الله تعالى به من سكنى رسول الله وأصحابه الكرام، وبما أنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد، والمقصود به خبث الناس أو الخبيث من الناس، فالمدينة تنفي الخبيث من الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، والكير هو منفاخ الحداد الذي ينفخ به في النار حتى ينصهر الحديد، فكما أن الكير ينفي خبث الحديد إذا صهر، فكذلك المدينة تنفي الخبيث من الخلق والناس، وهذا كما قلنا يدل على فضل المدينة وسكناها. وليس هذا الوصف المذكور عاما لها في جميع الأزمنة، بل هو خاص بزمن الرسول [؛ لأنه لم يكن أحد يخرج منها رغبة عن الإقامة فيها، إلا من لا خير فيه، فلا يخرج أحد من المدينة التي يقيم فيها رسول الله [، رسول رب العالمين، معلما، مفقها، تاليا للقرآن، محدثا عن الله، ذاكرا للواجبات، مبينا للمحرمات، لا أحد يخرج من هذا المكان وهذه البلدة، إلا من لا خير فيه من الخلق. أما بعد وفاته [، وبعد اكتمال الدين والشريعة، وتمام القرآن والسنة النبوية، فقد خرج جماعة كثيرة من خيار الصحابة رضوان الله عليهم، وسكنوا خارج المدينة حتى ماتوا في تلك البلاد المفتوحة كما قلنا، وهم كثر، ومن أشهرهم: ابن مسعود، وأبوموسى الأشعري، وعلي، والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم، فقد سكنوا الكوفة، بل إن عليا ] وهو رابع الخلفاء الراشدين جعل الكوفة مقرا لخلافته، أي: نقل مقر الخلافة من المدينة إلى الكوفة، وكذلك سكن أبو ذر خارج المدينة، وعمار، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وغيرهم كثير سكنوا الشام، ومنهم من سكن المدائن بفارس، ومنهم من سكن مصر، وهكذا، وكما قلنا مقصدهم في ذلك مقصد عظيم وشريف، وهو إمارة البلدان وقيادتها وتعليم أهلها القرآن والسنن النبوية، وبيان ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه من الدين. فهذا كله يدل على أن قوله [: «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها» أنه خاص بزمنه [؛ حيث كانت الآيات القرآنية تنزل، والأحاديث تتلى، ولوجوب نصرته [ بالهجرة إليه والجهاد. ومما يدل على ذلك أيضا: ما يقع في زمن الدجال عندما يحاصر المدينة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج على أثرها منها كل منافق ومنافقة. فهذا الحديث: يدل أنه قد يسكن المدينة منافقون ومنافقات؛ لأنه إذا حاصر الدجال أهل المدينة رجفت المدينة فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا وخرج منها، فهذا يوم الخلاص الذي تتخلص فيه المدينة النبوية من المنافقين والمنافقات، والفاجرين والفاجرات الذين يستعلنون بنفاقهم، أو أنهم يخفونه حسب قوتهم، وترى أحيانا بعض ما لا يرضيك منهم في مكة أو المدينة من الساكنين فيها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر الحرمين منهم.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (42) الإجماع وعمل أهل المدينة (2) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الثاني: 7323 – حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا عبدالواحد: حدثنا معمر, عن الزهري, عن عبيدالله بن عبدالله قال: حدثني بن عباس رضي الله عنهما قال: كنت أقرئ عبدالرحمن بن عوف، فلما كان آخر حجةٍ حجها عمر، فقال عبدالرحمن بمنى: لو شهدت أمير المؤمنين، أتاه رجل قال: إن فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا, فقال عمر: لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم. قلت: لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس, يغلبون على مجلسك, فأخاف ألا ينزلوها على وجهها, فيطير بها كل مطير, فأمهل حتى تقدم المدينة دارَ الهجرة ودار السنة, فتخلُص بأصحاب رسول الله [ من المهاجرين والأنصار, فيحفظوا مقالتك وينزّلوها على وجهها، فقال: والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة، فقال: إن الله بعث محمدا [ بالحق, وأنزل عليه الكتاب, فكان فيما أُنزل آية الرجم. (طرفه في: 2462). الشرح: الحديث الثاني في هذا الباب حديث ابن عباس عن عبدالرحمن بن عوف, والغرض منه هنا كما قال الحافظ ابن حجر: ما يتعلق بوصف المدينة بدار الهجرة، ودار السنة، ومأوى المهاجرين والأنصار. وفي الحديث لما سمع عمر ] قول بعض الناس: لو مات أمير المؤمنين عمر لبايعنا فلانا وفلانا؟! فغضب عمر من هذه المقالة التي لا تستند إلى علم ولا دليل, ولا إلى رأي لمن جعله الله تعالى أهلا للحل والعقد, فأراد عمر ] أن يقوم فيخطب في أهل الموسم ممن حضر الحج في تلك السنة, وأن يحذرهم من هذه الأقاويل الفاسدة؛ لأن هذا الأمر ليس لكل أحد أن يبت فيه، أو أن يتكلم فيه أو أن يحكم فيه. فقال له عبدالرحمن بن عوف: لا تفعل فإن موسم الحج يجمع رعاع الناس، وهم العوام من الناس، أو من لا رأي له, فقال له: أخاف ألا ينزلوا كلامك على غير وجهه، فيحصل به شر وفتنة، ويطير بها كل مطير. قوله: «فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلص بأصحاب رسول الله [ من المهاجرين والأنصار»، وهذا موقع الشاهد للترجمة من هذا الحديث وهو قول عبدالرحمن بن عوف: «أمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة», فوصف