|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام (2) 18 - إثبات يوم القيامة، والردُّ على من أنكَرَ البعث والمعاد الجسمانيَّ، والتأكيد على أنه محقَّق الوقوع؛ ولهذا جعله عز وجل كالموجود القائم في الحال، فقال: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4]، وخصَّه بالذكر مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة معًا؛ لانقطاع أملاك الخلائق كلِّها في ذلك اليوم، ولِعِظَمِ ذلك اليوم، كما قال تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ï´¾ [البروج: 2]. 19 - يؤخذ من قوله تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ الدلالةُ على أن المُلك الحقيقيَّ لله جل وعلا يظهر في ذلك اليوم؛ إذ تنقطع جميع الأملاك سوى ملكه جل وعلا، وأن كل ملك دون ذلك الملك فهو حقير زائل، وأن الدنيا بما فيها من أملاك لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، وأنها بما فيها من أيام لا تُعَدُّ شيئًا بالنسبة ليوم الدين يوم القيامة، كما قال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ï´¾ [الفرقان: 26]، وقال تعالى: ï´؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ï´¾ [غافر: 16]، وقال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ï´¾ [النبأ: 39]. 20 - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل؛ لقوله تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، والدين معناه الجزاء بالعدل؛ أي: كما تدين تدان، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ، كما قال تعالى: ï´؟ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ï´¾ [الزلزلة: 7، 8]. 21 - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها؛ لأن المجازاة عليها تقتضي ذلك؛ إذ كيف يُدانُ عليها ويُجازى إلا بعد إحصائها، كما قال تعالى: ï´؟ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ï´¾ [ق: 18]، وقال تعالى: ï´؟ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ï´¾ [الانفطار: 9 - 12]. 22 - الحثُّ على الاستعداد ليوم الدِّين بالإيمان والعمل الصالح، والتحذير من الكفر والمعاصي. 23 - في تقديم قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ على قوله: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ إشارةٌ إلى أن رحمته تعالى سبقَتْ غضَبَه، كما جاء في الحديث: ((إن رحمتي سبقت غضبي))[1] ، يؤيِّد ذلك تكرار ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في البسملة والفاتحة. وهذا مما يبعث في قلب المؤمن الطُّمأنينةَ، فيلهج بالحمد والثناء لربِّه الرحمن الرحيم. وعلى هذا؛ فينبغي للعلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله أن يقدِّموا للناس الترغيب برحمة الله والتبشيرَ بها قبل الترهيب من عقوبته، بل ينبغي أن يعطى الكلام عن رحمة الله عنايةً أكثر؛ لأن رحمته تعالى سبقت غضبه، لكن لا يُنسى الترهيب من عقوبته، ولكل مقامٍ مقال. 24 - الجمع بين الترغيب والترهيب؛ يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، فهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، وهذا ترهيب، كما قال تعالى: ï´؟ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ï´¾ [الحجر: 49، 50]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 167]، وقال تعالى: ï´؟ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ï´¾ [غافر: 3]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم المؤمنُ ما عند الله من العقوبة، ما طَمِعَ بجنَّتِه أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنَطَ من جنَّتِه أحدٌ))[2]. والغرض من الترغيب والترهيب في القرآن والسُّنة أن يَسيرَ المسلم إلى ربِّه بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء، فلا يُغلِّب جانبَ أحدهما على الآخَر فيَهلِك، فيكون الخوف والرجاء له كجناحَي الطائر، وإنْ غلَّب الخوف في حال الصحة، أو عند مقارفة المعصية، فحسَنٌ، وكذا إنْ غلَّب جانب الرجاء في حال المرض، وعند فعل الطاعة، فهذا حسن أيضًا. 25 - في قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ ï´¾ ردٌّ على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله؛ لأن هذا خطاب لموجود، بل لموجود حاضر[3] بعلمه وإحاطته مع كل المخلوقات، كما قال تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ï´¾ [المجادلة: 7]، وهو مع عباده المتقين بعونه ونصره وتأييده، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ï´¾ [النحل: 128]. 26 - في قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] بعد الآيات قبله: انتقالٌ من الغَيبة إلى الخِطاب؛ لأجل تنبيه القارئ والمستمع، وهذا يدل على أنه يحسُنُ الانتقال في الكلام أحيانًا والالتفات فيه؛ لأجل تنبيه القارئ والمستمع، كما أنه أبعَثُ على النشاط، وأدعى للإصغاء. 27 - دل قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] على إثبات نوع من أنواع العبودية، وهي العبودية الخاصة، وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأوامر[4]، كما قال تعالى: ï´؟ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ï´¾ [الزخرف: 68، 69]، وقال تعالى: ï´؟ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ï´¾ [الزمر: 17، 18]، وقال تعالى: ï´؟ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ï´¾ [الفرقان: 63]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ï´¾ [الحجر: 42]، وقال تعالى عن إبليس: ï´؟ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ï´¾ [الحجر: 39، 40]. فهؤلاء أهل طاعته تعالى وولايته، وهم عبيد إلهيَّتِه، الذين خضعوا له وذَلُّوا طوعًا واختيارًا لأمره ونهيه، ولا يجيء في القرآن إضافةُ العباد إليه تعالى مطلقًا إلا لهؤلاء. وهم ومن عداهم من الخلق يجتمعون في العبودية العامة: عبودية الربوبية: الخلق والمُلك والتدبير والقهر والخضوع له قهرًا ورغمًا، فهذه تشمل المؤمن والكافر؛ قال تعالى: ï´؟ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ï´¾ [مريم: 93]، وقال تعالى: ï´؟ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ï´¾ [الفرقان: 17]، فسمَّاهم عباده مع ضلالهم تسميةً مقيَّدة بالإشارة. وقال تعالى: ï´؟ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ï´¾ [الزمر: 46]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ï´¾ [غافر: 31]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ï´¾ [غافر: 48]. وقد ذكر ابن القيم[5] مراتب ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ علمًا وعملًا، فقال: "فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدِينه. فأما العلم به سبحانه، فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته، وأفعاله، وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به. والعلم بدينه مرتبتان: إحداهما: دينه الأمريُّ الشرعي، وهو الصراط المستقيم الموصِّل إليه. والثانية: دينه الجزائيُّ، المتضمِّن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العِلمُ بملائكته وكتبه ورسله. وأما مراتبها العملية، فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقرَّبين. فأما مرتبة أصحاب اليمين، فأداء الواجبات، وترك المحرَّمات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات. وأما مرتبة المقرَّبين: فالقيام بالواجبات والمندوبات، وترك المحرَّمات والمكروهات، زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورِّعين عما يخافون ضرره، وخاصَّتُهم قد انقلبت المباحات في حقِّهم طاعاتٍ وقُرُبات بالنيَّة، فليس في حقِّهم مباحٌ مساوي الطرفين، بل كل أعمالهم راجحة، ومَن دونهم يترك المباحات مشتغلًا عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجاتٌ لا يحصيها إلا الله". كما ذكر ابن القيم[6] أن لأهل مقام ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ - وهم أهل هذه العبودية الخاصة - في أفضل العبادة وأنفعها طرقًا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف: صنف عندهم أنفع العبادات وأفضلها أعظمُها مشقةً على النفوس، قالوا: والأجر على قدر المشقة. والصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرُّدُ والزهد في الدنيا، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها. والصنف الثالث: رأَوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما فيه نفعٌ متعدٍّ؛ كخدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس. والصنف الرابع: قالوا: أفضل العبادة العملُ على مرضاة الربِّ في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإنْ آلَ إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام الصلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف القيامُ بحقِّه والاشتغال به عن الورد المستحب، والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهادُ في التضرع والدعاء والذِّكر دون الصوم المُضعِف عن ذلك. ثم ذكر رحمه الله[7] اختلاف الناس في حكمة العبادة وفائدتها، وأنهم في ذلك أربعة أصناف أيضًا: الصنف الأول: نفاة الحِكَم والتعليل، الذين يرُدُّون الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة. والصنف الثاني: القدَريَّةُ النُّفاة، الذين يُثبِتون نوعًا من الحكمة والتعليل، لكنه لا يقوم بالربِّ ولا يرجع إليه، بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته، فعندهم أن العبادات شُرِعت أثمانًا لما يناله العبدُ من الثواب العظيم كأجرة الأجير. والصنف الثالث: زعموا أن حكمة العبادة ومصلحتها رياضةُ النفوس؛ كبعض الصوفية والفلاسفة. والصنف الرابع: الطائفة الإبراهيمية المحمدية، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه، وأهل البصائر في عبادته ومراده بها. 28 - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقادًا وقولًا وعملًا، والبراءة من الشرك ووسائله، ومن الحول والقوة؛ لقوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، ففي تقديم المفعول في الموضعين وفي تكراره، مع ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾: ما يؤكد تخصيصه جل وعلا بالعبادة والاستعانة، والدعوة إلى عبادة الله وتخصيصه بجميع أنواع العبادة من الاستعانة وغيرها، وهي أساس دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم: قال نوح عليه السلام: ï´؟ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ï´¾ [الأعراف: 59، المؤمنون: 23]. وكذلك قال هود[8] وصالح[9] وشعيب[10] وإبراهيم[11] عليهم السلام. وقال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾ [النحل: 36]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ï´¾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ï´¾ [المؤمنون: 51، 52]. وقد قرن الله بين ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ وï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾؛ لأن في قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ تحقيقَ الألوهية وإبطالًا للشرك فيها، وفي قوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ تحقيق الربوبية، وإبطالًا للشرك فيها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[12]: "وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاءٌ، وإذا كان الله قد فرض علينا أن نُناجيَه، وندعوَه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه؛ إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه..". ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية[13] أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا. 29 - دلَّ قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ على أن العبد لا ينفكُّ عن العبودية حتى الموت، كما قال تعالى: ï´؟ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 99]؛ أي حتى يأتيك الموت؛ ولهذا قال الله عن أهل النار أنهم يقولون: ï´؟ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ï´¾ [المدثر: 46، 47]؛ أي الموت، وهذا بإجماع المفسِّرين المعتبرين. وفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أما عثمان، فقد جاءه اليقين من ربِّه))[14] ؛ أي: الموت وما فيه. وفي هذا ردٌّ على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد منهم قد يصل إلى مقام يسقُط عنه التعبُّدُ والتكليف، ويفسِّرون اليقين في قوله تعالى: ï´؟ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 99] بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يُسأل عما يفعل. قال ابن القيم[15]: "فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لَمَّا يسأله الملَكانِ: "من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ويلتمسان منه الجواب، وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلَّهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطَعَ التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقُط عنه فيه التعبُّدُ، فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه. بل وكلما تمكَّن العبد في منازل العبودية، كانت عبوديته أعظم، والواجب عليه منها أكبر، وأكبر من الواجب على من دونه؛ ولهذا كان الواجب على رسول الله صلى الله عليه وسلم - بل على جميع الرسل - أعظَمَ من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولي العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته". 30 - حاجة جميع الخلق إلى عون الله تعالى وإمداده، وافتقار جميع الخلق إليه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾، وكما جاء في الدعاء: ((اللهم لا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين))[16]. فالعبد دائمًا وأبدًا في حاجة إلى عون الله تعالى وإمداده، وكما قيل: إذا لم يكنْ عونٌ من الله للفتى *** فأولُ ما يَجني عليه اجتهادُهُ 31 - تقديم حقِّه تعالى على حق العبد، وتقديم العام على الخاص، والغاية على الوسيلة، والأهمِّ على المهم؛ لقوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾. 32 - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد؛ أَتْبَعَ قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ بقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾؛ لئلا يتعاظَمَ المرء في نفسه ويُداخِله العُجبُ بعبادته، وليعلم أن ما حصل له من التذلُّل لربِّه والخضوع له إنما هو بعون الله وتوفيقه. 33 - دلَّ قوله تعالى: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ على إثبات القدر، وأن الله فاعلٌ حقيقة، وإبطال قول القدَريَّة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه؛ فإن استعانتهم به إنما تكون على شيء هو بيده، وتحت قدرته ومشيئته، فلو كان بيدهم الفعلُ فكيف يستعينون على إيجاده بمن ليس ذلك الفعلُ بيده؟[17]. يتبع
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام (3) 48 - أن طريق الحق واحد؛ ولهذا ذُكر بالإفراد، وعُرِّف في الموضعين: الأول بأل، والثاني بالإضافة؛ قال تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 6، 7]؛ أي الطريق المعهود المعروف. بخلاف طرق الباطل، فهي كثيرة متشعبة؛ ولهذا ذكرها بالجمع، بينما أفرد طريق الحق في قوله تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ï´¾ [الأنعام: 153]. قال ابن القيم[1]: "وذكر الصراط المستقيم مفردًا معرَّفًا تعريفين: تعريفًا باللام، وتعريفًا بالإضافة، وذلك يفيد تَعَيُّنَه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال، فإنه سبحانه يجمعها ويفردها؛ كقوله: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ï´¾ [الأنعام: 153] ". وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: خَطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا، وقال: ((هذه سبيل الله))، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: ((هذه سبل، على كل سبيل شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [الأنعام: 153]))[2]. 49 - أن الصراط تارة يضاف إلى سالكيه، كما في قوله تعالى: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 7]، وتارة يضاف إلى الله تعالى الذي نصَبَه وشرعه ووضعه لعباده، كما في قوله تعالى: ï´؟ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ï´¾ [الشورى: 53]، وقوله تعالى: ï´؟ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ï´¾ [الأنعام: 126]، وقوله تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ï´¾ [الأنعام: 153]. 50 - وجوب الاعتراف بالنعمة لمُولِيها ومُسْديها؛ لقوله تعالى: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾، فالمنعِم الحقُّ بجميع النعم هو الله جل وعلا، كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ï´¾ [النحل: 53]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ï´¾ [إبراهيم: 34، والنحل: 18]. 51 - في إثبات حمده بصفات الكمال، وإثبات ربوبيته وملكه، وكونه مستعانًا به، مسؤولًا أن يهديَ عباده الصراط المستقيم، وكونه منعمًا - في ذلك كلِّه دلالةٌ على أنه تعالى فاعل مختار بقدرته ومشيئته، وردٌّ على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة، تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًّا كبيرًا[3]. 52 - استدل الشنقيطي[4] بقوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 6، 7] على صحة إمامة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قال: "لأنه داخل في الذين أمَرَنا الله في هذه السورة بأن نسأل أن يهديَنا صراطَهم. قال: فدلَّ على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وقد بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصِّدِّيقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ï´¾ [النساء: 69]. قال: فهو رضي الله عنه على الصراط المستقيم، وإمامتُه حق". 53 - إثبات كمال الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم؛ لقوله تعالى بعد أن ذكر هذا الصراط: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7]؛ أي غير صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين. لأن الصفات السلبية يؤتى بها لإثبات كمال ضدِّها؛ كقوله تعالى: ï´؟ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ï´¾ [البقرة: 255] لإثبات كمال قيوميته، وكقوله: ï´؟ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ï´¾ [الفرقان: 58]، ونحو ذلك. 54 - ينبغي للعبد بعد أن يسأل الله تعالى أن يهديَه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم فحققوا التوحيد: أن يسأله أيضًا أن يَجْنُبَه صراطَ المغضوب عليهم ممن عرَفوا الحق ولم يعملوا به، من اليهود وغيرهم، وصراط الضالين، الذين عبدوا الله على جهل وضلال، من النصارى وغيرهم؛ لقوله تعالى: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7]، وهذا هو أفضل دعاء دعا به العبدُ ربَّه وأَوجَبُه وأنفَعُه[5]. 55 - إثبات صفة الغضب لله - كما يليق بجلاله وعظمته، وهي من الصفات الفعلية المتعلِّقة بالمشيئة، لكن لا يُشتَقُّ منها اسمٌ على الإطلاق؛ فلا يقال: الغضبان، أو الغاضب، قال تعالى: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾، وقال تعالى: ï´؟ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ï´¾ [الفتح: 6]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ï´¾ [النساء: 93]. 56 - ينبغي للعبد أن يسلك من الطرق أحسنها وأصلحها وأقومها، وأن يختار لنفسه القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، بسلوك طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يحذر من طرق الكفر والبغي والضلال، التي هي مسالك اليهود والنصارى وغيرهم. 57 - أن من أخص صفات اليهود الغضب؛ لأنهم عرَفوا الحق وتركوه، كما قال تعالى: ï´؟ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ï´¾ [المائدة: 60]. وأن من أخص أوصاف النصارى الضلال؛ لأنهم عبدوا الله على جهل وضلال، كما قال تعالى: ï´؟ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ï´¾ [المائدة: 77]. ولهذا وصف الله في سورة الفاتحة كلًّا من اليهود والنصارى بأخص أوصافهم، فقال: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾ يعني اليهود، ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ يعني النصارى، وإلا فكلٌّ من الطائفتين مغضوب عليه وضالٌّ. 58 - أن كل من سلك مسلك أحد الطائفتين شَمِلَه وصفُ تلك الطائفة، كما قال سفيان بن عيينة: "من فسد من علمائنا ففيه شَبَهٌ من اليهود، ومن فسد من عُبَّادِنا ففيه شبه من النصارى"، وفي الحديث: ((مَن تَشبَّهَ بقوم فهو منهم))[6]. فيجب الحذر من التشبُّهِ بهم؛ إذ ليس بين الله وبين أحد من الخلق نَسَبٌ، بل إن الآية توجب سؤال الله السلامة من جميع مسالك الكفر والضلال، والحذر من ذلك. 59 - دل قوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6] وما بعده على أن الناس ينقسمون بحسب معرفة الحق والعمل به إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ أنعَمَ الله عليهم بمعرفة الحق والعمل به، وقسمان مخذولان، أحدهما: من عرَفوا الحق وتركوه كفرًا وعنادًا، وهم اليهود ومن سلك مسلكهم؛ ولهذا استحقوا غضب الله تعالى. والقسم الثاني: من ضلُّوا عن الحق وجهلوه، مِن النصارى ومن سلك مسلكهم؛ ولهذا وصفهم الله بالضلال. 60 - في إسناد النعمة إلى الله تعالى، وإضافتها إليه في قوله: ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ إشارة إلى تفرُّدِه بالإنعام، وتكريم المُنْعَم عليه. وفي حذف فاعل الغضب في قوله: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾ إشارة إلى أن الغضب عليهم لا يختص به تعالى، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله يغضبون لغضبه، كما أن في ذلك إشعارًا بإهانة المغضوب عليهم وتحقيرهم. كما أن في إسناد النعمة إلى الله تعالى، وحذف فاعل الغضب وإسناد الضلال إلى من قام به في قوله: ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾: تعليمًا لحسن الأدب مع الله بإسناد الخير والنعم إليه، وحذف الفاعل فيما يقابل ذلك أو إسناده إلى من قام به، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((والخير كله بيديك، والشر ليس إليك))[7]. أي إن الشر في مفعولات الله، لا في فعله، فإن فعله كلَّه خير وحكمة، وكما قال إبراهيم الخليل عليه السلام، فيما حكى الله عنه: ï´؟ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ï´¾ [الشعراء: 79، 80][8]. 61 - بلوغ القرآن غاية الإيجاز مع الفصاحة والبيان؛ فإن الله وصف كلًّا من الطوائف الثلاث بوصف يستلزم الجزاء وسببه بأوجز لفظ في قوله تعالى: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7]. قال ابن القيم[9]: "وتأمل سرًّا بديعًا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاث بأوجز لفظ وأخصره؛ فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح، وهي الهدى ودين الحق، ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء، فهذا تمام النعمة، ولفظ ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ يتضمن الأمرين. وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضًا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه، فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال، فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم، وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم، وعقابه لهم، فإن من ضلَّ استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه". 62 - الترغيب في سلوك سبيل المنعم عليهم والمؤمنين، والترهيب من سلوك طريق المغضوب عليهم والضالين؛ يؤخذ هذا من المقابلة بين الهداية والنعمة والغضب والضلال. 63 - دلَّت السورة على إثبات النبوات، ووجوب الإيمان بالكتب والرسل، والرد على منكِري النبوات، وذلك في مواضع كثيرة، منها ما يلي: أولًا: من قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [الفاتحة: 2]؛ إذ لا سبيل إلى معرفة حمده، ووصفه بصفاته إلا عن طريق كتبه ورسله، كما أن في إثبات حمده التام ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق الخلق عبثًا، ولا يتركهم سدىً، لا يُؤمَرون ولا يُنهَوْن؛ ولهذا نزَّه تعالى نفسه عن هذا في مواضع من كتابه، وبيَّن أن من أنكر الرسالة والنبوة فإنه ما قَدَرَهُ حقَّ قدره، قال تعالى: ï´؟ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ï´¾ [الأنعام: 91]، وقال تعالى: ï´؟ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ï´¾ [الرعد: 19][10]. قال ابن القيم[11]: "فمن أعطى الحمد حقه علمًا ومعرفة وبصيرة، استنبط منه: أشهد أن محمدًا رسول الله، كما يستنبط منه أشهد أن لا إله إلا الله، وعلم قطعًا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل الصفات، وكإثبات الشركاء والأنداد". يتبع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |