أحكام التلبية 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         من أخبار الشباب (15) شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          التغافل خلق الفضلاء وخصلة الكرماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الشكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          (البينة) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          برد الشتاء ودفء الطاعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الكذب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          السحر: حقيقته وحكمه وخطره وصوره وكيفية الوقاية والتعافي منه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          التطرف ليس في التدين فقط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 279 - عددالزوار : 170851 )           »          إعانة الفقيه بتيسير مسائل ابن قاسم وشروحه وحواشيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 119 - عددالزوار : 39124 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > ملتقى الحج والعمرة
التسجيل التعليمـــات التقويم اجعل كافة الأقسام مقروءة

ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #2  
قديم 01-03-2019, 12:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,748
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام التلبية 2

أحكام التلبية 2
د. عبود بن علي درع*




المطلب السابع : مواطن التلبية :
قال ابن تيمية رحمه الله : وهي آكد ـ أي التلبية ـ فيما إذا علا نشزاً ، أو هبط وادياً، أو سمع ملبياً ، أو فعل محظوراً ناسياً ، أو التقت الرفاق ، وفي أدبار الصلوات ، وبالأسحار، وإقبال الليل والنهار وذلك لأن ذلك مأثور عن السلف ؛ قال خيثمة بن عبد الرحمن : " كان أصحاب عبد الله يلبون إذا هبطوا وادياً ، أو أشرفوا على أكمة [66]، أو لقوا ركباناً ، وبالأسحار ، ودبر الصلوات [67].
وفي لفظ :كنت أحج مع أصحاب عبد الله ، فكانوا يستحبون أن يلبوا في دبر كل صلاة ، وحين يلقى الركب، وبالأسحار ، وإذا أشرفوا على أكمة ، أو هبط وادياً ، او انبعثت به راحلته"[68].
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل حين انبعثت به ناقته ، واستوت به قائمة ، ثم أهل حين علا على شرف البيداء .
وروي عن جابر ، قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي في حجته إذا لقي راكباً ، أو علا أكمة ، أو هبط وادياً ، وفي أدبار الصلوات المكتوبة ، ومن آخر الليل "[69] .
ولأن المسافر يُستحب [70] له إذا علا على شرف أن يكبر الله تعالى ، وإذا هبط وادياً ، أن يسبحه ؛ فالتلبية للمحرم أفضل من غيرها من الذكر.
ولأن البقاع إذا اختلفت استحب أن يلبي عند تنقل الأحوال .
ومن جملة الأشراف : إذا علا على ظهر دابته ؛ كما تقدم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن السلف .
وأما إذا فعل محظوراً ناسياً ؛ مثل: أن يغطي رأسه ، أو يلبس قميصاً ، ونحو ذلك ، فإن ذلك سيئة تنقص الإحرام ؛ فينبغي أن يُتبعها بحسنة ؛ تجبر الإحرام ، ولا أحسن فيه من التلبية ، ولأنه بذلك كالمعرض عن الإحرام ، ويتذكره بالتلبية ، وقد تقدم عن ابن عباس أنه قال لمن طاف في إحرامه لما رأى أنه يحل: أكثر من التلبية ؛ فإن التلبية تشد الإحرام[71] .
وتستحب التلبية على كل حال قائماً وقاعداً ومضطجعاً ، وسائراً ونازلاً ، وطاهراً وجنباً وحائضاً ... إلى غير ذلك من الأحوال [72] .
المطلب الثامن : آداب التلبية
للتلبية آداب يستدعيها كمال المذكور وجلاله ، وينبغي للذاكر التحلي بها ، فإنها إذا روعيت بالإخلاص لله والمتابعة للسنة كانت أولى بالقبول ، وهذه الآداب على النحو التالي :
1ـ طلب العون من الله تعالى على الذكر:
فقد حث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً على أن يقول"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"[73].
2ـ أن يكون الملبي نظيفاً متطهراً :
فمن الأدب : أن يكون الملبي لله تعالى نظيف الفم طاهر البدن طيب الرائحة ، فإن ذلك مما يزيد النفس نشاطاً ، فيكون فمه نظيفاً طاهراً من النجاسات الحقيقية ، وكذا الحكمية كالغيبة وسائر الأقوال الدنية ، ومن الأوساخ وتغير الرائحة في الفم ، ويزيل هذه الرائحة بالسواك[74] ، " فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم "[75].
ولقد فسر الشوكاني ـ رحمه الله ـ سبب كون فمه نظيفاً وإزالة تغيره بالسواك فقال:
"وجه هذا أن التلبية عبادة باللسان ، فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن ، ولهذا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة ، والعلة في ذلك : تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة[76]. فكذلك في الحج والعمرة .
3ـ التحري في الأمكنة :
بأن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفاً خالياً لأن الذكر عبادة للرب سبحانه ، والنظافة على العموم قد ورد الترغيب فيها ، والأمر بالبعد عن النجاسة[77]. كما في قوله تعالى ] وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [ [78] ، ولاشك أن القعود حال الدعاء في مكان متنجس يخالف آداب العبادة كما في آداب الصلاة من تطهير مكانها ، فينبغي أن يتحرى المواضع الشريفة كالمساجد لكونها جامعة للنظافة، وشرف البقعة ، ولقوله تعالى : ] فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [ [79]. ويلبي في كل مكان طاهر لتكثير الشهود له عند الله عز وجل غير الأماكن النجسة .
وأما كون المكان خالياً : أي خالياً عن كل ما يشغل البال ويحصل من وجوه الاشتغال والوسواس ، وذلك أقرب إلى حضور القلب وأبعد عن الرياء والمباهاة ، وأعون على تدبر معنى ما يذكر به أو ما يدعو به[80] .
4ـ تحري الأزمنة الفاضلة :
وذلك كالغدو والآصال ، وأطراف الليل والنهار ، لما ورد من الأمر بذلك في كتاب الله تعالى كقوله تعالى ] وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [ [81] . وقوله ] وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 25 وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا [ [82] . قيل : وإنما خص من النهار البكرة والعشي لأن الشغل فيهما غالب على الناس . قال النووي : " أشرف أوقات الذكر في النهار الذكر بعد صلاة الصبح[83] ، والتلبية من شعائر الحج ومن أفضل الذكر . قال ابن علان : " إنما فضل الذكر في ذلك الوقت لكونه تشهده الملائكة "[84] . قال تعالى : { وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}[85] . ومن هنا كره الإمام مالك الكلام بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس لأن المطلوب في هذا الوقت الذكر والاستغفار والدعاء[86] . والتلبية في أيام الحج والعمرة من أعظم الذكر لله عز وجل .
ومن التحري للأوقات الشريفة ، عشر ذي الحجة من السنة ، فيستحب الإكثار من الذكر فيها زيادة على غيرها والتلبية من أفضل الذكر للحاج ، ويستحب في يوم عرفة ما لا يستحب في غيره لقوله تعالى { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } [87] ، وعلى الحقيقة فإن شرف الأوقات يرجع إلى شرف الحالات ، فإن وقت السحر وقت صفاء القلب وفراغه[88] وزمان عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا عند الله عز وجل عملاً وأحب إليه.
والأصل أن ذكر الله تعالى مستحب في كل وقت ، ولا يستثنى حتى وقت النهي عن الصلاة، وقد كان النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ أكمل الخلق ذكراً لله ـ عز وجل ـ ، بل إن كلامه كله في ذكر الله وما والاه [89] .
5ـ استقبال القبلة :
فإن خير المجالس ما استقبل به القبلة ، لأنها الجهة التي شرع الله سبحانه أن تكون الصلاة إليها ، وهي الجهة التي يتوجه إلى الله ـ عز وجل ـ منها [90] . والتلبية مستحبة في كل اتجاه ولكنها إلى القبلة أفضل .
6ـ التضرع والخشوع والرغبة والرهبة :
فمن آداب الملبي أن يكون الملبي متذللاً أي : ذا خشوع في الباطن وذا خشوع في الظاهر ، متخشعاً بسكينة ووقار ليظهر عظيم الذلة ومزيد الافتقار ، وخجل ما اقتحمته من الذنوب والأوزار، على أنه أجمع للقلب وأنفع من الانشغال بالأغيار[91] ، ولا شك أن التلبية مع الخشوع والافتقار أقرب إلى الله عز وجل في قبول العمل وبر الحج .
7ـ حضور القلب والتدبر فيما يقوله :
لا ريب أن تدبر الملبي لمعاني ما يذكر به أكمل ، لأنه بذلك يكون في حكم المخاطب والمناجي ، ومما يساعد على حضور القلب والتدبر اتباع الآداب السابقة من التحري في المكان والزمان .
لكن وإن كان أجر هذا أتم وأوفى ، فإنه لا ينافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب التلبية لمن جاء به فإنه أعم من أن يأتي بها متدبراً لمعانيها متعقلاً لما يراد منها أولاً ، ولم يرد تقييد ما وعد به ثوابها بالتدبر والتفهم [92] .
8ـ الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء إذا فرغ من التلبية.
قال ابن تيمية رحمه الله : وإذا فرغ من التلبية ، فقال أصحابنا [93] : يستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويدعو بما أحب ؛ من خير الدنيا والآخرة .
قال القاضي: إذا فرغ من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أحببنا له أن يسأل الله رضوانه والجنة ، ويستعيذ برحمته من النار : وذلك لما روي عن القاسم بن محمد ، قال: كان يستحب للرجل ـ إذا فرغ من تلبيته ـ أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، رواه الدار[94] قطني .
وعن خزيمة بن ثابت ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه إذا فرغ من التلبية ، سأل الله رضوانه والجنة ، واستعاذ برحمته من النار " رواه الشافعي ، والدار قطني[95]
ولأن الملبي قد أجاب الله في دعائه إلى حج بيته ؛ فيستجيب الله له دعاءه ؛ جزاء له [96].
المبحث الثاني : حكم التلبية وترجمتها وحكم العجز عنها .
وفيه ثلاث مطالب .
المطلب الأول : حكم التلبية .
المطلب الثاني : حكم من نسي التلبية .
المطلب الثالث : حكم التلبية لمن لا يقدر عليها .
وفيه المسائل التالية :
المسألة الأولى : حكم التلبية بغير العربية .
المسألة الثانية : حكم اتخاذ مترجم للأعاجم في التلبية .
المسألة الثالثة : إذا كان الملبي يحسن العربية فهل له أن يلبي بغيرها ؟
المسألة الرابعة : حكم العجز عن التلبية
المطلب الأول : حكم التلبية .
اختلف العلماء في حكم التلبية : هل هي شرط ، أ م واجب ، أم سنة؟ وبيان المسألة كالتالي :
القول الأول : التلبية ركن في الإحرام ، فلا يصح الإحرام بمجرد النية ، بل لابد من التلبية ، أو ما يقوم مقامها .
وهذا في قول الحنفية[97] ، وابن حبيب من المالكية [98] ، وسفيان الثوري[99] .
أدلة هذا القول :
[ 1] قوله تعالى : { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ }[ البقرة : 197 ] .
الشاهد في قوله : { فَمَنْ فَرَضَ }.
وجه الدلالة : أن ابن عباس رضي الله عنهما فسر فرض الحج بأنه الإهلال[100] .
وقال عطاء : الفرض التلبية [101] .
فكانت ركناً في الإحرام .
وأجيب : بأن أهل التفسير قد اختلفوا في المعنى الذي يكون به الرجل فارضاً الحج ، بعد إجماعهم على أن معنى الفرض الإيجاب والإلزام ، فقال بعضهم : فرض الحج الإهلال ، وقال آخرون فرض الحج إحرامه ، وهذا إجماع الجميع عليه[102] .
[2] استدلوا بالقياس على تكبيرة الإحرام في الصلاة ، لأن الإحرام التزام أفعالاً لا مجرد كف ، بل التزام الكف شرط ، فكان بالصلاة أشبه ، فلابد من ذكر يفتتح به ، أو بما يقوم مقامه مما هو من خصوصياته [103] .
وأجيب بأن هناك فرق بين الحج والصلاة في قياسهم ، فإن الصلاة يجب النطق في آخرها ، فوجب في أولها ، والحج بخلافه [104] .
القول الثاني : التلبية في الإحرام واجبة ، وعدم الفصل بينها وبين الإحرام بكثير واجب أيضاً . وهو قول المالكية [105] .
أدلة هذا القول :
[1] قوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل : أي الحج أفضل : أفضل الحج العج والثج [106] .
" والعج هو العجيج بالتلبية [107] ، وهي من شعار الحج وواجباته ، وأن المراد بالعج في الحديث رفع الصوت بالتلبية [108] .
والثج هو : سيلان دماء الهدي والأضاحي[109] .
[2] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله [110] . وأمر به ، وقد قال : خذوا عني مناسككم [111] ، فيحمل ذلك على الوجوب .
وأجيب بأنه يحمل ذلك على الاستحباب[112] .
القول الثالث : التلبية سنة في الإحرام .
وهو قول الشافعية [113] ، والحنابلة [114] .
ودليلهم :
[ 1 ] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها[115] وأمر برفع الصوت بها[116] ، وأقل أحوال ذلك الأمر الاستحباب[117] .
[2] أنها ذكر فلم تجب في الحج كسائر الأذكار[118] .
وعلى هذا فيترتب على قول الحنفية عدم صحة الإحرام عند انعدام التلبية أو ما يقوم مقامها ، فيكون إحرامه فاسداً .
وعلى قول المالكية بالوجوب ، فإنه يلزم من ترك التلبية أن يجبر ذلك بدم ، بل إنه روي عن بعضهم أن التلبية سنة ، ويلزم من تركه أن يجبر ذلك بدم [119] .
وعلى قول الشافعية والحنابلة لا يلزمه شيء .
الترجيح :
والذي يظهر، والله تعالى أعلم ، أن القول بأن التلبية سنة هو الراجح ـ بل لو قيل بأنها سنة مؤكدة لكان أولى ـ وهو قول الشافعية والحنابلة ، وذلك لعدم وجود الدليل الصريح الصحيح بوجوب التلبية ، أو اشتراطها.
ثانياً : اعتراضاتهم كانت وجيهة على وجه استدلالات من خالفهم في المسألة ، إذ أن الاستدلال بمجرد الفعل لا يدل على الوجوب .
فالقول بالوجوب فيه مشقة على المحرم عند العجز عنها أو معرفة ألفاظها . ومع أن مذهب الحنفية أشد المذاهب في الحكم ؛ حيث جعلوها شرطاً في الإحرام لا يتم الحج إلا بها ، إلا أنهم أجازوا أي ذكر يقوم مقامها فيه تعظيم لله تعالى .
والقول بالسنية هو أوسع المذاهب وأيسرها ، وهو الذي يعضده الدليل ؛ لأن التلبية شعار الحج ، كما قال ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى [120] .
المطلب الثاني : حكم من نسي التلبية :
اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة على قولين :
القول الأول : إن توجه مريد الإحرام ناسياً للتلبية من فناء المسجد كان بنيته محرماً ، ثم إن ذكر من قريب لبى ولا شيء عليه ، وأما إن تطاول ذلك به ، أو نسيه حتى فرغ من حجه ، فليهرق دماً. وبه قال المالكية[121] .
القول الثاني : إذا نوى الإحرام ونسي التلبية ، ثم لبى بعد ذلك ، فقد قضى حجه ، ولم يكن عليه شيء سواء طال ذلك ، أم لم يطل. وهو مقتضى قول الشافعية والحنابلة : أن التلبية سنة مستحبة ، وليست بواجبة [122] .
وأما الحنفية ، فلا يدخلون في هذه المسألة ؛ لأنه ـ في هذه الحال ـ غير محرم أصلاً [123] .
الأدلة :
أدلة القول الأول :
أولاً : وجه القول بأنه إن ذكر التلبية من قريب ولبى قبل تطاول الزمن لم يكن عليه شيء، هو : أن ذلك يسير ، فكأنه أتى بها في مبتدئها ، وحيث خوطب بها ، فلم يكن عليه دم .
ثانياً : أن ذلك إن تطاول به ، أو نسيه حتى فرغ من حجه كان عليه أن يهريق دماً بما يأتي :
1ـ أن التلبية من شعائر الحج ، وواجبات نسكه ، لحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الحج أفضل؟ ، فقال: " الحج : العج[124] ، والثج[125] " [126] ، فإذا نسيه لوقت طويل ، أو تركه مطلقاً كان عليه دم لتركه للواجب[127] .
2ـ لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بها وحضه عليها وفعلها لها مع قوله : " خذوا عني مناسككم "[128] ، وقوله : " من ترك من نسكه شيئاً فعليه دم "[129] .
3ـ أنه إن لم يأت بالتلبية حتى تطاول الوقت ؛ فإنه لم يأت بها في مبتدئها ، وحيث خوطب بها ، فيكون عليه الدم[130] .
أدلة القول الثاني :
استدل أصحاب هذا القول بما يأتي :
1ـ أن الحج عبادة لا يجب النطق في آخرها ، فلم يجب في أولها كالصوم [131] .
2ـ أن التلبية سنة لا شيء في تركها ؛ لأنها ذكر مشروع في الحج ، فكان سنة كسائر أذكاره : من الدعاء بعرفة ، ومزدلفة ، ومنى ، وغير ذلك[132] .
الترجيح :
الاختلاف في هذه المسألة مبني على القول بوجوب التلبية من عدمها ، فمن رأى أنها واجبة، وأنها من شعائر الحج وواجبات نسكه ، رأى أن الإخلال بها مطلقاً ، أو الإخلال بها في بداية الإحرام واستمرار ذلك لوقت طويل يوجب الدم ، لعدم إتيانه بها حيث أمر بها ، أو لعدم الإتيان بها مطلقاً، وهي من شعائر الحج وواجبات نسكه .
ومن لم ير وجوبها لم يجعل عليه دماً سواءً تركها في بداية الإحرام واستمر ذلك لوقت طويل، أو تركها مطلقاً ؛ لأنها ذكر مشروع في الحج ، فكان سنة كسائر أذكاره: من الدعاء بعرفة ، ومزدلفة ، ومنى .
والذي يترجح عندي أنها سنة مستحبة وليست واجبة ، فمن نسي التلبية عند الإحرام أو بعده فلا دم عليه ، ولم يكن عليه شيء سواءً طال ذلك أم لم يطل لما تقدم من الأدلة وضعف أدلة القول الأول . والله أعلم .
المطلب الثالث : حكم التلبية لمن لا يقدر عليها :
بعد أن تبين لنا تعريف التلبية وأنها سنة ، أود أن أتطرق إلى الحديث عن التلبية لمن لا يقدر عليها ، إما لصغر ، أو مرض ، أو خرس ، وإما لأنه لا يحسنها ، وذلك لأهمية هذه المسألة ؛ إذ أن الكثير من الحجاج من خارج البلاد العربية لا يحسنون نطقها ، كما أن التلبية قد شغلت اهتمام العلماء من حيث الالتزام بألفاظها والزيادة على نصها ، وحكم تكرارها ، وزمن انقطاعها ، إذ أنها شعار الحج ، فظهر الخلاف السابق في حكمها ، وأقل أحوالها أنها سنة قولية من سنن الحج ويستحب ذكرها ، لهذه الأهمية أقول :
المسألة الأولى : حكم التلبية بغير العربية :
إذا لبى الحاج أو المعتمر ، أو نطق أياً من أذكار المناسك بغير العربية ، وعرفنا ـ من خلال الترجمة عنه ـ أن ما تلفظ به هو معنى تلك الأذكار بالعربية ، فما الحكم في ذلك ؟
اختلف الفقهاء في التلبية وأذكار المناسك وأدعيتها إذا قيلت بغير العربية ، والخلاف واقع فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول : جواز التلبية بغير العربية للعاجز عنها ، وعدم الجواز للقادر عليها . وبه قال المالكية[133]، وهو وجه عند الشافعية [134] ، والقول المعتمد عند الحنابلة [135] ، وإليه ذهب الظاهرية[136] .
الأدلة :
الدليل الأول: أن التلبية وأذكار المناسك أذكار مؤقتة ، فلم تشرع بغير العربية إلا عند العجز عنها[137].
الدليل الثاني : أن الله تعالى لبى نفسه بالعربية ، فلا يذكر بغير ما لبى به نفسه بدون عذر العجز ، ومثلها بقية الأذكار والأدعية المقيدة ، التي يشرع الإتيان بها في مشاعر الحج[138] .
الدليل الثالث : قياس التلبية وأذكار النسك على الأذان ، وتكبيرة الإحرام، وسائر الأذكار المؤقتة المشروعة ، فإنها لا تقال بغير العربية إلا عند العجز ، فكذلك التلبية [139] .
ويناقش :بأن هذا قياس على مختلف فيه ، والقياس على المختلف فيه لا يصح[140] .
القول الثاني: جواز التلبية وأذكار النسك بغير العربية مطلقاً[141] .
وهذا مذهب الحنفية [142] ، ووجه عند الشافعية[143] .
الأدلة :
واستدلوا :
الدليل الأول : أن باب الحج أوسع من باب الصلاة ، فالكلام في الصلاة مفسد لها ، بخلاف الحج ، فلا يفسده الكلام كما يفسد الصلاة[144] .
ويمكن مناقشته من ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لتأخذوا عني مناسككم ... [145] . خطاب لكل ناطق بالعربية أن يأخذ عنه - صلى الله عليه وسلم - جميع المناسك ؛ أقوالاً كانت أو أفعالاً ، فإذا كان قادراً على العربية تعين عليه أن يقول أذكار النسك ـ والتلبية على وجه الخصوص ـ بلسان النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لأن معنى هذا الحديث : قولوا كما أقول ، وافعلوا كما أفعل ، فهو نظير قوله - صلى الله عليه وسلم -: صلوا كما رأيتموني أصلي [146] .
الوجه الثاني : أن الإتيان بالأذكار والدعاء بغير العربية ـ مع القدرة عليها ـ فيه تشبه بالأعاجم ، وقد جاء في الحديث : ومن تشبه بقوم فهو منهم [147] ، لأن حرص الناطق بالعربية على التحديث بغيرها ينبئ عن ميل وإعجاب بأهل تلك اللغة ومحبي التقليد لهم ، وهذا نوع من التشبه بهم[148] .
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 191.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 189.52 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (0.88%)]