المدينة بأنها دار الهجرة ودار السنة, وأن فيها أصحاب رسول الله [ من المهاجرين والأنصار الذين يفهمون مقالتك، وينزلونها على وجهها. فدل هذا الحديث على تفضيل المدينة ووصفها بأنها دار الهجرة, وهي كذلك؛ فإنها مهاجر النبي [ ومأواه, وبها المهاجرون والأنصار, ومر معنا في الحديث الماضي قول من قال بحجية إجماع أهل المدينة، لكثرة من كان بها من أصحاب رسول الله [, وأقوى منه قول من قال بحجية إجماع الصحابة؛ وذلك لأن الصحابة شاهدوا التنزيل، وحضروا التأويل، وعاصروا الرسول [ وسمعوا الحديث. ولا شك أن إجماع الصحابة أقوى من إجماع أهل المدينة، والراجح كما ذكرنا في الحديث الماضي أن إجماع أهل المدينة، القول به أقوى من القول بغيره، ما لم يخالف نصا مرفوعا إلى الرسول [, وما ذاك إلا لفضل أهل المدينة، وقربهم من العلم, ولكون المدينة كانت دار السنة ودار الهجرة . الحديث لثالث: قال البخاري رحمه الله: 7324 – حدثنا سليمان بن حرب: حدثنا حمادٌ, عن أيوب, عن محمد قال: كنا عند أبي هريرة, وعليه ثوبان ممشقان من كتان, فتمخط، فقال: «بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان, لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله [ إلى حجرة عائشة مغشيا عليّ, فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي, وُيرَى أني مجنون, وما بي من جنون, ما بي إلا الجوع». الشرح: الحديث الثالث في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه, يرويه البخاري عن شيخه سليمان بن حرب عن حماد, وهو زيد بن درهم أحد الحمادين ومن الثقات الأثبات, عن أيوب هو ابن أبي تميمة السختياني, قال: عن محمد, وهو ابن سيرين الإمام المشهور التابعي الثقة, واشتهر بتأويل الرؤى والأحلام, وله كتاب مشهور في الأسواق وفيه بعض الأشياء الغريبة التي تدل غرابتها على أنها زيدت في الكتاب, وبعض أهل العلم يقول: إن هذا الكتاب مدسوس على ابن سيرين! لكن الذي يظهر والله أعلم أن ابن سيرين كان له اشتغال بالرؤى كثيرا، وقد فسرت وأول وكتبت, لكن جاء بعض الناس وزاد على هذا الكتاب أشياء، لأن الكتاب قديم, وله نسخ مخطوطة كثيرة. قال: «كنا عند أبي هريرة ] وأرضاه وعليه ثوبان ممشقان» ممشقان يعني: مصبوغان بالمشق, والمشق هو الطين الأحمر. قوله: «من كتان»: وهو نبات معروف تصنع منه الثياب. قوله: «فتمخط فقال: بخ بخ، أبو هريرة يتمخط في الكتان» وهذا بعد النبي [, وبعد أن حصل الرخاء, كثرت الأموال وفتحت, وبسطت الدنيا على الصحابة رضي الله عنهم بعد الضيق والشدة التي كانوا بها. قوله: «فقال: بخ بخ» هذه الكلمة تقال للتعجب, وتقال أيضا للفرح، وفيها لغات. قوله: «لقد رأيتني» هو يحكي حاله من قبل في زمن النبي [، حيث الحاجة والفقر هي الغالبة على حال الصحابة رضوان الله عليهم. قوله: «وإني لأخرَّ فيما بين منبر رسول الله [ إلى حجرة عائشة مغشيا علي» أي: وهو مكان القبر الشريف الآن. قوله: «فيجيء الجائي» أي: فيأتي الرجل من الناس» فيضع رجله على عنقي, ويرى أني مجنون «يعني: يظن أني مجنون ولهذا أصرع, وما بي من جنون, ما بي إلا الجوع»، فهو - رضي الله عنه وأرضاه - من شدة الجوع كان يخر مغشيا عليه، حتى يظن بعض الناس الذين يرونه مغشيا عليه، أن به صرعا من الجنون، فيضع رجله عليه, وما كان به من جنون, وإنما سبب وقوعه مغشيا عليه هو الجوع الشديد. وهذا فيه بيان ما كان عليه أبو هريرة ] خاصة من الصبر على الجوع الشديد وقلة الطعام, والفقر والشدة من أجل ملازمة النبي [ في طلب العلم الشرعي, والحرص على مجالسة النبي [، وسماع الحديث النبوي منه، أي: إنه ترك السعي وراء الدنيا, والمعاش حرصا على ملازمة رسول الله [ وسماع أقواله كلها، فجوزي على ذلك بما انفرد به من كثرة الحديث عن رسول الله [، ونقله لأحاديثه حتى صار أكثر الصحابة حفظا, وهو راوية الإسلام بحق؛ فالمنقول عن أبي هريرة في الكتب الستة وغيرها يفوق الخمسة آلاف حديث، في حين أن أكثر الصحابة حديثا كأنس وابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله عنهم، لا يزيد حديثه على ألفين وكسر من الأحاديث. ولهذا كثرت الطعون على هذا الصحابي الجليل من أعداء الإسلام والحاسدين، وكثر الكلام على ما نقله من الحديث النبوي الشريف, ووجهوا الاتهام له بالكذب, وهو ] وأرضاه بعيد عن ذلك كله, فأعداء الإسلام قديما وحديثا خاضوا في عرض هذا الصحابي الجليل، واتهموه بافتراء الكذب على النبي [؛ من أجل أن يسقطوا السنة النبوية وأحكامها, ومعلوم أن الطعن في الصحابة طريق الزنادقة والملاحدة، كما قال أبو زُرعة الرازي رحمه الله: هم يريدون أن يجرحوا شهودنا, والجرح بهم أولى، وهم زنادقة، وإنما نقل لنا الإسلام والسنة النبوية الصحابة. يعني: إذا جرحوا الصحابة سقطت شهادتهم، وبذلك تسقط أحكام الإسلام التي نقلوها، وتندثر السنن، ويضيع الدين, وهذا هو مقصود الزنادقة والمنافقين قديما وحديثا, وفي هذا العصر أيضا كثرت المؤلفات والكتب من المؤلفين الحاقدين والمندسين بين أهل الإسلام وغيرهم من أهل الفرق المنحرفة، والطاعنين على أصحاب رسول الله [ وحملة الآثار والأحاديث؛ لصد الناس عن سبيل الله والاستقامة على دينه. والمقصود من هذا الحديث: أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه لما صبر على الشدة والجوع وشظف العيش بالمدينة النبوية، جازاه الله تعالى بما انفرد به من كثرة الحديث المحفوظ عنه [ ونشره بين الناس.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (44) -الإجماع وعمل أهل المدينة (4) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث السابع: 7328 – وعن هشام عن أبيه: «أن عمر أرسل إلى عائشة: ائذني لي أن أدفن مع صاحبيّ، فقالت: إي والله، قال: وكان الرجل إذا أرسل إليها من الصحابة قالت: لا والله، لا أوثرُهم بأحدٍ أبدا». الشرح: الحديث السابع في الباب: قال البخاري: وعن هشام عن أبيه، وهو هشام بن عروة ابن الزبير، وهو موصول بالسند الذي قبله، وعروة لم يدرك زمن إرسال عمر إلى عائشة، لكنه محمول على أنه سمعه من عائشة. قوله «أن عمر أرسل إلى عائشة: أن ائذني لي أن أدفن مع صاحبيّ « صاحبي: بالتثنية، أي: مع رسول الله [ وأبي بكر، وهذا جاء مطولا في قصة مقتل أمير المؤمنين عمر ] وأرضاه؛ فإنه لما طعن أرسل إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها يستأذن، وقال للرسول: قل لعائشة: إن عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، ولا تقل لها: إن أمير المؤمنين يستأذن، فإني اليوم لست أميرا للمؤمنين، فجاء الرسول إلى عائشة رضي الله عنها، وبلّغها مطلب عمر رضي الله عنه، فقالت: إي والله، وكلمة (إي) عند العرب تعني: نعم، وجاءت هذه اللفظة في كتاب الله تبارك وتعالى جارية على لغة العرب في خطابهم في قوله سبحانه: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} (يونس: 53). قوله: «فقالت عائشة - وهي تأذن للرسول -: إي»، أي: نعم لا بأس، إني راضية في أن يدفن عمر في الحجرة النبوية، «وكان الرجل إذا أرسل لها من الصحابة قالت: لا والله، لا أوثرهم بأحد أبدا». يعني كانت عائشة رضي الله عنها إذا استؤذنت في أن يدفن أحد مع أبي بكر وقبله مع رسول الله [، لا تأذن في ذلك، ولا تؤثر أحدا على نفسها في القرب من النبي [ وأبيها، ثم إن عائشة رضي الله عنها كرهت أن تدفن معهم؛ خشية أن يظن أحد أنها من أفضل الصحابة بعد النبي [ وصاحبيه، وأنها أفضل أزواج النبي [ كما مر معنا، ولهذا دفنت بالبقيع مع بقية أزواج النبي [ رضي الله عنهن جميعا. وسأل هارون الرشيد رحمه الله الإمام مالك رحمه الله عن منزلة أبي بكر وعمر من النبي [ في حياته؟ فقال الإمام مالك: كمنزلتهما منه بعد مماته. يعني: إذا أردت أن تعرف منزلة أبي بكر وعمر من النبي [، فإن منزلتهما منه [ في حياته كمنزلتهما منه بعد مماته. فالإمام مالك زكّى أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بقربهما منه في البقعة المباركة، وفي التربة التي دفنوا فيها جميعا؛ فاستدل بذلك على أنهما أفضل الصحابة باختصاصهما به. والحديث أيضا مما يدل على مزايا المدينة، وفضل من جاور بالمدينة كما هو ظاهر. الحديث الثامن: قال البخاري:7329 – حدثنا أيوب بن سليمان: حدثنا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن صالح بن كيسان: قال ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك: أن رسول الله [ كان يصلي العصر، فيأتي العوالي، والشمس مرتفعة. وزاد الليث عن يونس: وبُعد العَوالي أربعة أميال أو ثلاثة. (طرفه في: 548). الشرح: الحديث الثامن في الباب حديث أنس رضي الله عنه، يرويه البخاري من طريق شيخه أيوب بن سليمان وهو ابن بلال القرشي المدني ثقة. عن أبي بكر بن أبي أويس، وهو عبد الحميد بن عبد الله الأصبحي، مشهور بكنيته، ثقة. عن سليمان بن بلال وهو التيمي مولاهم، ثقة. عن صالح بن كيسان وهو المدني، أبو محمد، ويقال: أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت فقيه، فالسند كله مدنيون. عن أنس: أن رسول الله [ كان يصلي العصر فيأتي العوالي والشمس مرتفعة. ما وجه إيراد البخاري رحمه الله لهذا الحديث في هذا الباب الذي هو باب فضل المدينة وكونها مأوى النبي [ والمهاجرين والأنصار؟ ذكر المهلب: أن هذا الحديث تستطيع أن تعرف منه وقت صلاة العصر، ومتى كان النبي [ يصلي العصر؛ لأنه [ كان يصلي العصر في مسجده فيأتي عوالي المدينة، وهي تبعد عن مسجده أربعة أميال، والشمس لا تزال مرتفعة، يعني: لا تزال بيضاء غير نازلة ولا مصفرة، فبهذا الحديث تستطيع أن تعرف به مقدار الوقت الذي كان يصلي فيه النبي [ صلاة العصر، فتمشي عليه. وهذا المعنى لا يوجد في أي بلد من العالم إلا في المدينة النبوية؛ لأن الرسول [ كان يصلي بها. ولم يقو هذا القول الحافظ ابن حجر، بل قال: فيه تكلف ! إنما كأنه على مثل الحديث السابق، وهو أنه [ كان يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا، فيكون المقصود منه أن النبي [ كان أيضا يراه من كان في طريقه إلى العوالي، والعوالي منطقة قريبة من المدينة كما ذكرنا. الحديث التاسع: قال البخاري:7330 – حدثنا عمرو بن زرارة: حدثنا القاسم بن مالك، عن الجعيد: سمعت السائب بن يزيد يقول: كان الصاع على عهد النبي [ مدا وثلثا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه. (طرفه في: 185). الحديث العاشر: 7331 – حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبدالله ابن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله [ قال: «اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومدهم «. يعني أهل المدينة. (طرفه في: 2130). الشرح: الحديث التاسع يرويه البخاري عن شيخه عمرو بن زرارة وهو ابن واقد الكلابي أبو محمد النيسابوري، ثقة ثبت. والقاسم بن مالك هو المزني، ثقة، وثقه الجمهور وليّنه بعضهم. عن الجعيد، ويكبَّر فيقال: الجعد وهو ابن عبد الرحمن بن أوس الكندي ويقال: التميمي، ثقة. عن السائب بن يزيد ] قال: كان الصاع على عهد النبي [ مدا وثلثا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه. والصاع أربعة أمداد، والمد قدر ملء كفي الرجل المعتدل. فهذا الحديث فيه أن قدر الصاع هو ما اجتمع عليه أهل المدينة النبوية، فالصاع الشرعي إذاً هو صاع أهل المدينة، واستمر العمل على اعتباره، وإن كان قد زاد فيه بنو أمية في العهد الأموي. وأيضا: فيه تقدير الأنصبة الشرعية المقدرة بالصاع، بصاع أهل المدينة، وأن المرجع في تقدير نصاب الزكاة مثلا للزروع، وهو خمسة أوسق - والوَسَق ستون صاعاً - وأيضا تقدير الكفارات وغيرها بالأصواع. فالمرجع في تقدير الصاع، هو صاع أهل المدينة، فهذا ما قصد البخاري رحمه الله التنبيه عليه، وأن المعتبر شرعا هو الصاع النبوي الذي كان عند أهل المدينة. والحديث العاشر: أما سنده فقد مر معنا، وهو حديث أنس في الدعاء لأهل المدينة بالبركة في صاعهم ومدهم، فالرسول [ خصّ أهل المدينة بأن دعا لهم بالبركة في صاعهم ومدهم؛ مما دفع كثيرا من الخلق إلى قصدهم من أجل هذه البركة، وأنه [ جعل صاعهم معيارا للمقادير الشرعية التي ذكرناها, وأن من تبع أهل المدينة في تقدير صاعهم فقد أدى ما فرضه الله عليه؛ إذ لا غنى لأهل الأرض عن صاع أهل المدينة، وتقديرهم له، وهذا مما خص الله تبارك وتعالى به أيضا أهل المدينة.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (46) -الإجماع وعمل أهل المدينة (6) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الثالث عشر: قال البخاري رحمه الله: 7334 - حدثنا ابن أبي مريم: حدثنا أبو غسان: حدثني أبو حازم، عن سهل: «أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر ممر الشاة». (طرفه في: 496). الشرح: الحديث الثالث عشر رواه البخاري -رحمه الله- من طريق شيخه ابن أبي مريم وهو سعيد بن الحكم بن محمد الجمحي، أبو محمد المصري، ثقة ثبت فقيه. عن أبي غسان وهو محمد بن مطرف الليثي المدني، ثقة. عن أبي حازم، وهو سلمة بن دينار الأعرج المدني القاضي، ثقة عابد. قال: عن سهل وهو ابن سعد الساعدي الخزرجي رضي الله عنه الصحابي المشهور، له ولأبيه صحبة. قوله: «أنه كان بين جدار المسجد مما يلي القبلة، وبين المنبر ممر الشاة. يعني بقوله: مما يلي القبلة: أي من جهة القبلة، وبين المنبر ممر الشاة. ففي هذا الحديث بيان القدر الذي كان بين جدار المسجد وبين المنبر، فإن سأل سائل: ما القدر بين جدار المسجد الذي هو من جهة القبلة وبين المنبر؟ فالجواب: أن بين جدار المسجد مما يلي القبلة وبين المنبر من المسافة، قدر ما تمر فيه الشاة. وورد في سنته [: أنه كان يجعل هذا القدر بينه وبين السترة التي يستتر بها في صلاته، فكان عليه الصلاة والسلام إذا قام يصلي، اتخذ سترة تستره عن المارين قدر ذلك، وهذا العمل من السنن التي هجرها كثير من المسلمين والمسلمات اليوم بجهلهم بالسنة، فتجد أحدهم يصلي في وسط المسجد أو في وسط البيت، والناس يمرون بين يديه، والمرأة تصلي وسط الدار، والصبيان يمرون بين يديها، وهذا خلاف السنة! النبي [ يقول: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها، ولا يدعن أحدا يمر بين يديه، فإن جاء أحدٌ يمر فليقاتله فإنما هو شيطان». رواه أبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان. وقوله: قليقاتله: يعني: ليدفعه وليمنعه من المرور. وقال [ في حديث آخر: «لا تصل إلا إلى سترة» بل كان النبي [ في مكة يتخذ السترة، كما جاء في الحديث أنه [ صلى إلى جدار الكعبة. والحكمة - كما قال بعض أهل العلم - في اتخاذ السترة، أن الإنسان إذا كان يخاطب عظيما أو ملكا، فإنه يكره كراهية عظيمة أن يقف أحد بينه وبينه، أو أن يمر بينه وبينه؛ لأنه يقطع مناجاته، ويقطع كلامه، وربما يقطع حديثه وخلوته، وكذلك العبد إذا قام يصلي فهو يناجي ربه فيكره أن يمر أحد بين يديه. نعم ورد في السنة: أن مرور المرأة البالغة بين المصلي – رجلا كان أو امرأة - وبين موضع سجوده يقطع الصلاة، بخلاف مرور الرجل أو الطفل أو الطفلة فإنهم لا يقطعون الصلاة إذا مروا بين يدي الرجل أو المرأة. وإذا قال القائل: لماذا يتخذ الإنسان سترة في موضع لا أحد فيه؟ أو إذا قال قائل: أنا أصلي في غرفة لا يمر فيها أحد بين يدي، فهل يشرع لي استخدام السترة؟ نقول: نعم؛ لأن الرسول [ يقول: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» فأخبر أن هناك عدوا آخر يخطر بين الإنسان وبين صلاته - يعني يمر بينه وبين صلاته – ألا وهو الشيطان. فهذا الحديث فيه تنبيه إلى ما كان عليه الأمر في العهد النبوي من اتخاذ السترة، وتنبيه إلى أن منبر رسول الله [ لم يكن كبيرا، بحيث إنه يقطع الصف الأول، كما ترى ذلك في بعض المساجد القديمة، أن المنبر يتخذ من الخشب ويكون حجمه ضخما بحيث إنه يكاد يقطع الصف الأول والثاني. الحديث الرابع عشر: قال البخاري رحمه الله: 7335 – حدثنا عمر بن علي: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي: حدثنا مالك، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله [: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي». (طرفه في: 1196). الشرح: الحديث الرابع عشر حديث أبي هريرة يرويه البخاري عن شيخه عمر بن علي وهو ابن عطاء المقدمي الواسطي، ثقة وكان يدلس. عن عبدالرحمن بن مهدي، وهو العنبري مولاهم، ثقة ثبت حافظ، من أمراء الحديث النبوي المشهورين بالرواية والعلم، قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه بالحديث. وعبدالرحمن بن مهدي هو الذي أشار على الإمام الشافعي -رحمه الله- بأن يضع له كتابا موجزا في القواعد الفقهية والأصول الفقهية، التي يجب على طالب العلم معرفتها، فكتب له الإمام الشافعي رحمه الله كتاب: (الرسالة) الذي لم تر الدنيا قبله مثله، وكان هذا الكتاب ربما اللبنة الأولى في علم أصول الفقه، ومن بعده أصل عليه العلماء والفقهاء الأصول الفقهية، أو علم ما يسمى بأصول الفقه، وفائدته عظيمة لطالب العلم؛ حيث إنه يعلم الإنسان طريقة الوصول إلى الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية من القرآن والسنة، وقد استهان بعض طلبة العلم في زماننا بهذا العلم، ولم يولوه العناية المطلوبة؛ فحصل منهم الزلل والخطأ في استنباط الأحكام الشرعية. قال: عن الإمام مالك، قال: عن خبيب بن عبدالرحمن، وهو ابن خبيب الأنصاري أبو الحارث المدني، تابعي ثقة. عن حفص ابن عاصم، وهو ابن عمر ابن الخطاب، تابعي ثقة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله [: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي». قوله: «ما بين بيتي ومنبري»، وجاء عند ابن عساكر: «ما بين قبري ومنبري»! ولكنها لفظة لا تصح! إذ كيف يقول النبي [: ما بين قبري، وهو لا يزال حيا؟! وورد عند الطبراني: «ما بين بيت عائشة ومنبري، روضة من رياض الجنة». وهذا كأن بعض المحدثين روى هذه اللفظة بالمعنى، أو أن المقصود: ما بين بيتي - الذي هو بيت عائشة الذي أنا فيه الآن – وبين منبري روضة من رياض الجنة. ثم اختلف العلماء، ما معنى قول النبي [: «روضة من رياض الجنة»؟ فقال طائفة من أهل العلم: المقصود بذلك ما كان يعقده عليه الصلاة والسلام من حلق للذكر والعلم والتعليم، روضة من رياض الجنة، كما قال [ في الحديث الحسن: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: يارسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر». رواه أحمد والترمذي، وفيه ضعف. فشبه حلق العلم ببساتين الأشجار والأزهار ذات المياه والنضارة. فكان مسجد النبي [ آنذاك عامرا بحلق الذكر والعلم، والفتيا، وتلاوة ما أنزل الله سبحانه في كتابه من الآيات والفرائض والأحكام، وكذا الصلوات والطاعات، ويكفي الجالس في تلك المجالس المباركة العظيمة التي لم تر الدنيا قبلها مثلها، ولا بعدها مثلها، يكفي الجالس في تلك المجالس بركة الجلوس مع سيد الخلق [، وشفيع الناس يوم القيامة، وخير من وطئت قدماه الثرى [، والاستفادة من علمه الزاخر، والفوز ببركة صحبته [؛ فإن منزلة الصحبة لا تدانيها منزلة في الدنيا بعد النبيين والمرسلين. وقيل: إن الحديث يعني: إن هذا الموضع الذي ذكره رسول الله [ وهو: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» أن هذا الموضع بعينه: ما بين بيت رسول الله [ الذي مات فيه وهو بيت عائشة، وبين منبره، أنه بعينه سينتقل إلى الدار الآخرة، فيكون روضة من رياض الجنة. وقيل: هو كروضة من رياض الجنة في تنزل الرحمات للموجود بها. وقوله: «ومنبري على حوضي» وهذا على ظاهره، أن منبره [، الذي كان يقوم عليه فيخطب الجمع والأعياد وغيرها في بعض الأوقات، أن هذا المنبر سينصب له [ على حوضه في الدار الآخرة، وهذا من الأخبار الغيبية التي أخبر بها النبي [، ففيه شرف هذه البقعة من المدينة النبوية الشريفة والتي هي من الخصائص التي لا توجد في مكان آخر.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (47) الشيخ.