تفسير أيسر التفاسير**** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري ) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         فاجتنبوه | الشيخ شعبان درويش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 22 - عددالزوار : 601 )           »          تغيير كلمة سر حساب Apple الخاص بك.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          Threads تسهل العثور على الأشخاص أصحاب نفس الاهتمامات بميزة جديدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          5 مميزات رئيسية يجب معرفتها فى Apple Watch Ultra (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          7 خطوات بسيطة لتوفير مساحة تخزين على هاتفك دون الحاجة لشراء جديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          بعد فرض سناب شات قيودًا على تخزين الذكريات.. اعرف طرق حفظها مجانا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أبرز التغييرات بتحديث تطبيق Gemini AI من جوجل.. تعرف عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          جوجل تطمئن مستخدمي أندرويد: التحميل الجانبي باقٍ لكن بشروط جديدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          Perplexity تطرح متصفح مجانى بقدرات ذكاء اصطناعى متقدمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          واتساب يختبر ميزة جديدة تتيح استخدام اسم مستخدم خاص بالحساب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-09-2020, 04:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,718
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

ضرورة استيفاء العمل لشروطه وأركانه

إذاً قوله: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ [البقرة:112]، واو الحال، والحال أنه وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112]، فأيما حج أو عمرة أو صدقة أو صلاة أو أي عبادة تعبدها ولم تحسنها فاعلم أنها ذهبت أدراج الرياح، ولن تنتفع بشيء منها، إلا إذا أحسنتها، وأتقنتها، وجودتها.وهذا الإحسان غير ما مرة يتمثل في أن تكون العبادة تؤدى كما شرعها الله، فلا تزد ولا تنقص منها، ولا تقدم ولا تؤخر، فإذا شرع الله لها مكاناً تؤدى فيه فلا يمكن أن تنتج إلا فيه، وإذا عين لها زماناً ووقتاً معيناً فلا يمكن أن تنتج إذا فعلت في غير وقتها، وهذه كلها مقتضيات الإحسان.إذاً: معشر السامعين والسامعات من المؤمنين والمؤمنات! ادعى اليهود أن الجنة لا يدخلها إلا هم، وادعى النصارى أن الجنة لا يدخلها إلا هم، وممكن أن الذين من قبلهم من المشركين وأنواع الأمم الأخرى يكونون قد ادعوا مثلهم، والحكم الفصل في هذه القضية في قوله تعالى: بَلَى [البقرة:112]، أي: ليس الأمر كما يدعون أو كما أدعي أنا أو أنت، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ [البقرة:112] والحال أنه: وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112]، أي: أطاع الله طاعة سليمة، ثابتة، مستوفاة الشروط والأركان، أي: من أجل أن تولد النور، والقضية تدور حول هذا.والحمد لله أنك ترى مثل ذلك في هذه المخترعات، فتجد أن هناك (مكينة) تدور وتولد الكهرباء، ولو اختل هذا الجهاز لا يولد إلا الدخان فقط، قد أصابه الخراب في قطعة من قطعه: إما سقطت أو تغيرت، وهذه العبادات الشرعية كالصوم مثلاً نقول: يا أيها الصائمون! إن لم تحتسب صومك لله، وتلتزم بالشروط التي مشروطة للصيام، فما أنتج لك شيئاً، بل ظللت جائعاً، ظمآن ولا أجر لك.إذاً: الصائم نقول له: صم، وقبل المغرب إن رغبت أن تشرب كأس ليمون فشربت، فإنك لا تعطى أجر الصائم، والله ولا حسنة، فإن قلت: أنا عشر ساعات صائم؟! الجواب: أن القضية ليست قضية جزاء، فإن صمت لله يعطيك أجراً، وتولد الحسنات، لكن هذه العملية فسدت عليك، وأنت الذي أفسدتها، فما تثبت لك ولا حسنة واحدة، وانطفأ ذلك النور.كذلك الصلاة، أنت تصلي أربع ركعات، فإذا قلت: نزيد ركعة، أنا في صحة وعافية، هيا نصلِّ العشاء خمس ركعات، ليس هناك من يقول: صلاتك صحيحة؟ ولم لا تصح؟ هل لأني عصيت الله؟ أنا زدت فقط؟ الجواب: يقول الفقيه: إن العملية بطل مفعولها، فما تنتج لك النور الذي تطلبه، والحسنات تعطلت، فأعد صلاتك.

ثبوت الأجر على الطاعات

قوله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]، بشراكم أيها المؤمنون. مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ [البقرة:112]، وماذا فعل حتى يكون له أجر؟ وماذا فعل حتى يعطى الأجر؟ فالأجر مقابل عمل؟يا عبد الله! إنه صام، ورابط، وجاهد، وأنفق ماله وجهده وصلى و.. و.. وهذه كلها أعمال لا تذهب سدى: فَلَهُ أَجْرُهُ [البقرة:112] على ما عبد الله به من الطاعات، فقد أسلم وجهه وحياته كلها لله. إذاً: فيكون له أجر: فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة:112] والله هو الذي يتولى جزاءه.

نعمة الأمن

قوله تعالى: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]، فهنا أمن وفرح، وماذا بقي بعد ذلك؟وإذا كان العبد فرحاً مسروراً وفي نفس الوقت آمناً من كل خوف، فما بعد هذا النعيم من نعيم؟!ونظير هذه الآية قوله تعالى: أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:4]، إلا أن مدلول هذه مادية، والأخرى دنيوية.ودائماً نقول: سبحان الله العظيم! أكبر دولتين في العالم كانتا أمريكا وروسيا، والآن اليابان والصين، تعمل كل واحدة منهما الليل والنهار بأجهزة لا حد لها، من أجل أن تحقق لذلك الشعب التي تحكمه وتسوده أمناً، وطعاماً، وغذاء، ووالله ما أفلحت واحدة، فإن وجد الطعام ما وجد الأمن، بل يوجد في البلد الواحد الجائعون، والمجرمون، والظالمون، والخائفون.سبحان الله العظيم! لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [قريش:1-2]، وقد دمر قوى الشر، وهزم أصحاب الفيل من أجلهم، إذاً: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، وتحقق لأهل الحرم من الطعام والشراب ما لم يتحقق لأمة، وخاصة في تلك الأيام، فالأمن فقط أربعة أشهر ويعلن عن هدنة، لا يرفع فيها السلاح، وهكذا جبل الله قلوبهم وفطرها، فتتجول في أربعة أشهر حيث شئت لا تخاف، وقريش يرحلون رحلة في الصيف إلى الشام، ورحلة في الشتاء إلى اليمن، فيعودون بأرزاق وخيرات لا حد لها، فيبقون في الحرم يشربون الخمر، ويلعبون القمار، ويأكلون ويشربون، وهم آمنون مطمئنون، وهذا إفضال الله وإنعامه عليهم، لأنهم سكان حمى وحماة حرمه.ولما غزا أبرهة عميل النجاشي الكعبة، وأراد تحطيمها والقضاء على ذلك المجد، سلط الله عليهم نوعاً من الطير، طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:3]، كهذه القاذفات التي تحملها النفاثات، ودمرهم فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:5]، لأجل ماذا؟ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ [قريش:1]، حتى تألف قريش رحلتيها في الشتاء والصيف، ولا تخاف إلا الله. إذاً: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، وكلما نقرأ هذه الآية ونفكر نقول: سبحان الله! الدول تعمل ليل نهار بأجهزة مختلفة، ووزارات متعددة من أجل فقط أن يؤمنوا الشعب، فلا سرقة، ولا سلب، ولا تلصص عليه، ولا أذية في عرض، ولا مال، ولا دم، فوالله ما حققوا، ومن أجل أن يحققوا الخبز للجميع ما استطاعوا.

ولاية الله سبب للأمن

لو أقبل أي شعب أو أمة على الله إقبالاً صادقاً لحقق لهم ذلك، فوالله لأطعمهم وما جاعوا، ولأمنهم وما خافوا.لكن العرب أنفسهم والمسلمون يعانون إلى الآن من الجوع والخوف، وإلى الآن ما عرفوا الطريق، وعندما لاحت لهم الاشتراكية ظنوا أنهم وصلوا، فجربوها ووجدوها سماً زعافاً.فقلنا لهم: هيا إلى الإسلام. قالوا: ما استطعنا. قلنا: لعلهم مسحورون.ما المانع أن نسلم قلوبنا ووجوهنا لله ونحن مسلمون؟ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112].والله لقد تحقق في هذه البلاد أمن على يد عبد العزيز والله ما تحقق في الأرض إلا أيام السلف الصالح في القرون الثلاثة، فلا سلاح، ولا طائرات، ولا قنابل، ولا ولا .. فقط قالوا: لا إله إلا الله وأقاموا دولتهم على دعائم أرادها الله، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، أقول هذا حتى تعرفوا أن الله لا يخلف وعده، فباب الله مفتوح، فأيما إقليم .. أيما شعب .. أيما جبل عليه ناس أقبلوا على الله في صدق إلا وتحقق لهم هذا الموعود: وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112]؛ لأنهم أصبحوا أولياءه. وليس أولياء الله: سيدي عبد القادر .. مبروك .. البدوي .. عيدروس ، إنما أولياء الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].واسمع هذا البيان: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، والقائل هو الله مالك كل شيء، والذي بيده كل شيء، وهذا الإعلان ممكن لا يكون صحيحاً: لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء، فكيف إذاً لا يصدق فيما يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في الآخرة، في الحيوات الثلاث: في الدنيا لا يخافون، في القبر إلى يوم القيامة لا يحزنون، ولا يخافون، في الآخرة لا يخافون ولا يحزنون.

أولياء الله موجودون في كل زمان

الآن تفتَّح العالم بعض الشيء لأسباب معروفة، منها: الاتصالات العالمية بوسائط متعددة.والله قبل فترة من الزمن عندما تدخل على أهل قرية أو مدينة، وتلقى أول رجل وتقول له: يا سيد! أنا غريب الدار، جئت الآن من بلادي وأريد أن تدلني على ولي من أولياء الله في هذه البلاد أزوره، والله ما يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، فهو لا يفهم أن هناك ولياً بين الناس، وحتى لو ذهبت إلى القاهرة أو دمشق أو بغداد أو مكة فقلت: يا سيد! أنا غريب جئت إلى البلد، فدلني على ولي من أولياء الله أزوره، فوالله ما يقول إلا: امشِ ورائي حتى يصل بك إلى ضريح سيدي فلان، فهذا الولي عنده، أما أن يكون هناك ولي حي يمشي فما هناك أبداً؛ لأنهم عرفوا أن الله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب )، فمن آذى أو عادى ولي الله فقد أعلن الله الحرب عليه، ومن أعلن الله الحرب عليه ينتصر؟! والله ما هو إلا ينكسر.ومن هنا، أهل المسجد الآن هم أولياء الله، فلا يجوز لك أن تسب أحدنا أو تشتمته أو تؤذيه أو تدفعه، أو تنظر إليه بنظرة شزرة، أو تدس يدك في جيبه تخرج ماله. فهم أولياء الله، وهل تريد أن تعلن الحرب عليك.إذاً: لما يعرف المؤمنون هذا لا تبقى سرقة، ولا خداع، ولا غش، ولا لصوص، ولا جريمة، ولا .. ولا؛ لأنهم أولياء الله، ونحن نعرف أن العامي أمام الولي يرتعد، فإذا دخل الضريح ذاب من الخشوع، فكيف -إذاً- يجد ولياً في الشارع يسبه أو يشتمه ليس بمعقول أبداً.وللأسف أن أعداء الإسلام هم الذين مسخونا، فحولوا القرآن إلى القبور، وأعوذ بالله! أن يكون القرآن يقرأ على القبور، وكيف يقرئ القرآن على ميت: هل سيتحرك .. هل سيقوم ويغتسل من الجنابة .. هل سيرد حقوق الناس، فكيف تعظه وهو ميت، لا إله إلا الله.والمسلمون لهم أكثر من ثمانمائة سنة وهم يقرءون القرآن على الموتى، وهل القرآن نزل ليقرئ على الموتى!ومثل القرآن الأولياء، فلكي يبيحوا أن ينكح الرجل امرأة جاره، ويفسد عليه زوجته ويسلب ماله، قالوا: ما هناك أولياء، فالولي سيدي فلان الذي على قبره قبة خضراء أو بيضاء، أما الشعب كله فما هناك ولي.أرأيتم كيف هبطنا، فهذا أمر عظيم، فمن ادعى أنه ولي يخشى أن يموت على سوء الخاتمة، إذاً: قل: أنا عدو الله أحسن!! أعوذ بالله.إذاً: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:112]، لا في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا يوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:112] في الحيوات الثلاث: الدنيا، والبرزخ، والقيامة، ومن نفى عنهم الخوف والحزن؟ إنه القدير القوي.
تفسير قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء...)

ذكر مباهلة وفد نجران للرسول وجدال اليهود والنصارى فيما بينهم

قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، هنا اذكروا أن نجران التي في جنوب المملكة كان فيها نصارى كثيرون، والنصرانية تحولت من الشام إليهم بالوسائط، أما اليهودية فقد كانت موجودة في الجنوب وما هناك عجب.جاء وفد مؤلف من ستين فارساً يركبون الخيول جاءوا من نجران إلى المدينة، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لما أخذ الإسلام ينتشر، وأنواره تطّرد في الجزيرة، جاءوا أيضاً ليجادلوا بالباطل لعلهم ينتصرون، ونزلوا ضيوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك فندق، لا شيراتون، ولا القصر الأحمر، فوزعهم الرسول صلى الله عليه وسلم بين الصحابة ضيوفاً.إذاً نزلوا في المسجد، وقد كان جلهم علماء؛ قسس ورهبان، فجادلوا في شأن عيسى، وقد عرفتم أن الله أنزل فيهم نيفاً وثمانين آية في آل عمران، وكان الرسول محمد عربياً، لا يعرف عن عيسى ولا عن أمه شيئاً، فظنوا أنهم سيغلبونه، فإذا به يقص عليهم تاريخ جدة عيسى غير تاريخ أمه، فانبهروا، ثم طالبهم بالمباهلة، فما زالوا مصرين أنهم على الحق، فترفع الأيدي إلى الله قائلة: اللهم من كان على الحق فأبقه، ومن كان على الباطلة فأفنه. فاستعدوا! فخرج أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وخرجت فاطمة وراءه، وكان الحسن والحسين عن يمينه وشماله، وكان معهم أيضاً علي ، فما إن شاهدوا تلك الوجوه المشرقة حتى انهاروا انهياراً كاملاً، وقالوا: ويلكم! إن باهلتموه لم تبقَ فيكم عين تطرف، فاستسلموا، ورضوا بالجزية، وأن يعفوا عنهم ويتركهم.وفي خلال هذه الأيام كان اليهود الموجودون متألمين أيضاً من هذا الوفد المسيحي؛ لأنهم أعداء كعداوة الشيطان للإنسان، وهذه الحقيقة -إلى الآن- يجهلها العرب والمسلمون، فاليهودي عدوه الحق هو المسيحي، والمسيحي عدوه الحق اليهودي، أما هذه الظروف فإن السياسة لها سلطانها، وقد استطاع اليهود أن يسيطروا على العالم بالريال والدينار، فأخضعوا أوروبا في سلطانهم، وما أخضعوها بالمال فقط بل أخضعوها بأن كفروهم، فالنصارى ما بقي فيهم من يؤمن بالله، ولقائه، والدار الآخرة نسبة أكثر من (10%) وما عدا ذلك فهم ملاحدة بلاشفة، والذي فعل بهم هذا هم اليهود، بواسطة المذهب الماركسي الشيوعي، القائم على: (لا إله والحياة مادة!) ودرسوا هذا في الكليات والجامعات و.. و.. ما مضت خمسون سنة إلا وجلهم ملاحدة، وما أصبحوا يغضبون لليهود ولا لغيرهم.أما قبل هذا فلئن ينظر النصراني إلى كلب أهون ولا ينظر إلى يهودي، وحسبك أن تعرف أنهم يرون اليهود قتلة إلههم، فهم الذين صلبوا عيسى وقتلوه حسب ما زعموا.

جدال اليهود والنصارى

إذاً لما حضر وفد نجران حضر كذلك اليهود وأخذوا يتجادلون، وهاكم جدالهم في كلمة أنزلها الله في كتابه، قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، فلا دين عندهم، ولا عقيدة، ولا مبدأ، ولا .. ولا شيء من الدين، وهو والله لكذلك. وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، فاليهود قالوا: النصارى ليسوا على شيء، والنصارى قالوا: اليهود كذلك أنتم لستم على شيء.قال تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113]، والحال أنهم يقرءون التوراة والإنجيل، وكفر بعضهم، إذاً: فكانوا بذلك صادقين، ولو تقرأ التوراة والله ما تثبت ديانة لليهود، لأنهم قد انمحوا وخرجوا منها، ولو تقرأ الإنجيل ما يبقى أمامك نصراني، فكلهم كذبة دجالين.ولو أنك تفتح التوراة وتحصل على نسخة قليلة التحريف، وتطبق التوراة على اليهود تقول: والله ما آمنوا، وما هم بالمؤمنين؛ لأنهم يتناقضون مع كلام الله.ولو أنك تأخذ إنجيل لوقا، وتقرأ بتأني، وتنظر إلى النصارى لقلت: ما هم بمؤمنين، وما فيهم مؤمنون، وهو كذلك، ويكفي أنهم كفروا بعضهم بعضاً، وشهد الله على ذلك وأقرهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113] من الدين أو الحق والصحة وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113]، بمعنى: أن الدعوة التي ادعاها اليهود وهي أن النصارى ليسوا على شيء ليست عن جهل، بل عن علم؛ لأنهم يقرءون التوراة، وأولئك يقرءون الإنجيل، فالكل شهد بالواقع، وبذلك أعلمنا الله أن اليهود كالنصارى ليسوا على شيء من دين الله، فإن أرادوا دين الله فليسلموا، فهذا كتاب الله بين أيديهم.

معنى قوله تعالى: (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم)

قال تعالى: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة:113]، ليسوا وحدهم، فالذين لا يعلمون كالمجوس والصابئة .. وأمم، والمشركين يقولون هذه الدعوة.فالمجوس يقولون: لا دين إلا ديننا، وأنت إذا مشيت إلى الهند وعايشت البوذا، تجدهم لا يعترفون بدين صحيح أبداً، يقولون: الدين هذا هو الذي عندنا.أين البراهين؟ أين الحجج؟من بيده كتاب الله لم يزغ حرفاً واحداً، وكذلك من بين أيديهم رسول الله، تحلف بالله .. بالحرام مليون مرة -وإن كان لا يصح- على أنه رسول الله، والله ما حنثت ولا أخطأت، ولا يوجد نبي على الإطلاق تحلف عليه أنه موجود في هذا المكان؟هذا هو الدين الحق، لكن صرفهم عنه شهواتهم، وأطماعهم، وأهواءهم، وذنوبهم، ومساوئهم، ولو بقيت لهم عقول يفكرون بها لاهتدوا، ولكانوا يرحلون يطلبون الحق، ورضي الله عن سلمان الفارسي فكم تنقل من بلد إلى بلد، حتى وصل إلى هذه المدينة، وفي أكثر من ثلاثين سنة يبحث عن دين صحيح، وهم يرشدونه هنا وهنا وهنا.وأخيراً قالوا: إن الدين الحق سيظهر مع نبي في هذه الآونة، فنزل المدينة رقيقاً؛ عبداً، فما إن سمع بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم في طوبى حتى هاج وكاد يطير.ولكن الآن من يبحث؟نعم يوجد بعض النصارى يبحثون ويجدون الإسلام، لكنهم نسبة لا تذكر.

معنى قوله تعالى: (فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)

وأخيراً يقول تعالى وقوله الحق: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة:113]، اتركوهم لله، هو الذي يحكم بينهم فيما هم يختلفون فيه، ويجزي صاحب الحق بالحق، والباطل بالباطل، ولا حق إلا في الإسلام والمسلمين.وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-09-2020, 07:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,718
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (79)
الحلقة (86)




تفسير سورة البقرة (49)

أنزل الله الكتب لتكون منار هداية للناس، وكان خاتمة هذه الكتب هو القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولهذا وجب على المسلم أن يتلوه حق تلاوته، وذلك بأن يقيم حروفه، وكلماته، وأحكامه التجويدية، وأن يتدبره ويتأمل ما فيه من معانٍ، وأن يسعى جاهداً للعمل بما فيه، ليبقى دائماً على ذكر بأن هذا الكتاب من أعظم نعم الله عليه، وأنه من مظاهر تفضيل هذه الأمة، وأن الكفر به هو الخسران المبين.

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته ... )

الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بنا سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها؛ إنه قريب مجيب سميع الدعاء.والآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:121-123] .. إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! إليكم هذا الخبر، فإنه خبر عظيم الشأن، فالمخبر هو الله، والمخبرين هم نحن، والحمد لله رب العالمين، فنحن أهل لأن يحدثنا الله ويكلمنا ويخبرنا، فإنها والله لنعمة.وسبب هذا الإفضال والإنعام هو الإيمان، فآمنا وأصبحنا أهلاً لأن يحدثنا الله ويكلمنا ويخبرنا.وقد قال الضالون: لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ [البقرة:118] وها نحن يكلمنا بواسطة وحيه الذي ينزله على رسوله، وقد وصل إلينا من طريق الوحي الإلهي على رسول الله، ونحن أهل لذلك بإيماننا، ولو كنا غير مؤمنين -والعياذ بالله- ما يخاطبنا الله ولا يكلمنا، لأننا أموات، والميت لا يخاطب ولا يخبر؛ لأنه لا يسمع ولا يبصر، ولا ينهض بما يكلف ولا يقدر عليه.

المراد بالكتاب في قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب)

قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:121] قد يكون المراد من الكتاب التوراة، وقد يكون المراد من الكتاب الإنجيل، ولكن المراد هنا القرآن العظيم.فقوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ أي: أعطيناهم الْكِتَابَ [البقرة:121] وقد أعطانا ربنا الكتاب، وهو في صدورنا، ومكتوب في سطورنا، ويوجد في بيوتنا، وهذا فضل الله علينا، فالحمد لله.

من حقوق تلاوة القرآن إقامة حروفه وتجويده

قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:121] ما لهم؟ أخبر عنهم يا رب! يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] يتلونه بمعنى يقرءونه حق القراءة، فيجودون قراءته، وينطقون بالحروف، ويخرجونها من مخارجها، فلا يقدمون ولا يؤخرون، ولا يزيدون ولا ينقصون، فينطقون بتلك الحروف كما هي في لسان العرب، ولو أن شخصاً يقرأ (عصى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) فالله يعصي! هذا كفر، وتعالى الله، وكل هذا لأنه ما فرق بين حرفين في مخرجيهما: بين السين والصاد، فعصى بمعنى: ما أطاع، وعسى بمعنى: رجا، ومن هنا إخراج الحروف من مخارجها ضروري، وتستلزم هذه الآية الإلهية أن يتلوه حق تلاوته.كذلك يتدبرونه عندما يتلونه، ويقرءون الآية وينتهون منها ويعيدونها مرة أخرى؛ لأنهم يستدرون لبنها، ويستخرجون حلواها وعسلها .. وهل هذا ممكن؟ إي نعم.ولقد صح يقيناً أن أحد السلف الصالح من الصحابة والتابعين قام يتلو كتاب الله بالليل، فلما انتهى إلى قول الله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21] فهذه الآية ما استطاع أن يتجاوزها، وما زال يرددها ويبكي حتى طلع الفجر.ولعل السامعين يفهمون معنى هذه الكلمة الإلهية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا أي: فعلوا بجوارحهم السَّيِّئَاتِ أي: المحرمات والمنهيات من كبائر الذنوب والآثام أَنْ نَجْعَلَهُمْ أي: في قضائنا، وحكمنا، ومجازاتنا كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الجاثية:21] لا والله ما كان هذا، ولهذا قال: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: قبُح قُبحاً وحكماً يحكمون به، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].إذاً: الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، هم الذين:أولاً: يجودون النطق ويحسنونه.ثانياً: يتدبرونه عند تلاوته.ثالثاً: إذا مروا بآية رحمة سألوا الله إياها، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا بالله من النار والعذاب. وهذا مأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان إذا قام يتهجد ليصلي إذا مر بآية رحمة وقف وسأل الله تلك الرحمة، وإذا جاءت آية عذاب وقف واستعاذ بالله من العذاب وهو رسول الله الذي لا يدخل الجنة أحد قبله قط، وقد أعطي بذلك المواثيق، وحسبكم أن تقرءوا قول الله عز وجل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79] ألا وهو مقام الشفاعة العظمى، فهو الذي يخر ساجداً بين يدي الله تحت العرش، ويلهم تسابيح، وأذكاراً، ومحامداً ما عرفها إلا تلك الساعة، وهو واضع جبهته على الأرض حتى يقول له الرب تعالى: ( محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع )، ومع هذا كان إذا مر بآية رحمة سأل الله متضرعاً إليه أن يرحمه، وإذا مر بآية عذاب وقف واستعاذ بالله تعالى من العذاب.وهذه أمنا الصديقة عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ( افتقدت ليلة رسول الله من فراشه ) إذ كان يقسم الليالي بين نسائه أمهات المؤمنين، فليلة عند عائشة ، وأخرى عند صفية ، وأخرى عند حفصة ، وأخرى عند ميمونة .. ومن يعدل إذا لم يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالت: ( فالتمسته ) فما عندهم كهرباء، ولا فوانيس، لا بالزيت، ولا بالغاز، والله ما عندهم، وفي الظلام، في تلك الحجرة التمسته فما وجدته، فقامت تطلبه، فوجدته قد اغتسل بالماء البارد، وما أشد برد الماء في مدينتنا المنورة أيام الشتاء، فاغتسل بالماء البارد، وإذا هو قائم يصلي؛ يركع ويسجد، والدموع قد عملت خطوطاً هكذا على حصيره، فتعجبت منه وسألته: ( يا رسول الله! أهذا منك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ ) فأجابها بقوله الخالد: ( أفلا أكون عبداً شكوراً )، فما دام قد غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ينبغي أن أشكره، وبم يُشكر الله إن لم يُشكر بذكره وعبادته وطاعته؟

من حقوق تلاوة القرآن تدبره

قالت العلماء: تلاوة القرآن حق تلاوته أن تحل ما أحل القرآن، وتحرم ما حرم القرآن، أما الذي يستبيح ما أحل الله وهو يتلو الآيات التي تحرم، ويحرم ما أباح الله وهو يتلو آيات الإباحة فهذا خارج عن طاعة الله، وما تلا القرآن حق تلاوته، والذي لا يقيم حدوده، ويتعداها، ويتجاوزها، وهو يتلوها ويقرؤها والله ما تلا كتاب الله حق تلاوته، فلا بد أن يقيم حدوده كما يقيم حروفه، ولا بد أن يحل ما أحل، ويحرم ما حرم، ولا بد أن يتدبر ويتأمل ويتفكر، لا أن يتلوه كلغة أجنبية لا يدري ما يقرأ ولا ما يقول؛ لأن الله أثنى عليهم فقال: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة:121] أي: أولئك السامون، الشرفاء الأعلون فأشار إليهم بلام البعد لبعد مكانتهم، وعلو درجتهم، وعظم شأنهم أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة:121] أي: يؤمنون بهذا القرآن.

استحباب سماع القرآن من الغير

هذا ابن أم عبد وهو عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان كالظل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفارقه إلا إذا دخل بيته وأغلق بابه، يقول عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله عنه وأرضاه: ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لي يوماً: يا ابن أم عبد ! اقرأ علي شيئاً من القرآن. فقلت: أعليك أنزل وعليك أقرأ؟! ) متعجباً، مستفهماً كيف ينزل عليك وأقرأ عليك، فأنت أحق به وأولى، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إني أحب أن أسمعه من غيري ).وكم نادينا وقلنا للسائلين غير ما مرة، في أي مجتمع كهذا: دلوني على أحد من إخواننا المؤمنين قال يوماً لأخيه: تعال من فضلك يا بني إن كان صغيراً، أو يا أبتاه إن كان كبيراً، أو يا أخاه إن كان مثله ومساوياً له في السن، من فضلك: اقرأ علي شيئاً من القرآن؟هل حصل هذا؟!من الشرق إلى الغرب وعبر القرون، من هو الذي يقول: أي فلان! اقرأ علي شيئاً من القرآن؟وقد حصل هذا مرة كما أخبرتكم، وذلك أن مؤمناً شغالاً -كما يقولون: حمال- دخل في رحمة الله في درس من دروس العلم الحق في تفسير كتاب الله، فسمع هذه الكلمة من شيخ رحمة الله عليه، فكان يأتيني ويقول: أي أبا بكر! اقرأ علي شيئاً من القرآن، وهو عامي لا يقرأ ولا يكتب، ولكن فتح الله عليه فأصبح عالماً ربانياً بالسماع.فهذا هو الوحيد الذي رأيناه في حياتنا يأتي، ويتربع، ويطأطئ رأسه ويقول: اقرأ علي شيئاً من القرآن، وأنا أقرأ وأنا طفل وهو يبكي.إن القرآن الآن يقرأ على الموتى! يقال لقارئ القرآن: تعال خذ ألف ريال، وأقرأ ختمة على أمي؛ فإنها ماتت. أو يجمع الطلبة ويقال لهم: اقرءوا القرآن على والدي فقد توفي، ويضع بين أيديهم أو في جيوبهم ريالات، وهذا موجود من إندونيسيا إلى المغرب، أما أن أقول: اقرأ علي آيات الله؛ أتدبرها، وأخشع عند سماعها، وأبكي، فهذا نادر، ونسينا ونستغفر الله.وكان سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كثيراً لما يجلس يقول: من منكم يسمعنا شيئاً من القرآن؟هذا موجود وما ننساه.

استحباب الخشوع عند تلاوة القرآن

إذاً الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121] أي: كما ينبغي أن يتلى، وكما يجب أن يقرأ، وهو تصحيح الألفاظ، والكلمات، والنطق بها سليمة كما نزلت.ثانياً: يتدبرونه، فلا يقرءون قراءة الغافلين والجاهلين، فيقفون عند الآية، ويعرفون ما تدل عليه، وما ترشد إليه، ويحلون ما أحل، ويحرمون ما حرم، ويقيمون حدوده فلا يتعدونها .. وهؤلاء هم المؤمنون.عبد الله بن مسعود لما قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أسمعني يا ابن أم عبد )، فكناه بأمه .. ( يا ابن أم عبد ! أسمعني شيئاً من القرآن ) أي: اقرأ علي حتى أسمع، فتعجب عبد الله وقال: ( أعليك أنزل وعليك أقرأ؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري )؛ لأن الذي يصغي يذكر أكثر ممن يتلو، والتالي قد يشغله حفظ الآيات وتتبعها حتى ما يجهل أو يقف، أما السامع متفرغ، وخاصة إذا أصغى واستمع.قال: ( فقرأت بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] حتى انتهيت في حدود الثلاثين آية، إلى قول الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا [النساء:41]. قال: لما انتهيت هنا، فإذا برسول الله عيناه تذرفان الدموع؛ يبكي، ويقول: حسبك .. حسبك .. حسبك )، يعني: يكفي يكفي، فرسول الله يطلب من يقرأ عليه القرآن، ونحن لا نطلب؛ لأننا ما ذقنا حلاوة الإيمان، فإننا مخدرون، تجدنا نبصر ونتحرك، ولكن لا نشعر.وفتح الله علينا في ضرب مثل لعلكم تذكرونه، وأنا أتكلم عن نفسي: أرأيتم قبة زجاجية -والآن يصنعونها كمكان لبيع الدخان وبيع المشروبات- ونحن داخل تلك القبة نشاهد من يمرض، فنراه كما هو يضحك ويبكي ولكن لا نحس بشيء، ولا نسمع صوتاً، ولا نحس بحركة.فهذا الشخص في القبة الزجاجية يشاهد كل شيء، لكن لا يحس، ولا يسمع، ولا يشم رائحة، فهو محجوب بالزجاج، ونحن أشبه بهذا، نعم مؤمنون مسلمون، ونقرأ كتاب الله، ولكننا لا نحس ولا نشعر، ولا نبكي ولا نتألم، ولا نفرح عند آية، ولا نحزن، صح هذا أو لا؟فهذا هو الواقع ولا نخفيه، إلا من فتح الله عليه نافذة، وقد قلت لكم غير ما مرة: أحياناً في العام .. في العامين ينفتح ذلك الزجاج لحظة، تجد أحداً يبكي، يرتعد، لا يشعر بما حوله أبداً، وينتفض، ولا يشعر بمن حوله، يصلي أو يقرأ أو يتلو، كأن العالم كاملاً انفصل عنه، وهذه نادرة.والمفروض فينا أن تكون هذه حالنا دائماً، فإذا تلونا كتاب الله أو وقفنا بين يدي الله نناجيه، ونتكلم معه ونطرح حوائجنا بين يديه مستغفرين سائلين، ينبغي أن نكون هكذا، كأننا لا نشعر بالوجود حولنا، وهؤلاء في صلاتهم خاشعون، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:1-2]. ونحن نتكلم مع الله ونناجيه في الصلاة وبالنا مشغول: القدر ماذا فيه؟ والسوق ماذا فيه؟يقول المصلي: الله أكبر.. بِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:1-2] فنقرأ والقلوب هناك. فكيف تتكلم مع الله وتعرض عنه ويبقى وجهك أمامه؟!ولو تحدثت مع ذي قدرة ومال عن قضاء حوائجك، تريد أن تسأله ما تريد، فتسلم عليه: السلام عليكم فلان. ثم تبدأ الحديث معه وأنت ذاهل عنه، مشغول ببيتك وسوقك أو كذا، لاندهش قائلاً: ماذا هناك؟ ما له؟ انتبه!فيخاطبك ما لك؟ أين أنت غائب؟فهل نطلب هذا الهدى إن شاء الله؟وأعظم باب جربناه هو أن تعلم وتُعلم نفسك أنك بين يدي الله، والله إنك لبين يديه، وإنه لنصب وجهه لك، ويسمع منك كلماتك، ويرى موقفك.. فإذا ذكرت هذا استحيت أن تتركه، أو تلتفت أو تعبث، لكن كونك لا تذكر هذا فهذا هو البلاء.وقد سأل جبريل عليه السلام رسولنا صلى الله عليه وسلم: ما الإحسان؟ فقال: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) فأنت بين حالين: إما أن تشعر أنك بين يدي الله كأنك تنظر إليه، فلا تستطيع أن تلتفت ولا أن تغفل، ولا أن تعرض عن كلامه أبداً، وأقل شيء أن تعلم أنك بين يديه، وهو يراك، ويرى حركاتك وسكناتك، ويسمع كلماتك، ويعرف دقات قلبك، وما يجري في نفسك.فإذا علمت نفسك هذا لا تستطيع أن تعرض عن الله حتى تفرغ من عبادتك وتقول: السلام عليكم. ثم بع واشتر.آه لو ربينا على هذا.إذاً قول ربنا جل جلاله وعظم سلطانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة:121] أعطيناهم التوراة أو القرآن، الذين يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ [البقرة:121]، فحق التلاوة تعني التجويد والتغني، ولا بد كذلك من تدبره وتفهم معانيه، وتوطين النفس على العمل بما فيه، فإن كان أمراً نهضت به، وإن كان نهياً تركت وتخليت عما نهاك عنه.



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 272.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 270.44 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (0.78%)]