تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحميل مجانا برنامج ذكر الله عند فتح وغلق جهاز الكمبيوتر (اخر مشاركة : igi2000 - عددالردود : 1 - عددالزوار : 4905 )           »          قصص واقعية لنساء خسرن السعادة بحثاً عن الترقية! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          ظاهرة قتل الأزواج.. البديل الآثم للمودة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 32 )           »          حديث: في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          لذة الطاعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          ابتلاء الإنسان سنة كونية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          آبل تراجع إنتاج iPhone 17 بسبب ارتفاع تكاليف المكونات ونقص الذاكرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          كل ما تريد معرفته عن إمكانيات نموذج الذكاء الاصطناعى الجديد Grok 4.5 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          آبل تكشف عن تقنية حماية بيانات متقدمة في تحديث نظام تشغيل هواتف آيفون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #11  
قديم 09-09-2021, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,183
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
الحلقة (60)

سُورَةُ الْمَائِدَةِ (15)
صـ 396 إلى صـ 400


وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلْبَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يُصَلَّبُوا ، اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَقِيلَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، وَيُمْنَعُ مِنَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ حَتَّى يَمُوتَ ، وَقِيلَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، ثُمَّ يُقْتَلُ بِرُمْحٍ [ ص: 396 ] وَنَحْوِهِ ، مَصْلُوبًا ، وَقِيلَ : يُقْتَلُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ ، وَقِيلَ : يُنْزَلُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَقِيلَ : يَتْرَكُ حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ الْقَتْلِ زَمَنًا يَحْصُلُ فِيهِ اشْتِهَارُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ صَلْبَهُ رَدْعٌ لِغَيْرِهِ .

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالنَّفْيِ فِيهِ أَيْضًا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ أَنْ يُطْلَبُوا حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ ، فَيُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ ، أَوْ يَهْرَبُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .

وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ أَنْ يُنْفَوْا مِنْ بَلَدِهِمْ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، أَوْ يُخْرِجُهُمُ السُّلْطَانُ ، أَوْ نَائِبُهُ ، مِنْ عُمَالَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ ، وَالْحَسَنُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ ، إِنَّهُمْ يُنْفَوْنَ ، وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ .

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي الْآيَةِ السِّجْنُ ، لِأَنَّهُ نَفْيٌ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا إِلَى ضِيقِ السِّجْنِ ، فَصَارَ الْمَسْجُونُ كَأَنَّهُ مَنْفِيٌّ مِنَ الْأَرْضِ ، إِلَّا مِنْ مَوْضِعِ اسْتِقْرَارِهِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ بَعْضِ الْمَسْجُونِينَ فِي ذَلِكَ : [ الطَّوِيلُ ]


خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا فَلَسْنَا مِنَ الْأَمْوَاتِ فِيهَا وَلَا الْأَحْيَا
إِذَا جَاءَنَا السَّجَّانُ يَوْمًا لِحَاجَةٍ عَجِبْنَا وَقُلْنَا جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ ظُهُورِهِ .

وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ ، أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنْ يُخْرَجَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ ، فَيُسْجَنَ فِيهِ ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ ; لِأَنَّ التَّغْرِيبَ عَنِ الْأَوْطَانِ نَوْعٌ مِنَ الْعُقُوبَةِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِالزَّانِي الْبِكْرِ ، وَهَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ ; لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ إِنَّهُ لَا يُرَادُ نَفْيُهُمْ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَرْضِ أَوْطَانُهُمُ الَّتِي تَشُقُّ عَلَيْهِمْ مُفَارَقَتُهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
مَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْمُحَارِبِينَ

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ يُثْبِتُونَ حُكْمَ الْمُحَارِبَةِ فِي الْأَمْصَارِ [ ص: 397 ] وَالطُّرُقِ عَلَى السَّوَاءِ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَمَالِكٍ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَغْتَالُ الرَّجُلَ فَيَخْدَعُهُ ، حَتَّى يَدْخِلَهُ بَيْتًا ، فَيَقْتُلَهُ وَيَأْخُذُ مَا مَعَهُ ، إِنَّ هَذِهِ مُحَارَبَةٌ ، وَدَمُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ، لَا إِلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ ، فَلَا اعْتِبَارَ بِعَفْوِهِ عَنْهُ فِي إِسْقَاطِ الْقَتْلِ .

وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ : كُنْتُ أَيَّامَ حُكْمِي بَيْنَ النَّاسِ ، إِذَا جَاءَنِي أَحَدٌ بِسَارِقٍ ، وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ بِسِكِّينٍ يَحْبِسُهُ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِ الدَّارِ ، وَهُوَ نَائِمٌ ، وَأَصْحَابُهُ يَأْخُذُونَ مَالَ الرَّجُلِ ، حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ ، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا مُحَارَبَةَ إِلَّا فِي الطُّرُقِ ، فَلَا يَكُونُ مُحَارِبًا فِي الْمِصْرِ ; لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ .

وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَكُونُ مُحَارِبًا فِي الْمِصْرِ أَيْضًا ، لِعُمُومِ الدَّلِيلِ .

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : لَا تَكُونُ الْمُحَارِبَةُ إِلَّا فِي الطُّرُقِ ، وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ فَلَا ; لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الْغَوْثُ إِذَا اسْتَغَاثَ ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِبُعْدِهِ مِمَّنْ يُغِيثُهُ ، وَيُعِينُهُ .

قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ : وَلَا يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ الْمُحَارِبَةِ ، إِلَّا إِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ سِلَاحٌ .

وَمِنْ جُمْلَةِ السِّلَاحِ : الْعِصِيُّ ، وَالْحِجَارَةُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ; لِأَنَّهَا تُتْلَفُ بِهَا الْأَنْفُسُ وَالْأَطْرَافُ كَالسِّلَاحِ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إِذَا كَانَ الْمَالُ الَّذِي أَتْلَفَهُ الْمُحَارِبُ ، أَقَلُّ مِنْ نِصَابِ السَّرِقَةِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ ، أَوْ كَانَتِ النَّفْسُ الَّتِي قَتَلَهَا غَيْرَ مُكَافِئَةٍ لَهُ ، كَأَنْ يَقْتُلَ عَبْدًا ، أَوْ كَافِرًا ، وَهُوَ حُرٌّ مُسْلِمٌ ، فَهَلْ يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ ؟ وَيُقْتَلُ بِغَيْرِ الْكُفْءِ أَوْ لَا ؟ .

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُقْطَعُ إِلَّا إِذَا أَخَذَ رُبْعَ دِينَارٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : يُقْطَعُ وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْ نِصَابًا ; لِأَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِ .

قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ، حَدَّدَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُبُعَ دِينَارٍ لِوُجُوبِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ، وَلَمْ يُحَدِّدْ فِي قَطْعِ الْحِرَابَةِ شَيْئًا ، ذَكَرَ جَزَاءَ الْمُحَارِبِ ; فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَوْفِيَةَ جَزَائِهِمْ عَلَى الْمُحَارَبَةِ عَنْ حَبَّةٍ ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا قِيَاسُ أَصْلٍ عَلَى أَصْلٍ ، [ ص: 398 ] وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَقِيَاسُ الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى ، وَذَلِكَ عَكْسُ الْقِيَاسِ ، وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَاسَ الْمُحَارِبُ عَلَى السَّارِقِ ، وَهُوَ يَطْلُبُ خَطْفَ الْمَالِ ؟ فَإِنْ شُعِرَ بِهِ فَرَّ ، حَتَّى إِنَّ السَّارِقَ إِذَا دَخَلَ بِالسِّلَاحِ يَطْلُبُ الْمَالَ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ ، أَوْ صِيحَ عَلَيْهِ حَارَبَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ . اهـ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ .

وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْقَوْلِ ، عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْإِخْرَاجِ مِنْ حِرْزٍ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْمُحَارِبُ فِي قَطْعِهِ ، وَأَمَّا قَتْلُ الْمُحَارِبِ بِغَيْرِ الْكُفْءِ ، فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْمُكَافَأَةِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ ; لِأَنَّ الْقَتْلَ فِيهَا لَيْسَ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَسَادِ الْعَامِّ مِنْ إِخَافَةِ السَّبِيلِ ، وَسَلْبِ الْمَالِ .

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا ، فَأَمَرَ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُحَارِبِ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ ، وَهُمَا الْمُحَارَبَةُ ، وَالسَّعْيُ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ ، وَلَمْ يَخُصَّ شَرِيفًا مِنْ وَضِيعٍ ، وَلَا رَفِيعًا مِنْ دَنِيءٍ . اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ .

قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُكَافَأَةِ فِي قَتْلِ الْحِرَابَةِ ، إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ عَفْوَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَّابَةِ لَغْوٌ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَعَلَى الْحَاكِمِ قَتْلُ الْمُحَارِبِ الْقَاتِلِ ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةُ قِصَاصٍ خَالِصٍ ، بَلْ هُنَاكَ تَغْلِيظٌ زَائِدٌ مِنْ جِهَةِ الْمُحَارَبَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا حَمَلَ الْمُحَارِبُونَ عَلَى قَافِلَةٍ مَثَلًا ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَ الْقَافِلَةِ ، وَبَعْضُ الْمُحَارِبِينَ لَمْ يُبَاشِرْ قَتْلَ أَحَدٍ ، فَهَلْ يُقْتَلُ الْجَمِيعُ ، أَوْ لَا يُقْتَلُ إِلَّا مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ . فِيهِ خِلَافٌ ، وَالتَّحْقِيقُ قَتَلُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الْمُحَارَبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَنَعَةِ وَالْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُبَاشِرُ مِنْ فِعْلِهِ ، إِلَّا بِقُوَّةِ الْآخَرِ الَّذِي هُوَ رِدْءٌ لَهُ وَمُعِينٌ عَلَى حِرَابَتِهِ ، وَلَوْ قَتَلَ بَعْضُهُمْ ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمُ الْمَالَ جَازَ قَتْلُهُمْ كُلِّهِمْ ، وَصَلْبُهُمْ كُلِّهِمْ ; لِأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَخَالَفَ فِي هَذَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ : لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ الْمَعْصِيَةَ ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ أَعَانَهُ عَلَيْهَا كَسَائِرِ الْحُدُودِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إِذَا كَانَ فِي الْمُحَارِبِينَ صَبِيٌّ ، أَوْ مَجْنُونٌ ، أَوْ أَبُ الْمَقْطُوعِ عَلَيْهِ ، [ ص: 399 ] فَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ كُلِّهِمْ ؟ وَيَصِيرُ الْقَتْلُ لِلْأَوْلِيَاءِ إِنْ شَاءُوا قَتَلُوا ، وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا نَظَرًا إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْجَمِيعِ وَاحِدٌ ، فَالشُّبْهَةُ فِي فِعْلِ وَاحِدٍ شُبْهَةٌ فِي الْجَمِيعِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَوْ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ غَيْرِ الْمَذْكُورِ مِنْ صَبِيٍّ ، أَوْ مَجْنُونٍ ، أَوْ أَبٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إِذَا تَابَ الْمُحَارِبُونَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ; فَتَوْبَتُهُمْ حِينَئِذٍ لَا تُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا إِنْ جَاءُوا تَائِبِينَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ سَبِيلٌ ; لِأَنَّهُمْ تَسْقُطُ عَنْهُمْ حُدُودُ اللَّهِ ، وَتَبْقَى عَلَيْهِمْ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، فَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ فِي الْأَنْفُسِ وَالْجِرَاحِ ، وَيَلْزَمُهُمْ غُرْمُ مَا أَتْلَفُوهُ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَلِوَلِيِّ الدَّمِ حِينَئِذٍ الْعَفْوُ إِنْ شَاءَ ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ إِسْقَاطُهُ عَنْهُمْ .

وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ حُدُودِ اللَّهِ عَنْهُمْ بِتَوْبَتِهِمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الْآيَةَ [ 5 \ 34 ] ، وَإِنَّمَا لَزِمَ أَخْذُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَتَضْمِينُهُمْ مَا اسْتَهْلَكُوا ; لِأَنَّ ذَلِكَ غَصْبٌ ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَمُلُّكُهُ ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ : لَا يُطْلَبُ الْمُحَارِبُ الَّذِي جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا وُجِدَ مَعَهُ مِنَ الْمَالِ ، وَأَمَّا مَا اسْتَهْلَكَهُ ، فَلَا يُطْلَبُ بِهِ ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ .

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِحَارِثَةَ بْنِ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ ، فَإِنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا ، ثُمَّ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، فَكَتَبَ لَهُ سُقُوطَ الْأَمْوَالِ وَالدَّمِ عَنْهُ كِتَابًا مَنْشُورًا ، وَنَحْوَهُ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .

قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مِنْدَادَ : وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُحَارِبِ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ ، هَلْ يُتْبَعُ دَيْنًا بِمَا أَخَذَ ؟ أَوْ يُسْقَطُ عَنْهُ ، كَمَا يُسْقَطُ عَنِ السَّارِقِ ، يَعْنِي عِنْدَ مَالِكٍ ، وَالْمُسْلِمُ ، وَالذِّمِّيُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [ 5 \ 32 ] ، اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا ، أَوْ إِمَامَ عَدْلٍ ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، وَمَنْ أَحْيَاهُ ، بِأَنْ شَدَّ عَضُدَهُ وَنَصَرَهُ ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَا يَخْفَى بُعْدَهُ عَنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ .

[ ص: 400 ] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى ، أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَةَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِقَتْلِهَا ، فَهُوَ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ; لِأَنَّ انْتِهَاكَ حُرْمَةَ الْأَنْفُسِ ، سَوَاءٌ فِي الْحُرْمَةِ وَالْإِثْمِ ، وَمَنْ تَرَكَ قَتْلَ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ، لِاسْتِوَاءِ الْأَنْفُسِ فِي ذَلِكَ .

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، أَيْ عِنْدِ الْمَقْتُولِ إِذْ لَا غَرَضَ لَهُ فِي حَيَاةِ أَحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ هَلَكَةٍ ، فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمُسْتَنْقَذِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْتُلُ النَّفْسَ الْمُؤْمِنَةَ مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّهُ جَزَاءَهُ جَهَنَّمَ ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ، وَلَوْ قَتْلَ النَّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ .

وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا يَلْزَمُهُ مِنَ الْقِصَاصِ مَا يَلْزَمُ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ، قَالَ : وَمَنْ أَحْيَاهَا ، أَيْ عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ لَهُ قَتْلُهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا : هُوَ الْعَفْوُ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَا فَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ خُصَمَاؤُهُ ، لِأَنَّهُ قَدْ وَتَرَ الْجَمِيعَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا وَجَبَ عَلَى الْكُلِّ شُكْرُهُ ، وَقِيلَ : كَانَ هَذَا مُخْتَصًّا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنِ اسْتَحَلَّ قَتْلَ وَاحِدٍ ، فَقَدِ اسْتَحَلَّ الْجَمِيعَ ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْعَ ، وَمَنْ حَرَّمَ دَمَ مُسْلِمٍ ، فَكَأَنَّمَا حَرَّمَ دِمَاءَ النَّاسِ جَمِيعًا ، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَابْنُ كَثِيرٍ ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذَا الْقَوْلَ الْأَخِيرَ ، وَعَزَاهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ أَحْيَاهَا ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَنْ حَرَّمَ قَتْلَهَا إِلَّا بِحَقٍّ حَيِيَ النَّاسُ مِنْهُ جَمِيعًا .

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِحْيَاؤُهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّرْكِ ، وَالْإِنْقَاذِ مِنْ هَلَكَةٍ ، وَإِلَّا فَالْإِحْيَاءُ حَقِيقَةً الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاعُ ، إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا الْإِحْيَاءُ ، كَقَوْلِ نَمْرُودَ لَعَنَهُ اللَّهُ : أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ 2 \ 258 ] ، فَسَمَّى التَّرْكَ إِحْيَاءً .

وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا الْآيَةَ ، اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا ، فَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْحَرُورِيَّةِ .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 1,259.76 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 1,258.09 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.13%)]