محمد الحمود النجدي الإجماع وعمل أهل المدينة (7) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الخامس عشر: قال البخاري رحمه الله: 7336 – حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا جويرية, عن نافع, عن عبدالله قال: سابق النبي [ بين الخيل, فأرسلت التي ضمرت منها, وأمدها إلى الحفياء إلى ثنية الوداع, والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق, وإن عبدالله كان فيمن سابق. (طرفه في: 42). الشرح: الحديث الخامس عشر يرويه المصنف عن شيخه موسى بن إسماعيل وهو التبوذكي, عن جويرية وهو ابن أسماء الضبعي البصري, ثقة وقصر الحافظ فقال: صدوق, ولا يعلم فيه جرح. عن نافع وهو أبو عبدالله المدني, ثقة ثبت فقيه مشهور. عن عبدالله بن عمر الصحابي الجليل قال: سابق النبي [ بين الخيل فأرسلت التي ضمرت منها, وأمدها إلى الحفياء إلى ثنية الوداع, والتي لم تضمر أمدها ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق, وإن عبدالله كان فيمن سابق. يخبر عبدالله بن عمر أن النبي [ أجرى سباقا بين الخيل بالمدينة, والخيل كما تعلمون, كانت وسيلة الجهاد العظيمة في ذلك الوقت, ومركوب الغزاة في سبيل الله تعالى, يحققون على ظهورها النصر للإسلام, والعزة للمسلمين, والحماية لدار الإسلام والمسلمين, بل لشرف هذه الخيل - خيل المجاهدين والغزاة - أقسم الله تبارك وتعالى بها في آيات من كتابه فقال: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا}, {العاديات}: أي الخيل التي تعدو وتجري, {ضبحا} يعني: صوت نَفََسَ الخيل إذا ركضت, وكذا قوله {فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا} (العاديات: 2-5) وهذا كله قسم بخيل المجاهدين والغازين في سبيل الله وأحوالها. والإسلام لا يعارض الرياضة بكل أحوالها وأشكالها, إنما دعا إلى الرياضة النافعة التي فيها نفع للإنسان في بدنه وصحته وعافيته, ونفع لأهل الإسلام؛ ولهذا جاء الحث من النبي [, ومن الخلفاء الراشدين بعده على تعلم ركوب الخيل؛ لأنها كما قلنا كانت مركوب الجهاد وآلته, وعلى تعلم السباحة, وتعلم الرمي؛ يقول [: « كل لهو باطل, إلا تعلم الرجل السباحة, وركوبه الخيل, ومشيه بين الغرضين, ومداعبته لأهله «. وأيضا ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل. وأيضا كان عمر رضي الله عنه يقول لابن عباس: تعال أباقيك تحت الماء. يعني: يأخذ نفسا وينزل تحت الماء وينظر أيهما يبقى في الماء أكثر، وهو نوع من الرياضة والتمرين. وكان الصحابة يتسابقون على الأقدام, بل إن النبي [ سابق عائشة كما في الصحيح, فهذه الرياضات النافعة هي مما ينتفع بها الإنسان في نفسه, وينفع بعد ذلك بها أمته في جهادها لأعدائها, ولو نظرنا نظرة عابرة اليوم إلى الرياضات الموجودة, لرأينا أن أكثرها لا فائدة منه, بل هو بعيد كل البعد عن الإسلام وشريعته, ونهج النبي [ وسنته, فرياضة المصارعة التي ورد أن الصحابة كانوا يتصارعون أحيانا, وورد أن النبي [ صارع أعرابيا يسمى ركانة, لو نظرنا إلى هذه الرياضة اليوم لرأينا أنها يتعرى فيها المصارعون! إلا من ملابس لا تكاد تستر السوءة, وهناك رياضات تخالف الشرع كرياضة الملاكمة؛ لأنها قائمة على لكم الوجه ولطمه, والرسول [ قد نهى عن ذلك بقوله [: « إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه « متفق عليه. وإذا رأينا رياضة السباحة رأينا فيها تعري الرجال, وإذا كان الأمر بالنسبة للنساء فهو أشد وأشد, ثم إن رياضات النساء التي تنتشر اليوم على اختلاف أشكالها وصورها, تنقل للأسف الشديد على شاشات الفضائيات في بيوت المسلمين اليوم؟ ويشاهدها ملايين الرجال؟! فهذه رياضات قصدها الفساد والإفساد, لا الفائدة والنفع للمسلم وأمته, فالمرأة فيها لا تلبس إلا القليل من الثياب! التي ربما لا تستر إلا السوءة! ثم تقوم برياضة (الجمباز) أو ما يسمونه زورا برياضة (الباليه)! أو رياضة التنس الأرضي – الإسكواش – التي تلبس فيه المرأة الشورت القصير؟! فكلها رياضات للأسف الشديد تحارب الخلق الكريم, وتدعو إلى الرذيلة والتفسخ وكشف العورات, وتنشر الفساد في ديار الإسلام والمسلمين, بين الأبناء والبنات، وإذا تكلمنا في هذا الأمر قالوا: إن هذا إنسان جامد, أو إنسان رجعي, لا يعرف ولا يقدر قيمة الرياضة! فالرسول [ كما في هذا الحديث سابق بين الخيل في المدينة, وجعل السباق على نوعين: سباق للخيل المضمرة, وهي الخيل التي حصل لها التضمير, وهو تقليل الطعام وتجليل الجسد, أي وضع الجِلال وهي الثياب التي توضع على بدن الحصان فيعرق ويذهب عنه الشحم, فلا يبقى فيها إلا العضل, ويكون بعد ذلك سريعا جدا، فالخيل المضمرة جعل لها النبي [ أمدا أطول من أمد الخيل التي لم تضمر، أي: التي بقيت على حالها؛ لأن قدرتها في الجري أقل. وفي الحديث: أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان فيمن سابق وشارك في ذلك السباق. الحديث السادس عشر: قال البخاري: 7337 – حدثنا قتيبة, عن ليث, عن نافع, عن ابن عمر، ( ح ): وحدثني إسحق، أخبرنا عيسى بن إدريس, وابن أبي غنية, عن أبي حيان, عن الشعبي, عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت عمر على منبر النبي [. (طرفه في: 4619). الحديث السابع عشر 7338 – حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيب, عن الزهري: أخبرني السائب بن يزيد: سمع عثمان بن عفان خطبنا على منبر النبي [. الشرح: الحديث السادس عشر يرويه البخاري رحمه الله تعالى بإسنادين: الإسناد الأول من طريق قتيبة, وهو ابن سعيد بن جميل, أبو رجا البَغلاني, ثقة ثبت, وأحد أئمة الحديث. قال عن ليث, وهو ابن سعد، أبو سعد الفهمي المصري عالم مصر ومفتيها في زمنه, كان يقرن بالإمام مالك رحمه الله في العلم والفقه، وكان له مذهب وأتباع. قال: عن نافع عن ابن عمر (ح), وحرف (ح) هذا اختصار لكلمة: تحويل, أي: أن المحدث سيحدث بهذا الحديث من طريق آخر غير الطريق السابق. قال البخاري: وحدثنا إسحاق, وهو ابن إبراهيم بن راهويه الإمام المشهور, قال أخبرنا عيسى وابن إدريس, وابن أبي غنية, ابن إدريس هو عبدالله ابن إدريس الأودي الكوفي, ثقة فقيه عابد, وابن أبي غنية هو يحيى بن عبدالملك الخزاعي, صدوق. عن أبي حيان واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي, ثقة عابد, قال: عن الشعبي، ومضى معنا, قال: عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت عمر على منبر النبي [. والحديث الذي بعده قال البخاري فيه: حدثنا أبو اليمان, وهو الحكم بن نافع, أخبرنا شعيب وهو ابن أبي حمزة عن الزهري قال: أخبرنا السائب بن يزيد أنه سمع عثمان بن عفان خطيبا على منبر النبي [. والمقصد من سرد هذين الحديثين بيان أن المنبر واستعماله, سنة نبوية متبعة, وكان معروفا عند الخلفاء الراشدين بعد رسول الله [, فالخطابة على المنبر من السنن النبوية, ولا سيما في الأمور المهمة؛ إذ بالمنبر يمكن للخطيب إيصال الموعظة والتذكير, وإيصال الحديث والكلام يحصل إذا أشرف الخطيب على المنبر. وأشار البخاري رحمه الله في هذين الحديثين إلى المنبر النبوي, وأن المنبر النبوي بقي إلى عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما لم يتغير بزيادة ولا نقص, وكانا يقومان على منبر النبي [ خطيبين فيما تحتاجه الأمة, فهذا كان عملهما واتباعهما لسنة المصطفى [. وجاء أيضا في غير هذا الموضع أن المنبر النبوي بقي على حاله أزمانا طويلة, إلى أن زاد فيه بعض الخلفاء في عدد درجاته, وفي حجمة, وارتفاعه. وقد كان منبره [ ثلاث درجات يصعد الخطيب الدرجة الأولى, ثم الدرجة الثانية, ثم يقف على الدرجة الثالثة, وهذا يدل على أن منبر النبي [ لم يكن عاليا علوا زائدا عن العادة؛ لأن هذا العلو يعني ارتفاع الخطيب ارتفاعا زائدا عن قدر الحاجة, وأيضا يستدعي في كثير من الأحيان أن يمتد المنبر ويطول فيقطع الصف الأول! لأجل امتداد الدرجات, فما كان منبره [ إلا ثلاث درجات, لا يزاد عليه, وهذه هي السنة النبوية, والحمد لله أن وزارة الأوقاف أخذت بهذا وعممته على المساجد التي تتولى الإشراف على بنائها, لكن بعض الناس إذا بنوا المسجد لا يدرون ما السنة! ولا يستشيرون أهل العلم فيبنون المنبر أعلى من المطلوب! وأيضا من البدع التي حصلت ونراها في هذه الأيام كون المسجد له منبران منبر عن اليمين, ومنبر عن الشمال! وهذا من البدع المحدثة التي لا أصل لها, وإنما أحدثها من أحدثها بقصد الزينة وتزيين المسجد بزعمه! إذ يقول: كيف يكون المسجد له منبر عن اليمين مزخرف ويكون الجانب الأيسر بلا منبر مزخرف, فجعل في الجانب الأيسر أيضا منبرا مزخرفا.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (48) -الإجماع وعمل أهل المدينة (8) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. (من السنن النبوية في التطهر - الحلف) قال البخاري رحمه الله : 7339 – حدثنا محمد بن بشار: حدثنا عبد الأعلى: حدثنا هشام بن حسان: أن هشام ابن عروة حدثه: عن أبيه: {أن عائشة قالت: كان يوضع لي ولرسول الله [ هذا المركن، فنشرع فيه جميعا} (طرفه في: 25) الشرح: الحديث الثامن عشر حديث عائشة الذي يرويه البخاري رحمه الله من طريق شيخه محمد بن بشار وهو العبدي أبو بكر، وهو الحافظ المشهور ولقبه بندار، قال: حدثنا عبد الأعلى وهو ابن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة. قال: حدثنا هشام بن حسان، وهو القردوسي البصري، ثقة من أثبت في ابن سيرين. أن هشام بن عروة حدثه عن أبيه عروة بن الزبير، عن خالته عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين قالت: كان يدفع لي الرسول [ هذا المركن فنشرع فيه جميعا. المركن: هو إناء من أدم أي: جلد، شبيه الحوض الصغير من النحاس. قوله: «فنشرع فيه جميعا» أي: نتناول من الماء الذي فيه بأيدينا بغير إناء، أي: أنها رضي الله عنها كانت تغتسل مع النبي [ من إناء واحد، والشروع أصله الورود على الماء للشرب، ثم استعمل في كل حالة يتناول فيها الماء. وهذا الحديث فيه شيء من سنن النبي [ في الطهارة وغيرها، أولها: بيان مقدار ما يكفي الزوج وزوجته من الماء إذا اغتسلا، فإنه[ كان لا يسرف في وضوئه ولا في غسله من الجنابة، فقد روت عنه عائشة رضي الله عنها: أنه كان [ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد . متفق عليه. والمد هو: ملء كفي الرجل المعتدل الخلقة، والصاع أربعة أمداد، فكان [ يغتسل بهذا المقدار من الماء، وهو قليل بالنسبة لما تعود عليه كثير من الناس اليوم ، من الإسراف في استعمال الماء عند الوضوء والغسل، بفتح الماء عن آخره وصبه شديدا، فيهدر المياه ويخالف السنة النبوية الشريفة. وقد صح في الحديث: أن النبي [ مرّ على سعد رضي الله عنه وهو يتوضأ، فقال: يا سعد! ما هذا السرف في الوضوء؟! فقال: وفي الوضوء سرف يا رسول الله؟! قال: «نعم، ولو كنت على نهر جار». رواه أحمد وغيره. يعني: أنه لا يشرع للإنسان أن يتوضأ بماء كثير، ولو كان على نهر جار. وأيضا: روى عبدالله بن المغفل رضي الله عنه - كما في سن أبي داوود - عن النبي [ أنه قال: «سيكون أقوام يعتدون في الطهور والدعاء». والاعتداء: معناه مجاوزة الحدّ والإسراف، فمن الاعتداء مثلا: أن يتوضأ المسلم أربعا أربعا، لأن السنة وردت بثلاث غَسَلات فقط، فمن زاد عليها فقد تعدى الحد الشرعي. وثبت أيضا في السنن: أنه [ توضأ ثلاثا ثم قال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد فقد أساء وتعدى وظلم». وورد في الحديث أيضا: «من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما قدم من عمل» رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان. فقوله: «من توضأ كما أمر» تنبيه على المتابعة. وقال: «من توضأ مثل وضوئي هذا». فلا بد من متابعة الرسول [ في العبادات وكيفياتها وأعدادها وأوقاتها وأماكنها. وإذا قال بعضهم: إني بحاجة إلى التنظيف، وغسل الرأس بالصابون، والبدن مع غسل الجنابة أو مع غسل الحيض، فنقول: اجعل غسل الجنابة آخرا بعد أن تنظف وتغسل رأسك بالصابون، فعند ذلك إذا أردت الخروج فاغتسل الغسل الشرعي، وخفف فيه من استعمال الماء، وعلى كل حال فالإسراف مذموم، قال سبحانه وتعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } (الإسراء: 26- 27). ففي هذا الحديث بيان ما يجب أن يتبع من سنة النبي [ في مقدار ما يكفي من الغسل. وفيه أيضا: أن النبي [ كان يلاطف أهله أحيانا ويؤانسهم فيغتسلا جميعا. وفيه أيضا: دليل لمن أباح نظر كل من الزوجين لعورة صاحبه، وغير ذلك من الفوائد المذكورة في مظانها. والله تعالى أعلم . الحديث التاسع عشر: قال البخاري رحمه الله: 734 – حدثنا مسدد: حدثنا عباد بن عباد: حدثنا عاصم الأحول، عن أنس قال: «حالف النبي [ بين الأنصار، وقريش في داري التي بالمدينة» (طرفه في: 2294). {وقنت شهرا يدعو على أحياء من بني سليم} (طرفه في : 1..1) الشرح: الحديث التاسع عشر في الباب: حديث أنس ]، يرويه البخاري رحمه الله من طريق شيخه مسدد، وقد مضى. قال: حدثنا عباد بن عباد، وهو ابن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، ثقة. قال حدثنا عاصم الأحول، هو ابن سليمان أبو عبدالرحمن البصري، ثقة قال عن أنس رضي الله عنه: «حالف النبي [ بين الأنصار، وقريش في داري التي بالمدينة». الحلف هو: المعاهدة، ومحالفة النبي [ بين الأنصار وقريش أي المهاجرين، لأنهم جاؤوا من مكة وغالب أهلها من قريش، هذا الحلف محمول على المؤاخاة التي حصلت بالمدينة بين المهاجرين والأنصار، فالرسول [ عندما هاجر إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، فآخى كما جاء في صحيح البخاري بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وكان هذا الحلف أو هذه المؤاخاة عظيمة متينة إلى درجة أن سعد بن الربيع كان له زوجتان فقال لعبد الرحمن بن عوف: إني ذو مال كثير فخذ شطر مالي، ولي زوجتان، فانظر إلى أجملهما لك حتى أطلقها، فإذا انقضت عدتها تزوجتها، فقال له عبد الرحمن، وما أعجب ما قال! قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك وأبى أن يأخذ منه شيئا، ثم قال: دلوني على السوق، فباع واشترى رضي الله عنه حتى تزوج بعد ذلك وكثر ماله، فكان من أثرياء الصحابة ] . وقال بعض أهل العلم :إن الرسول [ آخى بين أصحابه مرتين: مرة بمكة آخى بين أهل مكة، من أسلم من أصحابه من أهل مكة آخى بينهم، أي: جعل الرابطة بينهم هي رابطة الإيمان والإسلام دون رابطة القبيلة والنسب، من أجل أن يصيروا قلبا واحدا، وبدنا واحدا. وهكذا كان أصحاب رسول الله [. والمؤاخاة الثانية الثابتة: حصلت لما هاجر النبي [ إلى المدينة، فآخى بين المهاجرين والأنصار، جعلهم إخوة في الإسلام دون إخوة النسب، وكان أول الأمر إذا مات الأنصاري، ورثه أخوه المهاجري إلى أن نزل قوله سبحانه وتعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّه} (الأنفال: 75)، أي: أرجع الله الأمر إلى سابقه ، وهو: أنه إذا مات الميت، ورثه قرابته من أهله وعصبته. وإذا قال قائل : كيف نجمع بين هذا الحديث، وهو: «أنه [ حالف بين المهاجرين والأنصار بالمدينة»، وبين قوله [: «لا حلف في الإسلام» رواه مسلم. وهو حديث صحيح رواه مسلم وغيره؟! والجواب: أن الحلف المنهي عنه في قوله [: «لاحلف في الإسلام» هو الحلف الذي يخالف الشرع، فقد كان العرب يتحالفون في الجاهلية على النصرة والإغاثة، ولو كان أحدهم ظالما، فينصر بعضهم بعضا، ولو كانوا ظالمين معتدين، فنهى النبي [ عن ذلك وقال: «لا حلف في الإسلام» يعني: لا حلف يبيح لك تعدي حرمات الله، والوقوع فيما حرم الله، وأما التحالف على الحق، ونصرة الحق وأهله، التحالف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتآخي والتعاهد والتواصي بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم، وحفظ القرآن، وقيام الليل، وصيام التطوع .. إلخ، التواصي بذلك والتآخي عليه، فهذا لا بأس به في الإسلام، بل هو مما يحبه الله تبارك وتعالى، ويحبه رسوله [. وقوله: في «داري التي بالمدينة» فيها فضل المدينة النبوية، وفضل الدار التي حصلت فيها المؤاخاة، وأنس ] من صغار الصحابة، لكن كانت أمه، وهي أم سليم من الصحابيات اللاتي كان لهن مكانة في المدينة، وذكرت في غير ما حديث.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |