|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
والسورة على الأرجح مكية، وهي - كغيرها من السور المكية - تتمحور حول العقائد والتوحيد، وجدال المشركين وغيرهم، بنقض عقائدهم، وتثبيت العقيدة الإسلامية بطريق الحجج العقلية، والبراهين القائمة على الحس؛ ولذا، فعلى كل من يريد أن يحمل الدعوة الإسلامية اليوم، من أهل الفكر والعلم والدعوة، وخاصة الجماعات والأحزاب، أن يترسموا منهج القرآن، ويتأسَّوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقة حمله للدعوة الإسلامية في مكة، وفي المدينة؛ حيث تعرَّض لعقائد المجتمع، ونقَضها وبيَّن زيفها، ولم يظهر تجاهها أي مجاملة أو مساومة أو مهادنة، كما يفعل الكثيرون اليوم؛ حيث يتنكب البعض عن مواجهة العلمانية مثلًا ببيان زيفها ومناقضتها للإسلام، بينما يقوم البعض الآخر بتزيينها، بل والمشاركة فيها، وفي ملحقاتها من ديمقراطية ورأسمالية. وهذه السورة وأمثالها من السور المكية التي تدور معاني آياتها حول العقائد الصحيحة: هي الركن الأول الذي انطلق منه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء شخصيات الصحابة الكرام، رضوان الله تعالى عليهم، فنقَّاهم من عقائد الشرك والوثنية، وركز فيهم التوحيد والإخلاص؛ فكرًا وسلوكًا، عقيدة وعبادة. وهي أيضًا الأساس الذي أقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تكتل الصحابة الكرام، بعد أن صهرهم بمفاهيم الإسلام، وأزال عنهم روابط الجاهلية؛ ليتمكنوا من حمل الدعوة الإسلامية، والجهاد في سبيلها، مهما تطلب ذلك من تضحيات. وهي كذلك الأساس الذي أسس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع الإسلامي بين الأوس والخزرج، والمهاجرين والأنصار؛ فجعل العقيدة الإسلامية وحدها عماد العلاقات في المجتمع، ومصدر التشريع في الأمة والدولة. وهذه السورة وأمثالها، بما جاءت به من العقائد والأفكار الإسلامية، هي ذاتها الأصل الذي أقام عليه الرسولُ الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة؛ حيث جعل العقيدة الإسلامية أساسًا للدولة، وجعل القرآن والسنَّة المصدر الوحيد للدستور والقوانين وسائر الأحكام والتشريعات. ملحق رقم 1: يجدر هنا التنبيه إلى الفرق بين الجزاء والإجزاء؛ فالجزاء: هو الثواب الذي يعطيه الله تعالى على الطاعة، والإجزاء: هو أن يسد الشيء عن غيره، ويجزئ عنه؛ فقراءة: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1] لها جزاء قراءة ثلث القرآن، إلا أنها لا تجزئ عن قراءة ثلث القرآن؛ فمن نذر - مثلًا - أن يقرأ ثلث القرآن، فلا يجزئه قراءة: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]؛ لأنها تعدل ثلث القرآن في الجزاء والثواب، لا في الإجزاء والإغناء عن قراءة ثلث القرآن. ومثل هذا في الشرع: ما أعطاه الشارع لمن صلى صلاة واحدة في الحرم المكي، وأنه له أجر مائة ألف صلاة، فهل يفهم أحد من هذا الفضل الرباني أنه لا داعي للصلاة عشرات السنين؛ لأنه صلى صلاة واحدة في الحرم تعدل مائة ألف صلاة؟ بل هذا في الجزاء والثواب، أما الإجزاء فشيء آخر، ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم: إنه ليس بنا حاجة لقراءة القرآن، وأن ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1] كافية عنه؛ ذلك أن القول الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه السورة كان لها هذا الفضل؛ لأن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام: ثلث منها للعقائد، وثلث منها للأحكام، وثلث للقصص، والمسلم لا غنى له عن الأمرين الآخرين، وهما الأحكام والقصص، ولا يتم له معرفتهما إلا بالنظر في كتاب الله كاملًا، ولا يمكن لمن يقف عند سورة "الصمد" أن يعرف هذين الأمرين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والثواب أجناس مختلفة، كما أن الأموال أجناس مختلفة؛ من مطعوم ومشروب وملبوس ومسكون ونقد وغير ذلك، وإذا ملك الرجل من أحد أجناس المال ما يعدل ألف دينار مثلًا لم يلزم من ذلك أن يستغني عن سائر أجناس المال، بل إذا كان عنده مال، وهو طعام، فهو محتاج إلى لباس ومسكن وغير ذلك، وكذلك إن كان من جنس غير النقد، فهو محتاج إلى غيره، وإن لم يكن معه إلا النقد فهو محتاج إلى جميع الأنواع التي يحتاج إلى أنواعها ومنافعها، والفاتحة فيها من المنافع: ثناءٌ ودعاءٌ مما يحتاج الناس إليه ما لا تقوم ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1] مقامه في ذلك، وإن كان أجرها عظيمًا، فذلك الأجر العظيم إنما ينتفع به صاحبه مع أجر فاتحة الكتاب؛ ولهذا لو صلى بها وحدها بدون الفاتحة: لم تصحَّ صلاته، ولو قدر أنه قرأ القرآن كله إلا الفاتحة: لم تصح صلاته؛ لأن معاني الفاتحة فيها الحوائج الأصلية التي لا بد للعباد منها؛ (مجموع الفتاوى، 17/131). وقال رحمه الله: "فالقرآن يحتاج الناس إلى ما فيه من الأمر والنهي والقصص، وإن كان التوحيد أعظم من ذلك، وإذا احتاج الإنسان إلى معرفة ما أمر به وما نهي عنه من الأفعال، أو احتاج إلى ما يؤمر به، ويعتبر به من القصص والوعد والوعيد - لم يسد غيره مسده؛ فلا يسد التوحيد مسد هذا، ولا تسد القصص مسد الأمر والنهي، ولا الأمر والنهي مسد القصص، بل كل ما أنزل الله ينتفع به الناس ويحتاجون إليه، فإذا قرأ الإنسان: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]، حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث القرآن، لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص؛ فلا تسد: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1] مسدَّ ذلك، ولا تقوم مقامه". ثم أوضح أمرًا دقيقًا فقال: "فالمعارف التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة، فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة؛ لتنوع الثواب، وإن كان قارئ ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1] ثلاثًا يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب، لكنه جنس واحد، ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها العبد؛ كمن معه ثلاثة آلاف دينار، وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف دينار؛ فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره، وذاك محتاج إلى ما مع هذا، وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا، وكذلك لو كان معه طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار، فإنه محتاج إلى لباس ومساكن، وما يدفع به الضرر؛ من السلاح والأدوية، وغير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام"؛ (مجموع الفتاوى، 17/137 - 139). ملحق رقم 2: ينعَى الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ï´؟ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ï´¾ [الأنعام: 101] على مشركي العرب زَعْمَهم أن الملائكة بنات الله، وعلى أهل الكتاب زعمهم بأن لله ولدًا؛ لتناقض هذا الزعم مع بديهيات العقل والإيمان الصحيح، فكيف يكون لله ولد وهو خالق كل شيء؟! والعقل يحتم أن يتصف الخالق بصفات الكمال، وهي تتناقض مع صفات المخلوقات من توالد؛ أي نقص وعجز، واحتياج وتغير، فكيف يكون للخالق من خلقه نظيرٌ يساميه، أو قريب يدانيه؟ والآية المذكورة: ï´؟ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ï´¾ [الأنعام: 101] مثال من أمثلة كثيرة لآيات تضمنت براهينَ عقلية دامغة، وحججًا مفحمة، وهي سمة بارزة في السور المكية، خاصة في جدال المشركين؛ كقوله تعالى: ï´؟ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ï´¾ [الإسراء: 50، 51]، وقوله تعالى: ï´؟ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ï´¾ [المؤمنون: 91]، وقوله جل وعلا: ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82]، وقوله سبحانه فيما نزل في جدال اليهود والنصارى في المدينة: ï´؟ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ï´¾ [آل عمران: 65]؛ فقد وضعت هذه الآياتُ - بما فيها من قوة التحدي والبراهين الساطعة - العقلاءَ والحكماء من المشركين في مكة، والأحبار في المدينة، في حيرة وارتباك، وأظهرتهم بمظهر المتناقض أمام أتباعهم، ولقد شاءت حكمة الله البالغة أن تأتي هذه الحجج والبراهين في آيات تتلى عبر العصور والأجيال حتى قيام الساعة؛ ليستبين في عصرنا الحاضر منهج القرآن في الدعوة ونقض العقائد والمبادئ المادية والشيوعية والعلمانية والليبرالية وغيرها، وكان من جراء هذه الآياتِ المحاججةِ والمتسمةِ بالقوة والموضوعية في آن معًا: أن أضعفت مصداقية هؤلاء الزعماء من أصحاب القيادات الفكرية والروحية والسياسية في أقوامهم ومجتمعاتهم، سواء الوثنية أو الدينية، بل وزعزت ثقة الناس بهم، وحطمتها عندما ظهر للأتباع ضعف عقول زعاماتهم، وضلال تفكيرهم؛ ولذلك كان أعداء الإسلام غالبًا ما يتجنبون التحدي الفكري والبحث الموضوعي، وهم يلجؤون إلى أساليب الدعاية المضللة لتشويه الحقائق، فإن لم تنفع الدعايات المضللة في صد الناس عن سبيل الله، توسَّلوا بأساليب القمع والتعذيب الجسدي لمنع ظهور رسالة الإسلام، وانتشار أفكاره بين الناس، أما إذا أسقط في أيديهم ورأوا تعاظم الخطر على كياناتهم أو حضارتهم، شنوا الحروب المادية لمنع قيام نظام الإسلام، أو اتساع رقعة فتوحاته. وعلى هذا النسق المذكور أعلاه، يسير القرآن في إقامة البرهان تلو البرهان على وحدانية الله جل وعلا، وبأساليب متنوعة، من كانت صفته الرحمن يستحيل عقلًا أن يكون له ولد، فمن له ولد ليس بخالق ولا أزلي؛ فالنقيضان لا يجتمعان أبدًا؛ قال الله تعالى : ï´؟ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ï´¾[مريم: 88 - 92]. وكون النقيضين لا يجتمعان هو من المسلمات العقلية عند جميع العقلاء من بني البشر، رجالًا ونساء، علماء وعامة، كبارًا وصغارًا، متعلمين وأميين، فإن قال قائل: إن فلانًا موجود في المنزل والمستشفى في آن معًا، فهو مخالف لمسلمات العقل؛ فقوانين الزمان والمكان في الوجود تحتم استحالة وجود الشخص أو الشيء في مكانين مختلفين في ذات الوقت، وكذلك القول: إن فلانًا حي وميت، هو مناقض لمسلمات العقل، أو وصف ذات الشيء بأنه تراب وطائر؛ أي: جماد وكائن حي، فإن ذلك جمع بين المتناقضات، وهو مستحيل؛ ولذلك نعى الله سبحانه على الكفار إنكارهم لوجود الله ووحدانيته، وهو ما تشهد له مسلمات العقل لدى كل إنسان أعمل عقله بتجرد عن الهوى والتقليد والتعصب؛ ولذلك أيضًا وصفهم سبحانه بأنهم كالأنعام: ï´؟ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ï´¾ [الفرقان: 44]؛ فهم قد عطلوا العقل - أي المسلمات العقلية لدى جميع البشر - في قضية الإيمان والحكم على الوجود والحياة؛ فكانوا والأنعام سواءً؛ وذلك لأن الأنعام ليس لها عقل وفكر لتحاكم الأشياء وتستنبط الأفكار وتستدل على العقائد فتتبين الحق من الباطل، ولا تملِكُ دماغًا يتمتع بخاصية الربط بين المعلومات عن الأشياء وتحليلها، واستنباط النتائج للخروج بأحكام وأفكار وتصورات جديدة، وبمعنى آخر فإن الأنعام تسير غرائزيًّا في إشباع حاجاتها وسائر تصرفاتها؛ من تكاثر، واتقاء للخطر، وعدوان؛ ولذلك فمن عطَّل العقل وحكَّم هواه في عقيدة الحياة، فقد انحط عن مستوى الإنسان إلى مستوى الحيوان؛ فتعطيل العقل متلازم ولا بد بتحكيم الهوى؛ ولذلك قال تعالى في الآية التي قبلها: ï´؟ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ï´¾ [الفرقان: 43، 44]، إلا أن القضية أخذت بُعدًا أخطر من ذلك، والسبب أن إنكار وجود الله ووحدانيته لم يقتصر على مخالفة المسلمات العقلية لدى العقلاء، بل تجاوزه ليتناقض مع المسلمات الفطرية، حتى لدى الأطفال، ألا ترى أن الطفل الصغير يبكي إن غادر أبوه المنزل ولم يأخذه معه؛ لكونه - بحكم الفطرة - يدرك أنه لا يمكن أن يوجد، في الوقت ذاته، في مكانين: حضن أمه في المنزل، وبصحبة أبيه في الخارج، وكذلك الطفل الصغير يبكي إن جاء طفل آخر أو شخص ما ونزع منه لعبته؛ لكونه - بحكم الفطرة - يدرك أنه لا يمكن لذات اللعبة أن تكون بيده وبيد شخص آخر في ذات الوقت؟! فالنقيضان لا يجتمعان، والفطرة، وليس بديهيات العقل فقط، تهدي الإنسان منذ طفولته، وقبل بلوغ سن التمييز، حيث يبدأ في عقل الأشياء، تهديه إلى سنن الوجود وقوانين الزمان والمكان، التي يخضع لها الإنسان وجميع الأشياء في هذا العالم. ومن هنا نجد أن الله سبحانه لم يصف هؤلاء الجاحدين المعاندين بأنهم كالأنعام فقط، بل جعلهم أضل من الأنعام؛ حيث قال عز وجل: ï´؟ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ï´¾ [الفرقان: 44]؛ فالأنعام تهتدي لمراعيها، وتعرف - بحُكم الفطرة - ما ينفعها وما يضرها، وتستشعر الأخطار فتتقيها، بما حباها الله به من حواسَّ وقدرات، أما هؤلاء فلم ينتفعوا بما حباهم به خالقهم من نعمة العقل، ولم ينتفعوا حتى بما لديهم من فطرة سليمة تحفز العقل وترشده للاهتداء إلى الإيمان بالخالق المدبر، بل إنهم - بدلًا من أن يحكموا العقل في قضية سبب الوجود والغاية منه - انسلخوا من فطرتهم، واتبعوا الهوى؛ فأردى بهم في الضلال والمعيشة الضنكى في الحياة الدنيا، وجلب لهم الخزي والعذاب في الدار الآخرة. والخلاصة أن هؤلاء الكفار: 1) حكَّموا الهوى، ثم 2) عطَّلوا عقولهم، 3) فتساوَوْا بالأنعام، بل 4) كانوا أضل منها. ولذا؛ فقد استحقوا وصف الله تعالى لهم بأنهم كالأنعام، بل هم أضل منها؛ لكونها تميزت عنهم بانتفاعها بفطرتها، بينما كان الواجب أن يتميز هؤلاء - بحكم إنسانيتهم - عن الأنعام بأن فضلهم ربهم وأكرمهم بنعمة العقل، فهل بعد هذا الضلال من ضلال؟ والسؤال الذي لا يزال يحير الكثيرين: كيف أصبح هؤلاء الكفار أضلَّ من الأنعام، مع أنهم أقاموا صناعات، وشيدوا حضارات وممالك؛ كفارس والروم، ودول الغرب الرأسمالي في هذا العصر أحدثوا تحولات هائلة في مجال العلوم والتكنولوجيا والصناعة؟ والجواب - بإيجاز -: أنهم عطلوا عقولهم في قضية الإيمان فضلُّوا، واستعملوا عقولهم في العلوم والصناعة فتقدموا؛ لأخذهم بالأسباب المادية، وسيرهم وفق قوانين الطبيعة؛ بيد أنهم تقدموا في وسائل الحياة ورفاهيتها، وتراجعوا بل أخفقوا في تحقيق السعادة للإنسان، وإقامة العدل بين الناس، وأقاموا بنيان حضارتهم على شفا جرف هارٍ يكاد يهوي بهم، لكنه ينتظر خروج خير أمة أخرجت للناس، فتعي ما أخرجت له، وتتلبس بما أخرجت به، فتستأنف حمل الدعوة الإسلامية للعالم، فتقيم فيه حكم الإسلام، وتشيع فيه الهداية والعدل، وتسعى لإنقاذ البشرية في الدنيا، وفلاحها في الآخرة، ولعله يكون قريبًا بإذن الله تعالى. ملحق رقم 3: ولا تزال نظريات الباحثين الغربيين تدور حول هذه التفسيرات السطحية والمغرضة، التي روج لها مشركو قريش ضد نبي الإسلام وأتباعه منذ أربعة عشر قرنًا؛ فهم حين يتعرضون لظاهرة اعتناق الآلاف من الغربيين في أوروبا وأمريكا للإسلام، ونبذهم للحضارة الغربية وفسادها، لا يفتؤون يرددون أن السبب هو إما المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، أو الاضطرابات النفسية وتدني المستوى التعليمي، أو الرغبة في الزواج من رجل مسلم أو فتاة مسلمة، ويريدون بذلك الإيهام بأن دافع هؤلاء لاعتناق الإسلام هو الغريزة، أو الضَّياع وفقدان البديل، أو ما شابه، ما يعني ضمنًا أمرين: الأول أن هذ الإقبال المتصاعد لا دلالة فيه على "احتمال" أن يكون الإسلام هو الدين الحق، والنظام الصالح لبني الإنسان، وأن خيار هؤلاء الغربيين ليس مؤشرًا على أن في الإسلام قوة إنسانية جاذبة تحقق الطمأنينة والسعادة والاستقرار، والثاني: أن هؤلاء المسلمين جاؤوا من طبقة مهمشة لا يعتد بها؛ فهي مشكوك في سلامتها أو توازنها العقلي والنفسي، وما دفعها للإسلام إلا ظروف ناتجة عن تخلف المجتمع وإهمال الدولة؛ فهي طبقة تائهة تبحث عن مأوى، وتلجأ إلى الدين هربًا من مشاكلها الحياتية، وهم - بنظريتهم تلك - يضاهئون قول الذين كفروا من قبل من قوم نوح عليه السلام؛ حيث أخبر الله تعالى عنهم: ï´؟ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ï´¾ [هود: 27]. ولا يقتصر الأمر على تفسير ظاهرة الإقبال اللافت على الإسلام من قِبَل المسلمين الغربيين، بل إن نظريات التفسير المادي، التي يعتمدها المستشرقون من المفكرين والباحثين الغربيين، تستخدم أصلًا لتفسير التحول الحضاري والتوجه المتسارع، الذي تشهده شعوب العالم الإسلامي نحو الإسلام عقيدة ونظام حياة، حضارة ودولة، وهو ما يطلقون عليه خداعًا وتضليلًا "أصولية"، و"إسلامًا سياسيًّا"، فيبحثون عن تفسيرات مادية وأسباب اقتصادية واجتماعية، كالفقر والبطالة والتخلف العلمي والمدني، وتدني مستوى التعليم، لتفسير عودة الشعوب إلى الإسلام، وانصرافها عن المبادئ والأفكار والمذاهب التي نشرها الغرب المستعمر في المنطقة، قبل وبعد استعماره العسكري في القرنين التاسع عشر والعشرين، من مثل العلمانية والقومية والرأسمالية والديمقراطية والحريات العامة. وفي سبب النزول لهذه السورة، وغيرها، دليل ومثال على أن القرآن كان يتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم حسب الوقائع والأحوال، سواء في تقرير العقائد نفيًا وإثباتًا، أو في تشريع الأحكام تحليلًا وتحريمًا، وهكذا يجب على المسلمين أن يحملوا الإسلام اليوم؛ التزامًا بمنهج القرآن، واتباعًا لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، في حمل دعوة الإسلام للناس، مسلمين وغير مسلمين، فيحملونه - عقيدة وأحكامًا - حملًا حيويًّا عمليًّا يسير مع شؤون الحياة الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والتشريعية والاجتماعية ... لا أن يعكفوا على حفظ نصوص الإسلام حفظًا جامدًا، أو دراسته دراسةً علمية نظرية، أو يحملونه حملًا روحيًّا مجردًا، كأن الإسلام معتقدات وجدانية ومواعظ أخلاقية تُعْنَى بالفرد وعلاقته بخالقه فقط، متجاهلين تشريعات الإسلام التي تنظم علاقات المجتمع وشؤون الدولة، أو متغافلين عن حقيقة أنه نظام يعالج مشاكل الحياة، ويبين الحلول العملية الناجعة للإنسان، فردًا كان أو جماعة أو دولة. [1] قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [2] أبو حيان الأندلسي. [3] الزمخشري، والنسفي، وابن عاشور. [4] القرطبي، وابن كثير، والماوردي. [5] القرطبي، والطبري، وابن كثير، والزمخشري. [6] القرطبي، والزمخشري، والبيضاوي، والنسفي، والماوردي. [7] الطبري. [8] الطبري، الشوكاني، أبو حيان الأندلسي. [9] القرطبي، الطبري، النسفي، الزمخشري. [10] لسان العرب، ابن منظور. [11] الماوردي، والرازي.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |