|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
جزاك الله خيرا شيخنا الفاضل ابو الشيماء متابعة معك نفع الله ورفع قدرك..
__________________
![]() ![]() بصمتك في المنتدى ستبقى حتى بعد رحيلك, فلتكن دوما في الخير وجدد النيّة لله تعالى عند كل تواجد, تكن من السعداء
![]() |
|
#2
|
||||
|
||||
|
الدرس الثالث عشر الحمد لله ، والصلاة و السلام على رسول صلى الله عليه و سلم .. أما بعد : فهذه حلقة جديدة من برنامجكم المُتجدد : (قواعد قرآنية ) ، نقف فيها مع قاعدة من القواعد المُهمة في بناء المجتمع ، وإصلاحه ، وتدارك أسباب تفككه ، إنها قول ربنا العليم الحكيم سبحانه : { ... وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ... } .النساء : 128 وهذه القاعدة القرآنية الكريمة جاءت في سياق الحديث عما قد يقع بين الأزواج من أحوال ربما تُؤدي إلى الاختلاف والتفرق ، وأن الصلح بينهما على أي شيء يرضيانه خير من تفرقهما ، يقول سبحانه : {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .. النساء : 128 ويُمكننا القول : إن جميع الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح بين الناس هي من التفسير العملي لهذه القاعدة القرآنية المتينة . ومن المناسبات اللطيفة أن ترد هذه الآية في سورة النساء ، وهي نفس السورة التي ورد فيها قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} النساء : 35 يقول ابن عطية ( رحمه الله ) مُؤكداً اضطراد هذه القاعدة : ( وقوله تعالى : { والصلح خير } لفظٌ عام مُطلق ، يقتضي أن الصلح الحقيقي ـ الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ـ خيرٌ على الإطلاق ، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفُرقة ) ، المحرر الوجيز ـ موافق للمطبوع - (2/141 ) . ومعنى الآية باختصار.. (هذا التوضيح مُختصر من كلام العلامة السعدي ) . أن المرأة "إذا خافت المرأة نُشوز زوجها (( أي : تَرّفَعه عنها ، وعدمِ رغبتِه فيها وإعراضه عنها )) ، فالأحسن ـ في هذه الحالة ـ أن يُصلحا بينهما صُلحا ، بأن تسمح وتتنازل المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها : إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكُسوة أو المسكن ، أو القسم بأن تُسقط حقها منه ، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها ، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها ، لا عليها ولا على الزوج ، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال ، وهي بلا شك خير من الفُرقة ، ولهذا قال سبحانه : {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ..} " ،، يقول العلامة السعدي ( رحمه الله ) : "ويُؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى : أن الصُلح بين من بينهما حقٌ أو مُنازعة ـ في جميع الأشياء ـ أنه خيرٌ من استقصاء كل منهما على كل حقه ، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح . وهو ـ أي الصلح ـ جائزٌ في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراماً أو حرم حلالاً ، فإنه لا يكون صلحاً ، وإنما يكون جوراً . واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه ، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصُلح ، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير ، والخيرُ كلُّ عاقلٍ يطلبه ويرغب فيه ، فإن كان - مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه . وقد ذكر سبحانه المانع بقوله : {وأُحضرت الأنفس الشُح} أي : جُبلت النفوس على الشُح ، وهو : عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان ، والحرص على الحق الذي له ، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعاً ، أي : فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلق الدنيء من نفوسكم ، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة ، وهو بذل الحق الذي عليك ؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك . فمتى وُفق الإنسان لهذا الخلق الحسن ، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومُعامله ، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب ، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشُح من نفسه ، فإنه يعسر عليه الصلح والمُوافقة ، لأنه لا يُرضيه إلا جميع ماله ، ولا يرضى أن يُؤدي ما عليه ، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر" .. تفسير السعدي .. ومن تأمل القرآن ، رأى سعة هذه القاعدة من جهة التطبيق ، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من الإصلاح بين الأزواج ، فإننا نجد في القرآن حثا واضحا على الإصلاح بين الفئتين المُتقاتلتين ، ونجده سبحانه و تعالى يثُني ثناء ظاهراعلى الساعين في الإصلاح بين الناس : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .. النساء : 114 بل تأمل ـ أخي القارئ ـ في افتتاح سورة الأنفال ، فإنك واجدا عجباً ، فإن الله تعالى افتتح هذه السورة بقوله : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} [الأنفال :1] .. فلم يأت الجوابُ عن الأنفال مُباشرة ، بل جاء الأمر بالتقوى وإصلاحِ ذاتِ البين ، وطاعةِ الله ورسوله ؛ لأن إغفال هذه الأصول الكبار سببٌ عظيم في شر عريض ، لا يعلم مداه إلا الله عز و جل .. ولعل من أسرار إرجاء الجواب عن هذا التساؤل : لبيان أن التقاتل على الدنيا ـ ومنها الأنفال (وهي الغنائم) ـ سببٌ من أسباب فسادِ ذات البين ، ولهذا جاء الجواب عن سؤال الأنفال بعد أربعين آية من هذا السؤال . ولأهمية هذا الموضوع ـ أعني الإصلاح ـ : أجازت الشريعة أخذ الزكاة لمن غرم بسبب الإصلاح بين الناس . بل جاءت السُنة بإباحة الكذب في هذا الباب العظيم .. وإذا تقرر هذا المعنى المتين والشامل لهذه القاعدة القرآنية العظيمة : (والصلح خير) ، فمن المهم ـ حتى نستفيد من هذه القاعدة القرآنية ـ أن نسعى لتوسيع مفهومها في حياتنا العملية ، وأصدق شاهد على ذلك سيرة نبينا صلى الله عليه و سلم الذي طبق هذه القاعدة في حياته ، وهل كانت حياته إلا صلاحاً وإصلاحا ؟ وكما قال شوقي : المصلحون أصابعٌ جمعت يداً *** هي أنت ، بل أنت اليدُ البيضاءُ 1) وبخصوص هذا الموضع الذي وردت فيه هذه القاعدة القرآنية العظيمة ، فقد طبق النبي صلى الله عليه و سلم هذه القاعدة وأجراها حينما كبرت زوجه أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضى الله عنها ، فقد وقع في نفسه أن يُفارقها ، فكانت تلك المرأة عاقلة رشيدة بحق ، فصالحته على أن يُمسكها وتترك يومها لعائشة ، فقبل ذلك منها ، وأبقاها على ذلك .ولعلك ندرك شيئا عظيما من آثار هذا العقل والرُشد في تصرف سودة رضى الله عنها فلقد أبقاها الله عز و جل زوجة لنبيه عليه الصلاة و السلام ؛ و هي أم المؤمنين ؛ و في الوقت ذاته هي زوجة من زوجاته في الدار الآخرة .. فلله درها ما أعقلها و ما أرشدها .. و إذا خرجنا إلى ميدان سيرته الفسيح صلى الله عليه و سلم فإنا واجدون جملةً من الأمثلة ، منها : 2) أنموذج آخر في قصة بريرة ـ وهي أَمَةٌ قد أعتقتها عائشة رضى الله عنها ـ فكرهت أن تبقى مع زوجها ، وكان زوجها شديد التعلق بها ، حتى قال ابن عباس رضى الله عنها ـ كما في الترمذي ـ وهو يصف حب مغيث لبريرة : وكان يُحبها ، يقول ابن عباس : و كان يُحبها ؛ وكان يمشي في طرق المدينة ـ وهو يبكي ـ واستشفع إليها برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالت يا رسول الله أتأمرني ؟ ( أي : أتأمرني أن أعود إليه و أتزوجه ؛ أو أن أبقى على عقد الزوجية ؟ ) قال : لا بل أشفع ، قالت : لا أريده ! فانظر كيف حاول صلى الله عليه و سلم أن يكون واسطة خير بين زوجين انفصلا ، وشفع لأحد الطرفين لعله يقبل ، فلم يشأ أن يُجبر ؛ لأن من أركان الحياة الزوجية الحب ، والرغبة ! 3) موقف ثالث نجده تطبيقا عمليا لتلك القاعدة : فلقد خرج مرة صلى الله عليه و سلم ـ كما في الصحيحين ـ من حديث سهل بن سعد رضى الله عنهما ..خرج إلى أهل قباء حين اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك ، فقال لمن حوله : اذهبوا بنا نصلح بينهم .. 4) وعلى هذه الجادة النبوية سار تلاميذه النجباء من أصحابه الكرام وغيرهم من أتباعهم بإحسان رضى الله عنهم أجمعين : فهذا ابن عباس رضى الله عنه يخرج بعد استشارة أمير المُؤمنين على رضى الله عنه لمُناظرة الخوارج ـ الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضى الله عنه ـ فلما ناظرهم ابن عباس ( و كان هذا نوع من الإصلاح ) رجع منهم عدد كبير . ومن قلّب كتب السير وجد نماذج مشرقة لجهود فردية في الإصلاح بين الناس على مستويات شتى ، بل حتى على مستوى الدول ؛ ولعل مما يُبشر بخير ما نراه من لجان إصلاح ذات البين ، والتي هي في الحقيقة ترجمة عملية لهذه القاعدة القرآنية العظيمة : {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } .. هنيئاً لمن جعله الله من خيار الناس ، الساعين في الإصلاح بينهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . والله هو الموفق و الهادي إلى الصراط المستقيم.
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام. والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين. ![]() ![]() |
|
#3
|
||||
|
||||
|
الدرس الرابع عشر الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد : فهذه حلقة جديدة من حلقات هذه السلسة المباركة ـ إن شاء الله ـ (قواعد قرآنية) ، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المُحكمة في أبواب التعامل مع الخالق سبحانه وتعالى والتعامل مع خلقه ، هي قاعدة وملاذٌ لمن تُواجه أعمالهم بعدم التقدير ، أو يُواجهون في حياتهم المشقة و التعسير ؛ تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين } ، يوسف : 90 وهذه القاعدة جاءت في قصة يوسف عليه الصلاة والسلام ، وذلك حين دخل عليه إخوته فقالوا : { يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } ، يوسف : 88 - 90. ما هي التقوى و ما هو الصبر ؟ ما أكثر ما نحفظ تعريف التقوى ، بل قد يحفظ بعضنا عدة تعاريف لها و مثلها الصبر ، ويحفظ تقسيمات الصبر ، ثم يفشل أحدنا ، أو يقع منه تقصير ظاهر في تطبيق هذه المعاني الشرعية كما ينبغي عند وجود المُتقضي لها . ولستُ أعني بذلك العصمة من الذنب ، فذلك غير مُراد قطعاً ، وإنما أقصد أننا نُخفق أحياناً ـ إلا من رحم الله ـ في تحقيق التقوى أو الصبر إذا جد الجد ، وجاء مُوجبهما . كلنا ـ أيها الإخوة ـ يحفظ أن التقوى هي فعل أوامر الله ، واجتناب نواهيه . وكلنا يدرك أن ذلك يحتاج إلى صبر ومُصابرة ، وحبس للنفس على مُراد الله ورسوله ، ولكن الشأن في النجاح في تطبيق هذين المعنيين العظيمين في أوانهما . ولنا أن نتساءل ـ أيها الإخوة ـ هنا عن سر الجمع بين التقوى والصبر في هذه القاعدة القرآنية المحكمة : {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ؟والجواب : أن ذلك ـ والله أعلم ـ لأن أثر التقوى في فعل المأمور ، وأما الصبر فأثره في الأغلب في ترك المنهي ، جامع الرسائل لابن تيمية (1/38) إن لهذه القاعدة القرآنية الجليلة تطبيقاتٍ كثيرة في حياة المؤمن ، بل وفيما يقرأه المسلم في كتاب ربه ، ومن ذلك : 1) ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقاً على هذه القاعدة { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } في سورة يوسف صلى الله عليه وسلم : "ثم إن يوسف اُبتلي بعد أن ظُلِمَ بمن يدعوه إلى الفاحشة ، ويُراوده عليها ، ويستعين عليه بمن يُعينه على ذلك ، فاستعصم واختار السجن على الفاحشة ، وآثر عذاب الدنيا على سخط الله ، فكان مظلوماً من جهة من أحبه لهواه ، وغرضِه الفاسد ... ثم تكلم على محنته مع إخوته ، وكيف أنه تعرض لنوعين من الأذى فقابلهما بالتقوى والصبر ؛ قال رحمه الله : أما الأذى الأول : فهو ظلم إخوته له ، الذين أخرجوه من انطلاق الحرية إلى رق العبودية الباطلة بغير اختياره . وأما الأذى الثاني : فهو ما تعرض له من ظلم امرأة العزيز ، التي ألجأته إلى أن اختار أن يكون محبوساً مسجوناً باختياره . ثم فرق الشيخ بين صبر يوسف على أذى إخوته ، وصبره على أذى امرأة العزيز ، وقرر أن صبره على الأذى الذي لحقه من امرأة العزيز أعظم من صبره على أذى إخوته ؛ لأن صبره على أذى إخوته كان من باب الصبر على المصائب التي لا يكاد يسلم منها أحد ، و لا مدفع لها إلا بالتسليم و الصبر ، وأما صبره على أذى امرأة العزيز فكان اختيارياً ؛ لأنه خُير بين أن يفعل ما تريده امرأة العزيز أو السجن ؛ فاختار السجن ، واقترن صبره بالتقوى ، ولهذا قال يوسف : { إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } . ثم قال شيخ الإسلام ـ مُبيناً اضطراد هذه القاعدة القرآنية ـ: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} فقال : "وهكذا إذا أُوذي المؤمن على إيمانه ، وطُلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان ـ وإن لم يفعل أوذي وعوقب ـ اختار الأذى والعقوبة على فراق دينه : إما الحبس وإما الخروج من بلده ، كما جرى للمهاجرين ( رضى الله تعالى عنهم ) حين اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين ، وكانوا يُعذبون ويُؤذون . وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبراً اختيارياً ، فإنه إنما يُؤذى لئلا يفعل ما يفعله باختياره ، وكان هذا أعظم من صبر يوسف ؛ لأن يوسف إنما طُلب منه الفاحشة ، وإنما عوقب ـ إذا لم يفعل ـ بالحبس ، والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طُلب منهم الكفر ، وإذا لم يفعلوا طُلبت عقوبتهم بالقتل فما دونه ، وأهون ما عُوقب به الحبس ... إلى أن قال : فكان ما حصل للمؤمنين من الأذى والمصائب هو باختيارهم طاعة لله ورسوله لم يكن من المصائب السماوية التي تجري بدون اختيار العبد من جنس حبس يوسف لا من جنس التفريق بينه وبين أبيه ، وهذا أشرف النوعين وأهلها أعظم بدرجة ؛ وإن كان صاحب المصائب يُثاب على صبره ورضاه وتُكفر عنه الذنوب بمصائبه" ،، مجموع الفتاوى 10/121- 123 بتصرف واختصار . 2) ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية : {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} : تربيةُ النفس على التقوى والصبر على ما يُسمى بعشق الصور ، الذي أفسد قلوب فئام من الناس ، بسبب تعلق قلوبهم بتلك الصور ، سواء كانت صوراً حية ، أم ثابتة . ولقد عظمت الفتنة بهذه الصور في عصرنا هذا ، الذي لم تعرف الدنيا عصراً أعظم منه في انتشار الصورة ، والاحتراف في تصويرها ، والتفنن في تغيير ملامحها ، وتَيّسر الوصول إلى الصور المُحرمة منها وغير المُحرمة ، عن طريق الإنترنت ، والجوال ، وغيرها من الوسائل . فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يتقي ربه ، وأن يُجاهد نفسه في البعد عن هذا المرتع الوخيم ـ أعني تقليب النظر في الصور المُحرمة الذي قد يُورث عشقا لها ـ وأن يُوقن المؤمن أن ما يقذفه الله في قلبه من الإيمان والنور والراحة والطمأنينة سيكون أضعاف أضعاف ما يجده من لذة عابرة بتلك الصور ، ومن أراد أن يعرف معنى هذا فليتدبر مجيء قول الله عز و جل : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ، النور 35، هذه الآية التي جاءت بعد آيات غض البصر ؛ فإن فيها إشارة ( و الله تعالى أعلم ) إلى أن الله عز و جل يُورث عبده الذي يغض بصره نورا يجده في قلبه .. ومن أراد أن يعرف مفاسد هذا الباب ـ أعني عشق الصور ـ فليقرأ أواخر كتاب العلامة ابن القيم : "الجواب الكافي" فقد أجاد وأفاد. وليتذكر المُبتلى بالعشق "أنه إذا عف عن المحرمات نظراً وقولاً وعملاً ، وكتم ذلك ، فلم يتكلم به حتى لا يكون في ذلك كلامٌ محرم : إما شكوى إلى المخلوق ، وإما إظهار فاحشة ، وإما نوعُ طلبٍ للمعشوق ، وصَبَرَ على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعلى ما في قلبه من ألم العشق ، كما يصبر المُصاب عن ألم المصيبة ، فإن هذا يكون ممن اتقى الله وصبر ، و {مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } " ، مجموع الفتاوى 10/ 133 بتصرف واختصار . 3) ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة : { إِنّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } أن الإنسان قد يُبتلى بحُساد يحسدونه على ما آتاه الله من فضله ، وقد يجد من آثار هذا الحسد ألواناً من الأذى القولي أو الفعلي ، كما وقع لأحد ابني آدم حين حسد أخاه ؛ لأن الله تقبل قربانه ولم يتقبل قربان أخيه ، وكما وقع ليوسف مع إخوته ، وقد يقع هذا من المرأة مع ضرتها ، أو من الزميل مع زميله في العمل ؛ وهذا النوع من الحسد ، يقع غالباً بين المُتشاركين في رئاسة أو مال أو عمل إذا أخذ بعضهم قسطاً من ذلك وفات الآخر ؛ ويكون بين النُظراء ؛ لكراهة أحدهما أن يفضل الآخر عليه ، ينظر : مجموع الفتاوى 10/ 125-126. فعلى من اُبتلي بذلك أن يتذكر هذه القاعدة القرآنية : {إِنّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} ، وليتذكر ـ أيضاً ـ قوله تعالى : {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} . 4) ومن تطبيقات هذه القاعدة القرآنية العظيمة : ما تكرر الحديث عنه في سورة آل عمران في ثلاثة مواضع ، كلها جاءت بلفظ : {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} الأول والثاني منهما : في ثنايا الحديث عن غزوة أحد ، يقول سبحانه وتعالى: { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} ،، [آل عمران: 120] ، والثاني : في قوله سبحانه وتعالى : {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِين} ،، آل عمران : 124، 125. والموضع الثالث : في أواخر آل عمران ـ في سياق الحديث عن شيء من المنهج القرآني في التعامل مع أذى الأعداء من المشركين وأهل الكتاب ـ فقال سبحانه وتعالى : {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ،، آل عمران : 186 ،، فإلى لقاء جديد ألقاكم فيه بمشيئة الله مع قاعدة جديدة ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام. والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين. ![]() ![]() |
![]() |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
| مع القرآن |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |