|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة الأنفال بأسلوب بسيط • الآية 1: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ ﴾: أي يسألك أصحابك أيها النبي عن الغنائم - يوم بَدْر - كيف تقسمها بينهم؟ ﴿ قُلِ ﴾ لهم: ﴿ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾: أي إنَّ أمْرَها إلى الله ورسوله، فالرسولُ يَتولى قِسمتها بأمْر ربه، وقد حَكَمَ اللهُ تعالى فيها بقولِهِ في هذه السورة: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ...) وسيأتي تفسير الآية. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بترْك العداوة والمخاصمة بسبب هذه الأموال، ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾: أي وأصلِحوا العلاقات التي تربط بعضكم ببعض - من المحبة والأخُوّة -، وصَفُّوا قلوبكم مِن كل حِقدٍ أو غِلّ نشأ بينكم بسبب هذه الغنائم ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. • الآية 2، والآية 3، والآية 4: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾ - أي أصحاب الإيمان الكامل - هم ﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي خافت قلوبهم، خاصةً عند ذِكر وعيدِ اللهِ تعالى ووعده (فإذا ذُكِرَ الوعيد بالعذاب: خافوا أن يُصيبهم العذاب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم، وإذا ذُكِرَ الوعد بالجنة: خافوا أن يُحرَموا منها إذا لم تُقبَل توبتهم وأعمالهم)، فعندئذٍ يُقلعون عن المعصية ويُكثِرونَ من الطاعة، ﴿ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ بسبب تَدَبُّرِهِم لمعاني الآيات، وبسبب تطبيقها عملياً في حياتهم، ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾: أي وعلى اللهِ وحده يعتمدون - هذا مع أخْذِهِم بالأسباب -، ولكنّ قلوبهم تتعلق بمُسَبب الأسباب وحده، المتصرف في كل شيء (فالجوارحُ تعمل والقلوبُ تتوكل)، وهم ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ أي يُداومون على أداءها - في أوقاتها - باطمئنانٍ وخشوع. • واعلم أنّ مِن أصْدَق الحِكَم التي قرأتُها: (إذا لم تكن تعيشُ سعيداً، فأنت لا تصلي جيداً، فهناك فرقٌ بين مَن يُصلي لِيَرتاحَ بها، وبين مَن يُصلي لِيَرتاحَ منها). ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ - من أنواع الأموال - ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾: أي يُخرِجون صَدَقة أموالهم الواجبة والمستحبة (وكذلك يُنفقون مِمَّا رزقهم اللهُ مِن عِلمٍ أو صِحَّةٍ أو سُلطة في خدمة المسلمين، فيُعَلِّمونَ الناس، ويَسعونَ في قضاء حوائجهم، وغير ذلك). ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المُتصفون بهذه الصفات ﴿ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ ظاهرًا وباطنًا، ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ أي منازل عالية ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم، ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو الجنة. • الآية 5، والآية 6: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ ﴾: يعني كما أنكم لمَّا اختلفتم في الغنائم: جعلَ اللهُ أمْرَ تقسيمها إليه، كذلك أمَرَكَ ربك - أيها النبي - بالخروج من "المدينةِ" ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالوحي الذي أتاك به جبريل بالحق، وذلك للقاء قافلة قريش المُحَمَّلة بالخير الكثير (جزاءً للمشركين على إخراجهم للمؤمنين من ديارهم، وعلى أخْذِهِم أموالهم بغير حق)، ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾: أي وذلك مع كراهة بعض المؤمنين للخروج، عندما علموا بخروج قريش لِقتالهم (دِفاعاً عن القافلة)، وهؤلاء ﴿ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ ﴾ أي في شأن القتال ﴿ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ ﴾ لهم أن القافلة قد نَجَتْ وأنه لابد من القتال، فتراهم ﴿ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴾ إليه بأعينهم، وذلك مِن شدة كراهيتهم لقتالٍ لم يَستعِدُّوا له. • الآية 7، والآية 8: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ ﴾: يعني واذكروا - أيها المجادلون - وَعْدَ اللهِ لكم بالفوز بأحَد الأمرين: القافلة وما تحمله مِن أرزاق، أو قتال الأعداء والانتصار عليهم، ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾: يعني وأنتم تحبون الفوز بالقافلة مِن غير قتال، ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ ﴾: أي ولكنّ اللهَ يريدُ أن يُظهِرَ الحقَّ بنصْر أوليائه وهزيمة أعدائه. • وقولُهُ تعالى: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾: أي بأمْرِهِ لكم بقتال الكفار، وبأمْرِهِ للملائكة بالقتال معكم، ﴿ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ﴾: أي ويريد سبحانه أن يَستأصل الكافرين بالهلاك، وذلك ﴿ لِيُحِقَّ الْحَقَّ ﴾: أي لِيَنصر الإسلامَ ويُعِزَّ أهله، ﴿ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ﴾: أي ويُذهِب الشِركَ ويُذلّ أهله، ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾: يعني ولو كَرِهَ المشركون ذلك. • الآية 9: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾: أي اذكروا نعمة الله عليكم يوم بدر، حين طلبتم مِن ربكم - بتضرُّعٍ - أن يَنصركم على عدوكم، ﴿ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ قائلاً ﴿ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ أي مُتتالِين، يَتْبَعُ بعضهم بعضًا. • الآية 10: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ ﴾: أي وما جعل اللهُ هذا الإمداد بالملائكة ﴿ إِلَّا بُشْرَى ﴾ لكم بالنصر ﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ ويَذهب منها القلق والاضطراب، وتوقنوا بنصر اللهِ لكم ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ﴾ لا يَغلبه أحد ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يَنصرُ مَن يَستحق النصر. • الآية 11: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ ﴾: أي اذكروا نعمة اللهِ عليكم يوم بدر، حين ألقى عليكم النُعاس ﴿ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾: أي أمانًا منه سبحانه، واطمئناناً لكم من الخوف الذي أصابكم لِكثرة عدوكم (فإنّ العبد إذا أصابه النُعاس: هدأ وثبت، فلا يخافُ ولا يَهرب). • ثم ذكَّرَهُم سبحانهُ بنعمةٍ أخرى يوم بدر، وهي أنه أنزل على مُعَسكَرِهِم مطراً غزيراً شربوا منه وتطهروا، وذلك بعد أن كانوا عِطاشاً، مُحدِثين (أي ناقضِينَ لِوضوءهم)، قال تعالى: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾، ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ﴾: يعني ولِيُزِيلَ عنكم وساوس الشيطان، فقد وسوس الشيطان لبعضهم قائلاً: (كيف تُنصَرون وأنتم مُحدِثين؟، وكيف تقاتلون وأنتم عِطاش؟)، ﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ﴾: يعني ولِيُطَمْئِنَ قلوبَكم بوجود الماء، لِكَوْنِكُم لا تخافونَ عطشاً أثناء القتال، ولِتزدادوا ثباتاً ويقيناً بأنّ اللهَ معكم (إذ أنزل المطر لِيُعِينَكم به على عدوكم)، ﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾: أي ويُثبِّتَ بالمطر أقدامكم، لأن المطر جعل الأرض الرملية - التي نزلتم بها - قويَّة متماسكة، حتى لا تغوص فيها الأقدام. • الآية 12: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ الذين أمَدَّ اللهُ بهم المسلمين في غزوة "بدر" ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ ﴾ بنَصْري وإعانتي، ﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾: أي فقوُّوا عزائم الذين آمنوا، ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ ﴿ فَاضْرِبُوا ﴾ المشركين ﴿ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ﴾ - وهو المكان الذي تُذبَح منه البَهيمة - ﴿ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ أي واضربوا أطراف أيْديهم وأرجُلِهِم، حتى لا يستطيعوا ضرباً بالسيف، ولا فِراراً بالأرجل. • الآية 13: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي حدث للكفار - مِن ضَرْب أعناقهم وأطرافهم؛ ﴿ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: أي بسبب مخالفتهم لأمر الله ورسوله، ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: يعني ومَن يُعادِي اللهَ ورسوله: ينتقم اللهُ منه ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾. • الآية 14: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العذاب الذي عجَّلتُهُ لكم أيها الكافرون يوم بدر ﴿ فَذُوقُوهُ ﴾ في الحياة الدنيا، ﴿ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ جميعاً ﴿ عَذَابَ النَّارِ ﴾ يوم القيامة. • الآية 15: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ أي زاحفين إليكم لِيُقاتلوكم ﴿ فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾: أي فلا تُعطوهم ظهوركم فِراراً منهم، ولكن اثبُتوا لهم، فإنّ الله معكم وناصركم عليهم. • الآية 16: ﴿ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ﴾: يعني والذي يَفِرّ منهم وقت المعركة لا يكونُ ﴿ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ ﴾: أي مُصطنِعاً لحيلةٍ وخِداع، ليتمكن مِن محاصرة الكفار وقتالهم، ﴿ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ﴾: يعني أو كانَ يريدُ بفراره الانضمام إلى جماعةٍ من المؤمنين وهي تقاتل، فيقاتل معها لِيُقوِّيها أو يَقوَى بها، فمَن لم يكن كذلك، وفرَّ من المعركةِ جُبناً من القتال وخوفاً من المشركين ﴿ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي رجع من المعركة مُستحقاً لغضبٍ من الله، ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ﴾ في الآخرةِ ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. • الآية 17: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ﴾: أي فلم تقتلوا المشركين يوم بدر ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ لأنه هو الذي أمركم بقتالهم وأعانكم على ذلك، ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾: يعني ولستَ أنتَ الذي أصبتَ في رَمْيتِكَ - أيها النبي - حين رميتَ حِفنة التراب على المشركين أثناء المعركة ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾: أي ولكنَّ اللهَ هو الذي أصاب، حيثُ أوصل تلك الرَمْيَة إلى أغلب عيون المشركين، فعَوَّقتْهم عن القتال وتسَبَّبتْ في هزيمتهم، ولو أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم تُرِكَ لِقوَّتِه، لَمَا وصلتْ الرَمْيَة إلى أعْيُن الصف الأول من المشركين المقاتلين. • وقد فعل اللهُ ذلك القتل بالمشركين، وأوصل تلك الرَمْيَة إلى أعينهم، لِيُذِلَّهم ويَكسر شَوكتهم ﴿ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ﴾: يعني ولِيَختبر صِدْق المؤمنين بالقتال، ويُنعِمَ عليهم بنصْرهم رغم قلة عددهم، ويُوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لدعائكم عندما استغثتم به أثناء المعركة ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بضَعْفِكم يومَها وحاجتكم إليه، فأعانكم ونَصَرَكم. • الآية 18: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ - أي هزيمة المشركين ونصْر المؤمنين يومَ بدر - كانَ بقدرة اللهِ تعالى، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ أي إنه سبحانهُ سيُضعِفُ مَكْرَ الكافرين - في كل وقت - حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يَهلكوا على شِركهم. • الآية 19، والآية 20، والآية 21: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ﴾: يعني إنْ تطلبوا - أيها المشركون - مِن اللهِ أن يُوقِعَ عذابه على أهل الباطل - كما طلبتم ذلك يوم بدر: ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ﴾: أي فقد أجابَ اللهُ طلبكم، حينَ أوقعَ بكم مِن عقابه ما كانَ عبرةً للمتقين، ﴿ وَإِنْ تَنْتَهُوا ﴾ عن الكُفر بالله ورسوله، وعن قِتال النبي وأصحابه، وتُسلِموا للهِ تعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ في دُنياكم وأُخراكم، ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا ﴾ إلى قتال المؤمنين، وإلى طلب النَصر لِمَن على الحق في الفريقين: ﴿ نَعُدْ ﴾ في نَصْر المؤمنين عليكم، ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ﴾: أي ولن يَدفع عنكم أعوانكم وأنصاركم شيئًا من العقاب، كما لم يَدفعوهُ عنكم يوم بدر، رغم كثرة عددكم وسلاحكم، ورغم قلة عدد المؤمنين وسلاحهم. • هذا ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بنصره وتأييده، فلن يتخلى عنهم ما داموا مستقيمين على طاعة الله ورسوله، ولهذا قال بعدها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ ﴿ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ ﴾: أي ولا تُعرضوا عن هذا الأمر - وهو طاعة اللّه ورسوله - ﴿ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ ما يُتلَى عليكم مِن الحُجَج والبراهين في القرآن. • إذ نَصْرُكُم - أيها المؤمنون في بدر - كانَ ثمرةً لإيمانكم وطاعتكم، فإنْ أعرضتم وعصيتم: لَأصبحتم كغيركم من أهل الإعراض والعِصيان، (ولذلك كانت هزيمة المسلمين في "أُحُد" - بعد أن كان الانتصار لهم في بداية المعركة - عقوبةً مِن اللهِ تعالى لهم بسبب معصيتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم). ﴿ وَلَا تَكُونُوا ﴾ في مخالفة أوامر الله ورسوله ﴿ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ وهم المشركون والمنافون الذين إذا سمعوا كتاب الله يُتلَى عليهم قالوا: سمعنا بآذاننا، وهم في الحقيقة لا يتدبرون ما سَمِعوا، ولا يَتفكَّرون فيه لِيعتبروا، لِذا فهُم في سَماعهم كمن لم يَسمع، إذ العِبرةُ من السَماع: التفكُّر والانتفاع. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأخير من سورة الأنفال كاملا بأسلوب بسيط • الآية 59، والآية 60: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ - وهم الذين نَجَوا من القتل في غزوة بدر - أنهم ﴿ سَبَقُوا ﴾: أي نجَوْا مِن عذاب الله، ﴿ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ﴾ اللهَ بحال، وإنهم لن يُفْلِتوا مِن عذابِهِ أبداً. • وبعد انتهاء معركة بدر وهزيمة المشركين فيها، عادَ أبو سُفيان ومَن معه إلى مكة وكلهم غيظٌ على المؤمنين، فأخذوا يستعدون للانتقام، ولذلك أمَرَ اللهُ رسوله والمؤمنين بإعداد القوة وبَذل ما في الوسع والطاقة، فقال لهم: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ في العدد والسلاح والتدريب، وغير ذلك مما فيه زيادة للقوة البدنية والعِلمية للمجاهدين، ﴿ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ - هذا أمرٌ مِن اللهِ لهم بأن يَربطوا خيولهم ويَحبسوها أمام بيوتهم، لتكون مُعَدّة للجهاد عليها (ومِن ذلك أيضاً: الاستعداد بكل ما يُركَب أثناء القتال من المُعِدَّات الحديثة (البرية والهوائية))، ﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾: أي واعلموا أن هذا الاستعداد تُدْخِلون به الخوف في قلوب أعداء اللهِ وأعدائكم، حتى لا يُفكِّروا في غزو المسلمين وقتالهم، ﴿ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ﴾: أي ولِتخيفوا أيضاً آخرين لا تظهر لكم عداوتهم الآن، ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ ويعلم ما يُخفونه لكم في صدورهم. ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي لتقوية المسلمين على جهاد الكفار: ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾: أي يُخلِفه اللهُ عليكم في الدنيا، ويَدَّخِر ثوابه لكم إلى يوم القيامة، ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾: يعني وأنتم لا تُنْقَصون مِن أجر ذلك شيئًا. • الآية 61، والآية 62، والآية 63: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ﴾: يعني وإن مالَ أعدائكم إلى ترْك الحرب ورَغِبوا في مُسالَمَتِكم والصُلح معكم: ﴿ فَاجْنَحْ لَهَا ﴾: أي فمِلْ - أيها النبي- إلى تلك المُسالَمة، طالما أنهم رَغِبوا فيها بصِدق، لأنك رسولُ رحمة لا رسول عذاب، ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ أي فَوِّض أمْرَك إليه وثِق به وحده، لِيَكفيك شرَّهم ويَنصرك عليهم ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لأقوالهم ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بنيَّاتهم. ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ ﴾ بإظهار المَيْل إلى السلم - وهم في نِيَّتهم الغدر بك - فامضِ في صُلحِك ولا تَخَف منهم ﴿ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ﴾: يعني فإنّ اللهَ سيَكفيك خِداعهم ومَكرهم؛ إنه ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي أنزل عليك نصْره، وقوَّاك بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾: أي وجَمَعَ بين قلوب الأنصار بعدما كانت متنافرة يُعادي بعضهم بعضاً، وتقوم بينهم الحروب لأتفه الأسباب، ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ﴾: يعني لو أنفقتَ - أيها النبي- مالَ الدنيا لِتجمع قلوبهم، ما استطعتَ إلى ذلك سبيلاً، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾ بأنْ جَمَعهم على الإيمان فأصبحوا إخوةً مُتحابين، ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي غالبٌ على أمره، إذا أراد شيئاً، قال له: (كن فيكون)، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في فِعله وتدبير أمور خلقه. • الآية 64: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني إن الله كافيك - وكافي الذين معك من المؤمنين - شرَّ أعدائكم. • الآية 65، والآية 66، والآية 67: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ ﴾ أي حُثَّ ﴿ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾، وأخبِرْهم بأنه: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ عند لقاء العدو (لا يَضعُفون ولا يَجبُنون، بل يَثبُتون ويُقاتلون)، فإنهم ﴿ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ منهم، ﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ ﴾ مجاهدة صابرة: ﴿ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، ذلك ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾: أي لأن الكافرين قومٌ لا عِلْمَ لهم - ولا فَهْم - لِمَا أعدَّهُ اللهُ في الجنةِ للمجاهدين في سبيله، فهم يقاتلون فقط من أجل العُلُوّ في الأرض والفساد فيها، فلذلك هم لا يَصبرون على القتال، لأنهم إذا خافوا على حياتهم: تركوا القتال طلباً للحياة، أما أنتم فتفهمون المقصود من القتال، وهو إعلاء كلمة اللّهِ تعالى وإظهار دينه، وحصول الفوز الأكبر عند اللّه، فلذلك يجب أن تصبروا. • ولَمَّا شَقَّ على المؤمنين ثبات العشرة أمام المائة، والعشرين أمام المائتين، والمائة أمام الألف، خفّف اللهُ عنهم ذلك الحُكم بقوله: ﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ﴾: أي وذلك التخفيف بسبب ما يَعلمه سبحانه فيكم مِن الضَعف، ﴿ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ من الكافرين، ﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ﴾ منهم ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي بمعونته، إذ لا نَصْرَ إلاَّ بعَوْنٍ من الله تعالى، ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ بتأييده ونصره. • واعلم أن هذه الآية تحمل وعداً من الله تعالى للمؤمنين بأنهم إذا بلغوا هذا العدد المُحَدَّد في الآية، فإنهم سيَغلبون ذلك العدد المُحَدَّد من الكفار (وهو أن الواحد من المؤمنين يَغلب اثنين من الكفار)، بشرط أن يَصبروا ويَثبُتوا أمام الأعداء، وفي هذا تقويةٌ لقلوب المؤمنين، وبشارةٌ لهم بالنصر، إذا حققوا الشروط الإيمانية والمادية. • ثم عاتبَ اللهُ نبيَّه والمسلمين عندما أخذوا الفِداءمن أسْرَى بدر مقابل إطلاق سَراحهم، فقال لهم: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ﴾ مِن أعدائه الكفار ﴿ حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ﴾: أي حتى يَقتل جميع الأسْرَى، ولا يُبقِي مُشرِكاً في ساحة المعركة، لِيُدخل بذلك الرعب في قلوب المشركين في أنحاء الأرض، لِيَكُفوا عن شَرِّهم وتَضعُف قوَّتهم. • فما دامَ للمشركين شَرٌّ وقوَّة، فالأوْلَى ألاَّ يُؤسَروا، فإذا بَطُلَ شرُّهم وضَعُفتْ قوَّتهم: جازَ للمسلمين الإبقاء على الأسرى أحياءً، لِيَمُنُّوا عليهم بلا مقابل أو لِيُفادوهم بالمال، ﴿ تُرِيدُونَ ﴾ يا معشر المسلمين - بأخْذكم الفداء من أسرى "بدر" - ﴿ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ أي المال (لأنه عارِض ويزول فلا يَبقى)، ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ﴾: يعني واللهُ يريد لكم النعيم الباقي في الآخرة إذا أظهرتم دينه، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ يَنصر مَن توكل عليه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في شرعه وتدبيره، فاطلبوا أيها المؤمنون رضاهُ بتَرْكَ ما تريده أنفسكم لِمَا يريد هو سبحانه. • واعلم أن هذا العتاب لم يَنَل عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، لأنهما كانا يريدان قتل الأسرَى وعدم أخْذ الفداء منهم. • الآية 68، والآية 69: ﴿ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾: يعني لولا ما كَتبه اللهُ وقدَّره بإباحة الغنائم وفِداء الأسرى لهذه الأُمَّة: ﴿ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾: أي لَأصابكم عذابٌ عظيم بسبب أخْذِكم الفداء قبل أن ينزل بشأنِهِ تشريع. • ثم أذِنَ اللهُ تعالى لأهل بدر أن يأكلوا من الغنائم وفداء الأسرى، فقال لهم: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بالمحافظة على أحكام دينه وتشريعاته ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ حيثُ غفر لكم ما وقع منكم، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بكم، حيثُ أباحَ لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيباً، وفي الحديث الصحيح: (لعلَّ اللهَ قد اطَّلعَ على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم). • الآية 70: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى ﴾ الذين دفعوا المال فِداءً لهم من الأسر: لا تحزنوا على الفداء الذي أُخِذَ منكم، لأنه ﴿ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا ﴾ أي إيماناً صادقاً وإسلاماً حقيقياً: ﴿ يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ﴾ من المال، بأن يُيَسِّر لكم من فضله خيرًا كثيرًا ﴿ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ذنوبكم، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لذنوب عباده التائبين، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم حيثُ قَبِلَ توبتهم وأعانهم عليها. • واعلم أنّ هذه الآية قد نزلتْ في العباس - عم رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأنه بعد أن وقع في الأسْر، أسلَمَ وأظهَر إسلامه، ثم طلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يَرُدَّ عليه ما أُخِذَ منه مِن فدية، فرفض الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل اللهُ هذه الآية وأوْفَى بوعده للعباس رضي الله عنه، ففي صحيح مسلم أنه لَمَّا قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم مالٌ من البحرين، قال له العباس: (إني فادَيْتُ نفسي - أي مِن الأسر - وفادَيْتُ عُقَيْلاً)، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (خُذ)، فبَسَطَ العباس ثوبه وأخذ ما استطاع أن يَحمله، وقال: (هذا خيرٌ مما أُخِذَ مِنِّي، وأنا أرجو أن يَغفر اللهُ لي). • الآية 71: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ ﴾: يعني وإن يُرِدْ هؤلاء - الذين أَطْلَقْتَ سَراحهم - أن يَخونوك، بأن يُظهروا إسلامهم لك، ثم إذا عادوا إلى ديارهم، عادوا إلى كُفرهم، فلا تهتم بهم ولا تخَف مِن كَيدهم ﴿ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي مِن قبل وقوعهم في الأسر، وذلك بكُفرهم في مكة ومحاربتك ﴿ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ﴾ المؤمنين، وجعلهم في قبضتهم، فقتلوهم وأسَرُوهم، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بنِيَّات هؤلاء الأسرى، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فيما يَحكمُ به عليهم، ألاَ فلْيَتقوه سبحانه، ولْيَصدقوا في إسلامهم، فإنّ ذلك خيرٌ لهم. • الآية 72: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا ﴾ من دار الكُفر إلى دار الإسلام - أو إلى بلدٍ يتمكنون فيه من عبادة ربهم - ﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي مِن أجل أن يُعبَدَ اللهُ وحده ولا يُعبَد معه غيره، ﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا ﴾: يعني وكذلك الأنصار الذين أنزلوا الرسول والمهاجرين في ديارهم، وأعطوهم مِن أموالهم، ﴿ وَنَصَرُوا ﴾ دين الله تعالى ﴿ أُولَئِكَ ﴾ - أي المهاجرون والأنصار - ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾: أي بعضهم نُصَراءُ بعض. • فهذا هو الصِنف الأول من المؤمنين - وهم المهاجرون والأنصار - أكْمَلُ المؤمنينَ وأعلاهم درجة، وأما الصِنف الثاني من المؤمنين فهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ أي باللهِ ورسوله والدار الآخرة، ولكنهم رَضُوا بالبقاء بين الكافرين ﴿ وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ من دار الكُفر ويَلتحقوا بالمسلمين في "المدينة"، فهؤلاء ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾: يعني لستم مُكَلَّفين بحمايتهم ونُصرَتهم ﴿ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾، ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾: يعني وإن قوتِلوا وظُلِموا مِن أجل دينهم فطلبوا نُصْرَتكم: ﴿ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾: أي فعليكم نَصْرَهم والقتال معهم (وأما إن قوتِلوا بسبب أمْرٍ من الأمور الدُنيوية، فليس عليكم نَصْرهم طالما أنهم لم يهاجروا). • ثم اشترط تعالى شرطاً لِنُصْرتهم، وهو: ﴿ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾: يعني وإن كان المؤمنون - الذين لم يهاجرو - يقاتلون قوماً بينكم وبينهم مُعاهدة سِلم، ولم يَنقضوا عهدهم معكم، فعليكم أن توفوا بعهدكم ولا تقاتلوهم، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ هذا تحذيرٌ للمسلمين لِئَلاّ يَحملهم العطف على المسلمين على أن يقاتلوا قوماً بينهم وبينهم ميثاق. • الآية 73: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ أي بعضهم نُصَراءُ بعض، ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾: يعني وإن لم تكونوا - أيها المؤمنون - نُصراءَ بعض: ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي صدٌ للمسلمين عن دينهم، ﴿ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ بانتشار الشرك والفساد في الأرض، وتقوية ركائز الكفر. • الآية 74، والآية 75: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ هذا هو الصِنف الأول من المؤمنين، أعادَ اللهُ ذِكْرَهُ لِيَذكُر له جزاءه، فقال: ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم بسِترها وعدم المؤاخذة عليها، ﴿ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ وهو نعيم الجنة، في جوار ربهم سبحانه وتعالى. • ثم ذكَرَ تعالى الصِنف الثالث من أصناف المؤمنين بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ ﴾ أي مِن بعد الهجرة، ﴿ وَهَاجَرُوا ﴾ إلى المدينة بعد صُلْح الحُدَيْبِيَة، ﴿ وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ﴾ في سبيل الله، ﴿ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ﴾ أيها المؤمنون، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. • فهذه النُصرة الإيمانية كانَ لها شأنٌ عظيم، حتى إنّ النبي صلى الله عليه وسلم آخَى بين المهاجرين والأنصار أُخُوَّةً خاصة - غير الأُخُوّة الإيمانية العامَّة - حتى كانوا يتوارثون بها، فنسَخَ اللّهُ ذلك بقوله: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ ﴾ أي وأصحابُ القرابة ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ في التوارث مِن عامَّة المسلمين، وذلك ﴿ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ أي في حُكمِ اللهِ تعالى وشَرْعِه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إذ يَعلمُ سبحانه ما يُصلِحُ عبادهُ مِن توريث بعضهم مِن بعض في القرابة والنسب، دونَ التوارث بالحِلف والنُصرة، وغير ذلك مما كان في أول الإسلام. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع السادس من سورة التوبة كاملا بأسلوب بسيط الآية 75، والآية 76، والآية 77: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾: أي ومِن فقراء المنافقين ﴿ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ فقال: ﴿ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ﴾: أي لئن أعطانا اللهُ مالاً كثيراً لَنَتصدَّقنَّ منه ﴿ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾: أي ولَنعمَلنَّ مِثل ما يَعمل الصالحون في أموالهم، ولَنَسيرَنَّ في طريق الصلاح، ﴿ فَلَمَّا آَتَاهُمْ ﴾: أي فلَمَّا أعطاهم اللهُ ﴿ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ ﴾ أي لم يُؤدوا زكاة هذا المال، وبَخِلوا بإنفاقه في الخير، ﴿ وَتَوَلَّوْا ﴾: أي وأعرضوا عن الإسلام، ﴿ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ﴾: يعني وَهُم دائمًا مُعرضون عن الحق، غير مُلتفتين إلى ما يَنفعهم. فلَمَّا لم يَفوا بما عاهَدوا اللّهَ عليه، عاقبهم سبحانه ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾: أي فجعل عاقبة فِعلهم أَنْ زادهم نفاقًا على نفاقهم، وجعل النفاق مُلازِماً لقلوبهم لا يُفارقها ﴿ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ﴾ سبحانه، وذلك ﴿ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾: أي بسبب إخلافهم الوعد الذي قطعوه على أنفسهم، وبسبب نفاقهم وكَذِبهم. فليَحذر المؤمن من هذه الصفة القبيحة، وهي أن يُعاهد ربه بأنه إن حصل شيئاً يَتمناه: لَيَفعلنَّ كذا وكذا، ثم لا يَفي بذلك (وعلى مَن وقع في ذلك أن يُسارِع إلى التوبة، حتى لا يُعاقِبَهُ اللهُ بالنفاق كما عاقب هؤلاء). الآية 78، والآية 79، والآية 80: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا ﴾: يعني ألم يَعلم هؤلاء المنافقون ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ ﴾ أي يَعلم ما يُخفونه في أنفسهم وما يَتحدثون به في مجالسهم من الكيد للمسلمين ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾؟ وأنه سبحانه سوف يُجازيهم على أعمالهم الخبيثة؟ ورغم بُخل المنافقين: فإنّ المُتصدقين لا يَسلَمون مِن أذاهم، ولذلك أخبر سبحانه بأن هؤلاء المنافقين هم ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ﴾: أي يَعيبون على الأغنياء إذا تصدقوا بالمال الكثير ويَتهمونهم بالرياء، ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ﴾: يعني وكذلك إذا تصدق الفقراء بما يَقدرون عليه: سَخِروا منهم، وقالوا: (ماذا تنفع صدقتهم هذه؟)، ﴿ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ﴾ أي من هؤلاء المنافقين ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. واعلم أن كلمة (الْمُطَّوِّعِينَ) أصلها: (المُتطوعين)، ولكنْ أُدْغِمَتْ التاء في الطاء لِقُرْب مَخرَجَيْهِما، (والمُتطوعون: هم الذين يفعلون الشيء تبرُّعاً منهم مِن غير أن يَجب عليهم). ولَمَّا نزلت هذه الآيات الفاضحة للمنافقين، جاء بعضهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يَطلبون منه أن يَستغفر لهم، فاستغفر لهم الرسول رحمةً بهم، فأعْلَمَهُ ربّه أنّ استغفاره لهؤلاء المنافقين لا يَنفعهم، وذلك لإصرارهم على الكُفر والنفاق، فقال تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ﴿ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾: يعني مَهما كَثُرَ استغفارك لهم وتَكَرَّر: ﴿ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ وهذا السبب كافي في عدم المغفرة لهم، لأنهم كفروا ولم يتوبوا مِن كُفرهم، والكافر مُخَلَّد في النار عِياذاً بالله تعالى، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾. الآية 81، والآية 82: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ﴾ الذين تخلفوا عن الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وَسُرّوا ﴿ بِمَقْعَدِهِمْ ﴾ أي بقعودهم في "المدينة" ﴿ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾: أي فرحوا بمخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا ﴾ معه ﴿ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ - وذلك في غزوة "تَبُوك" (التي كانت في شدة الحرِّ) -، ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ﴾: أي وقال بعضهم لبعض: (لا تخرجوا للجهاد في هذا الحرِّ الشديد)، ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ﴾ أي لو كانوا يَفهمون (فإذا كانوا يخافون من الحر، فلماذا لا يَخرجون في سبيل الله حتى يَتَّقوا حر جهنم؟!). ﴿ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ﴾ في حياتهم الدنيا بما يَحصل لهم من المَسَرّات، ﴿ وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ﴾ في نار جهنم (لِمَا يُصيبهم من العذاب، وتَحَسُّراً على حِرمانهم من النعيم)، وذلك ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ في الدنيا من الشر والفساد. واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واللهِ لو تعلمون ما أعلم لضَحِكتم قليلاً ولَبَكَيْتم كثيراً، ولَخَرَجتم إلى الصُّعُدات - أي إلى الطُرُقات - تَجأرون إلى اللهِ تعالى) (أي تتضرعون إليه بالدعاء ليَدفع عنكم العذاب) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 5262 ). الآية 83: ﴿ فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ ﴾ - أيها الرسول - مِن غَزْوَتِك ﴿ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ ﴾: أي إلى جماعةٍ من المنافقين المُصِرّين على نفاقهم ﴿ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ ﴾ معك إلى غزوةٍ أخرى بعد غزوة "تَبُوك" ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم: ﴿ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا ﴾ في غزوةٍ من الغزوات ﴿ وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ﴾ من الأعداء; ﴿ إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ﴿ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ ﴾ من النساء والأطفال (فهذا القول يُعَظِّم حَسْرتهم، ويَحمل لهم سَبَّاً وعَيباً جزاءَ تَخَلُّفِهم عن الجهاد). الآية 84، والآية 85: ﴿ وَلَا تُصَلِّ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴾ أي من المنافقين ﴿ مَاتَ أَبَدًا ﴾ ﴿ وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ لِتَتَوَلَّى دَفْنَهُ وتدعو له بالرحمة والمغفرة وبالتثبيت عند السؤال كما تفعل مع المؤمنين، والسبب في ذلك: ﴿ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ ﴾ ولا تظن أنّ اللهَ قد أعطاهم ذلك كرامةً لهم فيكون ذلك سبباً في أن تُصَلِّي عليهم ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا ﴾ وذلك بالهَمّ في تحصيلها، وبالمصائب التي تقع فيها (مع عدم صَبْرِهِم على تلك المصائب، فهم لا يَحتسبونَ الأجرَ عند الله). ﴿ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾: أي ويريد سبحانه أن تخرج أرواحهم فيموتوا على كُفرهم، لِيَنتقلوا إلى عذابٍ أبدي لا يخرجون منه، عقوبةً لهم على إصرارهم وعِنادهم مِن بعد ما تَبَيَّنَ لهم الحق. الآية 86، والآية 87: ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ على محمد صلى الله عليه وسلم تأمر الناس بـ ﴿ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ وأخلِصوا له العبادة ﴿ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ ﴾ فإنك تَجِدُ المنافقين وقد ﴿ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ ﴾: أي استأذنك الأغنياء منهم في التخلف عن الجهاد ﴿ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ أي اتركنا مع القاعدين العاجزين عن الخروج، ﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ ﴾: أي لقد رَضِيَ هؤلاء الجُبَناء لأنفسهم بالعار، وهو أن يَقعدوا في البيوت مع النساء والصبيان وأصحاب الأعذار، ﴿ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾: أي وختم اللهُ على قلوبهم; بسبب نفاقهم وتخلفهم عن الجهادِ ﴿ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ ما فيه رُشدهم وصَلاحهم. الآية 88، والآية 89: ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ ﴿ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ﴾ أي لهم النصر والغنيمة في الدنيا، ولهم الجنة في الآخرة، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ الفائزون برضا اللهِ تعالى، وقد ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ ﴾ أي حدائق وبساتين عجيبة المَنظر ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. الآية 90: ﴿ وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ ﴾: أي وجاء جماعة من سُكَّان البادية (وهم البَدْو الذين كانوا يعيشون حول "المدينة") فجاءوا يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويُبَيِّنونَ له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج للجهاد ﴿ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ﴾ في القعود (وقد يكونون معذورين حقاً، وقد لا يكونون كذلك). ﴿ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: أي وقعد قومٌ آخرون بغير عُذرٍ (وهؤلاء هم مُنافقوا الأعراب الذين ادّعَوا الإيمان بالله ورسوله، وما هم بمؤمنين، بل هم كافرون منافقون)، ولذلك قال تعالى فيهم: ﴿ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾. واعلم أن لفظ: (المُعَذِّرون) معناه المُعتذرون، فأُدغِمَتْ التاء في الذال فصارت: (المُعَذِّرون)، وهذا اللفظ يَصِحّ أن يكون المُراد به: (المعتذرون لأسبابٍ صحيحة)، ويَصِحّ أن يكون المُراد به: (الذين لا عُذرَ لهم ولكنهم يعتذرون بأعذارٍ كاذبة)، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، أنّ اللفظ الواحد منه يَحتمل أكثر مِن معنى. الآية 91: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى ﴾ الفقراء ﴿ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ ﴾: أي الذين لا يَملكون المال الذي يَتجهزون به للخروج، فليس على هؤلاء ﴿ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾: أي ليس عليهم إثم في التخلف إذا صَدَقوا في إيمانهم بالله ورسوله، وأخلَصوا النَيّة للهِ تعالى بأنهم لو قَدَروا لَجَاهَدوا (إذ النُصح: هو إخلاص العمل من الغِش)، وكذلك إذا نصحوا المسلمين القادرين (وذلك بترغيبهم في الجهاد وتشجيعهم عليه). ﴿ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ﴾: أي ليس على المحسنين - الذين مَنَعَهم العذر - مِن طريقٍ إلى مؤاخذتهم وعقابهم، لأنهم صَدَقوا في اعتذارهم، وسَعَوا فيما يُرضِي اللهَ ورسوله وفيما يَنفع المسلمين، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ومِن مَغفرتِهِ سبحانه ورحمته أنه عفا عن العاجزين، وأثابهم بنيّتهم ثواب القادرين الفاعلين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم في غزوة "تَبُوك": (لقد تَرَكتم بالمدينةِ أقواماً ما سِرتم مَسيراً، ولا أنفقتم مِن نفقةٍ، ولا قطعتم مِن وادٍ إلاّ وهُم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟! قال: حَبَسهم العُذر" (انظر صحيح سنن أبي داوود: ج 3 /12). وفي هذا دليلٌ على ما كان عليه الصحابة مِن الإيمان واليقين والسمع والطاعة والمحبة والولاء ورقة القلوب وصفاء الأرواح، فاللهم إنا نحبهم بِحُبِّكَ لهم، فاجمعنا معهم في جنتك ودار كرامتك. الآية 92: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾: يعني وكذلك لا إثم على الذين إذا ما جاؤوك يَطلبونَ منك أن تُعِينهم بحَمْلِهم إلى الجهاد ﴿ قُلْتَ ﴾ لهم: ﴿ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ من الدَوَابِّ، فحِينَها ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ أي انصرفوا إلى بيوتهم ﴿ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ﴾ أي تسيل دموعهم أسفًا على ما فاتهم من شرف الجهاد وثوابه; ﴿ أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ أي لأنهم لم يجدوا ما يُنفِقون، ولم يَجدوا ما يَحملهم للخروج في سبيل الله. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" ( بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري ) ( بتصرف )، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: ( مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية )، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه ( بَلاغةً )، حتى نفهم لغة القرآن.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |