النص الشعري التراثي بين التنميط والتأوي القصيدة الرصافية لعلي بن الجهم نموذجا - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         هدايات سورة طه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم والنزول على حكمه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 146 )           »          كيف تكون إيجابيا في مجتمعك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 147 )           »          مظاهر اليسر في الصوم (5) كفارة رمضان وفديته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 169 )           »          أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 163 )           »          الزبير بن العوام حواري النبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 145 )           »          إطلالة على مشارف السبع المثاني (7) {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 169 )           »          التفاعل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 152 )           »          رياض الصائم (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 167 )           »          سلامة القلب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 174 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > ملتقى الشعر والخواطر
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الشعر والخواطر كل ما يخص الشعر والشعراء والابداع واحساس الكلمة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #2  
قديم 06-04-2019, 12:43 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,010
الدولة : Egypt
افتراضي رد: النص الشعري التراثي بين التنميط والتأوي القصيدة الرصافية لعلي بن الجهم نموذجا

النص الشعري التراثي


بين التنميط والتأوي القصيدة الرصافية

لعلي بن الجهم نموذجا




د. كامل الصاوي[(*)]

تحليل النص:


يتكون النص من جزأين تقليديين جدا في الشعر العربي، إذ هما: مقدمة غزلية-طويلة بالقياس لحجم القصيدة-، ثم مقطع مدحي، وهذا القالب لا جديد فيه، بل هو مساير عادي لما ألفه الشعر العربي.
لكنا قلنا في مقدمة بحثنا أمورا نذكر منها:
أولا: أن كل قصيدة هي بنية ومشروع خاص، بل قيمة مضافة لمؤسسة الشعر العربي.

ثانيا: أننا نقلنا عن "جيرارد" أن الخيال مهم لكن الأهم كيف يعمل الخيال. ثم دلفنا-معه ومع غيره-إلى فكرة التناغم بين الخيال والتداعي، ورأى البحث وقتها، أن العربية لغة تحفز في ذهن مستعملها آلية التداعي، لثرائها في هذا الجانب.

ثالثا: أن القيمة الأهم في الشعر ليست فيما يقال، بل في كيف يقال ما يقال.

رابعا: أن لكل نص متكأ خاصا، يتكئ عليه الشاعر لينتج خصوصيته، ما دام البحث ارتضى: أن القصيدة-أي قصيدة-هي ابنة ماضيها بقدر ما هي ابنة لحظتها الخاصة.

من جماع ما ذكرنا، أو بالأحرى ذكرنا به، ندخل نصنا هذا، كاشفين فرادته، وقيمته المضافة-تشكيليا-بالطبع. ويأخذ البحث في التحليل.
لقد دأب الشعراء العرب على استهلال قصائدهم إما بالبكاء على الأطلال، أو الغزل والنسيب. ولقد كان الشاعر العربي-في تذكر أطلاله-يقدم وصفا خارجيا ليد الزمان الفاعلة خرابا في مكان، سبق له سكنى ما بين ضلوعه، وملامسة ذلك اللدن الحي منه، الذي يسمونه القلب. التقاء الداخل بالخارج إذن بين قوسي حسرة وفقد كان أوراق الاعتماد من الشاعر إزاء طلله.
ولقد كان متواترا في الشعر الجاهلي-المثال الشعري، الذي ارتضته العقلية العربية حكما على ما سواه-أن يقدم الشاعر طللا مسيجا محميا، وكأنه يستل من الصحراء بقعة صغيرة، ويهندسها لتكون صالحة لحسرة القلب.
الأمر اللافت للنظر أيضا أن الشاعر القديم كان يقدم طله ساكنا، بعد سكونه وسط الصحراء حلم حماية لهكذا طلل، بل تأتي حركة الأشياء حول الطلل لتضيف لسكون الطلل سكونا، عبر ما يمكن أن يسمى بالسكون المستسر في الحركة، أو حركة تتضاد فيما بينها لتضمن الحماية والسكون للطلل معا. تلك الجدلية الشهيرة التي حملها ذات قصيدة قول شهير لامرئ القيس، حين قال:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمه
لما نسجتها من جنوب وشمال
لكن ما يلفت النظر أكثر في طلل الشاعر القديم هو أن ذلك الطلل المسيج المحمي، والذي يرتع في سكونه. يأتي غالبا واقعا بين رحيلين: رحيل إليه (قفا نبك) مثلا، ورحيل عنه (فعد عما ترى) مثلا.
علي بن الجهم ليس بعيدا عن ذاكرة الطلل-إن جاز التعبير بكل ما أشرنا إليه، ولكن في الشعر لا تعنينا الأفكار، ولا ما حوت الذاكرة، وارتأت الجماعة. إنما يعنينا أمران: الأول منهما: الكيفية، وليس الفكرة، والثاني: التفاعل بين الموروث وخصوصية التناول، وهو ما قال عنها البحث-سلفا-إن الموضوع ابن تشكيله-وأن التعبير عن الموضوعات ينتج مالا ينتهي من التعبيرات، قياسا سابقا من البحث على إبداعية اللغة عند تشومسكي-.
هنا يقبض البحث، ومنذ البيت الأول من القصيدة، على المدار الأساس الخاص بعلي بن الجهم هنا.
ذلك أن "عيون المها"، قبلة عيني وقلب ابن الجهم، موجودة بين مكانين، إن تأملناهما وجدناهما نقيضين (الرصافة)، وهي مكان ثابت محدد، و"الجسر" المكان الذي يجسر الهوة ويفتح للحركة أفقا وانطلاقا، الجسر منفتح دوما على فعل حركة.
لكن العيون ذاتها، وعلى الرغم من كونها ثابتة مسيجة في أجساد الأحبة، فإن العيون في ذاتها كوى، أو نوافذ، يطل منها الخارج على داخل هذي الأجساد، من ناحية، وهي أيضا نوافذ الأجساد على عالمها الخارجي، من ناحية ثانية.
فإذا ما تأملنا فعل العيون (الناظرة/ المنظورة)، هنا، جاء الشطر الثاني، محررا قلب الشاعر من حيز التذكر، والذكرى، إلى طزاجة الفعل وحركته: (جلبن الهوى من حيث أدري، ولا أدري).
وكأن عليا إذ قال: (جلبن الهوى) مع ما في هذا الفعل من حركة وجلبة، قد كره خياله أن تقيد حركة الهوى بمكانها، أو المكان الذي تتحرك منه، وتقع عليه مجلوبة صوب قلبه؛ فقسم خياله المكان. مكانين: الأول مكان يدريه ويعلمه (من حيث أدري). وأما الثاني فمكان لا علم له به: (ولا أدري).
لكأن الشاعر-هنا-يريد أن يحرر الحركة من أي شيء يعوق انطلاقها-وإن كانت فوق احتمال القلب-حتى وإن كان هذا العائق علمه من أي اتجاه يتكأكأ عليه الهوى.
البيت الأول جذر حركة وتشكيل بها، فهل يمكن أن يكون وفاء لقول البحث باتحاد الخيال مع التداعي-هو مفتاح رؤية خاصة في هذا النص؟ ليكن ذاك وعد النص ولغته، ووعد البحث أيضا، أي أنه في عجالة (هذا المطلع هو مفتاح شيفرة النص). وهذا ما سوف يحاول البحث إثباته، وفاء لعد كل نص هو بنية وإضافة.
في بيت القصيدة الثاني: (أعدن لي الشوق..... إلخ). يلقانا بعد الهوى "الشوق"، وإذا كان الشوق هو فعل داخلي قلبي، فيه تتوق النفس، وتشتاق إلى موجود هناك، وليس موجودا، هنا، أي الشوق اختزال لجدل "الهناك/ الهنا"؛ فإن الشاعر لا يقدم الشوق من باب مألوفه (أنا هنا وأشتاق إلى ما ليس محايثا لمكاني). بل يقدم الشوق ذاته متحركا عائدا (أعدن) بكل دلالات العودة على الحركة).
ثم تتنامى الحركة أو الشعور بها، عند علي بن الجهم، فيشطر شوقه شوقين: (شوق قديم كان كامنا واستفزته العيون)، وشوق جاء مع الحركة: (زدن جمرا على جمر...)، لقد وضع الشوق فوق سابقه. ولعله من نافلة القول هنا، أن وضع شيء على مثله هو فعل حركة، وإن دققنا النظر رأينا أن عليا يقدم ركاما من الشوق، أو طبقات منه، وإلى جانب أن ذلك مثر للإيحاء بالحركة؛ فإنه، من المدهش، أن الشاعر يقدم الشوق واحدا مفردا، على الرغم من كونه متعددا، لأنه-كما أشار البحث-منشطر بين قديمه وما زادته العيون، وكونه أيضا بفعل عيون متعددة، مجموعة. وليس ناتج عين واحدة أثارت شوقا مفردا. وكأنه يزيدنا إحساسا بحركة هذا الشوق/ الكتلة، إن جاز التعبير.
انتقالا من الشاعر بين حركتي الخارج والداخل، يدعو للأحبة بقوله (سلمن)، هكذا يدعو الشاعر هذا الدعاء المتواتر في شعرنا العربي، لكن ذكر الفعل سلمن هو دال حركة، ولو يسيرة، فلا تتحقق السلامة إلا من خطر-قد يتحرك صوب المدعو له بالسلامة-، لكن اللافت للنظر هو تحرك مخيلة الشاعر تداعيا، عبر الصوت اللغوي (سلم) الذي منه السلامة والعافية، ومنه أيضا إسلام الشيء أي تركه بلا حماية في وجه خطر ما. هنا يكون الفعل (سلم) قد حمل دلالتين متناقضتين: أولاهما باتجاه السلامة (للأحبة) وثانيتهما باتجاه المعاناة، التي احتلت قلب المحب المعاني. لكن مخيلة الشاعر القابضة على الحركة بعدها مادة فاعلة في التشكيل-إن جاز للبحث استعارة المصطلح من علم الكيمياء-حين يقدم قلبه المسلم إلى معاناته؛ إنما يقدمه قلوبا، ولنلاحظ تعدد القلب هنا وجمعه، وهو لشخص واحد، في مقابل فردية الشوق، الذي هو في الموقف، هنا متعدد.
(القلوب تشك بأطراف المثقفة السمر) لا تبدو فقط جملة شعرية، بل تزيد أيضا في إيحاء الحركة؛ فمعلوم أن الرماح (وهي هنا متعددة) لا تتحرك من تلقاء ذاتها، بل هي مستجيبة لفعل محركين، يحركونها فتتحرك، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لابد للرماح كي تفعل ما يريده منها محركوها (الطعن) أن تكون الحركة عنيفة منهم؛ لكن الشائق أن الشاعر يقدم فعل الرماح وخزا وشكا، هل ليحافظ على حياة القلوب، ومعها يحافظ على دوام الحركة؟ الإجابة، ربما.
هذا ما فعلت العيون: جلب هوى، وركام شوق، ووخز وشك لا تكف فيهما الرماح عن فعلهما. العيون تفعل ربما يكون ذلك وصفا صالحا للعيون هنا.
عطفا على ما فعلت العيون يأتي القول من الأحبة. لكنه قول مدهش في دلالة الحركة، والوعد بها، إذ نقرأ:
تضيء لمن يسري بليل ولا تقري
وقلن لنا نحن الأهلة، إنم ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
فلا بذل إلا ما تزود ناظر
(الأحبة أهلة) قول شعري مدهش، لكن هذا القول، أعني ربط المحبوب بكوكب علوي، بدلالتي: الجمال والامتناع، ليس جديدا، إنما هو مما حفظته ذاكرة الجمال والحب العربية.
لكن تأملا بسيطا يدلنا على أن ذلك شائق في سياقه هذا، فعلاوة على كون ارتباط المحبوبة بالشمس أكثر (جمالا وعلوا، وشموسا، أي جموحا ونفورا) إلا أن الأحبة هنا جئن أهلة، أي: مرتبطات بالقمر في بعض مراحله، وهو ارتباط غير بعيد عما قبله من شك الرماح ووخزها؛ حيث القمر أو "ود" هو الإله المحارب، أترى ينقل الشاعر المحبوبات، هنا، من سمتهن الأنثوي الصبوح إلى محبوبات يعلن الحرب، وإن كن أهلة في هذا الباب؟ الإجابة ليس ذلك ببعيد، والنص وسياقه حاكم.
يزداد البحث دهشة وهو يتأمل اختيار الشاعر (الأهلة) اسما ووسما؛ فلم لم يكن بدورا؟ ولكأني بعلي بن الجهم، وقد تزاوج الخيال عنده مع التداعي، قد فضلت مخيلته "الأهلة" استجابة لوعد قصيدة الحركة مركزها. فالأهلة وعد بحركة؛ هي لم تكتمل بعد وتتدور بدورا؛ فتكف عن النمو والحركة. هي أهلة ما تزال تمارس حركة صعود لتمارس تمامها بدورا، ومن الشائق أن البدور، من حيث هي بدور، فهي ساكنة، أو ستكون حركتها باتجاه نقصها. كمال البدور نقصها. جملة شعرية من البحث تجاه نص تتشابك تداعياته صوب الحركة وإثرائها.
على أنه مدهش، كذلك، أن الأحبة اللواتي هن أهلة، هنا، إنما هن أيضا مستفزات حركة أيضا من جانب آخر إذ هن مضيئات (لمن يسري بليل) مع ما في فعل السري من حركة مستمرة، في مقابل ذلك ثمة نفي للقرى، الذي هو بعض من الاستقرار والسكون –وإن كان مؤقتا.
وإذا كان الشاعر قد قدم من خلال تعبير (الأحبة/ الأهلة) ما يمكن تسميته بركام حركات، أو الحركة التي تستسر مثيلتها داخله؛ فإنه يواصل قبضه على الحركة؛ وإن نقلها من الخارج (الأهلة، والسائرون ليلا، مع نفي القرى) إلى الداخل ليكون محل الحركة في القلب؛ وإن كانت بفعل الأحبة أيضا، حين قال: (أزحن رسيس القلب عن مستقره.... إلخ)، فالحركة هنا من القلب، ليست انتفاضة قلب أو ارتعاشته من تلقاء شوقه فقط، بل هن اللواتي مارسن على القلب فعل الإزاحة. لكن أي شيء أزحن؟ إنهن أزحن البقايا المنسية، والمستقرة داخل القلب. لكن نظرة إلى اختيار الشاعر الفعل التالي لفعل الإزاحة نراه يختار (ألهبن) الفعل الذي يحتوي داخله دلالتين: الأولى الإلهاب بالنار "نار الشوق، والهوى" وإلهاب ظهر الدابة بالسوط دفعا إلى أن تمارس أقصى ما لديها من حركة. وكأن الشاعر يهندس داخله لحركة بدأت، لكنها لم تنته بعد، فما يزال القلب/ الدابة في بداية طريق حب معني. وعلى الخيال-خيال المتلقي-أن ينتظر حركة لم يئن أوانها بعد.
إذا كان من الشائع عند العرب القول بأن "الشباب والوفرة هما جالبان للحسان"، فإن علي بن الجهم لا ينفي الفكرة، ولا يتمرد عليها، بل إنه على العكس، تماما، يثبتها. لكن مخيلته تمتزج مع ما ارتضته مادة للتداعي، ونعني بها الحركة، إذ يقول:
تصاد المها بين الشبيبة والوفر
ولكنه أودى الشباب، وإنم غمزن بنانا بين سحر إلى نحر
أما ومشيب راعهن، لربم
فالشاعر لا يقدم النساء المحبوبات نساء يروضهن للحب، بل اختارت مخيلته لهن أنهن غزلان يقعن في شراك الصياد. الشبيبة والوفر شراك للصيد. تلك جملة على شعريتها تنبع من نبع الحركة، لتقدم النساء مها تصاد مع ما في فعل الصيد نفسه من حركة: حركة الصائد، وحركة الفريسة المراد صيدها، وحركة الشرك حين تحاول الفريسة اليائسة الإفلات منه دون جدوى. أم تراه يعني حركة هادئة لفريسة ارتضت صيدها-ربما-.
الشاعر الذي ارتضى للأحبة فعل الصيد، هنا، لا يقدم المحبوبات وقد راعهن الصيد، بل العكس تماما، إنهن قد روعهن الشيب، وكأن الشاعر إذ تداعى إلى مخيلته روع الفريسة حال صيدها، قد أتى فعل الروع إلى داخل المحبوبات، ولكن بفعل المشيب. على كل حال فالروع حركة داخل، أو هي حركة القلب، مما يعني أن التشكيل بالحركة هو الملح-هنا-على ذهن الشاعر.
لقد سبق للشاعر أن قدم قلبه، أو بالأحرى قلوبا، تشك بأطراف المثقفة، هنا يقدم الشاعر فعلا آخر (غمزن بنانا) إنه اختيار المخيلة للحركة المستحبة من المحبوبات إزاء أجسادهن. لكن لا يفوت البحث ملاحظة استعمال الحرف (إلى) الذي يدل على حركة من نقطة إلى سواها، وذلك ما يتحقق في قوله: (لربما غمزن بنانا بين سحر إلى نحر). إنه مدهش أن الشاعر الذي أيأسه الشيب، والذي راع الأحبة لا يعبر عن اليأس منهن أيضا إلا بالحركة، وإن أتى قبلها بـــــ "لربما".
لم تمنع عبارة (أما ومشيب راعهن) الشاعر من مواصلة الأماني صوب الأحبة، فيواصل قائلا:
خليطان من ماء الغمامة والخمر
وبتنا على رغم الوشاة كأنن فغير بديع للغواني ولا نكر
فإن حلن أو أنكرن عهدا عهدنه وأعلمني بالحلو منه وبالمر
خليلي ما أحلى الهوى وأمره لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر
كفى بالهوى شغلا وبالشيب زاجر أرق من الشكوى وأقسى من الهجر
بما بيننا من حرمة هل رأيتم ولا سيما إن أطلقت عبرة تجري
وأفضح من عين المحب لسره
فإذا كان العربي قد دأب على تقديم هناءة لحظات اللقاء مع الأحبة، فإن شاعرنا يحافظ على الفكرة، لكنه يقدمها من بوابة تداعيات مخيلته، التي ارتدت ثوب الحركة؛ فيقدم ذاته ومن يحب "خليطان من ماء الغمامة والخمر". ومعلوم أن ماء الغمامة لا بد له من حركتين؛ حتى يختلط بماء آخر أو أي شيء أرضي. الحركة الأولى: حركة الغمام أو السحاب نفسه قبل تحوله ماء، وما يصاحب هذه الحركة من رعد أو برق.

الحركة الثانية: وهي حركة نزول الماء نفسه من الأعلى الذي تكون فيه، وصولا للأرض. التي ستكون مستقره الجديد.

هذا فضلا عن حركة امتزاج الماء بالخمر "والخمر يشعلها الماء" ثم حركة الشاربين لذة وتحققا.
الشاعر هنا يريد أو يتمنى اختلاطا وامتزاجا كاختلاط ماء الغمامة بالخمر، هو إذن حلم الاشتعال والالتحام الذي يعيشه قلب محب. وإن حال دون الحلم أن الغواني الواعدات، تحركت قلوبهن وحادت عن وعودهن؛ ومع حركة قلوبهن تلك أعرضن مبتعدات. هي الحركة إذن واضحة كماء الغمام وحركة السحاب، أو مستسرة خافية كحركة القلوب؛ لكنه الشاعر قابض عليها محافظ على سياقها، وتشكلاتها.
في منتصف المشهد يتجلى (الخليلان)، اللذان طالما أعانا الشاعر العربي في قسوة لحظات حبه، لكن الشاعر هنا يقدمهما ليعلن من خلالهما علمه بالهوى. وكما أشرنا دائما، الهوى حركة قلب وهوي لا يملك فيه صاحبه حركته، لكنه يعلن علمه بأحلاه وأمره، ولا علم إلا لمن خبر-وهو بدهي هنا-.
وتكاد الحركة تسيطر سيطرة مطلقة على الشاعر، إذ يقدم (الشيب زاجرا). ومعلوم آن الزجر فعل يقوم به فاعله تجاه مقصود يراد نهيه عن فعل ما أو نهيه عن النكوص في أداء فعل ما (ومنه زجر الدابة: أي نهيها عن البطء والسكون.
لكن الهوى عصي على الزجر، إذ هو فعل لا سلطان عليه من صاحبه، ومن ثم يكمل: (لو أن الهوى مما ينهنه بالزجر) هي أمنية. أن تفعل حركته فيه، كما فعلت حركات المحبات فيه. وفي كل لا تستجدي المخيلة سوى الحركة.
الهوى حال ميل يميل فيه القلب، أي أن ثمة فعلا داخليا كامنا لمن عانى الهوى. لكن الشاعر الذي استدعت مخيلته عيونا تحول المصائر وتزلزل القوب، حين بدأ قصيدته بـ (عيون المها...) هنا وهو يبوح أمام خليليه يقدم عيونا أخرى، أو بالأحرى نوعا آخر من العيون؛ بحيث يمكن القول: إن "عيون المها" مثلت الفاعل العنيف فعله، أما النوع الآخر، والذي يقدمه هنا، فهو عين المحب أو العين المفعول بها، أو على الأقل العين المستجيبة لفعل العيون الأولى: هي عين المحب؛ ولنلاحظ انكسار التعبير، فالعين هنا مفردة (عين المحب)، وفي مقابل العيون الجمع (عيون المها)، ولكن العين هنا، رغم فرديتها ووحدتها، وانكسارها، تبقي مخيلة الشاعر على حركتها، بل تقدم للعين حركتين: الأولى حركة النظرة الشاردة الفاضحة سر صاحبها، والثانية: حركة العين التي ما استطاعت نظرتها أن تتحمل شجن الداخل؛ ففاضت؛ رغما عنها، دمعة. ولنلاحظ أن الشاعر يثري الحركة في الدمعة، فهو لم يقل سالت، وتلك صفة الدمع، بل اختار، ورغم أنه قدم دمعة وحيدة، إلا أنه اختار لها الفعل (تجري) بكل دلالاته الحركية. يبدو أن عبارة "دمعة وحيدة مثل وحدة المحب المهجور" وصف صالح لهكذا دمعة اختارها. الشاعر، وإن حرص على وصف الدمعة بالجريان.
* *
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 159.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 157.79 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (1.05%)]