|
|||||||
| ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
الجيولوجي الدكتور رشدي سعيد أحمد جدوع رضا الهيتي من أبرز رجال علم الجيولوجيا العرب، ويُعتبَرُ الأبَ الروحيَّ لعلم الجيولوجيا بمصر، ولُقِّب بـ (أبي الجيولوجيا المصرية)، أحد أبرز خبراء الرَّيِّ، وأحد العارفين بأسرار نهر النيل، وكان أولَ مصريٍّ يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد الأمريكية قبل أكثر من 60 عامًا، ومشروعه الأساسي الذي كرَّس له سنوات عمره هو "نهضة مصر والارتقاء بالإنسان المصري". تولَّى منصبَ أستاذ بجامعة القاهرة، ثم تولَّى إدارة مؤسسة "التعدين والأبحاث الجيولوجية"، وساهم في الاكتشافات التعدينية التي مكَّنت مصر من التغلُّب على ما فقدته بعد احتلال سيناء، وقد كرَّمه الرئيس عبدالناصر، ثم حصل على جائزة الريادة لعام 2003 من الجمعية الأمريكية؛ تقديرًا لأعماله العلمية في مجال جيولوجيا مصر والشرق الأوسط. التحق بكلية العلوم عام 1937، وتخرج فيها عام 1941 بمرتبة الشرف الأولى، ومن ثَمَّ عُيِّن معيدًا بالكلية، بدأ عمله بالتدريس داخل الكلية بعد عودته من بعثته العلمية بالمعهد العالي الاتحادي السويسري في زيورخ بسويسرا، وبمقابلته لعميد كلية العلوم في ذلك الوقت وافق على نقله إلى جامعة هارفارد الأمريكية؛ ليحصل على درجة الدكتوراه من هناك؛ كأول مصري يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد، وهي واحدة من أعظم الجامعات في العالم. بدأ تميُّزُه العملي عندما اتصل رئيس شركة القصير للفوسفات بالدكتور علي مصطفى مشرفة - عميدِ كلية العلوم آنذاك - لترشيح جيولوجيٍّ متخصص لرئاسة الشركة، وقد قام باختيار الدكتور رشدي سعيد، ليبدأ حياته العملية، ويعيد تنظيم إدارة الشركة ليتضاعف دخلها عدة مرات، وفي سنة 1968 رأس مؤسسة "التعدين والأبحاث الجيولوجية" في الفترة من (1968 - 1977م)، ويُعدُّ أبرزَ مَن تولَّى إدارة المؤسسة، التي تولى بِناءها من الصفر، وحوَّلها لمؤسسة تستخدم أحدث الطرق العلمية في البحث والكشف عن ثروات مصر المعدنية، بعد أن كانت من مخلفات شركات القطاع الخاص عند تأميمها، فكان له دور كبير في تنمية هذه المؤسسة، إلى جانب دوره في الاكتشافات التعدينية، التي مكَّنت مصر من التغلب على ما فقدته بعد احتلال سيناء عام 1967، وطوَّر هيئة المساحة الجيولوجية لتصبح مركزًا علميًّا، وأضاف إلى مهامها دراسةَ وبناءَ المشروعات التعدينية. واختار الدكتور رشدي سعيد تخصصًا نادرًا، وهو جيولوجيا مصر، وأصدر مجموعة من المراجع العلمية المتخصصة نالت إعجاب علماء العالم، وأصبح مُعترَفًا بها على المستويين: المحلي، والعالمي؛ وبذلك انتقل الدكتور رشدي سعيد من الجامعة إلى المجتمع، ومن العلم إلى الثقافة، حين استطاع أن يقتحم الموضوعات المسكوت عنها؛ مثل: نظام الحكم، وعَلاقة الحكومة بمؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب دوره في الاكتشافات التعدينية، التي مكَّنت مصر من التغلب على ما فقدته بعد احتلال سيناء. وأُتيحت له فرصة العمل السياسي في فترة الستينيَّات والسبعينيَّات كعضو في مجلس الشعب وفي الاتحاد البرلماني الدولي.. ولم يجد أمامه طريقًا إلا تقديمَ استقالته، بعد أن تغيَّرت اهتمامات مصر، واضطر للهجرة خارج الوطن، وبَيْعِ مكتبتِه العلمية؛ ليستطيع الحياة في الولايات المتحدة، ولا يزال مشروع الدكتور رشدي الذي كرَّس له سنوات عمره - وهو "الارتقاء بالإنسان المصري" - مستمرًّا، ليس فقط من خلال أبحاثه ودراساته العلمية فحسب، بل أيضًا من خلال عالم الثقافة والتنوير، ونشر المنهج العقلاني الإنساني المتحرِّر من آفة التعصُّب والعنصرية، وهي السِّمات الأساسية في تكوين شخصيته، التي يدعو إليها بين كل المصريين. وله إصدارات كثيرة، منها: كتاب المنخريات في شمال البحر الأحمر Foraminifera of the northern Red Sea، كتاب جيولوجيا مصر The geology of Egypt، كتاب المسح الجيولوجي في مصر The geological survey of Egypt,، كتاب مذكرات تفسيرية مرافقة لخريطة مصر الجيولوجية Explanatory notes to accompany the geological map of Egypt، كتاب المنطقة الجيولوجية تحت سطح أرض القاهرة Subsurface geology of Cairo area، كتاب التقييم الجيولوجي لنهر النيل The geological evolution of the Nile River، كتاب نهر النيل The Nile river، كتاب الحقيقة والوهم في الواقع المصري، كتاب رحلة عمر، كتاب العلم والسياسة في مصر، له عددٌ كبير من المقالات حول التَّعْدِينِ والرَّيِّ والزراعة في مصر والمنطقة بوجه عام. مذكرات الدكتور "رشدي السعيد" تحت عنوان رحلة عمر، اختار الجيولوجي الدكتور رشدي سعيد بلوغَه الثمانين عامًا مناسبةً لكتابة مذكراته، التي جاءت تحت عنوان: "رحلة عمر"، واتخذت لنفسها عنوانًا فرعيًّا هو: "ثروات مصر بين عبد الناصر والسادات"، ويَعرِضُ الدكتور رشدي سعيد أحد أهم جوانب مشاكل البحث العلمي في مصر، وهو: عدم القدرة على إقامة عَلاقات علمية متكافئة مع الأجانب، والجهل بأولويات البلاد، والخضوع للإغراءات، والاكتفاء بالشكلية عند إقامة مثل هذا النوع من العَلاقات بين غير الأنداد. له العديد من الإسهامات، منها: اختار هذا العالم الفريدُ تخصصًا نادرًا، وهو "جيولوجيا مصر"، وأصدر كتابًا بهذا الاسم نال به إعجاب علماء العالم، وأصبح مرجعًا يُعترَفُ به على المستوى المحلي والعالمي، ساهم في الاكتشافات التعدينية التي مكنت مصر من التغلب على ما فقدته بعد احتلال سيناء. تولَّى العديد من المناصب، كرَّمه الرئيس المصري في عام 1962؛ حيث سلَّمه "وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى"، حصل على جائزة الريادة لعام 2003 من الجمعية الأمريكية لجيولوجيا البترول؛ وذلك تقديرًا لأعماله العلمية في مجال جيولوجيا مصر والشرق الأوسط، التي وصفها بأنها فتحتْ آفاقًا جديدة لتطبيق هذا العلم في مجال البحث عن البترول في المنطقة. شغَل منصب أستاذ بجامعة القاهرة في الفترة من 1950 حتى 1968، وتولَّى إدارة مؤسسة التعدين والأبحاث الجيولوجية في الفترة من 1968 - 1977، وأتيحت له فرصة العمل السياسي في فترة الستينيَّات والسبعينيَّات كعضو في مجلس الشعب وفي الاتحاد البرلماني الدولي.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
ترجمة الدكتور الجيولوجي إبراهيم الراوي أحمد جدوع رضا الهيتي من علماء الجيولوجيا في العراق الدكتور إبراهيم الراوي الدكتور إبراهيم الراوي: حصل على شهادة البكالوريوس في الجيولوجيا من كلية العلوم جامعة بغداد. ومِن ثَمَّ ابتُعث إلى المملكة المتحدة لإكمال دراسته العليا؛ حيث نال شهادة الدكتوراه من إحدى جامعات إنكلترا. تدرج في العمل الوظيفي كجيولوجي في دائرة المسح الجيولوجي. ومِن ثَمَّ انتقَل إلى وزارة الري؛ حيث تبوأ منصب رئيس مؤسسة المياه الجوفية. بالإضافة إلى عمله خبيرًا في منظَّمة الفاو الدولية fao التابعة للأمم المتحدة. ساهم في كتابة العديد من البحوث والتقارير، وأشرف على العديد من المشاريع خلال مسيرته العملية.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
ترجمة الدكتور الجيولوجي إبراهيم رشيد أحمد جدوع رضا الهيتي من علماء الجيولوجيا في العراق الدكتور إبراهيم رشيد حصل على شهادة البكالوريوس من قسم الجيولوجيا جامعة بغداد عام 1970، ومِن ثَمَّ ابتُعث إلى المملكة المتحدة لإكمال دراسته العليا؛ حيث حصل على شهادة الماجستير في اختصاص الجيولوجيا التطبيقية وهندسة المناجم والتعدين من جامعة Strathyclade - Glasgow - سكوتلاند عام 1974، وابتُعث مرة أخرى إلى المملكة المتحدة، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة St.Andrews في تخصُّص الجيوفيزياء عام 1989. تدرج في العمل الوظيفي وتبوَّأ العديد من المناصب الإدارية المختلفة في الشركات الحكومية وفي وزارة النفط العراقية؛ منها: رئيس جيولوجيين أقدم في قسم المكامن النفطية - وزارة النفط، المدير العام ورئيس مجلس الإدارة لشركة الاستكشافات النفطية - وزارة النفط، مدير عام ورئيس مجلس الإدارة لشركة تعبئة الغاز - وزارة النفط، مدير عام شركة الحفر العراقية - وزارة النفط، مستشار في وزارة النفط العراقية، وشغل أيضًا منصب المدير العام لشركة Arab well logging التي تعود إلى منظمة الأوابك OAPEC، والتي تتَّخذ من العراق مقرًّا لها؛ حيث كانت تجهِّز الخدمات في مجال النفط وجس الآبار الكهربائي إلى شركات النفط العراقية، ومنذ سنة 2003 إلى سنة 2014 يعمل VP Exploration في مؤسسة ثاني الإماراتية للبترول، التي هي عبارة عن شركة نفطية تقوم بعمليات استكشاف النفط والغاز في مناطق غرب وشمال إفريقيا، غانا، ساحل العاج، تونس، مصر؛ حيث تولى مسؤولية تقدير وتقييم البلوكات المستكشفة في مناطق الشرق الأوسط وشمال وشرق إفريقيا، قاد ووجه العديد من فرق حفر الآبار الاختبارية، وآبار اللباب الصخرية، وتطوير الكتل Blocks المكتشفة، وأجرى خلال عمله ثلاث عشرة دراسة لجميع البيانات الجيولوجية والمكمنية للشركة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بالإضافة إلى إجراء دراسة المكامن من أجل حساب كمية النفط في الموقع OIIP باستخدام برنامج: Crystal Ball, MonteCarlo، عمل شراكة مع شركة PERTAMINA النفطية الماليزية، وشركة SNPC الصينية، وشركة الحكومة المحلية، وتطوير العديد من الحقول النفطية الرئيسية في السودان، وزيادة الإنتاج النفطي إلى 300 ألف برميل يوميًّا؛ حيث إن له مساهمات في تطوير حقول السودان النفطية مع شركة ثاني الإماراتية وشركائها، شارك وأدار العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل المحلية والعالمية، نشر العديد من البحوث العلمية بمجال التعدين والمكامن النفطية والجيولوجيا التطبيقية بشكل عام، الآن يعمل كمستشار وخبير نفطي في مستشارية IAR للشركات العاملة في العراق والشرق الأوسط وشمال وشرق إفريقيا.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
الإصطخري عالم يسبق عصره قصة الإسلام لعل من الصعوبة بمكان أن نختار عالمًا واحدًا من علماء الجغرافيا المسلمين لنتوقف أمام سيرته وإنجازاته توقفًا خاصًّا؛ ذلك أن عبقريات المسلمين في ذلك المجال كثيرة عددًا، غزيرة إنتاجًا، وواسعة سبقًا وريادةً..ومن ثَمَّ سنكتفي هنا بالتوقف أمام أحد أبرز عباقرة الجغرافيا المسلمين، وهو "أبو إسحاق الإصطخري". وقد ولد الرحالةُ عالِمُ الأرضِ والجغرافيا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي الإصطخري (الذي يُعْرَفُ في بعض الأحيان باسم الكرخي) بمدينة إصطخر، وهي مدينة برسيبوليس القديمة في بلاد فارس. وعاش في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وإن كنا لا نعرف الكثير عن نشأته الأولى؛ فالموسوعات أو كتب تاريخ العلوم لم تحدد عام ميلاده، وكذلك لم تذكر شيئًا عن سيرة حياته.. إلا أنه كان رحالة زار الكثير من أقطار العالم الإسلامي؛ فقد زار أكثر أقطار آسيا حتى بلغ سواحل المحيط الهندي، ودخل الهند وتوفي بها بعد عام (340هـ/ 951م)[1]. وعن منهجه العلمي الذي اتبعه في كتابه "المسالك والممالك"، الذي يُعَدُّ من أشهر مؤلفاته، فإن "الإصطخري" يستعرض ذلك فيقول: "فإني ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام، وتفصيل مدنها، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها.. ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصورة، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن، وما في أصقاعه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار، وما يحتاج إلى معرفة من جوامع ما يشتمل عليه ذكر الإقليم؛ لأن الغرض من كتابي هذا تصوير هذه الأقاليم التي لم يذكرها أحد علمته...". وقد نهج "أبو إسحاق الإصطخري" منهجًا علميًّا يدل على قدرته الفائقة في تصوُّر شكل الأرض؛ فلم يتجاهل الناحية الفلكلورية أو الاقتصادية أو الإثنوغرافية!! (الإثنوغرافيا هو علم في وصف السلالات البشرية وعادات وأخلاق الشعوب).. والحق أن هذه الطريقة التي سار عليها "الإصطخري" هي ذات الطريقة التي ينتهجها العلماء المعاصرون في مثل هذا النوع من الدراسات؛ وهو ألا تقتصر الدراسات الجغرافية على الجوانب الطبيعية فقط، دون التفات إلى الأبعاد الاقتصادية والثقافية والسلالية وغيرها مما يخص البشر الذين يحيون في هذه البقعة من الأرض. كما يُحسَب للإصطخري أنه ركَّز على المدلول الجغرافي والسياسي والإداري، وتجنب النظريات التقليدية التي تنُصُّ على تقسيم الأرض إلى سبعة أقاليم، وأخذ كل إقليم بذاته كوحدة جغرافية مستقلة. لقد فهم "الإصطخري" منهج علماء المسلمين في مجال علم الجغرافيا فهمًا جيدًا مُحكمًا، وطبَّقه في مؤلفاته بدقة واستنباط ذكي؛ وبهذا عَرَفَ أصول المنهج العلمي التجريبي القائم على القياس والاستقراء، والمستند إلى المشاهدة والتجربة والتمثيل. وإضافةً إلى كل هذا فقد اشتهر أبو إسحاق الإصطخري بالإنصاف لمن سبقوه من علماء الجغرافيا، كما اتَّصف بالصدق والأمانة العلمية وتقوى الله، وهي صفات - كما ترى - نحن في أَمَسِّ الحاجة إليها في ميادين العلوم التجريبية وغيرها، وهي الصفات التي - كما رأينا من قبل كثيرًا - كانت تميِّز البحث العلمي في عصور الحضارة الإسلامية.. ولم تكن ثمار تلك الصفات مقصورة على الأمة الإسلامية، بل أفادت منها الإنسانية جمعاء. مؤلفات الإصطخري أما عن مؤلَّفات "الإصطخري" فإنه لم يكن صاحب مؤلفات كثيرة، وكل ما وصلنا من أعماله كتابان، هما: (صور الأقاليم)، والثاني (المسالك والممالك). ولعل تأثُّر "الإصطخري" واضح بعالم الجغرافيا السابق عليه "ابن خرداذبة" الذي ألَّف كتابًا بنفس العنوان (المسالك والممالك). كذلك اعتمد على كتاب "البلخي" (تقويم البلدان)؛ فماثل "الإصطخري" كتاب البلخي في مخططه، ولكن بتوسع ومراجعة وتصحيح لكثير مما جاء فيه، وهذان المؤلفان للإصطخري يعدان من المراجع الأمهات في علم الجغرافيا بالأخص. وقد كان اعتماده الأكبر في تصنيف مؤلَّفَيْهِ السابقَيْن على رحلاته العديدة في طلب العلم في شتى الآفاق الإسلامية؛ فجاء وصف تلك البلدان بإطناب، إضافة إلى تزيينه كتابه الأول (صور الأقاليم) بالخرائط والأشكال التوضيحية[2]. أما مؤلَّفُه الأشهر (المسالك والممالك) فقد ظل في معظم مكتبات العالم كمخطوط حتى جاءت سنة (1287هـ - 1870م) وطبعه المستشرق (دي خويه) في ليدن بهولندا، وقد أُعِيدَ طبعه بالصور سنة (1346هـ - 1927م)، وقام بتحقيقه محمد جابر عبد العال الحسيني سنة (1381هـ - 1961م) ونشرته وزارة الثقافة المصرية بالقاهرة آنذاك؛ ولعل ذلك كان السبب في انتشار الكتاب وتداوله من قِبَل القراء في جميع أنحاء المعمورة، ومنه عُرفت مكانة الإصطخري في ميدان علم الجغرافيا الإقليمية[3]. إنجازات الإصطخري والحقيقة أن إنجازات الإصطخري في علم الجغرافيا كانت أكبر بكثير من أن ينظر إليها على أساس مؤلفاته.. فالإصطخري يُعَدُّ من أوائل العلماء الذين جمعوا بين الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا السكانية في كتبهم، وإذا كان قد اقتصر في مؤلفيه على وصف العالم الإسلامي، فقد قسَّمَهُ إلى عشرين إقليمًا، وكان يتحدث عن الإقليم لا بوصفه نطاقًا يضم عددًا من درجات خطوط العرض، ولكن بوصفه منطقة جغرافية واسعة، لها خصائصها الطبيعية والسكانية والثقافية والاقتصادية التي تُميِّزها. وقد تحدث في البداية عن الرُّبع المعمور من الأرض وأبعاده.. ثم تحدَّث عن البحار.. ثم بدأ بوصف جزيرة العرب والخليج العربي مع المحيط الهندي.. ثم السند والهند وأنهار سجستان.. ثم المغرب مع الأندلس وصقلية.. ومصر مع بلاد الشام وبحر الروم والجزيرة.. وإيران الجنوبية والوسطي والشمالية مع أرمينيا وأذربيجان وبحر الخزر (قزوين).. ومدن برطس في تخوم البحر المذكور وأعمالها وكورها وجبالها وأنهارها وعمائرها.. ثم يختم بحثه أخيرًا بوصف بلاد ما وراء النهر (التركستان). ويذكر "الإصطخري" عن كل قطر معلومات تتعلق بالحدود والمدن والمسافات وطرق الموأصلاًت، ويذكر تفاصيل متفرقة عن المحاصيل والتجارة والصناعة، وعن أجناس السكان، ولكن معظم التفاصيل تتعلق بالأقطار التي زارها[4]. وقد أولى "الإصطخري" عناية خاصة لموضوع المد والجزر؛ فله نظريات جزئية في هذا المضمار؛ مما يدل على طول باعه في علم الأنواء، والمعروف بين العلماء في الماضي أن علم الأنواء جزء لا يتجزأ من علم الجغرافيا. ولا ننسى في حديثنا عن إنجازات "الإصطخري" أنه حاول بكل ما يملك أن يصحح الأخطاء الجغرافية التي وقع فيها علماء الجغرافيا السابقون له، واتخذ من الخرائط التي زخرت بها مؤلفاته وسيلة لشرح وإبراز الأفكار الجغرافية التصحيحية.. ومن أبرز تلك الخرائط (خريطة بحر قزوين) التي شهد المستشرقون بدقتها، كما ركز على طريقة المقارنة بين المدن[5]. إلى غير ذلك من الإنجازات المبدعة التي تحملك على الاعتقاد بأنك أمام سيرةٍ وإنجازات لعالِمٍ من القرن العشرين الميلادي (الخامس عشر الهجري)، إلا أنه كان يعيش بين علماء القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي)!!. وقد عرف قدره المقدسي (ت 380هـ/ 990م) حين أُتيح له أن يرى بعض كتبه؛ فأكثر النقل عنه في (أخبار السند)، وقال يثني عليه: ".. ورأيت ببخارى مترجَمًا لإبراهيم بن محمد الفارسي (يعني الإصطخري)"، ثم يُعلِّق عليه بقوله: "..وهو كتاب قد أجاد أشكاله.."[6]. كما يُذكَر أن "أبا إسحاق الإصطخري" ساح العالم الإسلامي؛ لذا استفاد من رحلاته في تصنيف كتابه (المسالك والممالك) الذي يكتسب أهمية بالغة؛ إذ يعتبر رائدًا للكتب الإقليمية التي أُلِّفَتْ بعده في منهجه ومعلوماته وتبويبه[7]. فرحم الله عالمنا العظيم الإصطخري، ونسأل الله أن يهبنا أمثاله من العلماء الذين غيروا بجهودهم وعقولهم حركة التاريخ ومسيرة البشرية. ------------------------------- [1] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199. [2] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص104، 105. [3] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص277،276. [4] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199. [5] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص104. [6] عبد الرحمن حميدة: أعلام الجغرافيين العرب ص199. [7] على بن عبد الله الدفاع: رواد علم الجغرافية في الحضارة العربية والإسلامية ص103.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
الكاشي.. مخترع الكسور العشرية والآلة الحاسبة.. قصة الإسلام غياث الدين الكاشاني، واحد من أبرز علماء المسلمين في الرياضيات، وممن لهم إسهامات رائدة في مجاله، فهو مبتكر الكسور العشرية ومخترع الآلة الحاسبة. الكاشي.. اسمه ونشأته: هو غياث الدين جمشيد بن مسعود بن محمود بن محمد الكاشي، ويعرف بالكاشاني، ويعرف أيضًا باسم "غيَّاث الدين ولد جمشيد". عالم رياضي وفلكي اشتهر في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي. ولد في أواخر القرن الثامن الهجري بمدينة كاشان ببلاد فارس وإليها نسب. ونشأ في بيت علم حيث كان أبوه من أكبر علماء الرياضيات والفلك، فشب الكاشي على ولعه بالرياضيات. عرف الكاشي بكثرة تنقله في المدن لطلب العلم ونهل المعرفة، ولذلك تنوعت معارفه فدرس العلوم في أماكن شتى من بلاد فارس. وقد اشتهر بحبه لقراءة القرآن الكريم فكان يقرأ القرآن مرة كل يوم، ثم درس النحو والصرف والفقه على مذاهب الأئمة الأربعة، فأجادها وتمكن منها وأصبح حجة فيها. واستفاد من معرفته بالمنطق فانكب على دراسة تواليف الرياضيات يلتهمها التهاما مما أدهش علماء الرياضيات؛ لقدرته في الاستيعاب وحسن التعبير. دراسته العلمية وانتقاله إلى سمرقند: درس الكاشي النحو والصرف والفقه والمنطق، ثم درس الرياضيات وتفوق فيها، حيث كان والده من أكبر علماء الرياضيات والفلك. وانتقل الكاشي من كاشان إلى سمرقند قبل وفاته بعشرين عامًا، وفيها عاش الكاشي معظم حياته. وبنى فيها مرصدًا سماه "مرصد سمرقند"، وقد توجه إلى سمرقند بدعوة من أولغ بك ميرزا محمد طارق بن شاه رخ، الذي كان يحكم البلاد آنذاك، والذي عرف بحبه للعلماء، وهناك في سمرقند وضع أكثر مؤلفاته التي كانت سببا في تعريف الناس به. إسهامات الكاشاني في علم الفلك: اشتهر الكاشي في علم الهيئة، كما أنه شرح كثيرًا من إنتاج علماء الفلك الذين اشتغلوا مع نصير الدين الطوسي في مرصد "مراغة"، كما حقق جداول النجوم التي وضعها الراصدون في ذلك المرصد، وقدر الكاشي تقديرًا دقيقًا ما حدث من كسوف للشمس خلال ثلاث سنوات (بين 809 هــ و811 هـ/1407 و1409م). وعندما سأله البعض هل يمكن عمل آلة يعرف منها تقاويم الكواكب وعروضها أم لا، فابتكر فيه رسم صفحة واحدة من صحيفة يعرف منها تقاويم الكواكب السبعة وعروضها وأبعادها عن الأرض، وعمل الخسوف و الكسوف بأسهل طريق وأقرب زمان، ثم استنبط منها أنواعا مختلفة يعرف من كل واحد منها ما يعرف من الآخر. وهو أول من اكتشف أن مدارات القمر وعطارد إهليليجية. فقد أعطى الكاشي شرحا مفصلا لكيفية رسم إهليليجي للقمر وعطارد. كما بحث في تعيين النسبة التقريبية للثابت (ط)، فأثبت قيمة تلك النسبة إلى درجة من التقريب تفوق من سبقه بكثير. الكاشي مبتكر الكسور العشرية: أما في الرياضيات، فقد ابتكر الكاشي الكسور العشرية، ويقول سمث في كتابه تاريخ الرياضيات: "إن الخلاف بين علماء الرياضيات كبير، ولكن غالبيتهم تتفق على أن الكاشي هو الذي ابتكر الكسر العشري". كما وضع الكاشي قانونًا خاصًا بتحديد قيس أحد أضلاع مثلث انطلاقا من قيسي ضلعيه الآخرين وقيس الزاوية المقابلة له بالإضافة إلى قانون خاص بمجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهو القانون الذي لعب دورا أساسيا في تطور علم الأعداد. يقول كارادي فو في حديثه عن علماء الفلك المسلمين: "ثم يأتي الكاشي فيقدم لنا طريقة لجمع المتسلسلة العددية المرفوعة إلى القوة الرابعة، وهي الطريقة التي لا يمكن أن يتوصل إليها بقليل من النبوغ". فقد توصل علماء الحضارة الإسلامية قبل الكاشي إلى قوانين عدة في مجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الأولى والثانية والثالثة، وزاد الكاشي بوضع قانون مجموع الأعداد الطبيعية المرفوعة إلى القوة الرابعة. ومما لاشك فيه أن هذا القانون أدى إلى تطور علم الأعداد تطورًا ممتدًا منذ الكاشي وحتى العصر الحديث، خصوصًا وأن الكاشي استطاع إيجاد خوارزمية لحساب الجذور النونية لأي عدد والتي عُدت حالة خاصة للطرق التي اكتشفت بعد ذلك بقرون في العصر الحديث بمعرفة (هورنر). الكاشي ونظرية ذات الحدين: وإذا كان بعض مؤرخي الرياضيات الغربيين ينسبون نظرية (ذات الحدين) لإسحاق نيوتن أو لغيره من الغربيين، فإن منهم من يعترف بأن صاحبها هو غياث الدين الكاشي، ففي كتابه مصادر الرياضيات يقرر دريك سترويك أن الكاشي هو أول من فكر في طريقة ذات الحدين، بعد أن وضع أساسها الكرخي وعمر الخيام، ويرجع له الفضل في تطوير خواص معاملاتها، فاستخدم لإيجاد حدود المعادلة الجبرية قاعدة عمر الخيام وطورها وجعلها قاعدة عامة لنظرية ذات الحدين لأي أس صحيح. ولا يغيب عن البال ما لنظرية ذات الحدين من أهمية في الرياضيات حتى الآن. الكاشي وعلم الهندسة والمثلثات: وفي الهندسة حذا الكاشي حذو إقليدس في هذا العلم وتبعه في تعاريفه ونظرياته، إلا أنه أخذ برأي نصير الدين الطوسي في نقضه لفرضية إقليدس الخامسة. وفي علم المثلثات درس الكاشي تواليف المتقدمين من علماء الإسلام، وشرح وعلق على إنتاجهم. وقد حسب جداول لجيب الدرجة الأولى، واستخدم في ذلك معادلة ذات الدرجة الثالثة في معادلاته المثلثية، وصورة ذلك المعادلة: جا 3 س= 4 جا س 3 - 3 جا س. الكاشي مخترع الآلة الحاسبة: كما كان للكاشي بالغ الأثر في دفع تقدم الحساب واختراع الآلات الحاسبة، فقد استخدم للمرة الأولى الصفر تماما للأغراض نفسها التي نعرفها ونتداولها في عصرنا الحاضر. وكان كتاب الكاشي "مفتاح الحُسَّاب" في الرياضيات، منهلًا نهل منه علماء الغرب والشرق على حدٍّ سواء واعتمدوا عليه في تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات لقرون عدة كما استخدموا كثيرًا من النظريات والقوانين التي ابتكرها وبرهنها. وبيَّن الكاشي في كتابه طرق إجراء العمليات الأساسية للكسور العشرية، فجعل لأول مرة في التاريخ علم الحساب في متناول الجميع، كما توصل إلى أدق قيمة للنسبة التقريبية التي تعني نسبة محيط الدائرة إلى قطرها، وأعطى قيمة صحيحة لستة عشر رقمًا عشريًا. وقد اعترف علماء الغرب أن النتيجة التي توصل إليها الكاشي تعادل النتيجة التي توصَّل إليها علماء القرن العشرين باستعمال الآلات الحاسبة. مؤلفات الكاشي في الرياضيات: ترك الكاشي عددا من المؤلفات المهمة في الرياضيات، منها: كتاب مفتاح الحساب: الذي حوي للمرة الأولى الكثير من المسائل التي تستعمل الكسور العشرية. وهو يعتبر من أهم كتب الكاشي، والذي أكمله في 830هـ / 1427م، إذ ضمنه بعض اكتشافات في الحساب، و يتميز هذا الكتاب بأن مؤلف وضعه ليكون مرجعا في تدريس الحساب للطلاب في سمرقند، ومن اكتشافاته التي ضمنت في هذا الكتاب أنه وجد خوارزمية لحساب الجذور النونية لأي عدد، و التي اعتبرت حالة خاصة للطرق التي اكتشفت بعد ذلك بقرون عن طريق هورنر. واعتمد علماء الشرق والغرب على هذا الكتاب، في تعليم أبنائهم في المدارس والجامعات عدة قرون، كما استخدموا كثيرًا من النظريات والقوانين التي أتى بها وبرهنها وابتكرها". رسائل الكاشي: كما أن له مجموعة أخرى من الكتب والرسائل في الرياضيات، منها: رسالة عن إهليليجي القمر وعطارد، ورسالة في الحساب، ورسالة في الهندسة، ورسالة في المساحات، ورسالة الجيب والوتر، ورسالة استخراج جيب الدرجة الأولى، ورسالة في الأعداد الصحيحة، ورسالة في الجذور الصم، ورسالة في التضعيف والتصنيف والجمع والتفريق، ورسالة في طريقة استخراج الضلع الأول من المضلعات، رسالة في معرفة التداخل والتشارك والتباين، ورسالة في طريقة استخراج المجهول، ورسالة عن الكسور العشرية والاعتيادية. مؤلفات الكاشي في علم الفلك: ترك الكاشي عدة كتب هامة في علم الفلك، منها: كتاب زيج الخقاني، وكتاب في علم الهيئة، ورسالة نزهة الحدائق وهي مشتملة على كيفية عمل آلة حساب التقاويم، وكيفية العمل بها، وأسماها طبق المناطق، وألحق بها عمل الآلة المسماة بلوح الاتصالات، وهي أيضا مما اخترع عملها. وفاة الكاشي: وبعد حياة حافلة بالعلم، أصبح بها أشهر عالم في علوم الفلك والرياضيات، خلال القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي، توفي الكاشي بسمرقند، وذلك سنة 839هـ / 1436م. --------- المراجع: - خالد حربي: علوم الرياضيات بين الإبداع الإسلامي والإنصاف الغربي وإجحافه، موقع أندلسيات. - غياث الدين الكاشي: موقع موهوبون. - غياث الدين الكاشي، موقع الأرقام.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
الخوارزمي قصة الإســـــــــــــلام الخوارزمي عالم من الطراز الأول إذا انتقلنا إلى الرياضيات والفلك فسنلتقي منذ البدء بعلماء من الطراز الأول، ومن أشهر هؤلاء العلماء أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي!! ليست تلك المقولة من تعبيري، وإنما هي لأحد المستشرقين الذين عُنُوا بعلوم المسلمين، وعرفوا فضل إسهاماتهم، وهو المستشرق "ألدو ميلي". فالخوارزمي الرياضي والجغرافي والفلكي يُعَدُّ من أكبر علماء المسلمين، ومن العلماء العالميين الذين كان لهم تأثير كبير على العلوم الرياضية والفلكية. وهو مؤسس ومبتدع علم الجبر كعلمٍ مستقلٍّ عن الحساب، وقد أخذه الأوربيون عنه، كما أنَّه أول من استعمل كلمة "جبر" للعلم المعروف الآن بهذا الاسم، فحتى الآن ما زال الجبر يعرف باسمه العربي في جميع اللغات الأوربية، وترجع كل الكلمات التي تنتهي في اللغات الأوربية بـ "algorism/algorithme" إلى اسم الخوارزمي، كما يرجع إليه الفضل في تعريف الناس بالأرقام العربية؛ ولهذا كان الخوارزمي أهلاً لتسميته بأبي الجبر[1]. وتعود أصول الخوارزمي إلى خوارزم (أوزبكستان اليوم)، وعاش في بغداد فيما بين سنة 164 وسنة 235 هجرية (الموافق 780 - 850 ميلادية) وتُوُفِّي هناك. وبرز في زمن خلافة المأمون (مدة خلافته من 198 - 218هـ)، ولمع في علم الرياضيات والفلك. لما كان والد المأمون (الخليفة هارون الرشيد) يريد توطيد العلم في أنحاء العالم الإسلامي المترامي الأطراف، فقد سار على دربه ابنه (المأمون) وأسَّس بيت الحكمة، الذي كان يحتوي على