تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ثلاثون جزءًا |الدكتور زكي أبو سريع يحاوره الدكتور سيد أبو شادي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 1863 )           »          7 خطوات هتساعدك على إنجاز مهامك اليومية.. من غير ملل أو إرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ترميها ولا تخليها.. متى يجب التخلص من مستحضرات التجميل وأدواته؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          6 طرق سهلة لتنظيم وقتك للاستعداد للامتحانات.. لو مش عارف تركز وتحفظ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          طريقة عمل البسطرمة فى المنزل بخطوات سهلة ونتائج مضمونة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          7 مهام تنظيف يومية بسيطة تحفاظ على بيتك مرتب دائمًا.. حتى لو مشغولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          مكياجك بيكبرك؟ 5 أخطاء ابعدى عنها مع تقدم العمر لإطلالة أكثر حيوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          فوائد استخدام ماء الليمون فى العناية بالبشرة.. سر النضارة الطبيعية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          فى خطوات ..كيف تضيف أفرادا إلى حساب Apple Family؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          كلمة مرور واحدة تهدد حياتك الرقمية.. مخاطر خفية لإعادة استخدام نفس الباسورد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-01-2020, 03:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,810
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (290)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(22) الى الأية(31)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف



" سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا " (22)
يخبر تعالى, عن اختلاف أهل الكتاب, في عدة أصحاب الكهف, اختلافا, صادرا عن رجمهم بالغيب, وتقواهم بما لا يعلمون, وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم: من يقول: ثلاثة, رابعهم كبهم, ومنهم من يقول: خمسة, سادسهم كلبهم.
وهذان القولان, ذكر الله بعدهما أن هذا رجم منهم بالغيب فدل على بطلانهما.
ومنهم من يقول: سبعة, وثامنهم كلبهم.
وهذا والله أعلم هو الصواب, لأن الله أبطل الأولين, ولم يبطله فدل على صحته.
وهذا من الاختلاف, الذي لا فائدة تحته, ولا يحصل بمعرفة عددهم, مصلحة للناس, دينية, ولا دنيوية, ولهذا قال تعالى: " قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ " وهم الذين, أصابوا الصواب وعلموا إصابتهم.
" فَلَا تُمَارِ " تجادل وتحاج فيهم " إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا " أي: مبنيا على العلم واليقين, ويكون أيضا فيه فائدة.
وأما المماراة المبنية على الجهل والرجم بالغيب, أو التي لا فائدة فيها.
إما أن يكون الخصم معاندا, أو تكون المسئلة لا أهمية فيها, ولا تحصل فائدة دينية بمعرفتها, كعدد أصحاب الكهف ونحو ذلك, فإن في كثرة المناقشات فيها, والبحوث المتسلسلة, تضييعا للزمان, وتأثيرا في مودة القلوب بغير فائدة.
" وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ " أي: في شأن أهل الكهف " مِنْهُمْ " أي: من أهل الكتاب " أَحَدًا " وذلك لأن مبنى كلامهم فيهم على الرجم بالغيب والظن, الذي لا يغني من الحق شيئا.
ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى, إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه, أو لكونه لا يبالي بما تكلم به, وليس عنده ورع يحجزه.
وإذا نهى عن استفتاء هذا الجنس, فنهيه هو عن الفتوى, من باب أولى وأحرى.
وفي الآية أيضا, دليل على أن الشخص, قد يكون منهيا عن استفتائه في شيء, دون آخر.
فيستفتى فيما هو أهل له.
بخلاف غيره, لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقا, إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف, وما أشبهها.

" ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا " (23)
هذا النهي كغيره, وإن كان لسبب خاص وموجها للرسول صل الله عليه وسلم فإن الخطاب عام للمكلفين.
فنهى الله أن يقول العبد في الأمور المستقبلة " إني فاعل ذلك " من دون أن يقرنه بمشيئة الله, وذلك لما فيه من المحذور, وهو: الكلام على الغيوب المستقبلة, التي لا يدري, هل يفعلها أم لا؟ وهل تكون أم لا؟ وفيه رد الفعل إلى مشيئة العبد استقلالا.
وذلك محذور محظور, لأن المشيئة كلها لله " وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين " ولما في ذكر مشيئة الله, من تيسير الأمر وتسهيله, وحصول البركة فيه, والاستعانة من العبد لربه, ولما كان العبد بشرا, لا بد أن يسهو عن ذكر المشيئة, أمره الله أن يستثنى بعد ذلك, إذا ذكر, ليحصل المطلوب, وينفع المحذور.
ويؤخذ من عموم قوله " وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ " الأمر بذكر الله عند النسيان, فإنه يزيله, ويذكر العبد ما سها عنه.
وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله, أن يذكر ربه, ولا يكونن من الغافلين.
ولما كان العبد مفتقرا إلى الله في توفيقه للإصابة, وعدم الخطأ, في أقواله وأفعاله, أمره الله أن يقول: " عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا " .
فأمره أن يدعو الله ويرجوه, ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد.
وحري بعبد, تكون هذه حاله, ثم يبذل جهده, ويستفرغ وسعه في طلب الهدى والرشد, أن يوفق لذلك, وأن يأتيه المعونة من ربه, وأن يسدده في جميع أموره.

" ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا " (25)
لما نهاه الله عن استفتاء أهل الكتاب, في شأن أهل الكهف - لعدم علمهم بذلك, وكان الله, عالم الغيب والشهادة, العالم بكل شيء - أخبره الله بمدة لبثهم, وأن علم ذلك, عنده وحده, فإنه من غيب السماوات والأرض, وغيبها مختص به.
فما أخبر به عنها على ألسنة رسله, فهو الحق اليقين, الذي لا شك فيه.
وما لا يطلع رسله عليه, فإن أحدا من الخلق, لا يعلمه.
وقوله: " أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ " تعجب من كل سمعه وبصره, وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات, بعدما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.
ثم أخبر عن انفراده بالولاية العامة والخاصة, فهو الولي الذي يتولى تدبير جميع الكون, الولي لعباده المؤمنين, يخرجهم من الظلمات إلى النور وييسرهم لليسرى, ويجنبهم العسرى, ولهذا قال: " مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ " .
أي: هو الذي تولى أصحاب الكهف, بلطفه وكرمه, ولم يكلهم إلى أحد من الخلق.
" وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا " وهذا يشمل الحكم الكوني القدري, والحكم الشرعي الديني, فإنه الحاكم في خلقه, قضاء وقدرا, وخلقا وتدبيرا والحاكم فيهم, بأمره ونهيه, وثوابه وعقابه.

" واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا "(27)
ولما أخبر أنه تعالى, له غيب السماوات والأرض, فليس لمخلوق إليها طريق, إلا عن الطريق التي يخبر بها عباده, وكان هذا القرآن, قد اشتمل على كثير من الغيوب, أمر تعالى بالإقبال عليه فقال: " واتل " إلى قوله " ملتحد " .
التلاوة, هي الاتباع أي: اتبع ما أوحى الله إليك بمعرفة معانيه وفهمها, وتصديق أخباره, وامتثال أوامره ونواهيه, فإنه الكتاب الجليل, الذي لا مبدل لكلماته, أي: لا تغير ولا تبدل لصدقها وعدلها, وبلوغها من الحسن, فوق كل غاية " وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا " .
فلكمالها, استحال عليها التغيير والتبديل.
فلو كانت ناقصة, لعرض لها ذلك, أو شيء منه.
وفي هذا, تعظيم للقرآن, في ضمنه, الترغيب على الإقبال عليه.
" وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا " أي: لن تجد من دون ربك, ملجأ تلجأ إليه, ولا معاذا تعوذ به.
فإذا تعين أنه وحده, الملجأ في كل الأمور, تعين أن يكون هو المألوه المرغوب إليه, في السراء والضراء, المفتقر إليه في جميع الأحوال, المسئول في جميع المطالب.

" واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " (28)
يأمر تعالى نبيه محمدا, صلى الله عليه وسلم, وغيره أسوته, في الأوامر والنواهي أن يصبر نفسه مع المؤمنين العباد المنيبين " الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " أي: أول النهار وآخره يريدون بذلك وجه الله.
فوصفهم بالعبادة والإخلاص فيها.
ففيها الأمر, بصحبة الأخيار, ومجاهدة النفس على صحبتهم, ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد, ما لا يحصى.
" وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ " أي: لا تجاوزهم بصرك, وترفع عنهم نظرك.
" تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " فإن هذا ضار غير نافع, وقاطع عن المصالح الدينية.
فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا, فتصير الأفكار والهواجس فيها وتزول من القلب, الرغبة في الآخرة, فإن زينة الدنيا, تروق للناظر, وتسحر القلب, فيغفل القلب عن ذكر الله, ويقبل على اللذات والشهوات فيضيع وقته, وينفرط أمره, فيخسر الخسارة الأبدية, والندامة السرمدية ولهذا قال: " وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا " غفل عن الله, فعاقبه بأن أغفله عن ذكره.
" وَاتَّبَعَ هَوَاهُ " أي: صار تبعا لهواه, حيث ما اشتهت نفسه فعله, وسعى في إدراكه, ولو كان فيه هلاكه وخسرانه, فهو قد اتخذ إلهه هواه كما قال تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم " الآية.
" وَكَانَ أَمْرُهُ " أي: مصالح دينه ودنياه " فُرُطًا " أي: ضائعة معطلة.
فهذا قد نهى الله عن طاعته, لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به, ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به.
ودلت الآية, على أن الذي ينبغي أن يطاع, ويكون إماما للناس, من امتلأ قلبه بمحبة الله, وفاض ذلك على لسانه, فلهج بذكر الله, واتبع مراضي ربه, فقدمها على هواه, فحفظ بذلك ما حظ من وقته, وصلحت أحواله, واستقامت أفعاله, ودعا الناس إلى ما من الله به عليه.
فحقيق بذلك, أن يتبع ويجعل إماما.
والصبر, المذكور في هذه الآية, هو الصبر على طاعة الله, الذي هو أعلى أنواع الصبر, وبتمامه يتم باقي الأقسام.
وفي الآية, استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار, لأن الله مدحهم بفعله.
وكل فعل مدح الله فاعله, دل ذلك على أن الله يحبه, وإذا كان يحبه فإنه يأمر به, ويرغب فيه.

" وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا " (29)
أي: قل للناس يا محمد: هو الحق من ربكم.
أي: قد تبين الهدى من الضلال, والرشد من الغي, وصفات أهل السعادة, وصفات أهل الشقاوة, وذلك بما بينه الله على لسان رسوله.
فإذا بان واتضح, ولم يبق فيه شبهة.
" فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ " أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين, بحسب توفيق العبد, وعدم توفيقه.
وقد أعطاه الله مشيئة, بها يقدر على الإيمان والكفر, والخير والشر فمن آمن, فقد وفق للصواب, ومن كفر, فقد قامت عليه الحجة, وليس بمكره على الإيمان كما قال تعالى " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " .
ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: " إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ " بالكفر والفسوق والعصيان " نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا " أي: سورها المحيط بها.
فليس لهم منفذ, ولا طريق, ولا مخلص منها, تصلاهم النار الحامية.
" وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا " أن يطلبوا الشراب, ليطفئ ما نزل بهم من العطش الشديد.
" يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ " أي: كالرصاص المذاب, أو كعكر الزيت, من شدة حرارته.
" يَشْوِي الْوُجُوهَ " أي: فكيف بالأمعاء والبطون, كما قال تعالى " يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد " .
" بِئْسَ الشَّرَابُ " الذي يراد ليطفئ العطش, ويدفع بعض العذاب, فيكون زيادة في عذابهم, وشدة عقابهم.
" وَسَاءَتْ " النار " مُرْتَفَقًا " وهذا ذم لحالة النار, أنها ساءت المحل, الذي يرتفق به.
فإنها ليست فيها ارتفاق, وإنما فيها العذاب العظيم الشاق الذي لا يفتر عنهم ساعة, وهم فيه مبلسون قد أيسوا من كل خير, ونسيهم الرحيم في العذاب, كما نسوه.

" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا " (30)
ثم ذكر الفريق الثاني فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " أي: جمعوا بين الإيمان بالله وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر والقدر, خيره, وشره, وعمل الصالحات, من الواجبات والمستحبات " إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا " .
وإحسان العمل, أن يريد العبد العمل لوجه الله, متبعا في ذلك شرع الله.
فهذا العمل لا يضيعه الله, ولا شيئا منه, بل يحفظه للعاملين, ويوفيهم من الأجر, بحسب عملهم وفضله وإحسانه, وذكر أجرهم بقوله:

" أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا " (31)
" أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ " .
أي: أولئك الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح, لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها, فأجنت من فيها, وكثرت أنهارها, فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة, والمنازل الرفيعة.
وحليتهم فيها, الذهب, ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس, وهو الغليظ من الديباج, والإستبرق, وهو: ما رق منه.
متكئين فيها على الأرائك وهي: السرر المزينة, المجملة بالثياب الفاخرة فإنها لا تسمى أريكة, حتى تكون كذلك.
وفي اتكائهم على الأرائك, ما يدل على كمال الراحة, وزوال النصب والتعب, وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون, وتمام ذلك, الخلود الدائم والإقامة الأبدية.
فهذه الدار الجليلة " نِعْمَ الثَّوَابُ " للعاملين " وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا " يرتفقون بها, ويتمتعون بما فيها, مما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, من الحبرة والسرور, والفرح الدائم, واللذات المتواترة, والنعم المتوافرة.
وأي مرتفق, أحسن من دار, أدنى أهلها, يسير في ملكه ونعيمه, وقصوره وبساتينه, ألفى سنة ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم.
قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه, وزيد من المطالب, ما قصرت عنه الأماني.
ومع ذلك, فنعيهم على الدوام, متزايد في أوصافه وحسنه.
فنسأل الله الكريم, أن لا يحرمنا خير ما عنده, من الإحسان, بشر ما عندنا من التقصير والعصيان.
ودلت الآية الكريمة وما أشبهها, على أن الحلية, عامة للذكور والإناث, كما ورد في الأخبار الصحيحة لأنه أطلقها في قوله " يُحَلَّوْنَ " وكذلك الحرير ونحوه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-01-2020, 03:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,810
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (291)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(32) الى الأية(50)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف

" واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا " (32)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: اضرب للناس مثل هذين الرجلين الشاكر لنعمة الله, والكافر لها, وما صدر من كل منهما, من الأقوال والأفعال, وما حصل بسبب ذلك, من العقاب العاجل, والآجل, والثواب ليعتبروا بحالهما, ويتعظوا بما حصل عليهما, وليس معرفة أعيان الرجلين, وفي أي زمان أو مكان هما, فيه فائدة أو نتيجة.
فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط, والتعرض لما سوى ذلك, من التكلف.
فأحد هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة, جعل الله له جنتين أي: بستانين حسنين, من أعناب.
" وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ " أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات, وخصوصا أشرف الأشجار, العنب, والنخل.
فالعنب, وسطها, والنخل, قد حف بذلك, ودار به, فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه, وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح, التي تكمل لها الثمار, وتنضج وتتجوهر.
ومع ذلك, جعل بين تلك الأشجار زرعا.
فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين؟ وهل لهما ماء يكفيهما؟ فأخبر تعالى أن كلا من الجنتين آتت أكلها أي: ثمرها وزرعها ضعفين أي: متضاعفا وأنها لم " تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا " أي: لم تنقص من أكلها أدنى شيء.
ومع ذلك, فالأنهار في جوانبها سارحة, كثيرة غزيرة.
" وَكَانَ لَهُ " أي لذلك الرجل " ثَمَرٌ " أي عظيم كما يفيده التنكير أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما, وارجحنت أشجارهما, ولم تعرض لهما آفة أو نقص.
فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحرث, ولهذا اغتر هذا الرجل, وتبجح وافتخر, ونسي آخرته.

" وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا "(34)
أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن, وهما يتحاوران, أي يتراجعان الكلام بينهما في بعض المجريات المعتادة, مفتخرا عليه: " أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا " فخر بكثرة ماله, وعزة أنصاره, من عبيد, وخدم, وأقارب, وهذا جهل منه.
وإلا فأي افتخار بأمر خارجي ليس فيه فضيلة نفسية, ولا صفة معنوية.
وإنما هو بمنزله فخر الصبي بالأماني, التي لا حقائق تحتها.
ثم لم يكفه هذا الأفتخار على صاحبه, حتى يحكم, بجهله وظلمه, وظن لما دخل جنته.
ف " قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ " أي: تنقطع وتضمحل " هَذِهِ أَبَدًا " .
فاطمأن إلى هذه الدنيا, ورضى بها, وأنكر البعث, فقال: " وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي " على ضرب المثل " لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا " أي ليعطيني خيرا من هاتين الجنتين, وهذا لا يخلو من أمرين.
إما أن يكون عالما بحقيقة الحال, فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء فيكون زيادة كفر إلى كفره.
وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة, فيكون من أجهل الناس, وأبخسهم حظا من العقل.
فأي تلازم بين عطاء الدنيا, وعطاء الآخرة, حتى يظن بجهله, أن من أعطى في الدنيا, أعطى في الآخرة.
بل الغالب, أن الله تعالى يزوي الدنيا عن أوليائه وأصفيائه, ويوسعها على أعدائه, الذين ليس لهم في الآخرة نصيب.
والظاهر أنه يعلم حقيقة الحال, ولكنه قال هذا الكلام, على وجه التهكم والاستهزاء, بدليل قوله: " وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ " .
فإثبات أن وصفه الظلم, في حال دخوله, الذي جرى منه, من القول ما جرى, يدل على تمرده وعناده.

" قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " (37)
أي: قال له صاحبه المؤمن - ناصحا له, ومذكرا له حاله الأولى, التي أوجده الله فيها في الدنيا " مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا " .
فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد, وواصل عليك النعم, ونقلك من طور إلى طور, حتى سواك رجلا, كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة, والمعقولة.
وبذلك يسر لك الأسباب, وهيأ لك ما هيأ, من نعم الدنيا.
فلم تحصل لك الدنيا, بحولك وقوتك, بل بفضل الله تعالى عليك.
فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب, ثم من نطفة ثم سواك رجلا, وتجهل نعمته, وتزعم أنه لا يبعثك, وإن بعثك أنه يعطيك خيرا من جنتك, هذا مما لا ينبغي ولا يليق.
ولهذا لما رأى صاحبه المؤمن, حاله واستمراره على كفره وطغيانه, قال - مخبرا عن نفسه, على وجه الشكر لربه, والإعلان بدينه, عند ورود المجادلات والشبه: " لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا " .
فأقر بربوبية ربه, وانفراده فيها, والتزام طاعته وعبادته, وأنه لا يشرك به أحدا من المخلوقين.
ثم أخبر أن نعمة الله عليه, بالإيمان والإسلام, ولو مع قلة ماله وولده أنها, هي النعمة الحقيقية, وأن ما عداها, معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال, فقال: " إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ " إلى " وَخَيْرٌ عُقْبًا " .

" فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا " (40)
أي: قال للكافر صاحبه المؤمن: أنت - وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك, ورأيتني أقل منك مالا وولدا - فإن ما عند الله, خير وأبقى.
وما يرجى من خيره وإحسانه, أفضل من جميع الدنيا, التي يتنافس فيها المتنافسون.
" فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا " أي: على جنتك التي طغيت بها وغرتك " حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ " أي: عذابا, بمطر عظيم أو غيره.
" فَتُصْبِحَ " بسبب ذلك " صَعِيدًا زَلَقًا " أي: قد اقتلعت أشجارها, وتلفت ثمارها, وغرق ذرعها, وزال نفعها.
" أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا " الذي مادتها منه " غَوْرًا " أي: غائرا في الأرض " فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا " أي: غائرا لا يستطاع الوصول إليه, بالمعاول ولا بغيرها.
وإنما دعا على جنته المؤمن, غضبا لربه, لكونها غرته وأطغته, واطمأن إليها, لعله ينيب, ويراجع رشده, ويتبصر في أمره.

" وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا " (42)
فاستجاب الله دعاه " وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ " أي: أصابه عذاب, أحاط به, واستهلكه, فلم يبق منه شيء.
والإحاطة بالثمر, يستلزم تلف جميع أشجاره, وثماره, وزرعه.
فندم كل الندامة, واشتد لذلك أسفه, " فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا " أي على كثرة نفقاته الدنيوية عليها, حيث اضمحلت وتلاشت, فلم يبق لها عوض, وندم أيضا على شركه, وشره, ولهذا قال: " وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا " .

" ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا " (43)
قال الله تعالى: " وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا " .
أي: لما نزل العذاب بجنته, ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: " أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا " فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئا, أشد ما كان إليهم حاجة, وما كان بنفس منتصرا.
وكيف ينتصر, أو يكون له انتصارا, على قضاء الله وقدره, الذي إذا أمضاه وقدره, لو اجتمع أهل السماء والأرض على إزالة شيء منه, لم يقدروا؟!! ولا يستبعد من رحمة الله ولطفه, أن صاحب هذه الجنة, التي أحيط بها, تحسنت حاله, ورزقه الله الإنابة إليه, وراجع رشده, وذهب تمرده وطغيانه, بدليل أنه أظهر الندم على شركه بربه, وأن الله أذهب عنه ما يطغيه, وعاقبه في الدنيا, وإذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا.
وفضل الله لا تحيط به الأوهام والعقول, ولا ينكره إلا ظالم جهول.

" هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا " (44)
" هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا " أي: في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى, وآثر الحياة الدنيا, والكرامة لمن آمن, وعمل صالحا, وشكر الله, ودعا غيره, لذلك تبين وتوضح, أن الولاية الحق, لله وحده.
فمن كان مؤمنا به تقيا, كان له وليا, فأكرمه بأنواع الكرامات, ودفع عنه الشرور والمثلات, ومن لم يؤمن بربه, ولا يتولاه, خسر دينه ودنياه, فثوابه الدنيوي والأخروي, خير ثواب يرجى ويؤمل.
ففي هذه القصة العظيمة, اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية, فألهته عن آخرته وأطغته, وعصى الله فيها, أن مآلها الانقطاع والاضمحلال.
وأنه وإن تمتع بها قليلا, فإنه يحرمها طويلا.
وأن العبد, ينبغي له - إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده - أن أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها, وأن يقول: " ما شاء الله, لا قوة إلا بالله " ليكون شاكرا, متسببا لبقاء نعمته عليه, لقوله: " وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ " .
وفيها, الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها, بما عند الله من الخير لقوله: " إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ " .
وفيها أن المال والولد لا ينفعان, إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى: " وما أموالكم ولا أودلادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا " .
وفيه الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه.
خصوصا إن فضل نفسه بسببه, على المؤمنين, وفخر عليهم وفيها, أن ولاية الله وعدمها, إنما تتضح نتيجتها, إذا انجلى الغبار وحق الجزاء, ووجد العاملون أجرهم فـ " هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا " أي: عاقبة ومالا.

" واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا " 45)
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلا, ولمن قام بوراثته بعده تبعا: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا, ليتصوروها حق التصور, ويعرفوا ظاهرها وباطنها, فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية, ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار.
وأن مثل هذه الحياة الدنيا, كمثل المطر, ينزل على الأرض, فيختلط نباتها, أو تنبت من كل زوج بهيج.
فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين, وتفرح المتفرجين, وتأخذ بعيون الغافلين.
إذ أصبحت هشيما, تذروه الرياح, فذهب ذلك النبات الناضر, والزهر الزاهر, والمنظر البهي.
فأصبحت الأرض غبراء ترابا, قد انحرف عنها النظر, وصدف عنها البصر, وأوحشت القلب.
كذلك هذه الدنيا, بينما صاحبها, قد أعجب بشبابه, وفاق فيها على أقرانه وأترابه, وحصل درهمها ودينارها, واقتطف من لذته أزهارها, وخاض في الشهوات في جميع أوقاته, وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه, إذ أصابه الموت أو التلف لماله.
فذهب عنه سروره, وزالت لذته وحبوره, واستوحش قلبه من الآلام وفارق شبابه وقوته, وماله, وانفرد بصالح, أو سيئ أعماله.
هنالك يعض الظالم على يديه, حين يعلم حقيقة ما هو عليه, ويتمنى العود إلى الدنيا, لا ليستكمل الشهوات, بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات, بالتوبة والأعمال الصالحات.
فالعاقل الجازم الموفق, يعرض على نفسه هذه الحالة, ويقول لنفسه: " قدري أنك قد مت, ولا بد أن تموتي, فأي الحالتين تختارين؟ الاغترار بزخرف هذه الدار, والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة أم العمل, لدار أكلها دائم وظلها ظليل, وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه, وربحه من خسرانه.
ولهذا أخبر تعالى, أن المال والبنين, زينة الحياة الدنيا, أي: ليس وراء ذلك شيء.
وأن الذي يبقى للإنسان وينفعه ويسره, الباقيات الصالحات.
وهذا يشمل جميع الطاعات, الواجبة, والمستحبة, من حقوق الله, وحقوق عباده, من صلاة, وزكاة, وصدقة, وحج, وعمرة, وتسبيح, وتحميد, وتهليل, وقراءة, وطلب علم نافع, وأمر بمعروف, ونهي عن منكر, وصلة رحم, وبر والدين, وقيام بحق الزوجات, والمماليك, والبهائم, وجميع وجوه الإحسان إلى الخلق, كل هذا من الباقيات الصالحات, فهذه خير عند الله ثوابا, وخير أملا.
فثوابها يبقى, ويتضاعف على الآباد, ويؤمل أجرها وبرها ونفعها, عند الحاجة.
فهذه التي ينبغي أن يتنافس بها المتنافسون, ويستبق إليها العاملون, ويجد في تحصيلها المجتهدون.
وتأمل, كيف لما ضرب الله مثل الدنيا وحالها واضمحلالها ذكر أن الذي فيها نوعان.
نوع من زينتها, يتمتع به قليلا, ثم يزول بلا فائدة تعود لصاحبه, بل ربما لحقته مضرته وهو المال والبنون.
ونوع يبقى لصاحبه على الدوام, وهي الباقيات الصالحات.
" وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا "
يخبر تعالى عن حال يوم القيامة, وما فيه من الأهوال المقلقة, والشدائد المزعجة فقال: " وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ " أي: يزيلها عن أماكنها, يجعلها كثيبا, ثم يجعلها كالعهن المنفوش ثم تضمحل وتتلاشى, وتكون هباء منبثا, وتبرز الأرض, فتصير قاعا صفصفا, لا عوج فيه ولا أمتا.
ويحشر الله جميع الخلق, على تلك الأرض, فلا يغادر منهم أحدا.
بل يجمع الأولين والآخرين, من بطون الفلوات, وفغور البحار, ويجمعهم بعدما تفرقوا, ويعيدهم, بعد ما تمزقوا, خلقا جديدا.
فيعرضون عليه صفا, ليستعرضهم, وينظر في أعمالهم, ويحكم فيهم, بحكمه العدل, الذي لا جور فيه ولا ظلم, ويقول لهم: " لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " أي, بلا مال, ولا أهل, ولا عشيرة, ما معهم إلا الأعمال, التي عملوها, والمكاسب في الخير والشر, التي كسبوها كما قال تعالى: " وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ " .
وقال هنا, مخاطبا للمنكرين للبعث, وقد شاهدوه عيانا: " بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا " أي: أنكرتم الجزاء على الأعمال, ووعد الله, ووعيده فها, قد رأيتموه وذقتموه.
فحينئذ تحضر كتب الأعمال التي كتبها الملائكة الأبرار.
فتطير لها القلوب, وتعظم من وقعها, الكروب, وتكاد لها الصم الصلاب تذوب, ويشفق منها المجرمون.
فإذا رأوها مسطرة عليهم أعمالهم, محصى عليهم أقوالهم وأفعالهم, قالوا: " يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا " أي: لا يترك خطيئة, صغيرة ولا كبيرة, إلا وهي مكتوبة فيه, محفوظة لم ينس منها عمل سر ولا علانية, ولا ليل ولا نهار.
" وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا " لا يقدرون على إنكاره " وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " .
فحينئذ يجازون بها, ويقررون بها, ويخزون, ويحق عليهم العذاب, " ذلك بما قدمت أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد " بل هم غير خارجين عن عدله وفضله.

" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا " (50)
يخبر تعالى, عن عداوة إبليس لآدم وذريته, وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم, إكراما وتعظيما, وامتثالا لأمر الله.
فامتثلوا ذلك " إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ " وقال: " أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا " وقال: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ " .
فتبين بهذا, عداوته لله ولأبيكم, فكيف تتخذونه وذريته أي: الشياطين " أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا " .
أي: بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان, الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن, الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته.
وفي هذه الآية, الحث على اتخاذ الشيطان عدوا, والإغراء بذلك, وذكر السبب الموجب لذلك, وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم وأي ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي.
وليا, وترك الولي الحميد؟!!.
قال تعالى: " اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ " .
وقال تعالى: " إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-01-2020, 04:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,810
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (297)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(101) الى الأية(110)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف




" أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا " (102)
وهذا برهان وبيان, لبطلان دعوى المشركين الكافرين, الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء, شركاء لله يعبدونهم, ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء, ينجونهم من عذاب الله, وينيلونهم ثوابه, وهم قد كفروا بالله ورسوله.
يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول: " أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ " أي: لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله, معاديا لله أبدا.
فإن الأولياء موافقون لله, في محبته, ورضاه, وسخطه, وبغضه.
فيكون على هذا المعنى, مشابها لقوله تعالى " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ " .
فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له, وهو معاد لله, فهو كاذب.
ويحتمل - وهو الظاهر - أن المعنى: أفحسب الكفار بالله, المنابذون لرسله, أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم, وينفعونهم من دون الله, ويدفعون عنهم الأذى؟.
هذا حسبان باطل, وظن فاسد, فإن جميع المخلوقين, ليس بيدهم من النفع والضر, شيء.
ويكون هذا, كقوله تعالى: " قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا " , " وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ " .
ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها, أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه, ضال خائب الرجاء, غير نائل لبعض مقصوده.
" إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا " أي ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم, وبئست جهنم, ضيافتهم.

" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " (103)
أي: قل يا محمد, للناس - على وجه التحذير والإنذار-: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟
" الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (104)
" الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " أي: بطل واضمحل كل ما عملوه, من عمل, وهم يحسبون أنهم محسنون في صنعه.
فكيف بأعمالهم, التي يعلمون أنها باطلة, وأنها محادة لله ورسله, ومعاداة؟!! فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم, فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؟ ألا ذلك هو الخسران المبين.

" أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " (105)
" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ " أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية, الدالة على وجوب الإيمان به, وملائكته, ورسله, وكتبه, واليوم الآخر.
" فَحَبِطَتْ " بسبب ذلك " أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " لأن الوزن فائدته, مقابلة الحسنات بالسيئات, والنظر في الراجح منها والمرجوح وهؤلاء, لا حسنات لهم, لعدم شرطها, وهو الإيمان, كما قال تعالى " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا " .
لكن تعد أعمالهم, وتحصى, ويقررون بها, ويخزون بها على رءوس الأشهاد, ثم يعذبون عليها, ولهذا قال: " ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ "

" ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا " (106)
" ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ " أي: حبوط أعمالهم, وأنه لا يقام لهم يوم القيامة, وزن, لحقارتهم وخستهم, بكفرهم بآيات الله, واتخاذهم آياته ورسله, هزوا يستهزئون بها, ويسخرون منهم.
مع أن الواجب في آيات الله ورسله, الإيمان التام بها, والتعظيم لها, والقيام بها أتم القيام.
وهؤلاء عكسوا القضية, فانعكس أمرهم, وتعسوا, وانتكسوا في العذاب.

" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " (107)
ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم, بين أعمال المؤمنين ومآلهم فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " إلى " حِوَلًا " .
أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم, وعملوا الصالحات بجوارحهم.
وشمل هذا الوصف جميع الدين, عقائده, وأعماله, أصوله, وفروعه الظاهرة, والباطنة.
فهؤلاء - على اختلاف طبقاتهم من الإيمان, والعمل الصالح - لهم جنات الفردوس.
يحتمل أن المراد بجنات الفردوس, أعلى الجنة, ووسطها, وأفضلها, وأن هذا الثواب, لمن كمل فيه الإيمان, والعمل الصالح, والأنبياء والمقربون.
ويحتمل أن يراد بها, جميع منازل الجنان, فيشمل هذا الثواب, جميع طبقات أهل الإيمان, من المقربين, والمقتصدين كل بحسب حاله.
وهذا أول المعنيين, لعمومه, ولذكر الجنة, بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس, وأن الفردوس يطلق على البستان, المحتوي على الكرم, أو الأشجار الملتفة وهذا صادق على جميع الجنة.
فجنة الفردوس, نزل, وضيافة لأهل الإيمان, والعمل الصالح.
وأي ضيافة أجل, وأكبر, وأعظم, من هذه الضيافة, المحتوية على كل نعيم, للقلوب, والأرواح, والأبدان, وفيها ما تشتهيه الأنفس.
وتلذ الأعين من المنازل الأنيقة, والرياض الناضرة والأشجار المثمرة.
والطيور المغردة الشجية, والمآكل اللذيذة, والمشارب الشهية, والنساء الحسان, والخدم, والولدان, والأنهار السارحة, والمناظر الرائقة, والجمال الحسي والمعنوي, والنعمة الدائمة.
وأعلى ذلك وأفضله وأجله, التنعم بالقرب من الرحمن [ونيل رضاه, الذي هو أكبر نعيم الجنان, والتمتع برؤية وجه الكريم, وسماع الكلام الرءوف الرحيم].
فله تلك الضيافة, ما أجلها وأجملها, وأدومها, وأكملها!! وهي أعظم من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق, أو تخطر على القلوب.
فلو علم العباد بعض ذلك النعيم, علما حقيقيا, يصل إلى قلوبهم, لطارت إليها قلوبهم بالأشواق, ولتقطعت أرواحهم, من ألم الفراق, ولساروا إليها زرافات ووحدانا.
ولم يؤثروا عليها دنيا فانية, ولذات منغصة متلاشية.
ولم يفوتوا أوقاتا, تذهب ضائعة خاسرة, يقابل كل لحظة منها من النعيم من الحقب آلاف مؤلفة.
ولكن الغفلة شملت.
والإيمان ضعف, والعلم قل, والإرادة وهت فكان, ما كان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

" خالدين فيها لا يبغون عنها حولا " (108)
وقوله " خَالِدِينَ فِيهَا " هذا هو تمام النعيم, إن فيها, النعم الكامل, ومن تمامه أنه لا ينقطع " لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا " .
أي: تحولا ولا انتقالا, لأنهم لا يرون إلا ما يعجبهم ويبهجهم, ويسرهم ويفرحهم, ولا يرون نعيما فوق ما هم فيه.

" قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " (109)
أي قل لهم مخبرا عن عظمة الباري, وسعة صفاته, وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: " لَوْ كَانَ الْبَحْرُ " أي هذه الأبحر الموجودة في العالم.
" مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي " أي: وأشجار الدنيا, من أولها إلى آخرها, من أشجار البلدان والبراري, والبحار, أقلام.
" لَنَفِدَ الْبَحْرُ " وتكسرت الأقلام " قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي " وهذا شيء عظيم, لا يحيط به أحد.
وفي الآية الأخرى " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان, لأن هذه الأشياء مخلوقة, وجميع المخلوقات, منقضية منتهية.
وأما كلام الله, فإنه من جملة صفاته, وصفاته غير مخلوقة, ولا لها حد ولا منتهى.
فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب, فالله فوق ذلك.
وبهذا سائر صفات الله تعالى, كعلمه, وحكمته, وقدرته, ورحمته.
فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين أهل السماوات وأهل الأرض لكان بالنسبة إلى علم العظيم, أقل من نسبة عصفور, وقع على حافة البحر, فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته.
ذلك بأن الله, له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة, وأن إلى ربك المنتهى.

" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (110)
أي: " قُلْ " يا محمد للكفار وغيرهم: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " أي: لست بإله, ولا لي شركة في الملك, ولا علم بالغيب, ولا عندي خزائن الله.
" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " عبد من عبيد ربي, " يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: فضلت عليكم بالوحي, الذي يوحيه إلي, الذي أجله الإخبار لكم, أنما إلهكم إله واحد, أي: لا شريك له, ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة, وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه, وينيلكم ثوابه, ويدفع عنكم عقابه.
ولهذا قال: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا " وهو الموافق لشرع الله, من واجب ومستحب.
" وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " أي لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى.
فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة, هو الذي ينال ما يرجو ويطلب.
وأما من عدا ذلك, فإنه خاسر في دنياه وأخراه, وقد فاته القرب من مولاه, ونيل رضاه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 192.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 189.78 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (1.35%)]