الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         عوائق | الشيخ علاء عامر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 17 - عددالزوار : 1458 )           »          الوسوسة من الجنة والناس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 90 )           »          من أسرار الكلمات في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 89 )           »          تربية اليتيم في ضوء القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 81 )           »          نفي الريب باعتراض الجُمَل في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 103 )           »          ميزان الرُّقى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 105 )           »          طاغية فارس الذي ثَلَّ عرش المغول في دهلي وترك الهند فريسة سهلة للإنجليز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 108 )           »          تحية غير المسلمين والسلام عليهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 100 )           »          وقفات مع بعض الآيات | د سالم عبد الجليل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 1696 )           »          واتساب تتيح لمستخدمى آيفون ترجمة الرسائل باللغة العربية و20 لغة إضافية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 315 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #7  
قديم 10-10-2020, 05:34 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,926
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات

أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الاول
الحلقة (7)
صـ80 إلى صـ94


[ ص: 80 ] وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ .

وَقَالَتِ الْحُكَمَاءُ : مَنْ حَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ الْعِلْمَ ; عَذَّبَهُ عَلَى الْجَهْلِ ، وَأَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ الْعَلَمُ فَأَدْبَرَ عَنْهُ ، وَمَنْ أَهْدَى اللَّهُ إِلَيْهِ عِلْمًا فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : " اعْلَمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا ؛ فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ حَتَّى تَعْمَلُوا " .

[ ص: 81 ] وَرُوِيَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّعَايَةُ ، وَإِنَّ السُّفَهَاءَ هِمَّتُهُمُ الرِّوَايَةُ .

وَرُوِيَ مَوْقُوفًا أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَشَرَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالُوا : كُنَّا نَتَدَارَسُ الْعِلْمَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ; إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : تَعَلَّمُوا مَا شِئْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا فَلَنْ يَأْجُرَكُمُ اللَّهُ حَتَّى تَعْمَلُوا .

[ ص: 82 ] وَكَانَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ : كُلُّ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ تَعْمَلُ بِهِ ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا تَصْنَعُ بِازْدِيَادِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْكَ ؟ .

وَقَالَ الْحَسَنُ : " اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ ، وَدَعُوا أَقْوَالَهُمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ قَوْلًا إِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ دَلِيلًا مِنْ عَمَلٍ يُصَدِّقُهُ أَوْ يُكَذِّبُهُ ، فَإِذَا سَمِعْتَ قَوْلًا حَسَنًا فَرُوَيْدًا بِصَاحِبِهِ ; فَإِنْ وَافَقَ قَوْلَهُ عَمَلُهُ ، فَنِعْمَ وَنِعْمَةَ عَيْنٍ " .

وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : " إِنَّ النَّاسَ أَحْسَنُوا الْقَوْلَ كُلَّهُمْ ، فَمَنْ وَافَقَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ فَذَلِكَ الَّذِي أَصَابَ حَظَّهُ ، وَمَنْ خَالَفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ ; فَإِنَّمَا يُوَبِّخُ نَفْسَهُ " .

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : " إِنَّمَا يُطْلَبُ الْحَدِيثُ لِيُتَّقَى بِهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلِذَلِكَ فُضِّلَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْعُلُومِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ كَانَ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ " .

وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ; قَالَ : " أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَمَا [ ص: 83 ] يُعْجِبُهُمُ الْقَوْلُ ، إِنَّمَا يُعْجِبُهُمُ الْعَمَلُ " ، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُحَقِّقُ أَنَّ الْعِلْمَ وَسِيلَةٌ مِنَ الْوَسَائِلِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِنَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ الشَّرْعِيُّ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى الْعَمَلِ ، وَكُلُّ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ ; فَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْعِلْمِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَلِ بِهِ .

فَلَا يُقَالُ : إِنَّ الْعِلْمَ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ فَضْلُهُ ، وَإِنَّ مَنَازِلَ الْعُلَمَاءِ فَوْقَ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْعُلَمَاءِ تَلِي مَرْتَبَةَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; ، وَكَانَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى فَضْلِهِ مُطْلَقًا لَا مُقَيَّدًا ; فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنَّهُ فَضِيلَةٌ مَقْصُودَةٌ لَا وَسِيلَةٌ ، هَذَا وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً مِنْ وَجْهٍ ، فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ أَيْضًا كَالْإِيمَانِ ; فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ ، وَوَسِيلَةٌ إِلَى قَبُولِهَا ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ .

لِأَنَّا نَقُولُ : لَمْ يَثْبُتْ فَضْلُهُ مُطْلَقًا ، بَلْ مِنْ حَيْثُ التَّوَسُّلُ بِهِ إِلَى الْعَمَلِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ آنِفًا ، وَإِلَّا تَعَارَضَتِ الْأَدِلَّةُ ، وَتَنَاقَضَتِ الْآيَاتُ وَالْأَخْبَارُ ، [ ص: 84 ] وَأَقْوَالُ السَّلَفِ الْأَخْيَارِ ; فَلَا بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهَا ، وَمَا ذُكِرَ آنِفًا شَارِحٌ لِمَا ذُكِرَ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَأَمَّا الْإِيمَانُ ; فَإِنَّهُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ ، وَهُوَ التَّصْدِيقُ ، وَهُوَ نَاشِئٌ عَنِ الْعِلْمِ ، وَالْأَعْمَالُ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا وَسِيلَةً إِلَى الْبَعْضِ ، وَإِنْ صَحَّ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً فِي أَنْفُسِهَا ، أَمَّا الْعِلْمُ ; فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ ، وَأَعْلَى ذَلِكَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ ، وَلَا تَصِحُّ بِهِ فَضِيلَةٌ لِصَاحِبِهِ حَتَّى يُصَدِّقَ بِمُقْتَضَاهُ ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ .

فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مُتَنَاقِضٌ ; فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِاللَّهِ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ .

قِيلَ : بَلْ قَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ مَعَ التَّكْذِيبِ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ فِي قَوْمٍ : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ النَّمْلِ : 14 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 146 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [ الْأَنْعَامِ : 20 ] .

فَأَثْبَتَ لَهُمُ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَذَلِكَ مِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّ الْإِيمَانَ غَيْرُ الْعِلْمِ ، كَمَا أَنَّ الْجَهْلَ مُغَايِرٌ لِلْكُفْرِ .

نَعَمْ ، قَدْ يَكُونُ الْعِلْمُ فَضِيلَةً ، وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، كَالْعِلْمِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَالْعَوَارِضِ الطَّارِئَةِ فِي التَّكْلِيفِ ، إِذَا فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي [ ص: 85 ] الْخَارِجِ ; فَإِنَّ الْعِلْمَ بِهَا حَسَنٌ ، وَصَاحِبُ الْعِلْمِ مُثَابٌ عَلَيْهِ ، وَبَالِغٌ مُبَالِغَ الْعُلَمَاءِ ؛ لَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ مَظِنَّةُ الِانْتِفَاعِ عِنْدَ وُجُودِ مَحَلِّهِ ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ وَسِيلَةً ، كَمَا أَنَّ فِي تَحْصِيلِ الطِّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَضِيلَةً ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَقْتُ الصَّلَاةِ بَعْدُ ، أَوْ جَاءَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاؤُهَا لِعُذْرٍ ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَلَى عَزِيمَةِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ ; لَمْ يَصِحَّ لَهُ ثَوَابُ الطَّهَارَةِ ، فَكَذَلِكَ إِذَا عَلِمَ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ ؛ لَمْ يَنْفَعْهُ عِلْمُهُ ، وَقَدْ وَجَدْنَا وَسَمِعْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ يَعْرِفُونَ دِينَ الْإِسْلَامِ ، وَيَعْلَمُونَ كَثِيرًا مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَافِعًا لَهُمْ مِنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ .

فَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ الْعَمَلُ .
فَصْلٌ

وَلَا يُنْكِرُ فَضْلَ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ إِلَّا جَاهِلٌ ، وَلَكِنْ لَهُ قَصْدٌ أَصْلِيٌّ ، وَقَصْدٌ تَابِعٌ .

فَالْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ .

وَأَمَّا التَّابِعُ ; فَهُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْجُمْهُورُ مِنْ كَوْنِ صَاحِبِهِ شَرِيفًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِهِ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ الْجَاهِلَ دَنِيءٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَصْلِهِ شَرِيفًا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ نَافِذٌ فِي الْأَشْعَارِ وَالْأَبْشَارِ ، وَحُكْمُهُ مَاضٍ عَلَى الْخَلْقِ ، وَأَنَّ تَعْظِيمَهُ وَاجِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ ; إِذْ قَامَ لَهُمْ مَقَامَ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّ [ ص: 86 ] الْعِلْمَ جَمَالٌ وَمَالٌ ، وَرُتْبَةٌ لَا تُوَازِيهَا رُتْبَةٌ ، وَأَهْلُهُ أَحْيَاءٌ أَبَدَ الدَّهْرِ ، . . . إِلَى سَائِرِ مَا لَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَنَاقِبِ الْحَمِيدَةِ ، وَالْمَآثِرِ الْحَسَنَةِ ، وَالْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ ، فَذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِلْمِ شَرْعًا ، كَمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ يَنَالُهُ .

وَأَيْضًا ; فَإِنَّ فِي الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ لَذَّةً لَا تُوَازِيهَا لَذَّةٌ ; إِذْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمَعْلُومِ ، وَالْحَوْزِ لَهُ ، وَمَحَبَّةُ الِاسْتِيلَاءِ قَدْ جُبِلَتْ عَلَيْهَا النُّفُوسُ ، وَمُيِّلَتْ إِلَيْهَا الْقُلُوبُ ، وَهُوَ مَطْلَبٌ خَاصٌّ ، بُرْهَانُهُ التَّجْرِبَةُ التَّامَّةُ ، وَالِاسْتِقْرَاءُ الْعَامُّ ، فَقَدْ يُطْلَبُ الْعِلْمُ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ ، وَالتَّلَذُّذِ بِمُحَادَثَتِهِ ، وَلَا سِيَّمَا الْعُلُومُ الَّتِي لِلْعُقُولِ فِيهَا مَجَالٌ ، وَلِلنَّظَرِ فِي أَطْرَافِهَا مُتَّسَعٌ ، وَلِاسْتِنْبَاطِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْمَعْلُومِ فِيهَا طَرِيقٌ مُتَّبَعٌ .

وَلَكِنْ كُلُّ تَابِعٍ مِنْ هَذِهِ التَّوَابِعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَادِمًا لِلْقَصْدِ الْأَصْلِيِّ أَوْ لَا .

فَإِنْ كَانَ خَادِمًا لَهُ ; فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً صَحِيحٌ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ : وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [ الْفُرْقَانِ : 74 ] .

وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ ، وَقَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ حِينَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الشَّجَرَةَ الَّتِي هِيَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ النَّخْلَةُ : " لَأَنْ [ ص: 87 ] تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا " .

وَفِي الْقُرْآنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 84 ] .

فَكَذَلِكَ إِذَا طَلَبَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ فِي الْآخِرَةِ ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ .

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ خَادِمٍ لَهُ ; فَالْقَصْدُ إِلَيْهِ ابْتِدَاءً غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ كَتَعَلُّمِهِ رِيَاءً ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ ، أَوْ يُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ ، أَوْ يَسْتَمِيلَ بِهِ قُلُوبَ الْعِبَادِ ، أَوْ لِيَنَالَ مِنْ دُنْيَاهُمْ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا إِذَا لَاحَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا طَلَبَ - زَهِدَ فِي التَّعَلُّمِ ، وَرَغِبَ فِي التَّقَدُّمِ ، وَصَعُبَ عَلَيْهِ إِحْكَامُ مَا ابْتَدَأَ فِيهِ ، وَأَنِفَ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ ، فَرَضِيَ بِحَاكِمِ عَقْلِهِ ، وَقَاسَ بِجَهْلِهِ ، فَصَارَ مِمَّنْ سُئِلَ فَأَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ; فَضَّلَ وَأَضَلَّ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ .

وَفِي الْحَدِيثِ : لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ ، وَلَا لِتَحْتَازُوا بِهِ الْمَجَالِسَ ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ; فَالنَّارُ النَّارُ .

[ ص: 88 ] وَقَالَ : مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ، لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ غَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .

وَفِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ ، فَقَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ يُرِيدُ أَنْ يُجْلَسَ إِلَيْهِ الْحَدِيثَ .

وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 174 ] .

وَالْأَدِلَّةُ فِي الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ .
[ ص: 89 ] الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ الْمُعْتَبَرُ شَرْعًا - أَعْنِي الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَهْلَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْعِلْمُ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ ، الَّذِي لَا يُخَلِّي صَاحِبَهُ جَارِيًا مَعَ هَوَاهُ كَيْفَمَا كَانَ ، بَلْ هُوَ الْمُقَيِّدُ لِصَاحِبِهِ بِمُقْتَضَاهُ ، الْحَامِلُ لَهُ عَلَى قَوَانِينِهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، وَمَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي طَلَبِهِ وَتَحْصِيلِهِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ : الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى : الطَّالِبُونَ لَهُ وَلَمَّا يَحْصُلُوا عَلَى كَمَالِهِ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا هُمْ فِي طَلَبِهِ فِي رُتْبَةِ التَّقْلِيدِ ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ بِهِ ; فَبِمُقْتَضَى الْحَمْلِ التَّكْلِيفِيِّ ، وَالْحَثِّ التَّرْغِيبِيِّ ، وَالتَّرْهِيبِيِّ ، وَعَلَى مِقْدَارِ شِدَّةِ التَّصْدِيقِ يَخِفُّ ثِقَلُ التَّكْلِيفِ ، فَلَا يَكْتَفِي الْعِلْمُ هَاهُنَا بِالْحَمْلِ دُونَ أَمْرٍ آخَرَ خَارِجَ مَقُولِهِ ; مِنْ زَجْرٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى ، وَلَا احْتِيَاجَ هَاهُنَا إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ عَلَى ذَلِكَ ; إِذِ التَّجْرِبَةُ الْجَارِيَةُ فِي الْخَلْقِ قَدْ أَعْطَتْ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ بُرْهَانًا لَا يَحْتَمِلُ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ .

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ : الْوَاقِفُونَ مِنْهُ عَلَى بَرَاهِينِهِ ، ارْتِفَاعًا عَنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ [ ص: 90 ] الْمُجَرَّدِ ، وَاسْتِبْصَارًا فِيهِ حَسْبَمَا أَعْطَاهُ شَاهِدُ النَّقْلِ الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْعَقْلُ تَصْدِيقًا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ; إِلَّا أَنَّهُ بَعْدُ مَنْسُوبٌ إِلَى الْعَقْلِ لَا إِلَى النَّفْسِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ كَالْوَصْفِ الثَّابِتِ لِلْإِنْسَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْأَشْيَاءِ الْمُكْتَسَبَةِ ، وَالْعُلُومِ الْمَحْفُوظَةِ الَّتِي يَتَحَكَّمُ عَلَيْهَا الْعَقْلُ ، وَعَلَيْهِ يُعْتَمَدُ فِي اسْتِجْلَابِهَا ، حَتَّى تَصِيرَ مِنْ جُمْلَةِ مُودَعَاتِهِ ، فَهَؤُلَاءِ إِذَا دَخَلُوا فِي الْعَمَلِ ، خَفَّ عَلَيْهِمْ خِفَّةً أُخْرَى زَائِدَةً عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى ، بَلْ لَا نِسْبَةَ بَيْنَهُمَا ; إِذْ هَؤُلَاءِ يَأْبَى لَهُمُ الْبُرْهَانُ الْمُصَدَّقُ أَنْ يَكْذِبُوا ، وَمِنْ جُمْلَةِ التَّكْذِيبِ الْخَفِيِّ الْعَمَلُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ حِينَ لَمْ يَصِرْ لَهُمْ كَالْوَصْفِ رُبَّمَا كَانَتْ أَوْصَافُهُمُ الثَّابِتَةُ مِنَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ الْبَاعِثَةِ الْغَالِبَةِ - أَقْوَى الْبَاعِثِينَ ; فَلَا بُدَّ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى أَمْرٍ زَائِدٍ مِنْ خَارِجٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَّسِعُ فِي حَقِّهِمْ ، فَلَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ ، بَلْ ثَمَّ أُمُورٌ أُخَرُ كَمَحَاسِنِ الْعَادَاتِ ، وَمُطَالَبَةِ الْمَرَاتِبِ الَّتِي بَلَغُوهَا بِمَا يَلِيقُ بِهَا ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ .

وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَيْضًا يَقُومُ الْبُرْهَانُ عَلَيْهَا مِنَ التَّجْرِبَةِ ، إِلَّا أَنَّهَا أَخْفَى مِمَّا قَبْلَهَا ، فَيَحْتَاجُ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ مَوْكُولٍ إِلَى ذَوِي النَّبَاهَةِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْأَخْذِ فِي الِاتِّصَافَاتِ السُّلُوكِيَّةِ .

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ : الَّذِينَ صَارَ لَهُمُ الْعِلْمُ وَصْفًا مِنَ الْأَوْصَافِ الثَّابِتَةِ بِمَثَابَةِ الْأُمُورِ الْبَدِيهِيَّةِ فِي الْمَعْقُولَاتِ الْأُوَلِ ، أَوْ تُقَارِبُهَا ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى طَرِيقِ حُصُولِهَا ; [ ص: 91 ] فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُخَلِّيهِمُ الْعِلْمُ وَأَهْوَاءَهُمْ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ، بَلْ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ رُجُوعَهُمْ إِلَى دَوَاعِيهِمُ الْبَشَرِيَّةِ ، وَأَوْصَافِهِمُ الْخُلُقِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الْمُتَرْجَمُ لَهَا .

وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ كَثِيرٌ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزُّمَرِ : 9 ] .

ثُمَّ قَالَ : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الْآيَةَ [ الزُّمَرِ : 9 ] .

فَنَسَبَ هَذِهِ الْمَحَاسِنَ إِلَى أُولِي الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ الْعِلْمِ ، لَا مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ .

وَقَالَ تَعَالَى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [ الزُّمَرِ : 23 ] .

وَالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ هُمُ الْعُلَمَاءُ لِقَوْلِهِ : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [ فَاطِرٍ : 28 ] .

وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ : 83 ] .

وَلَمَّا كَانَ السَّحَرَةُ قَدْ بَلَغُوا فِي عِلْمِ السِّحْرِ مَبْلَغَ الرُّسُوخِ فِيهِ ، وَهُوَ مَعْنَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ، بَادَرُوا إِلَى الِانْقِيَادِ وَالْإِيمَانِ حِينَ عَرَفُوا مِنْ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَقٌّ لَيْسَ بِالسِّحْرِ ، وَلَا الشَّعْوَذَةِ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْ ذَلِكَ التَّخْوِيفُ وَلَا التَّعْذِيبُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِرْعَوْنُ .

[ ص: 92 ] وَقَالَ تَعَالَى : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ : 43 ] .

فَحَصَرَ تَعَقُّلَهَا فِي الْعَالِمِينَ ، وَهُوَ قَصْدُ الشَّارِعِ مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ .

وَقَالَ : أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [ الرَّعْدِ : 19 ] .

ثُمَّ وَصَفَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ [ الرَّعْدِ : 20 ] إِلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ ، وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الْعَامِلُونَ .

وَقَالَ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ - وَالْإِيمَانُ مِنْ فَوَائِدِ الْعِلْمِ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى أَنْ قَالَ : أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الْأَنْفَالِ : 2 - 4 ] .

وَمِنْ هُنَا قَرَنَ الْعُلَمَاءَ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعِلْمِ بِالْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ فَقَالَ تَعَالَى : مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [ آلِ عِمْرَانَ : 18 ] .

فَشَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَفْقَ عِلْمِهِ ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ ; إِذِ التَّخَالُفُ مُحَالٌ ، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَفْقِ مَا عَلِمُوا صَحِيحَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْمَعَاصِي ، وَأُولُو الْعِلْمِ أَيْضًا كَذَلِكَ ; مِنْ حَيْثُ حُفِظُوا بِالْعِلْمِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِذَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ آيَةٌ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَحْزَنَهُمْ ذَلِكَ وَأَقْلَقَهُمْ ، حَتَّى يَسْأَلُوا [ ص: 93 ] النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَنُزُولِ آيَةِ الْبَقَرَةِ : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ : 284 ] .

وَقَوْلِهِ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ الْآيَةَ [ الْأَنْعَامِ : 82 ] .

وَإِنَّمَا الْقَلَقُ وَالْخَوْفُ مِنْ آثَارِ الْعِلْمِ بِالْمُنَزَّلِ .

[ ص: 94 ] وَالْأَدِلَّةُ أَكْثَرُ مِنْ إِحْصَائِهَا هُنَا ، وَجَمِيعُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُلْجِئُ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ .

فَإِنْ قِيلَ : هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ مِنْ وَجْهَيْنِ :

أَحَدُهُمَا : أَنَّ الرُّسُوخَ فِي الْعِلْمِ ; إِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ أَوَّلًا .

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ; فَقَدِ اسْتَوَى أَهْلُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَعَ مَنْ قَبْلَهُمْ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ كَافٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ ، وَلَا مُلْجِئُ إِلَيْهِ .

وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا بِهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ ; لَزِمَ أَنْ لَا يَعْصِيَ الْعَالِمُ إِذَا كَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِيهِ ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ تَقَعُ مِنْهُمُ الْمَعَاصِي ، مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا فِي أَعْلَى الْأُمُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْكُفَّارِ : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [ النَّمْلِ : 14 ] .

وَقَالَ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 146 ] .

وَقَالَ : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ [ الْمَائِدَةِ : 43 ] .

وَقَالَ : وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ : 102 ] .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 412.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 410.35 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.41%)]