مكتبة تضم نصوصًا مترجمة لأهم الكتب اللاتينية، ثم عيَّن الخوارزمي رئيسًا له، وعهد إليه بجمع الكتب اليونانية وترجمتها، الأمر الذي أفاد الخوارزمي كثيرًا؛ حيث درس الرياضيات، والجغرافيا، والفلك، والتاريخ، إضافةً إلى إحاطته بالمعارف اليونانية والهندية، حتى كان نبوغه في حدود سنة 205 هجرية[2]. وقد حدثت تغييرات عديدة في اسمه عند الغربيين بعد وفاته، حيث عُرِف بـ (alchwarizmi) و(al-karismi) و(algoritmi) و(algorismi) و(algorism) وقد أصبحت الكلمة الأخيرة (algorism) تعني الحساب في اللغة الإنجليزية الحديثة[3]. الخوارزمي وعلم الجبر كلمة جبر تعبير استخدمه (الخوارزمي) من أجل حَلِّ المعادلات بعد تكوينها، ومعناه أن طرفًا من طرفي المعادلة يكمل ويزداد على الآخر وهو الجبر، والأجناس المتجانسة في الطرفين تسقط منها، وهو المقابلة أي أنَّ: ب س + ج= أ س2 + 2ب س- جـ تصبح بعد الجبر ب س+ 2جـ= أ س2+ 2ب س. وتصبح بالمقابلة 2جـ= أ س2+ ب س. واسم الجبر في جميع لغات العالم مشتق من الكلمة العربية (الجبر)، وهي التي استخدمها (الخوارزمي) في كتابه (الجبر والمقابلة) كما سيأتي الحديث عنه. وقد اشتغل المسلمون بالجبر واستعملوه حتى نبغوا فيه، بينما كان بمثابة الألغاز بالنسبة للأوربيين؛ يقول الدكتور ديفيد يوجين سميث في كتابه (تاريخ الرياضيات - المجلد الثاني): "إنَّ الجبر عُرِفَ في اللغة الإنجليزية في القرن السادس عشر الميلادي بالجبر والمقابلة، ولكنَّ هذا الاسم اختُصِرَ في النهاية من مخطوطة محمد بن موسى الخوارزمي الذي نال الشهرة العظيمة عام 825م، وذلك في بيت الحكمة في بغداد حيث ألَّف هناك كتابه القيم "الجبر والمقابلة"، وفيه حلَّ الكثير من المعادلات ذات الدرجة الأولى والثانية من ذات المجهول الواحد". واعترف رام لاندو في كتابه (مآثر العرب في الحضارة) بأنَّ الخوارزمي "ابتكر علم الجبر، ونقل العدد من صفة البدائية الحسابية لكمية محدودة إلى عنصر ذي علاقة وحدود لا نهاية لها من الاحتمالات، ويمكننا القول بأن الخطوة من الحساب إلى الجبر هي في جوهرها الخطوة من الكينونة إلى الملائمة، أو من العالم الإغريقي الساكن إلى العالم الإسلامي المتحرك الأبدي الرباني"[4]. وقد طوَّر الخوارزمي علم الجبر كعلمٍ مستقل عن الحساب؛ ولذا ينسب إليه هذا العلم في جميع أنحاء المعمورة، فقد ابتكر الخوارزمي في بيت الحكمة الفكر الرياضي بإيجاد نظام لتحليل كل معادلات الدرجة الأولى والثانية ذات المجهول الواحد بطرق جبرية وهندسية[5]. ولذا فقد سمَّى جورج سارتون في كتابه (مقدمة من تاريخ العلوم) النصف الأول من القرن التاسع بـ "عصر الخوارزمي"؛ وذلك لأن الخوارزمي كان أعظم رياضيٍّ في ذلك العصر على حَدِّ تعبير سارتون، ويستطرد سارتون فيقول: "وإذا أخذنا جميع الحالات بعين الاعتبار فإنَّ الخوارزمي أحد أعظم الرياضيين في كل العصور". وإضافةً إلى ذلك أكَّد الدكتور أي وايدمان أن أعمال الخوارزمي تتميز بالأصالة والأهمية العظمى وفيها تظهر عبقريته، كما قال الدكتور ديفيد بوجين سميث ولويس شارلز كاربينسكي في كتابهما (الأعداد الهندية والعربية): "إنَّ الخوارزمي هو الأستاذ الكبير في عصر بغداد الذهبي؛ إذ إنه أحد الكُتّاب المسلمين الأوائل الذين جمعوا الرياضيات الكلاسيكية من الشرق والغرب، محتفظين بها حتى استفادت منها أوربا المتيقظة آنذاك. إنَّ لهذا الرجل معرفةً كبيرة، ويدين له العالم بمعرفتنا الحإلية لعلمي الجبر والحساب"[6]. وقد وجد الخوارزمي متسعًا من الوقت لكتابة علم الجبر حينما كان منهمكًا في الأعمال الفلكية في بغداد، ويختص كتابه "الجبر والمقابلة" بإيجاد حلول لمسائل عملية واجهها المسلمون في حياتهم اليومية[7]. إنَّ الرياضيات التي ورثها المسلمون عن اليونان تجعل حساب التقسيم الشرعي للممتلكات بين الأبناء معقدًا للغاية إن لم يكن مستحيلاً، وهذا هو ما قاد الخوارزمي للبحث عن طرق أدق وأشمل، وأكثر قابلية للتكيف فابتدع علم الجبر. وقد استعمل الخوارزمي الطريقة البيانية لإيجاد جذر المعادلة بكل نجاح؛ لذا فإن الخطأ بين موضعين يُعتبر من ابتكاره، وهذه الطريقة لعبت دورًا مهمًا في التحليل العددي، وتُعرَف في اللغة الإنجليزية باسم (false positions). وعرف الخوارزمي الوحدة المستعملة في المساحات، واستخدم (التكسير) ويقصد بذلك المساحة، سواء كانت سطحية أو حجمية، كما تطرق إلى إيجاد مساحات بعض السطوح مستقيمة الأضلاع والأجسام، والدائرة، والقطعة، والهرم الثلاثي والرباعي، والمخروط والكرة، كما استعمل النسبة التقريبية وقيمتها ط = 8/ 22 أو 10، لذا فإن الخوارزمي أثرى علم الجبر باستعماله بعض الأفكار الجبرية لمعرفة المساحة. وكان الخوارزمي يعرف أن هناك حالاتٍ يستحيل فيها إيجاد قيمة للمجهول (الكميات التَّخيُّلية) وسماها: (الحالة المستحيلة)، وبقيت معروفةً بهذا الاسم بين علماء الرياضيات حتى بدأ العالم السويسري ليونارد أويلر leonhard euler (1707- 1783م) في تعريف الكميات التخيلية بأنها: الكمية التي إذا ضربت بنفسها كان الناتج مقدارًا سالبًا، وأعطى كثيرًا من الأمثلة على هذا. ثم جاء العالم الألماني كارل قاوس (1777 – 1855م) فركز على دراسة الكميات التخيلية وخواصها. والجدير بالذكر أن الكميات التخيلية قادت في النهاية إلى معرفة علم التحليل المركَّب الذي يُعتبر من أهم العلوم الرياضية في العصر الحديث، ومما لا يقبل الجدل والتأويل أن الفضل في ذلك يرجع أولاً للعالم المسلم محمد بن موسى الخوارزمي. ولم يكتشف الخوارزمي علم الجبر ونظرية الخطأين (وهما أداة أساسية في التحليل العلمي الرياضي) فحسب، وإنما وضع كذلك أسس البحث التجريبي الحديث باستخدام النماذج الرياضية، كما نشر أول الجداول العربية عن المثلثات للجيوب والظلال، وقد تُرجِمت إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر[8]. وإضافةً إلى إسهاماته الكبرى في الحساب، أبدع الخوارزمي أيضًا في علم الفلك، وأتى ببحوث جديدة في المثلثات، ووضع جدولاً فلكيًّا (زيجًا)، وقد كان لهذا الزيج الأثر الكبير على الجداول الأخرى التي وضعها العرب فيما بعد، إذ استعانوا به واعتمدوا عليه وأخذوا منه. وكان من أهم إسهامات الخوارزمي العلمية التحسينات التي أدخلها على جغرافية بطليموس سواء بالنسبة للنص أو الخرائط[9]. مؤلَّفات الخوارزمي يقول محمد خان في كتابه (نظرة مختصرة لمآثر المسلمين في العلوم والثقافة): "إنَّ الخوارزمي يقف في الصف الأول من صفوف الرياضيين في جميع العصور، وكانت مؤلفاته هي المصدر الرئيسي للمعرفة الرياضية لعدة قرون في الشرق والغرب"[10]. وقد اهتم الخوارزمي في بداية الأمر بالاكتشافات في علم الرياضيات والفلك، ثم بعدها بدأ التأليف فصنَّف كتبًا كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: 1 - كتاب (الجبر والمقابلة)، وهو الكتاب الرئيسي ذو الأثر الحاسم، والذي درس فيه تحويل المعادلات وحلها، وقد ترجمه إلى اللاتينية "جيراردو دي كريمونا" ونشر النص العربي (روزن) مع ترجمة إنجليزية في لندن سنة 1851م. وترجم له أيضًا "يوحنا الأسباني" الذي ترجم من العربية إلى اللاتينية عدة مؤلفات في الفلك والنجوم، من بينها كتب للخوارزمي، بفضلها انتقل الحساب الهندي والنظام العشري في الحساب إلى أوربا؛ حتى عرفت العمليات الحسابية باسم Alguarismo. والغريب أنها ترجمت إلى العربية باسم "اللوغاريتمات" وهي في الأصل منسوبة إلى الخوارزمي!! والصحيح أن تترجم "الخوارزميات" أو "الجداول الخوارزمية". وقد أصبح الكتاب مصدرًا أساسيًا في الرياضيات في الجامعات الأوربية حتى القرن السادس عشر، وكان معظم ما ألَّفه مَنْ جاء بعده في علم الجبر مستندًا عليه، وقد نقله من اللغة العربية إلى اللاتينية روبرت أوف شستر ( Robert of chester) فاستنارت به أوربا. وحديثًا حقق الدكتوران علي مصطفى مشرفة ومحمد مرسي هذا الكتاب، وذلك في سنة 1968م[11]. 2 - كتاب في الجغرافيا شرح فيه آراء بطليموس. 3 - كتاب جداول للنجوم وحركاتها من مجلدين. 4 - كتاب شرح فيه طريقة معرفة الوقت بواسطة الشمس. 5 - كتاب جمع فيه بين الحساب والهندسة والموسيقى والفلك، ويقول البروفيسور جورج سارتون في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) عن هذا الكتاب: إنه "يشتمل على خلاصة دراساته لا على ابتكاراته العظيمة". 6 - كتاب العمل بالإسطرلاب. 7 - كتاب صنع الإسطرلاب. 8 - كتاب وضح فيه طريقة الجمع والطرح. 9 - كتاب صورة الأرض وجغرافيتها. 10 - كتاب صورة الأرض، نشر سنة 1929م. 11 - كتاب المعرفة، وهو يبحث في علم النجوم. 12 - كتاب زيج الخوارزمي الأول. 13 - كتاب زيج الخوارزمي الثاني، وهو جداول فلكية سماه (السند هند)، جمع فيه بين مذهب الهند والفرس. 14 - رسالة عن النسبة التقريبية وقيمتها الرياضية. 15 - رسالة وضح فيها معنى الوحدة المستعملة في المساحات والحجوم. 16 - رسالة ذكر فيها برهانًا آخر لنظرية فيثاغورث مستخدمًا مثلثًا قائم الزاوية ومتساوي الساقين. 17 - رسالة مفصلة وضح فيها قوانين لجمع المقادير الجبرية وطرحها وضربها وقسمها. 18 - رسالة شرح فيها طريقة إجراء العمليات الحسابية الأربع على الكميات الصم. 19 - كتاب رسم الربع المعمور. 20 - كتاب الجمع والتفريق. 21 - كتاب الرُّخامة (الرخامة قطعة من الرخام مخططة تساعد على معرفة الوقت عن طريق الشمس). 22 - كتاب هيئة الأرض. 23 - كتاب المعاملات، ويتضمن المعاملات التي يقوم بها الناس من بيع وشراء[12]. لقد عاش الخوارزمي حياةً عمادُها العلمُ؛ بحثًا واكتشافًا وتأليفًا ابتغاء مرضاة الله، وسعيًا وراء راحة البشرية، ورقي الحضارة، وظلَّ كذلك حتى وافته المَنِيَّة سنة 235هـ/ 850م. فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. [1] راجع محمد علي عثمان: مسلمون علَّموا العالم ص74، 75، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20. [2] انظر ابن النديم: الفهرست ص333، إليان سيركيس: معجم المطبوعات 1/841، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20، علي عبد الله الدَّفّاع: العلوم البحتة في الحضارة العربية الإسلامية ص148. [3] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية – الرياض، العدد الخامس، الإصدار من المحرم إلي الثانية لسنة 1400هـ 5/173، أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20. [4] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية – الرياض، العدد الخامس، الإصدار من المحرم إلي الثانية لسنة 1400هـ 5/173. [5] انظر كرم حلمي فرحات أحمد: التراث العلمي للحضارة الإسلامية في الشام والعراق خلال القرن الرابع الهجري ص642، 643، وانظر أيضًا المصدر السابق ص172. [6] انظر علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/172، 173، وله أيضًا: العلوم البحتة في الحضارة العربية والإسلامية ص149. [7] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص76. [8] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص76. [9] انظر أكرم عبد الوهاب: 100 عالم غيروا وجه العالم ص20 - عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص108. [10] علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/172. [11] الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/187، وله أيضًا: روائع الحضارة العربية الإسلامية في العلوم ص77، ومحمد علي عثمان: مسلمون علَّموا العالم ص77، وعبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه ص65. [12] انظر ابن النديم: الفهرست ص333، إليان سيركيس: معجم المطبوعات 1/841، علي عبد الله الدفاع: مبتكر علم الجبر.. محمد بن موسى الخوارزمي، مجلة البحوث الإسلامية 5/186، 187، وله أيضًا: العلوم البحتة ص172، 173.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
أبو بكــــــــــــــــر الرازي قصة الإسلام من هو أبو بكر الرازي: لم يكن الرازي طبيبًا فحسب، ولا معلمًا فقط.. ولكنه أبدع كذلك في مجالات الأخلاق والقيم والدين، كما أبدع - ولا شك في ذلك - في مجال الإنسانية، حتى أصبح علمًا من أعلام الفضيلة، كما كان علمًا من أعلام الطب. ولا شك أن هذا الرجل العظيم من أعظم صور الحضارة الإسلامية. فهو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي.. وقد وُلِدَ في مدينة الرَّي, وإليها نُسِب.. ومدينة الري تقع على بعد ستة كيلو مترات جنوب شرقي طهران, وكان ميلاده في سنة 250هـ (864م)، وكان منذ طفولته محبًّا للعلم والعلماء، فدرس في بلدته "الري" العلوم الشرعية والطبية والفلسفية[1]، ولكن هذا لم يُشْبع نَهَمَه لطلب العلم؛ فلم تكن مدينة الري - على اتساعها وكثرة علمائها - بالمدينة التي تحوي علوم الأرض في ذلك الوقت؛ ولذلك يمَّم الرازي وجهه شطر عاصمة العلم في العالم في ذلك الوقت, وهي "بغداد" عاصمة الخلافة العباسية، فذهب إليها في شِبه بعثة علمية مكثفة، تعلم فيها علومًا كثيرة، ولكنه ركَّز اهتمامه في الأساس على الطب، وكان أستاذه الأول في هذا المجال هو "علي بن زين الطبري"، وهو صاحب أول موسوعة طبية عالمية (فردوس الحكمة)[2]. الرازي معجزة الطب عبر الأجيال: اهتمَّ الرازي أيضًا بالعلوم التي لها علاقة بالطب، كعلم الكيمياء والأعشاب[3]، وكذلك علم الفلسفة؛ لكونه يحوي آراء الكثير من الفلاسفة اليونان والذين كانوا يتكلمون في الطب أيضًا، وكان أستاذه الأول في الفلسفة هو "البلخي"[4]. وهكذا أنفق الرازي عدة سنوات من عمره في تعلم كل ما يقع تحت يديه من أمور الطب، حتى تفوق في هذا المجال تفوقًا ملموسًا. ثم عاد الرازي بعد هذا التميز إلى الري, فتقلَّد منصب مدير مستشفي مدينة الري، وكان من المستشفيات المتقدمة في الإسلام، وذاعت شهرته، ونجح في علاج الكثير من الحالات المستعصية في زمانه، وسمع بأمره الكبير والصغير والقريب والبعيد، حتى سمع به "عضد الدولة بن بويه" كبير الوزراء في الدولة العباسية, فاستقدمه إلى بغداد ليتولى منصب رئيس الأطباء في المستشفى العضدي، وهو أكبر مستشفى في العالم في ذلك الوقت، وكان يعمل به خمسون طبيبًا[5]. والحق أنه لم يكن مستشفى فقط, بل كان جامعة علمية, وكليَّة للطب على أعلى مستوى. وقد أصبح الرازي فيه مرجعية علمية لا مثيل لها، ليس في بغداد فقط، وإنما في العالم كله، وليس على مدى سنوات معدودة، ولكن لقرون متتالية، فكان معجزة الطب عبر الأجيال!! ولعلَّه من المهم جدًّا أن نقف وقفة ونتساءل: كيف وصل الرازي إلى هذا المجد، وإلى هذه المكانة؟ لا بدَّ أن نعلم أن النجاح لا يأتي مصادفة، وأن التفوق لا يكون إلا بجهد وتعب وبذل وتضحية، كما أن الإبداع لا يكون عشوائيًّا أبدًا، إنما يحتاج إلى تخطيط وتدريب ومهارة، وهكذا كانت حياة الرازي. لقد بحث الرازي عن العلم في كل مصادره، واجتهد قدر استطاعته في تحصيل كل ما يقع تحت يده من معلومات، ثم أتبع ذلك بتفكير عميق وتجارب متعددة ودراسة متأنية.. حتى بدأ يعدِّل في النظريات التي يقرؤها، وأخذ ينقد ويحلل، ثم وصل إلى الاختراع والإبداع. الرازي ومنهجه التجريبي: لقد انتشر في زمان الرازي الطب اليوناني والفارسي والهندي والمصري نتيجة اجتهاد العلماء في ترجمة كتب تلك الأمم، فقرأها الرازي جميعًا، لكنه لم يكتف بالقراءة بل سلك مسلكًا رائعًا من أرقى مسالك العلم وهو الملاحظة والتجربة والاستنتاج.. فقد كان الطب اليوناني هو أهم طب في تلك الفترة، ولكنه كان يعتمد في الأساس على النظريات غير المجرَّبة.. وكان كل أطباء اليونان يعتمدون هذه الطريقة حتى عرفوا بفلاسفة الطب، فهم لم يُخضعوا نظرياتهم لواقع الحياة إلا قليلاً، ولا يُستثنَى من ذلك أحدٌ من أطباء اليونان حتى العمالقة منهم أمثال جالينوس وأبقراط!! ولكن الرازي قال كلمته المشهورة التي تعتبر الآن قانونًا من قوانين العلم بصفة عامة, والطب بصفة خاصة.. قال: "عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة يجب قبول الواقعة، حتى وإن أخذ الجميع بالنظرية تأييدًا لمشاهير العلماء.."[6]!! فهو يذكر أنه ليس لعالم مشهور أو غير مشهور أن يقرر نظرية تتعارض مع المشاهدة الفعلية والتجربة الحقيقية والواقعة الحادثة، بل تُقَدَّم الملاحظة والتجربة؛ وبذلك يُبْنَى الاستنتاج على ضوء الحقائق لا الافتراضات الجدلية. ما أروعه حقًّا من مبدأ، وما أبدعها من طريقة!! ولذلك نجد أن الرازي كثيرًا ما انتقد آراء العلماء السابقين نتيجة تجاربه المتكررة، بل إنه ألَّف كتابًا خصِّيصًا للرد على جالينوس أعظم أطباء اليونان وسمَّى الكتاب "الشكوك على جالينوس", وذكر في هذا الكتاب الأخطاء التي وقع فيها جالينوس، والتصويب الذي قام هو به لهذه الأخطاء، وكيف وصل إلى هذه النتائج[7]. وكان الرازي حريصًا على سؤال المريض عن كل ما يتعلق بالمرض تقريبًا من قريب أو بعيد وكان يقول: "إن الطبيب ينبغي ألا يدع مُساءَلة المريض عن كل ما يمكن أن يقوله عن علَّته"[8]، وهذه أول خطوة في التعامل مع المريض في الطب الحديث، وهي معرفة تاريخ المرض والأمور المحتملة التي قد تكون سبَّبت المرض، ثم يقوم الرازي بالكشف على المريض وقياس الحرارة والنبض، وإذا استلزم الأمر أن يدخل المريض المستشفي فإنه يضعه تحت الملاحظة الدقيقة المستمرة لتسجيل كل معلومة قد تكون مفيدة في كشف سبب المرض, أو في وصف العلاج.. وقد كان الرازي من الدقة إلى درجة أذهلت من قرأ تعليقاته على الحالات المرضية التي وصفها. إنجازات الرازي: بل إن الرازي وصل إلى ما هو أروع من ذلك، حيث أرسى دعائم الطب التجريبي على الحيوانات، فقد كان يجرب بعض الأدوية على القرود فإن أثبتت كفاءة وأمانًا جربها مع الإنسان، وهذا من أروع ما يكون، ومعظم الأدوية الآن لا يمكن إجازتها إلا بتجارب على الحيوانات كما كان يفعل الرازي[9]. ولقد كان من نتيجة هذا الأسلوب العلمي المتميز للرازي، أن وصل إلى الكثير من النتائج المذهلة، وحقق سبقًا علميًّا في كثير من الأمور. فالرازي هو أول مبتكر لخيوط الجراحة، وقد ابتكرها من أمعاء القطة! وقد ظلت تستعمل بعد وفاته لعدة قرون، ولم يتوقف الجراحون عن استعمالها إلا منذ سنوات معدودة في أواخر القرن العشرين، عند اختراع أنواع أفضل من الخيوط، وهذه الخيوط هي المعروفة بخيوط أمعاء القط.. "[10]. والرازي هو أول من صنع مراهم الزئبق[11]. وهو أول من فرَّق بين النزيف الوريدي والنزيف الشرياني، واستخدام الضغط بالأصابع لإيقاف النزف الوريدي، واستخدم الربط لإيقاف النزيف الشرياني، وهذا عين ما يستخدم الآن!! وهو أول من وصف عملية استخراج الماء من العيون[12].. وهو أول من استخدم الأفيون في علاج حالات السعال الجاف.. وهو أول من أدخل المليِّنات في علم الصيدلة.. وهو أول من اعتبر الحمَّى عرضًا لا مرضًا[13]. وكان يهتم بالتعليق على وصف البول ودم المريض للخروج منهما بمعلومات تفيده في العلاج[14]. كما نصح بتجنب الأدوية الكيميائية إذا كانت هناك فرصة للعلاج بالغذاء والأعشاب، وهو عين ما ينصح به الأطباء الآن[15]. ولم يكن الرازي مبدعًا في فرع واحد من فروع الطب، بل قدم شرحًا مفصلاً للأمراض الباطنية والأطفال والنساء والولادة والأمراض التناسلية والعيون والجراحة وغير ذلك.. وقد منحه الله ذكاء فوق العادة، ويؤكد ذلك وسيلته في اختيار المكان المناسب لإنشاء مستشفي كبير في بغداد.. فقد اختار أربعة أماكن تصلح لبناء المستشفي، ثم بدأ في المفاضلة بينها، وذلك بوضع قطعة لحم طازجة في الأماكن الأربعة.. ثم أخذ يتابع تعفُّن القطع الأربع، ثم حدد آخر القطع تعفنًا، واختار المكان الذي وُضعت فيه هذه القطعة لبناء المستشفي؛ لأنه أكثر الأماكن تميزًا بجو صحي، وهواء نقي يساعد على شفاء الأمراض[16]. ولم يكن الرازي مجرد طبيب يهتم بعلاج المرض، بل كان معلمًا عظيمًا يهتم بنشر العلم وتوريث الخبرة، وكان الرازي يدرس تلامذته الطب في المدرسة الطبية العظيمة في المستشفي العضدي ببغداد، وكان يعتمد في تدريسه على المنهجين: العلمي النظري، والتجريبي الإكلينيكي؛ فكان يدرس الكتب الطبية، وبعض المحاضرات، ويدير الحلقات العلمية، وفي ذات الوقت يمر مع طلبته على أسِرَّة المرضى.. يشرح لهم ويعلمهم وينقل لهم خبرته، وكان يُدرِّس لهم الطب في ثلاث سنوات، ويبدأ بالأمور النظرية ثم العملية، تمامًا كما يحدث في كليات الطب الآن، وكان في آخر السنوات الثلاث يعقد امتحانًا لطلبة الطب مكونًا من جزأين: الجزء الأول في التشريح، والثاني في الجانب العملي مع المرضى، ومن كان يفشل في الجانب الأول "التشريح" لا يدخل الامتحان الثاني، وهذا أيضًا ما نمارسه الآن في كليات الطب[17]. مؤلفات الرازي: ولم يكن الرازي يكتفي فقط بالتدريس والتعليم والامتحانات لنقل العلم، بل اهتم بجانب آخر لا يقل أهمية عن هذه الجوانب وهو جانب التأليف، فكان الرازي مُكثرًا من التأليف وتدوين المعلومات وكتابة الكتب الطبية، حتى أحصى له ابن النديم في كتابه "الفهرست" 113 كتابًا و28 رسالة، وهذا عدد هائل، خاصةً أنها جميعًا في مجال الطب[18]. وقد كان من أعظم مؤلفات الرازي كتاب "الحاوي في علم التداوي"، وهو موسوعة طبية شاملة لكافة المعلومات الطبية المعروفة حتى عصر الرازي، وقد جمع فيه الرازي كل الخبرات الإكلينيكية التي عرفها، وكل الحالات المستعصية التي عالجها، وتتجلى في هذا الكتاب مهارة الرازي، ودقة ملاحظاته، وغزارة علمه، وقوة استنتاجه.. وقد تُرجِم هذا الكتاب إلى أكثر من لغة أوروبية، وطُبع لأول مرة في بريشيا بشمال إيطاليا سنة 891هـ/ 1486م، وهو أضخم كتاب طُبع بعد اختراع المطبعة مباشرة، وكان مطبوعًا في 25 مجلدًا، وقد أُعيدت طباعته مرارًا في البندقية بإيطاليا في القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي), ويذكر المؤرخ "ماكس مايرهوف" أنه في عام 1500 ميلادية كان هناك خمس طبعات لكتاب الحاوي, مع عشرات الطبعات لأجزاء منه.. ومن كتبه أيضًا "المنصوري"، وقد سماه بهذا الاسم نسبة إلى المنصور بن إسحاق حاكم خراسان، وقد تناول فيه موضوعات طبية متعددة في الأمراض الباطنية والجراحة والعيون، وقد تعمَّد الرازي الاختصار في هذا الكتاب, فجاء في عشرة أجزاء!! لذلك رغب العلماء الأوروبيون في ترجمته عدة مرات إلى لغات مختلفة، منها اللاتينية والإنجليزية والألمانية والعبرية! وقد تم نشره لأول مرة في ميلانو سنة 1481م، وظل مرجعًا لأطباء أوربا حتى القرن السابع عشر الميلادي[19]. ومن أروع كتبه كذلك كتاب "الجدري والحصبة"، وفيه يتبين أن الرازي أول من فرق بين الجدري والحصبة، ودوَّن ملاحظات في غاية الأهمية والدقة للتفرقة بين المرضين، وقد أُعيدت طباعة هذا الكتاب في أوروبا أربع مرات بين عامي ( 903 : 1283هـ) (1498 : 1869م)[20]. ومن كتبه أيضًا كتاب "الأسرار في الكيمياء"، الذي بقي مدة طويلة مرجعًا أساسيًّا في الكيمياء في مدارس الشرق والغرب[21]. ومن كتبه المهمة كذلك كتاب "الطب الروحاني" الذي ذكر فيه أن غايته من الكتاب هو أصلاًح أخلاق النفس.. وحضَّ في كتابه هذا على تكريم العقل، وعلى قمع الهوى, ومخالفة الطباع السيئة, وتدريب النفس على ذلك[22]. أمانته العلمية وأخلاقه الحميدة: غير أن أهم ما ميز الرازي في ذلك كله، هو البُعد الأخلاقي عنده؛ فقد تميز الرازي بالأمانة العلمية التامة في كتاباته؛ فكان لا يذكر أمرًا من الأمور اكتشفه غيره إلا أشار إلى اسم المكتشف الأصلي، ولذلك حفلت كتبه بأسماء جالينوس وأبقراط وأرمانسوس وغيرهم، كما ذكر في كتبه المحدثين من الأطباء أمثال يحيى بن ماسويه، وحنين بن إسحاق. وكان الرازي يحض تلامذته على اتباع نهج الكتابة والتأليف، فكان يقول لهم: "إذا جمع الطالب أكبر قدر من الكتب، وفهم ما فيها، فإن عليه أن يجعل لنفسه كتابًا يضمنه ما غفلت عنه الكتب التي قرأها". فهو ينصح كل طلبته أن يسجلوا المعلومات التي يلحظونها في أثناء دراستهم وعلاجهم للمرضى - والتي لم تُذكر في الكتب السابقة - وبذلك يستفيد اللاحقون بعلمهم وتأليفهم. ولم يكن الرازي عالمًا فقط، بل كان إنسانًا خلوقًا من الدرجة الأولى، فقد اشتهر بالكرم والسخاء، وكان بارًّا بأصدقائه ومعارفه، عطوفًا على الفقراء وبخاصة المرضى، فكان ينفق عليهم من ماله الخاص، ويجري لهم أحيانًا الرواتب الثابتة[23]!! وكان يوصي تلامذته أن يكون هدفهم هو إبراء المرضى أكثر من نيل الأجور منهم، ويوصيهم كذلك بأن يكون اهتمامهم بعلاج الفقراء تمامًا كاهتمامهم بعلاج الأمراء والأغنياء.. بل إنه من شدَّة اهتمامه بالفقراء ألَّف لهم كتابًا خاصًا سماه "طب الفقراء"، وصف فيه الأمراض المختلفة وأعراضها ثم وصف طرق علاجها عن طريق الأغذية والأعشاب الرخيصة بدلاً من الأدوية مرتفعة الثمن أو التراكيب النادرة[24]. ومن شدة اهتمامه بالأخلاق الحميدة ألَّف كتابًا خاصًا بهذا الأمر سماه "أخلاق الطبيب"، يشرح فيه العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، وبين الطبيب والطبيب، وضمَّنه كذلك بعض النصائح للمرض في تعاملهم مع الأطباء[25]. الثناء على الرازي: هذا، وقد اعترف القاصي والداني لأبي بكر الرازي بالفضل والمجد والعظمة والعلم والسبق، ولا نقصد بذلك المسلمين فقط، بل اهتم غير المسلمين أيضًا بإنجازات الرازي وابتكاراته.. فنجد - فضلاً عن ترجمة كتبه إلى اللغات الأوربية وطبعها أكثر من مرة - إشارات لطيفة وأحداثًا عظيمة تشير إلى أهمية ذلك العالم الجليل، ومن ذلك أن الملك الفرنسي الشهير لويس الحادي عشر، الذي حكم من عام 1461م إلى 1483م، قد دفع الذهب الغزير لينسخ له أطباؤه نسخة خاصة من كتاب "الحاوي"؛ كي يكون مرجعًا لهم إذا أصابه مرض ما!! ونجد أن الشاعر الإنجليزي القديم "جوفري تشوسر" قد ذكر الرازي بالمدح في إحدى قصائده المشهورة في كتابه "أقاصيص كونتربري"!! ولعله من أوجه الفخار أيضًا أنه رغم تطور العلم وتعدد الفنون إلا أن جامعة بريستون الأمريكية ما زالت تطلق اسم الرازي على جناح من أكبر أجنحتها[26]، كما تضع كلية الطب بجامعة باريس نصبًا تذكاريًّا للرازي، إضافةً إلى صورته في شارع سان جيرمان بباريس. لقد كان الرازي بحق صورة رائعة من صور الحضارة الإسلامية، قلَّما تتكرر في التاريخ، لقد كان طبيبًا وعالمًا ومعلمًا وإنسانًا.. عاش حياته لخدمة الإسلام والعلم والبشرية، ومات عن عمر بلغ ستين عامًا، وكانت وفاته في شعبان 311هـ / نوفمبر 923م. لكن من الصعب أن نقول: إنه مات؛ فالمرء يُكتَب له الخلود بقدر ما ينفع الناس، وصدق الرسول الكريم عندما ذكر في الحديث الذي رواه عنه أبو هريرة ، أنه قال: "إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ"وذكر منها: "أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ"[27].[1] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء 1/63. [2] مصطفى وهبة: نوابغ المسلمين 1/117. [3] القنوجي: أبجد العلوم 3/114. [4] ابن النديم: الفهرست 1/416. [5] الدفاع: رواد في الحضارة الإسلامية ص218. [6] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/78،77. [7] السابق نفسه 1/68. [8] السابق نفسه 3/27. [9] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 1/78. [10] محمود الحاج قاسم محمد: الموجز لما أضافة العرب في الطب ص43. [11] ول ديورانت: قصة الحضارة 4/4. [12] محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص308 نقلا عن عبد المنعم عبد الحميد: مجلة جامعة الموصل عدد 15، السنة الثاني ص67. [13] انظر: محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص72. [14] الرازي: الحاوي 10/10. [15] مصطفى وهبة: نوابغ المسلمين 1/121. [16] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء3/13. [17] سامي حمارنة: الصناعة الطبية ص303. [18] انظر: ابن النديم: الفهرست 1/420. [19] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص192. [20] انظر: محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص73. [21] محمد الصادق عفيفي: تطور الفكر العلمي عند المسلمين ص191. [22] عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص95. [23] ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 3/13. [24] عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص115، 116. [25] انظر: مقدمة أخلاق الطبيب للرازي، لمحققه عبد اللطيف محمد العبد ص6. [26] أحمد علي الملاّ: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية ص138. [27] مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان بعد وفاته (1631)، وأبو داود (2880)، وأحمد (8831)، وأبو يعلى (6457).
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |