الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         انستجرام يتيح للمستخدمين إعادة ترتيب المنشورات على الصفحة الرئيسية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 62 )           »          iOS 27 يحل واحدة من أكثر شكاوى مستخدمي آيفون المزمنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          خطوات تثبيت iOS 27 على موبايلك الأيفون .. وأهم الميزات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          كل ما تريد معرفته عن تطبيق Siri AI الجديد من أبل.. وأبرز المزايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          Ai السبب.. أساتذة جامعات يحذرون من تراجع فهم الطلاب للرياضيات والعلوم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 57 )           »          كيف يستخدم الناس الذكاء الاصطناعى فى العمل فعليًا خلال 2026؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          لماذا تظهر أيقونة السحابة بجانب بعض تطبيقات الآيفون؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          ذكاء اصطناعى فى أذنك.. كيف ستغير سماعات OpenAI روتينك اليومى؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          فلاشة usb أم كارت ميمورى sd.. أيهما أفضل لتخزين الصور؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          نهاية عصر الكلمات المفتاحية.. جوجل تحول محرك البحث إلى مستشار شخصى ذكى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-02-2020, 01:30 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (11)

- أحكام فقهية في قصة الملأ من بني إسرائيل


د.وليد خالد الربيع



قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} سورة البقرة:246.



قال الشيخ ابن سعدي: «يقص الله -تعالى- على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر؛ لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا؛ فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى -عليه السلام- فقالوا له: {ابعث لنا ملكا} أي: عيِّن لنا ملكا {نقاتل في سبيل الله} ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل -أصحاب البيوت-، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم.

أنبياء بني إسرائيل

وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة قال لهم نبيهم: {هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا} أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل؟ ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا} فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن { إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله، ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله؛ فلهذا قال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}».


تمني لقاء العدو

من المسائل الفقهية المستفادة من هذه الآية الكريمة مسألة (تمني لقاء العدو): قال القرطبي: «أخبر -تعالى- أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة، ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب تولوا أي: اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا» متفق عليه.

المنع من طلب لقاء العدو

فظاهر الحديث يدل على المنع من طلب لقاء العدو، وقد اجتهد العلماء في بيان الحكمة من ذلك، فقال النووي: «إِنَّمَا نَهَى عَنْ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِمَا فِيهِ مِنْ صُورَةِ الْإِعْجَابِ وَالِاتِّكَالِ عَلَى النَّفْسِ وَالْوُثُوقِ بِالْقُوَّةِ وَهُوَ نَوْعُ بَغْيٍ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ قِلَّةَ الِاهْتِمَامِ بِالْعَدُوِّ وَاحْتِقَارَهُ وَهَذَا يُخَالِفُ الِاحْتِيَاطَ وَالْحَزْمَ».

صُورَةٍ خَاصَّة

وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّهْيِ عَنِ التَّمَنِّي فِي صُورَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ إِذَا شَكَّ فِي الْمَصْلَحَةِ فِيهِ وَحُصُولِ ضَرَرٍ وَإِلَّا فَالْقِتَالُ كُلُّهُ فَضِيلَةٌ وَطَاعَةٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا تَمَّمَهُ - صلى الله عليه وسلم- بِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ»، وَقَدْ كَثُرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الْأَمْرِ بِسُؤَالِ الْعَافِيَةِ وَهِيَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِدَفْعِ جَمِيعِ الْمَكْرُوهَاتِ فِي الْبَدَنِ وَالْبَاطِنِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».

ونقل ابن حجر عن ابن بَطَّالٍ أن حِكْمَةُ النَّهْيِ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَعْلَمُ مَا يؤول إِلَيْهِ الْأَمْرُ وَهُوَ نَظِيرُ سُؤَالِ الْعَافِيَةِ مِنَ الْفِتَنِ وَقَدْ قَالَ الصِّدِّيقُ: لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ.

مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ

وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيد: «لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى النَّفْسِ وَكَانَتِ الْأُمُورُ الْغَائِبَةُ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْوُقُوعِ كَمَا يَنْبَغِي فَيُكْرَهُ التَّمَنِّي لِذَلِكَ، وَلِمَا فِيهِ لَوْ وَقَعَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يُخَالِفَ الْإِنْسَانُ مَا وَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّبْرِ عِنْدَ وُقُوعِ الْحَقِيقَةِ».

ظاهر الحديث

وأورد الحافظ ابن حجر إشكالا حول تعارض ظاهر هذا الحديث مَعَ الأدلة التي تدل على جَوَازِ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ كحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل» متفق عليه.

حُصُولَ الشَّهَادَةِ

وجمع بينهما بقوله: «وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ حُصُولَ الشَّهَادَةِ أَخَصُّ مِنَ اللِّقَاء لَإمَكَان تَحْصِيلِ الشَّهَادَةِ مَعَ نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَدَوَامِ عِزِّهِ بِكَسْرَةِ الْكُفَّارِ، وَاللِّقَاءُ قَدْ يُفْضِي إِلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْ تَمَنِّيهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَمَنِّيَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَعَلَّ الْكَرَاهِيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِمَنْ يَثِقُ بِقُوَّتِهِ وَيُعْجَبُ بِنَفْسِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ».

وذكر المازري في شرح مسلم جوابا آخر فقال: «قيل: قد يكون المراد بهذا أنّ التمنّيَ ربّما أثار فتنة أو أدخل مضرة إذا تُسُهِّل في ذلك واستُخف به، ومن استخف بعدوّه فقد أضاع الحزم، فيكون المراد بهذا أي: لا تَستهينوا بالعدوّ فتتركوا الحذر والتحفّظ على أنفسكم وعلى المسلمين، أو يكون لا تتمنّوا لقاءه على حالة يشكّ في غلبته لكم أو يخاف منه أن يستبيح الحريم أو يُذهب الأنفس والأموال أو يدرك منه ضرر».

فوائد الآية الكريمة


ومن فوائد الآية الكريمة أيضا ما ذكره الشيخ ابن عثيمين: «أن الإنسان قد يظن أنه يستطيع الصبر على ترك المحظور أو القيام بالمأمور، فإذا ابتلي نكص، لقوله -تعالى-: {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم}.

ومنها الإشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية»، وقوله صلى الله عليه وسلم : «من سمع بالدجال فلينأ عنه»، ويشبه هذا أن بعض الناس ينذرون النذر وهم يظنون أنهم يوفون به ثم لا يوفون به».


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-03-2020, 09:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية



الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (12)

- حكـم النـذر

د.وليد خالد الربيع



قال -تعالى-: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}(آل عمران:35)، قال الشيخ ابن سعدي: «ولما ذكر فضائل هذه البيوت الكريمة ذكر ما جرى لمريم والدة عيسى، وكيف لطف الله بها في تربيتها ونشأتها؛ فقال: { إذ قالت امرأة عمران} أي: والدة مريم لما حملت {رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا}. أي: جعلت ما في بطني خالصا لوجهك، محررا لخدمتك وخدمة بيتك؛ فتقبل مني هذا العمل المبارك إنك أنت السميع العليم، أي تسمع دعائي، وتعلم نيتي وقصدي، هذا وهي في البطن قبل وضعها»، هذه الآية الكريمة تدل على حكم شرعي وهو(النذر) وفيه مسائل عديدة منها:
المسألة الأولى: ما النذر؟
النذر في الاصطلاح: إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ نَفْسَهُ لِلَّهِ -تَعَالَى- بِالْقَوْلِ شَيْئًا غَيْرَ لَازِمٍ بِأَصْلِ الشَّرع.
المسألة الثانية: ما حكم النذر؟
النذر مشروع كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ -تَعَالَى-: {يُوفُونَ بِالنَّذر} وَقَالَ: {وَلْيُوفُوا نُذورَهُمْ}؛ فمدح الناذرين مما يدل على مشروعيته.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فعن عَائِشَةُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِه» (أخرجه البخاري)، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّةِ النَّذْرِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ .

النذر مكروه
ومع أن النذر مشروع، إلا أنه مكروه وَلَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ النَّذرِ، وَأَنَّهُ قَالَ: «لا تنذروا». قال ابن قدامة: وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، لَا نَهْيُ تَحْرِيمٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَنْبَهُمْ فِي ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا، لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَفَاضِلُ أَصْحَابِهِ.
المَسْأَلَةٌ الثالثة: ما أنواع النذر؟ وما حكم كل نوع منها؟
ذكر العلماء للنذر أنواعا عديدة منها:
الأول: نَذرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَب.
وَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُهُ الناذر مَخْرَجَ الْيَمِينِ، لِيحَثِّ نفسه أو غيره عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْمَنْعِ مِنْهُ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ لِلنَّذرِ وَلا الْقُرْبَةِ كأن يقول: إن فعلت كذا فعلي صوم أو حج أو صدقة؛ فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ المنعقدة؛ فيخير بين ما التزمه أو كفارة اليمين، ودليل ذلك ما ثبت عن الصحابة الكرام؛ فعن عائشة أنها سئلت عن رجل جعل كل مال له في رتاج الكعبة في شيء كان بينه وبين عمة له، قالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين».
وقيل لابن عباس: ما تقول في امرأة جعلت بردها عليها هديا إن لبسته؟ فقال ابن عباس: في غضب أم في رضا؟ قالوا: في غضب قال: إن الله لا يتقرب إليه بالغضب، لتكفر عن يمينها، ومثله عن عمر وابن عمر وغيرهم، ووجه الدلالة أن الصحابة سموا نذر اللجاج والغضب (يمينا)؛ لما فيه من معنى اليمين، ثم أوجبوا فيه كفارة اليمين ولم يلزموا الحالف ما التزمه من الحج والصيام والصدقة؛ لأنه لم يلتزمه على وجه القربة، بل كان في الغضب بقصد الحض أو المنع.
الثَّانِي : نَذرُ الطَاعَةٍ وَالتُبَرَّرُ
وَهو أن يلتزم الناذر ما يعد طاعة لله كالصَّلَاة، وَالصِّيَام وَالْحَج وَالْعُمْرَة وَالصَّدَقَة وَالِاعْتِكَاف، سَوَاء نَذَرَهُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَقُولَ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ؛ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ عِلَّتِي، أَوْ شَفَى فُلَانًا، أَوْ سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ ونحوه؛ فَأجاب الله رجاءه؛ فَهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِه لقَوْلُ النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»، وَذَم الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ. وذكر ابن قدامة والنووي الإجماع على ذلك.
الثَّالِثُ: نَذرُ الْمَعْصِيَةِ
كأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ أَقْتُلَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ وَمَا أَشْبَهَهُ ، قال ابن قدامة : فَلا يَحِلُّ الْوَفَاءُ بِهِ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ[ قَالَ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»؛ وَلِأَنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ -تَعَالَى- لَا تَحِلُّ فِي حَالٍ .
وهل َيَجِبُ عَلَى النَّاذِرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ فيه مذهبان:
المذهب الأول : يجب فيه كفارة يمين وَبِهِ قَال الحنفية والحنابلة ومن أدلتهم:
(1) مَا رَوَتْ عَائِشَةُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا نَذرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
(2) وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّتِي نَذَرَتْ ذَبْحَ ابْنِهَا : كَفِّرِي يَمِينَك .
المذهب الثاني: لا كفارة فيه، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَرُوِايَة عَنْ أَحْمَد، ومن أدلتهم :
(1) قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْد».
(2) وَلِأَنَّهُ نَذْرٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، فَلَمْ يُوجِبْ شَيْئًا ، كَالْيَمِينِ غَيْرِ الْمُنْعَقِدَةِ .
ونوقش هذا الاستدلال بما قاله ابن قدامة: أما أحاديثهم فمعناها لا وفاء بالنذر في معصية الله، وهذا لا خلاف فيه، ولو لم يبين الكفارة في أحاديثهم؛ فقد بينها في أحاديثنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عين فيه الكفارة، ونهى عن فعل المعصية.أهـ باختصار .
وبهذا يظهر رجحان المذهب الأول لقوة أدلتهم.
الرابع : نذر المباح
وهو نذر ما لم يرد فيه ترغيب من جهة الشارع، كما لو قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، أَوْ أَسْكُنَ دَارِي، أَوْ أَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِي وَمَا أَشْبَهَهُ، لَمْ يَكُنْ هَذَا نَذْرَ طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ؛ فهنا اختلف الفقهاء في انعقاد هذا النذر على مذهبين :
المذهب الأول: ينعقد ويَتَخَيَّرُ النَّاذِرُ بَيْنَ فِعْلِهِ فَيَبَرُّ بِذَلِكَ، أو يكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وهو مذهب الحنابلة وبعض المالكية، لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ؛ فَقَالَتْ: إنِّي نَذَرْت أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِك بِالدُّفِّ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «أَوْفِ بِنَذرِك» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد).
المذهب الثاني: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ ولا يلزمه الوفاء به، وَبه قَالَ الحنفية والمَالِكية وَالشَّافِعِية، ومن أدلتهم قَوْلِ النَّبِيِّ: «لَا نَذرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» (أخرجه أبو داود قال في مجمع الزوائد: فيه عبدالله بن نافع المدني وهو ضعيف)، وبهذا يظهر رجحان المذهب الأول لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة .

الخامس: النَّذْرُ الْمُبْهَمُ أو المطلق
وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَى نَذرٌ دون أن يبين ما التزمه من أعمال؛ فَهَذَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لَما روى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «كَفَّارَةُ النَّذرِ إذَا لَمْ يُسَمِّهِ كَفَّارَةُ الْيَمِين» (أخرجه الترمذي).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14-02-2021, 01:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

<b>
الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (14)

أحكام فقهية في آية زكريا عليه السلام مع قومه



د.وليد خالد الربيع




قال -تعالى-: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}
، (سورة آل عمران:41)، قال الطبري: «يعني بذلك -جل ثناؤه- خبرًا عن زكريا، قال زكريا: ربّ إن كان هذا النداء الذي نُوديتُه، والصوتُ الذي سمعته، صوتَ ملائكتك وبشارةً منك لي، فاجعل لي آية، يقول: علامةً أن ذلك كذلك، ليزول عنِّي ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أنّ ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك».


قال الشيخ ابن سعدي: «قوله -تعالى-: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أي: علامة على وجود الولد قال: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذه آية عظيمة ألا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها من غير أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار».

من الأحكام الفقهية التي تستفاد من هذه الآية الكريمة حكم (الإشارة) وقيامها مقام الكلام:

المسألة الأولى: ما المراد بالإشارة؟

ورد في الآية الكريمة لفظ (الرمز) ومعناه كما قال الطبري: «وأما (الرّمز) فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماءُ بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غير كثير فيهم»، فالإشارة في الاصطلاح: تعني الحركة الصادرة عن الإنسان سواء باليد أم الرأس أم الشفة.

المسألة الثانية: هل تقوم (الإشارة) في البيان مقام اللسان؟

قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة».

قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد الآية: «إن الإشارة تقوم مقام العبارة؛ لقوله -تعالى-: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}، وهذه الفائدة مبنية على أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، ووجه المأخذ: أن الاستثناء هنا منقطع، فلا يكون كلاما لكنه يقوم مقامه عند العجز، وكلا الأمرين حق؛ فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام ولا سيما عند العجز»، وقد ذكر الفقهاء من القواعد الفقهية قاعدة: (الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان)ووضحها الزركشي في المنثور بقوله: «إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالدَّعَاوَى وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا، قَالَ: وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا بَيَانٌ، وَلَكِنَّ الشَّارِعَ تُعِيدُ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ فَإِذَا عَجَزَ الْأَخْرَسُ بِخَرَسِهِ عَنْ الْعِبَارَةِ أَقَامَتْ الشَّرِيعَةُ إشَارَتَهُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ»، وذلك مراعاة لحاجته ودفع الضرر عنه؛ إذ لو لم تقبل إشارته لما صحت عباداته، ولا معاملاته؛ فيشق لك عليه, ويتضرر ضررا كبيرا, والشريعة قد جاءت بالتيسير ورفع الحرج.

إشارة الأخرس معتبرة

وعلى هذا فتعتبر إشارة الأخرس في كل تصرفاته ومعاملاته من: نكاح وطلاق وبيع وشراء ورهن وهبة, وإبراء وإقرار ويمين, ونكول ووصية ودعوى ولعان وقذف وإسلام, وغير ذلك من الأحكام, ولكن في الحدود والعقوبات الخالصة لله -تعالى- لا تقبل إشارته؛ بناء على قاعدة (وجوب درء الحدود بالشبهات)؛ فالأخرس لا يُحدُّ ولا يُحد له، واختلفوا في القذف، والإشارة المعتبرة للأخرس هي الإشارات المعهودة المعتادة، فلو لم تكن إشارته معهودة معلومة عند القاضي؛ فعليه الاستفسار ممن يعرف معناها من أصحابه وأقربائه، والإشارة في التعاقد تعني إقامة الحركة مقام النطق في التعبير عن إرادة المتعاقدين، ولها أحوال:

الحالة الأولى: أن تصدر الإشارة من القادر على الكلام:

كأن يقول شخص لآخر: بعتك سيارتي بألف دينار, فيشير الآخر برأسه أو يده بما يدل على قبوله، فهنا اختلف الفقهاء:

- المذهب الأول: إِذَا كَانَ الشَّخْصُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ لا تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ. وهو مذهب الجُمْهُورُ, لأن الأصل في التعبيرعن الإرادة والرضا بالعقد يكون بالكلام، ولا يلجأ إلى غير الكلام إلا للضرورة، ولا ضرورة هنا لقدرة العاقد على النطق.

- المذهب الثاني: ينعقد العقد بالإشارة وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ إلا النكاح. وهو مذهب المَالِكِيَّةِ؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة بما يدل عليها, وهو يحصل بالإشارة.

كما أن الله -تعالى- سمى الإشارة كلاما في قوله -تعالى-: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا}.

الحالة الثانية: أن تصدر الإشارة من غير القادر على النطق:

كالأخرس أو الناطق الذي عرض له الخرس, ولا يقدر على الكتابة.

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَخْرَسِ الْمَعْهُودَةَ وَالْمَفْهُومَة َ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا، فَيَنْعَقِدُ بِهَا جَمِيعُ الْعُقُودِ؛ لأنها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الإرادة وبها تتحقق مصالحه.

الحالة الثالثة: أن تصدر الإشارة من غير القادر على النطق لكنه يحسن الكتابة؛ فهنا اختلف الفقهاء:

- المذهب الأول: لا ينعقد عقده بالإشارة، وهو رواية عند الحنفية.

لأنه عند العجز عن النطق يصار إلى الكتابة؛ لأنه يعرفها كل من يقرأ بخلاف الإشارة فكانت دلالتها أقوى فتقدم عليها.

- المذهب الثاني: ينعقد عقده بإشارة المفهومة، وهو مذهب الجمهور.

لأنه عند العجز عن النطق ينتقل إلى ما يقوم مقامه من الإشارة أو الكتابة، وهما في ذلك سواء.

وقد دلت السنة على أن الإشارة تقوم مقام النطق باللسان ولو من القادر على الكلام.

ففي كتاب العلم من صحيح البخاري: باب (من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) وذكر بسنده عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي. فأومأ بيده قال ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح, فأومأ بيده ولا حرج.

وفي كتاب الطلاق قال البخاري: (باب الإشارة في الطلاق والأمور) أي: الحكمية وغيرها, وقال ابن عمر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا يعذب الله بدمع العين, ولكن يعذب بهذا» فأشار إلى لسانه. وقال كعب بن مالك: «أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليّ أي: خذ النصف». وقالت أسماء: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف؛ فقلت لعائشة: ما شأن الناس وهي تصلي؟ فأومأت برأسها إلى الشمس فقلت: آية؟ فأومأت برأسها أن نعم». وقال أنس: «أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى أبي بكر أن يتقدم. وقال ابن عباس: «أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده لا حرج. وقال أبو قتادة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيد للمحرم: «آحد منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: «فكلوا».

قال ابن حجر معلقا على هذه الترجمة الطويلة من البخاري: «قَالَ ابن بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إِذَا كَانَتْ مُفْهِمَةً تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ، وَخَالَفَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَعَلَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِشَارَةَ قَائِمَةً مَقَامَ النُّطْقِ، وَإِذَا جَازَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الدِّيَانَةِ فَهِيَ لِمَنْ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ أَجَوْزُ.


وَقَالَ ابن الْمُنِيرِ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْرَسِ وَغَيْرِهِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْأَصْلُ وَالْعدَد نَافِذ كَاللَّفْظِ».
</b>
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-02-2021, 01:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

<b>
الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (17)


الأحكام الفقهية من ميثاق الله لبني إسرائيل

د.وليد خالد الربيع



لا نزال مع المسائل الفقهية المستفادة من قوله -تعالى-: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوه ُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّ كُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (المائدة:12)
وقد ذكرنا في مقدمة المقال السابق قول ابن كثير في الآية وهو: «لما أمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالوفاء بعهده وميثاقه، الذي أخذه عليهم على لسان عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة، فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على من كان قبلهم من أهل الكتابين: (اليهود والنصارى)؛ فلما نقضوا عهوده ومواثيقه أعقبهم ذلك لعنا منه لهم، وطردا عن بابه وجنابه، وحجابا لقلوبهم عن الوصول إلى الهدى ودين الحق، وهو العلم النافع والعمل الصالح»، وذكرنا الآية الكريمة التي دلت على مسائل فقهية، ذكرنا منها المسألة الأولى وهي مشروعية وجود ممثلين للناس يأخذون عليهم العهود، ويبلغونهم التكاليف، واليوم مع المسألة الثانية وهي: قبول خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ مِنْ حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيّ َةِ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ».
خبر الآحاد
وخبر الآحاد هو الحديث الذي لم يصل إلى حد التواتر، ومنه مقبول ومردود، وقد اختلف الناس في مدى الاحتجاج بخبر الآحاد الثابت في العقيدة والأعمال وذلك على النحو التالي:
- المذهب الأول: من رد أخبار الآحاد مطلقا في الاعتقاد والعمل، وهو قول أهل البدع كما ذكره النووي وشيخ الإسلام.
- المذهب الثاني: من رد خبر الآحاد في العقيدة وهو قول المتكلمين.
- المذهب الثالث: من رد خبر الآحاد لمخالفته القياس وهو قول بعض الحنفية.
- المذهب الرابع: من رد خبر الآحاد فيما تعم به البلوى وهو قول أكثر الحنفية.
- المذهب الخامس: من رد خبر الآحاد إذا خالف الراوي ما روى وهو مذهب الحنفية.
- المذهب السادس: من رد خبر الآحاد إذا خالف عمل أهل المدينة وهو مذهب المالكية.
- المذهب السابع: من رد خبر الآحاد في الحدود وهو قول بعض الحنفية.
- المذهب السابع: من رد خبر الآحاد إذا تضمن حكما زائدا على النص القرآني وهو قول الحنفية.
- المذهب الثامن: قبول خبر الآحاد الثابت مطلقا في الاعتقاد والعمل، وهو قول عامة العلماء.
قال النووي: «والذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع يجب العمل بها».
كتاب خبر الآحاد
وقد عقد البخاري في جامعه كتابا عنوانه: (كتاب خبر الآحاد) وعقد في أوله (باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام)، قال ابن حجر: «والمراد (بالإجازة): جواز العمل به والقول بأنه حجة»، وبين أن مراد البخاري هو: «الرد به على من يقول: إن الخبر لا يحتج به إلا إذا رواه أكثر من شخص واحد حتى يصير كالشهادة».
وقد ناقش الشافعي هذه المسألة في كتابه (الرسالة) في (باب خبر الواحد) واستغرق أكثر من مائة صفحة، وهو قول كثير من العلماء كمالك ومسلم وابن حزم وابن الصلاح وابن كثير والاسفراييني وابن حجر وابن تيمية وابن القيم والسخاوي وخلق كثير.
اعتقاد خطأ
وقد أخطأ من ادعى أن أحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وزعم أنه قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء.
وقد أجاب عن هذا ابن القيم بقوله: «فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم من الدين بالضرورة، وإجماع التابعين، وإجماع أتباع التابعين، وإجماع أئمة الإسلام، ووافقوا المعتزلة والجهمية والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة، وتبعوا بعض الأصوليين».
أدلة الجمهور
وقد استدل الجمهور بأدلة كثيرة منها:
خبر الصادق مقبول
1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}، قال ابن سعدي: «فيه دليل على أن خبر الصادق مقبول، وخبر الكاذب مردود، وخبر الفاسق متوقف فيه»، وقال ابن حجر: «يؤخذ من مفهومي الشرط والصفة، فإنهما يقتضيان قبول خبر الواحد».
الطائفة تطلق على الواحد
2- قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُو ا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. فالله -تعالى- أخبر أن الإنذار يحصل بالطائفة، والطائفة تطلق على الواحد فما فوقه، مما يدل على أن خبر الواحد يحصل به العلم والإنذار، وقد احتج البخاري بهذه الآية في صحيحه على الأخذ بخبر الآحاد، قال ابن حجر: «وهذا مصير منه إلى أن لفظ «طائفة» يتناول الواحد فما فوقه ولا يختص بعدد معين، وهو منقول عن ابن عباس وغيره كالنخعي ومجاهد».
وقال القرطبي: «الطائفة في اللغة الجماعة، وقد تقع على أقل من ذلك حتى تبلغ الرجلين»،ثم نقل عن ابن العربي وغيره أنهم يرون أن الطائفة هاهنا واحد ويعتضدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وهو صحيح».
قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم - خبر الواحد
3- قبول الرسول- صلى الله عليه وسلم - خبر الواحد، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عبد الله قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر خمسا؛ فقيل أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسا؛ فسجد سجدتين بعدما سلم». فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل خبر من أخبره بأنه زاد في صلاته ركعة وكان واحدا.
اعتماد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الواحد في التبليغ
4- اعتماده - صلى الله عليه وسلم - على الواحد في التبليغ، كما قال البخاري: (باب ما كان يبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمراء والرسل واحدا بعد واحد)، قال ابن حجر: «وهو استدلال قوي لثبوت خبر الواحد من فعله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن خبر الواحد لو لم يكف قبوله ما كان في إرساله معنى»، فبعث أبا عبيدة لأهل نجران، وبعث عليا وأبا موسى ومعاذا لأهل اليمن، وقال مالك بن الحويرث: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة...الحديث وفيه قوله لهم: «وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».
قبول الصحابة لخبر الواحد
5- أن الصحابة كانوا يقبلون خبر الواحد في العقيدة والعمل، قال ابن حجر: «وقد شاع فاشيا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير؛ فاقتضى الاتفاق منهم على القبول»، فقد تحول الصحابة في مسجد قباء وهم في الصلاة إلى جهة الكعبة بخبر واحد شهد أنه صلى مع رسول الله جهة الكعبة، وأمر أبو طلحة أنسا أن يكسر جرار الخمر لما سمع رجلا يقول: إن الخمر قد حرمت، وكان عمر يتناوب مع جاره الأنصاري في الحضور عند رسول الله ثم يحدث كل منهما الآخر بما سمع من رسول الله في العقيدة والعمل.
تبليغ الشريعة واجب
6- أن تبليغ الشريعة واجب، وهو متعذر بالتواتر، مما يدل على أن خبر الواحد كاف في حصول العلم ووجوب العمل به، قال ابن حجر: «واحتج بعض الأئمة بقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} مع أنه كان رسولا إلى الناس كافة ويجب عليه تبليغهم، فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم».
آثار خطيرة
7- أن عدم قبول خبر الآحاد في العقيدة له آثار خطيرة، منها: إنكار جملة من العقائد، مثل إنكار نبوة الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن، والشفاعة العظمى للنبي- صلى الله عليه وسلم - في المحشر، وسؤال الملكين في القبر وعذاب القبر، وما يكون يوم القيامة من نصب الميزان والصراط وحوض النبي، ودخول سبعين ألفا الجنة بغير حساب، وأن أهل الكبائر لا يخلدون في النار، وغيرها مما ورد بأحاديث الآحاد الثابتة، قال الشافعي: «ليس لك أن تشك في أحاديث الرسول التي رواها الثقات العدول؛ فهذه الأحاديث أصل الدين، والدين محفوظ إلى نهاية الزمان».
</b>
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 03-03-2021, 08:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,390
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأحكام الفقهية من القصص القرآنية

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (20)

الأحكام الفقهية من قصة ابني آدم -عليه السلام

د.وليد خالد الربيع



لا نزال مع قصة ابني آدم -عليه السلام-، فقد أخبرنا الله -تعالى- أن المجني عليه قال للآخر:{إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}.

قال ابن سعدي: «{إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ} أي: ترجع {بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي: إنه إذا دار الأمر بين أن أكون قاتلا أو تقتلني فإني أوثر أن تقتلني، فتبوء بالوزرين {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}، دل هذا على أن القتل من كبائر الذنوب، وأنه موجب لدخول النار»، قال ابن عاشور: «وتَبُوءَ تَرْجِعُ، وَهُوَ رُجُوعٌ مَجَازِيٌّ، أَيْ: تَكْتَسِبُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِكَ، فَكَأَنَّهُ خَرَجَ يَسْعَى لِنَفْسِهِ فَبَاءَ بِإِثْمَيْنِ».

الجواب عن إشكال

وهنا يرد إشكال، كيف نوفق بين ظاهر الآية، الذي يدل على أن القاتل يحمل إثم المقتول، وما جاء من أدلة شرعية تقرر أن كل إنسان مسؤول عن عمله وسعيه فقط كما قال -تعالى-:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور:21)، وقال -سبحانه-: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (فاطر:19)، وقال -تعالى-:{وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النجم:39)، وفي الحديث القُدُسيّ: «يَا عِبَادِي! إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَن إلَّا نَفْسَهُ» أخرجه مسلم.

المراد بالإثمين المذكورين

والجواب هو ببيان المراد بالإثمين المذكورين في الآية:

فجمهور المفسرين على أن المراد: «إثْمُ قَتْلِي، وَإِثْمُك الَّذِي كَانَ مِنْك قَبْلَ قَتْلِي»، وقد رواه الطبري بسنده عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُود وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ.

وحكى الطبري قولا آخر فقال: «وقال آخرون: معنى ذلك: إني أريد أن تبوء بخطيئتي، فتتحمل وزرها، وإثمِك في قتلك إيّاي. قال: وهذا قول وجدتُه عن مجاهد، وأخشى أن يكون غلطًا؛ لأن الصحيح من الرواية عنه ما قد ذكرنا قبلُ».

ثم رجح القول الأول فقال: «وإنما قلنا ذلك هو الصواب، لإجماع أهل التأويل عليه؛ لأن الله -عز وجل ذكره- قد أخبرنا أن كل عامل فجزاءُ عمله له أو عليه، وإذا كان ذلك حكمه في خلقه، فغير جائز أن يكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرم وسائر آثامِ معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبَه قتيلُه».

وقال الجصاص: «وَالْمُرَادُ إنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِعِقَابِ إثْمِي وَإِثْمِك؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ حَقِيقَةَ الْإِثْمِ؛ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إرَادَةُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهَا».

إثمٌ مُرَادٌ بِهِ الْجِنْسُ

وقال ابن عاشور: «فإثمٌ مُرَادٌ بِهِ الْجِنْسُ، أَيْ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ إِثْمٍ. وَقَدْ أَرَادَ بِهَذَا مَوْعِظَةَ أَخِيهِ، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: وَإِثْمِكَ تَذْكِيرًا لَهُ بِفَظَاعَةِ عَاقِبَةِ فِعْلَتِهِ، كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-:{لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} (النَّحْل: 25). فَعَطْفُ قَوْلِهِ: {وَإِثْمِكَ} إِدْمَاجٌ بِذِكْرِ مَا يَحْصُلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُرِيدُهُ»، وقال الشيخ ابن عثيمين: «قوله:{أَن تَبُوءَ} أي: أن ترجع بإثمي وإثمك، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه؟ نقول: «إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم؛ فكأن أخاه الذي لم يقاتل وسلم من الإثم كأنه حمل القاتل إثمه، وليس المعنى: أن القاتل يكون عليه إثمان: إثم للمقتول لو قتله، وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمله عنه وباء به».

الأثر الخطير لسوء الفهم

ويبين ابن كثير الأثر الخطير لسوء الفهم لهذه الآية فيقول: «وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثا لا أصل له: «ما ترك القاتل على المقتول من ذنب». (قال ابن حجر في اللآلئ: هو حديث لا يعرف أصلا ولا بإسناد ضعيف).

قال ابن كثير: «وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثا يشبه هذا، عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه»، وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن تحمل على القاتل فلا».

المقتول يطالب القاتل في العرصات

ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص وهو الغالب، فإن المقتول يطالب القاتل في العرصات فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفدت ولم يستوف حقه أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقى على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المظالم كلها، والقتل من أعظمها وأشدها، ولعله يشير إلى حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أتدرون ما المفلِسُ؟ قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ؛ فقال: إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا. فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه. فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ» رواه مسلم.

حَقِيقَةُ الْمُفْلِسِ

قال النووي: «وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْمُفْلِسِ هَذَا الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ الْهَالِكُ الْهَلَاكَ التَّامَّ وَالْمَعْدُومُ الْإِعْدَامَ الْمُقَطَّعَ، فَتُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُ لِغُرَمَائِهِ، فَإِذَا فَرَغَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَوُضِعَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَتَمَّتْ خَسَارَتُهُ وَهَلَاكُهُ وَإِفْلَاسُهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ -تعالى-:{ولا تزر وازرة وزر أخرى} وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ غَلَطٌ مِنْهُ وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْرِهِ وَظُلْمِهِ، فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لِغُرَمَائِهِ فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَتْ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ قُوبِلَتْ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَةُ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي خَلْقِهِ وَعَدْلِهِ فِي عِبَادِهِ فَأُخِذَ قَدْرُهَا مِنْ سَيِّئَاتِ خُصُومِهِ فَوُضِعَ عَلَيْهِ فَعُوقِبَ بِهِ فِي النَّارِ، فَحَقِيقَةُ الْعُقُوبَةِ إِنَّمَا هِيَ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ وَلَمْ يُعَاقَبْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ وَظُلْمٍ مِنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَهْلِ السَّنَةُ».

من كانت له مظلمة لأخيه

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء، فليتحلل منه اليوم، قبل ألا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه»، قال ابن حجر: «قوله: «أخذ من سيئات صاحبه» أي صاحب المظلمة «فحمل عليه» أي على الظالم، وفي رواية مالك «فطرحت عليه».


قال: «ولا تعارض بين هذا وبين قوله -تعالى-: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}؛ لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل الله -تعالى- في عباده».










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.66 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 116.14 كيلو بايت... تم توفير 3.52 كيلو بايت...بمعدل (2.94%)]