|
|||||||
| ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي ![]() رواية الحديث عن الخَليفة الخامِس أَرَأَيْت . . . إنها سِلسِلة طَويلة مِنَ المَعارك والغَزَوات والحُروب ، وإنها لسِلسِلة كَثيرة الحَلَقات . وكأنَّما نَذَر مَسْلمة نفسه للجِهاد والقِتال ، واتَّخَذ مسكَنه في ساحات الكِفاح والنِّضال ، ومع ذلك كان عالِما مُحَدِّثا ، روى الحديث عن خامس الراشدين عُمَر بن عبد العَزيز ، وروى عنه الأَحاديث جَماعة مِنهم : عبد المَلك بن أبي عُثمان ، وعبد الله بن قرعة ، وعُيَيْنة والد سُفيان بن عُيَينة ، وابن أبي عِمْران ، ومُعاوية بن خَديج ، ويَحيي بن يَحيي الغَسّاني . ويظهَر أن اتصال مَسْلمة بن عبد المَلك بالحاكم العادِل ، المُخلص الأَمين ، خامس الراشِدين عُمَر بن عبد العَزيز كان من أقوى الأسباب في تَكوين شخْصِية مَسْلمة ، تَكوينا باهِرا رائِعا ؛ لأني أومِن بأنَّ عُمَر بن عبد العزيز كان رَجُلا تتَمَثل فيه نَفَحات إِلَهية من الخَيْر والبِرِّ والتَّوفيق ، وأن الذين اتَّصَلوا به وأخَذوا عنه واقتَبَسوا منه هَداهُم الله ، ووَهَبَهم تَوفيقا ورَشادا . ولعل مَسْلمة قد عَبَّر عن شَيء من هذا القَبيل حِينَما دَخَل على عُمَر بن عبد العَزيز وهو في ساعاته الأخيرَة فقال له في تَأَثُّر عَميق بَليغ : جَزاك الله ، يا أمير المؤمنين عنّا خَيْرا ، فقد ألَنْتَ لنا قُلوبا كانت قاسِية ، وجعَلت لنا في الصالحين ذِكْرا . وهذه عِبارة تَدُل على أن مَلامِح من شَخْصية مَسْلمة كان الفَضْل فيها لخامِس الراشِدين رِضْوان الله تَبارَك وتَعالى عَليه . على فِراش المَوت بين مَسْلمة وعُمرَ بن عبد العَزيز ومن : المَواقف الخالِدة الباقِية بين مَسْلمة وعُمَر ما رواه ابنُ عبد ربِّه ، وهو أن مَسْلمة بن عبد المَلك ، دَخَل على عُمَر بن عبد العَزيز في المَرض الذي ماتَ فيه ، فقال له : يا أميرَ المُؤمنِين ، إنك فَطَمت أفْواه وَلَدك عن هذا المال ، وتَرَكْتهم عالَة ، ولا بُد لهم من شَيْء يُصْلحهم ، فلو أوْصَيت بِهم إلَيَّ أو إلى نُظَرائك من أهل بَيْتك لكَفَيتك مَئُونتهم إن شاء الله . فقال عُمَر : أَجْلسوني ، فأَجلَسوه ، فقال : الحمد لله ، أَبِالله تُخَوِّفني يا مَسْلمة ؟ . أما ما ذَكَرت أنِّي فَطَمت أفْواه وَلَدي عن هذا المال وتَرَكْتهم عالَة ، فإني لم أمْنَعهم حَقا هو لهم . ولم أُعْطهم حَقا هو لغَيْرهم ، وأما ما سأَلْت من الوُصاة إليك أو إلى نُظَرائك من أَهْل بيتي ، فإن وصِيَّتي بِهم إلى الله الذي نزَّل الكِتاب وهو يَتَولى الصالِحين ، وإنما بَنُو عمر أحد رَجُلين : رَجُل اتَّقى الله ، فجَعَل الله له من أمْرِه يُسْرا ، ورَزَقه من حَيْث لا يَحْتسب ، ورَجُل غَيَّر وفَجَر فلا يكون عُمَر أوَّل من أَعانَه على ارتِكابِه ، ادعوا لي بُنيَّ . فدَعَوهم ، وهم يَومَئذ اثنا عَشَر غُلاما ، فَجَعل يُصَعِّد بَصَره فيهم ويُصوِّبه ، حتى اغْرَورَقَت عَيناه بالدَّمع ، ثم قال : بنَفسي فِتْية ترَكتهم ولا مال لَهم . يا بَنِي ، إني قد تَرَكتكم من الله بِخَير ، إنكم لا تَمُرُّون على مُسلم ولا مُعاهَد إلا ولكم عليه حَق واجِب إن شاء الله ، يا بَنِي ، ميَّلت رأيي بين أن تَفْتقروا في الدنيا ، وبين أن يَدْخل أبوكم النّار ، فكان أن تَفْتقروا إلى آخر الأَبَد خَيرا من دُخول أبيكم يَوما واحِدا النّار . قوموا يا بَنِي عَصَمكم الله ورَزَقكم . فما احتاج أحَد من أولاد عُمَر ولا افتَقَر . وكان مَسْلمة يُظْهر نعمَة الله تعالى ، ومن شَواهِد ذلك أنه دَخل على عُمَر بن عبد العَزيز وعليه رَيْطَة من رِياط مِصْر ( أي ثَوْب رَقيق ناعِم ) . فقال له عُمَر : بكم أخَذْت هذا يا أبا سَعيد ؟ أجاب مَسْلمة : بكذا وكذا . قال عمر : فلو نَقَصت من ثَمِنها ما كان ناقِصا من شَرَفك . فأجاب مَسْلمة : إن أفْضَل الاقتِصاد ما كان بعد الجِدَة ، وأفْضَل العَفْو ما كان بعد القُدرَة ، وأفْضَل اليَد ما كان بعد الوِلايَة . ولقد كان مَسْلمة رَجُلا مِعْطاء ، ولقَد قال يَوما لنُصَيب الشاعِر : سَلْني . قال : لا ، قال : ولم ؟ قال نُصَيب : لأن كَفَّك بالجَزيل أكثَر من مَسْألتي باللِّسان . وكان مَسْلمة مع تَقْواه وحِرصِه على الصلاة رَجُلا يحب العَفْو ويُحبِّب فيه ، ولقد حَدَث بين الخَليفة هِشام بن عبد المَلك وبين ابن هُبَيرة ما دعا إلى إهدار دَمه ، ولكن خادما لمَسْلمة يُحَدِّثنا فيقول : كان مَسْلمة بن عبد المَلك يَقوم الليل فيَتَوضأ ويتنَفَّل حتى يُصْبح ، فيَدخل على أمير المؤمنين ، فإني لأصُب الماء على يَدَيْه من آخر اللَّيل وهو يَتَوضأ ، إذ صاح صائح من وَراء الرُّواق : أنا بالله وبالأمير : فقال مَسْلمة ( في دَهْشة ) : صوت ابن هُبَيرة ، اخرُج إليه . فخَرَجت إليه ورَجَعت فأخْبَرته ، فقال : أدْخِله ، فدخل فإذا رَجُل يَمِيد نُعاسا ، فقال : أنا بالله وبالأَمير . قال : أنا بالله ، وأنت بالله . ثم قال : أنا بالله ، وأنا بالأَمير . قال مَسْلمة : أنا بالله ، وأنت بالله . حتى قالها ثلاثا ، ثم قال : أنا بالله . فسَكَت عنه ، ثم قال لي : انطَلِق به فوَضِّئه وليُصَلِّ ، ثم اعرِض عليه أحَبَّ الطَّعام إليه فأْتِه به ، وافْرِش له في تلك الصُّفَّة - لصُفَّة بين يَدَي بُيوت النِّساء - ولا توقِظْه حتى يَقوم متى قام . فانطَلَقت به فتَوَضأ وصَلَّى ، وعرضت عليه الطَّعام فقال : شَرْبة سَويق ، فشرب ، وفرَشْت له فَنام ، وجِئْت إلى مَسْلمة فأَعلَمتُه ، فغَدا إلى هِشام فجَلَس عنده ، حتى إذا حان قيامُه قال : يا أمير المؤمنين ، لي حاجة . قال هشام : قُضِيت ، إلا أن تكون في ابن هُبَيْرة . قال قال مَسْلمة : رَضِيت يا أمير المؤمِنين . ثم قام مَسْلمة مُنصَرفا ، حتى إذا كاد أن يَخرُج من الدِّيوان رَجَع فقال : يا أمير المؤمنين ، ما عوَّدتَني أن تَستَثْني في حاجة من حَوائجي ، وإني أكْرَه أن يتَحَدث الناس أنَّك أحدَثْت علي الاستِثْناء . قال هشام : لا أسْتَثني عَلَيك . قال مَسْلمة : فهو ابنُ هُبَيْرة . فعَفا عنه هِشام . * * * ومن مَلامِح شَخْصية مَسْلمة أنه كان يَعْرف للفُصْحى مكانَتَها ، وللبَيان السَّليم مَنْزلته ، وكان يقول : اللَّحن في الكَلام أقبَح من الجُدَري في الوَجْه . وكان يقول أيضا : مُروءتان ظاهِرَتان : الرِّياسَة والفَصاحة . ومن كَلماتِه قوله : ما أخَذْت أمرا قَطُّ بِحَزم فلُمْت نَفْسي فيه ، وإن كانت العاقِبة علَيَّ ، ولا أخَذْت أمرا قَطُّ ، وضيَّعت الحَزْم فيه ، فحَمِدت نفسي وإن كانت لي العاقِبَة . وكان مَسْلمة يُحِب أهل الأدَب ، وأوْصَى لهم بِثُُلُث ماله ، وقال : إنها صَنْعة جُحِف أهلُها أي سَلَبهم الناس حَقَّهم . وكذلك كان يَعْرف للشعَراء مكانَتَهم وحقَّهم ، ولقد تَحَدث كُثَيِّر عَزَّة فقال : شَخَصت أنا والأحْوَص ونُصَيب إلى عُمَر بن عبد العَزيز - رَضِي الله عنه - وكل واحد منا يُدِل عليه بسابِقَة وإخاء قديم ، ونحن لا نَشُك أن سيُشْرِكنا في خِلافَته ، فلما رُفِعت لنا أَعْلام خُناصِرة لقِينا مَسْلمة بن عبد المَلك ، وهو يومَئذ فَتى العَرَب ، فسَلَّمنا فرَدَّ ، ثم قال : أما بَلَغكم أن إمامَكم لا يَقبَل الشِّعر ؟ قلنا : ما تَوَضح إلَيْنا خَبَر حتى انتَهَينا إليك . ووَجَمنا وَجْمة عُرف ذلك فينا . قال : إن يَكُن ذو دين بَنِي مُرْوان قد وَلِي وخَشيتُم حِرمانَه ، فإن ذا دُنْيانا قد بَقِي ، ولكم عندي ما تُحِبون ، وما أَلْبَث حتى أرجِع إلَيْكم ، وأمنَحَكم ما أنْتُم أهله . فلما قَدِم كانت رحالُنا عنده بأكْرَم مَنزل عليه . وكان مَسْلمة يعرف للعُلَماء كذلك أقْدارَهم ، ويهدي إليهم ، وكان يهدي إلى الحَسَن البَصْري ، وأهدى إليه ذات مرة خَمِيصة لها أعلام ، فكان الحَسَن يُصَلي فيها . وكان يتَقَدم بالنصيحة في مَوْطنها ، ولقد لاحَظ على أخيه يَزيد بن عبد المَلك نَوعا من اللَّهو وهو في الخِلافة ، فنَصحه وذَكَّره بسيرَة عُمَر بن عبد العَزيز وقال له فيما قال : إنما مات عُمَر أمْسِ ، وقد كان من عَدْله ما قد عَلِمت ، فينبغي أن تُظْهر للناس العَدْل ، وتَرْفض هذا اللَّهو ، فقد اقتَدى بك عُمّالك في سائر أفْعالِك وسيرَتِك . * * * ومن أروَع المَشاهِد المأثورَة المذكورَة في سيرَة البَطَل الفاتِح : مَسْلمة بن عبد المَلك . والتي يجب أن نُطيل فيها التَّأمل والاعتِبار ، إن كنّا من أصْحاب القلوب والأبصار ، أن مَسْلمة كان يحاصِر ذات يوم حِصْنا ، وما أكْثَر الحُصُون التي حاصَرَها ، وما أكثر الحُصون التي اقتَحَمها باسم الإسلام والمُسلِمين . . . واستعْصَى فَتْح الحِصن على الجُنود ، فوَقَف مَسْلمة يَخْطُب بينهم ويقول لهم ما معناه : أما فيكم أحَد يُقْدم فيُحْدث لنا نَقْبا في هذا الحِصن ؟ . وبعد قَليل تَقدم جُنْدي مُلَثَّم ، وألقى بنفْسِه على الحِصن ، واحتَمَل ما احتَمَل من أخطار وآلام ، حتى أحدَث في الحِصْن نَقْبا كان سَبَبا في فَتْح المُسلمين له ، وعَقِب ذلك نادى مَسْلمة في جُنوده قائلا : أين صاحِب النَّقب ؟ . فلم يُجبه أحد ، فقال مَسْلمة : عَزَمت على صاحِب النَّقْب أن يَأْتي للقائي ، وقد أمرت الآذِن بإدخالِه عليَّ ساعَةَ مجيئه . وبعد حين أقْبَل نَحْو الآذِن شخص مُلَثَّم ، وقال له : استأذن لي على الأمير . فقال له : أأنْتَ صاحِب النَّقب ؟ . فأجاب : أنا أخُبِركم عنه ، وأدُلُّكم عليه . فأدْخَله الآذِن على مَسْلمة ، فقال الجُندي المُلَثَّم للقائد : إن صاحِب النَّقْب يشْتَرط عليكم أمورا ثَلاثة : ألاّ تَبْعَثوا باسمه في صَحيفَة إلى الخَليفَة ، وألاّ تَأْمروا له بِشَيء جَزاء ما صَنَع ، وألاّ تَسأَلوه من هو ؟ . فقال مَسْلمة : له ذلك ، فأين هو ؟ فأجاب الجُنْدي في تَواضُع واستِحْياء أنا صاحِب النَّقْب أيها الأمير . ثم سارَع بالخُروج . فكان مَسْلمة بعد ذلك لا يُصَلي صَلاة إلا قال في دعائها : اللهم اجعَلْني مع صاحِب النَّقْب يوم القِيامَة . وبعد ما يَزيد عن نِصْف قَرْن من الزمان قَضاها مَسْلمة بن عبد المَلك في قِتال ونِضال ، وكِفاح وحَمْل سِلاح . مضى إلى رَبِّه سَنَة إحدَى وعِشرين ومِائة ، لينال ثَوابَه مع أهل التَّقوى وأهل المَغْفرة : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ . تُوفي مَسْلمة يوم الأربِعاء لسَبْع مَضين من المحرم سنة إحدى وعِشرين ومِائة ، في مَوْضع يقال له الحانوت ، وقيل سَنَة عِشرين ومائة ، وقيل سَنَة ثنَتَين وعِشرين ومِائة . ومن العَجيب أنَّ صاحِب ( النُّجوم الزّاهرة ) ذَكر خَبَرين عن وَفاتِه فذَكر أولا أنه مات سنة عِشرين ومِائة . ثم عاد بَعْد قَليل فذكر أنه مات سَنَة ثنَتَين وعِشرين ومِائة ، ولكن القَول الأوَّل أصَحُّ . ولقد رثى الوَليدُ بن يزيدَ بن عبد المَلك عمَّه البَطَل مَسْلمة بن عبد المَلك فقال في رثائه هذه الأَبيات : أقــــول - ومـــا البُعْـــد إلا الـــرَّدَى أمَسْــــلم , لا تَبْعـــدنَّ , مَسْـــلمة فقــد كُــنتَ نــورا لنــا فــي الــبِلاد مُضيئـــا , فقــد أصبَحَــت مُظلِمــة ونَكــتُم مـــوتَك نَخشـــى اليَقيـــن فــأبدَى اليَقيـــن لنـــا الجُمجُمــة ! رِضْوان الله تَبارك وتَعالى عَليه .
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |