|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
للاتباع مظاهر كثيرة، من أهمها وأبرزها: 1-تعظيم النصوص الشرعية: من أبرز مظاهر الاتباع ودلائله تعظيم النصوص الشرعية الثابتة بتقديرها وإجلالها، وتقديمها وعدم هجرها، واعتقاد أن الهدى فيها لا في غيرها، وتعلمها وفهمها وتدبرها والعمل بها والتحاكم إليها وعدم معارضتها، وقد كان هذا هو هدي أئمة الاتباع وسادته من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم. فقد رأى عبد الله بن مغفل رجلاً من أصحابه يخذف، فقال له: لا تخذف، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عن الخذف، وكان يكرهه، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له: ألم أخبرك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى عنه؟ ثم أراك تخذف؟ والله لا أكلمك أبداً [73]، وقال خراش بن جبير: « رأيت في المسجد فتى يخذف، فقال له شيخ: لا تخذف؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف، فغفل الفتى فظن أن الشيخ لا يفطن له، فخذف فقال له الشيخ: أحدثك أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن الخذف ثم تخذف، والله لا أشهد لك جنازة، ولا أعودك في مرض، ولا أكلمك أبداً » [74]. وحدث ابن عمر -رضي الله عنهما- «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعه) فقال أحد بنيه: إذن والله أمنها، فأقبل عليه ابن عمر فشتمه شتيمة لم يشتمها أحد قبله قط، ثم قال: أُحدِّث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقول: إذن والله أمنعها!» [75]. وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: (حرم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما بين لابتيها. قال: يريد المدينة ، قال: فلو وجدت الظباء ساكنة ما ذعرته) [76]. وذكر عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن درهمين بدرهم فقال فلان: ما أرى بهذا بأسًا يدًا بيد، فقال عبادة: أقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول: لا أرى به بأسًا، والله لا يظني وإياك سقف واحد » [77]. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: تمتع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: « أراهم سيهلكون أقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقولون: نهى أبو بكر وعمر » [78]، وحدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: قال فلان وفلان كذا، فقال ابن سيرين: « أُحدثك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقول: قال فلان وفلان كذا وكذا؟ والله لا أكلمك أبداً » [79]، وقال الشعبي لرجل: « ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحش » [80]. 2- الخوف من الزيغ والاستدراج: من أبرز علامات الاتباع ومظاهره: خوف العبد من انحرافه وذنوبه، وخشيته من استدراجه وعدم ثباته على الحق الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان ذلك واضحاً جلياً لدى الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-. يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- مصورًا الأمر: ( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا ) [81]. ويقول الحسن البصري: « المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن » [82]. قال البخاري: « قال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبًا. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق » [83]. بل إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق كان يقول: « لست تاركًا شيئًا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ! »، وقد عقب ابن بطة على كلمة الصديق تلك فقال: « هذا يا إخواني الصديق الأكبر يتخوف على نفسه من الزيغ إن هو خالف شيئًا من أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فماذا عسى أن يكون من زمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وأوامره ويتباهون بمخالفته ويسخرون بسنته؟! نسأل الله عصمة من الزلل، ونجاة من سوء العمل » [84]. 3- الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به ظاهراً وباطناً: بحيث يجرد العبد متابعته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويكتفي بالتلقي والأخذ عنه، والعمل بما جاء به عملاً بقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴿21﴾﴾ [الأحزاب: 21]؛ فلا اعتقاد ولا عبادة ولا معاملة ولا خلق ولا أدب ولا نظام اجتماعي ولا اقتصادي أو سياسي... إلخ إلا عن طريقه، وعلى وفق ما جاء به من أحكام وتعاليم في الكتاب الكريم والسنة الصحيحة، بحيث تكون شريعته هي المهيمنة والرائدة، يقول ابن القيم -رحمه الله- في كلام له عن قوله تعالى: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 6]: « وهو دليل على أن من لم يكن الرسول أولى به من نفسه فليس من المؤمنين، وهذه الأولوية تتضمن أمورًا منها أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً بل الحكم على نفسه للرسول -صلى الله عليه وسلم- يحكم عليها أعظم من حكم السيد على عبده أو الوالد على ولده، فليس له على نفسه تصرف قط إلا ما تصرف فيه الرسول الذي هو أولى به منها » [85]. 4- تحكيم العبد للشرع وتحاكمه إليه: بحيث يُحكم ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الكتاب والسنَّة ويتحاكم إليهما، ويجعل ذلك هو الميزان الذي يزن بواسطته الاعتقادات والأقوال والأفعال والتروك، فما وافقها قبله وعمل بما فيه، وما خالفه رده وإن جاء به من جاء. قال الله –تعالى-: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: 65]، وقال -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿59﴾﴾ [النساء: 59]، وتحكيم العبد وتحاكمه إلى الشريعة وحرصه على أن تكون جميع شئونه خاضعة لها: هو السمة البارزة والعلامة الفارقة بين المسلم الحريص على الاتباع للحق، وبين من اتبع هواه بغير هدى من الله فضل وأضل، سواء أسُمِّي ذلك الهوى عقلاً أم ذوقًا أم مصلحة إمامًا أم حزبًا أم نظامًا.. إلخ. 5- الرضا بحكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشرعه: من مظاهر الاتباع للرسول -صلى الله عليه وسلم- الرضى بحكمه وشرعه، عن العباس -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً » [86]. فإذا رضي المسلم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا ورسولاً: لم يلتفت إلى غير هديه، ولم يعول في سلوكه على غير سنته، وحكمه وحاكم إليه، وقبل حكمه وانقاد له وتابعه واتبعه، ورضي بكل ما جاء به من عند ربه، فيسكن قلبه لذلك، وتطمئن نفسه، وينشرح صدره، ويرى نعمة الله عليه وعلى الخلق بهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وبدينه العظيم أيما نعمة، فيفرح بفضل ربه عليه ورحمته له بذلك؛ حيث جعله من أتباع خير المرسلين وحزبه المفلحين؛ قال الله –تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿57﴾ قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴿58﴾﴾ [يونس: 57 ، 58]. والرضا كلمة تجمع القبول والانقياد؛ فلا يكون الرضا إلا حيث يكون التسليم المطلق والانقياد الكامل ظاهراً وباطناً لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ربه [87]. الوسائل المعينة على الاتباع: الوسائل المعينة على اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرة، من أهمها: 1-تقوى الله -عز وجل- والخوف منه: وذلك لأن من اتقى الله -عز وجل- وخافه جعل له فرقانًا، يميز به بين الحق والباطل، وبين النور والظلمة؛ فكان ذلك سب نجاته وسعادته في الدنيا والآخرة؛ قال الله –تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا …﴾ [الأنفال: 29]، وقال -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿28﴾﴾ [الحديد: 28] قال السعدي في معنى قوله: ﴿ َيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾ أي: « يعطيكم علماً وهدى ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل » [88]. وقال الله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿2﴾﴾ [الأنفال: 2]. 2- الإخلاص لله، والتجرد في طلب الحق: لا يتوقف البحث عن الحق وتطلبه على الحرص على معرفته وإدراكه فقط، بل لابد مع ذلك من أمر نفسي هو التجرد، والحرص على سلامة القصد والممارسة من الجهل والهوى والظلم، ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص لله تعالى. وهذا الأمر له تعلق بتنقية النفوس من الأهواء والشوائب وتزكيتها؛ لأن العبد كلما سعى في تنقية نفسه وتزكيتها وإلزامها بطاعة الله –تعالى- وترك معصيته ظاهراً وباطناً، كلما ازداد قبوله للحق وإقباله عليه؛ يقول ابن تيمية: « وكذلك من أعرض عن اتباع الحق - الذي يعلمه- تبعاً لهواه، فإن ذلك يورثه الجهل والضلال حتى يعمي قلبه عن الحق الواضح، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴿5﴾﴾ [الصف: 5] وقال تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 10]... [89]. والتجرد والإخلاص معينان للعبد على الرجوع عن البدع والأخطاء متى وقع فيها، وقد حصل ذلك من أعيان كبار في علم الكلام والفلسفة وغير ذلك، كأبي الحسن الأشعري، والجويني، والغزالي، والفخر الرازي، وغيرهم كثير. 3- اللجوء والتضرع إلى الله -عز وجل- وإظهار الافتقار له: من أعظم الأسباب المعينة للعبد على الاتباع لما جاء به نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من الهدى والنور: لجوء العبد إلى ربه وتضرعه بين يديه وإظهار الافتقار والحاجة إليه، ولقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يفعل ذلك، فقد كان دعاؤه حيث يفتتح الصلاة من الليل: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) [90]. وكان من دعائه أيضاً: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علم) [91]، وأيضاً: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أُضَل، أو أزل أو أُزل... ) [92]، وأيضاً: (اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رهبة ورغبة إليك، لا ملجأ مك إلا إليك... ) [93]. وقد أمر الله –تعالى- عباده بدعائه والتضرع بين يديه ، فقال -عز وجل-: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿60﴾﴾ [غافر: 60] وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من لم يسأل الله –تعالى- ويظهر الافتقار والحاجة إليه فإنه يغضب عليه، ففي الحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يسأل الله يغضب عليه) [94]. 4- تعلم الأحكام الشرعية: وذلك لأن الإسلام دين مبني على الوحي ، والوحي لا يدرك إلا بالتعلم وبالتالي: لا وسيلة للعمل بأحكام الإسلام واتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا عن طريق التعلم لما جاء عنه في القرآن والسنة؛ لأنه من غير الممكن أن يعمل ن بشيء لا يعرفه ولم يتعلمه، ولذا: قال الإمام البخاري في صحيحه: « باب العلم قبل القول والعمل، لقول الله –تعالى- : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ ، فبدأ بالعلم » [95]. وكان أول ما أنزل من القرآن الكريم: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿1﴾﴾ [العلق: 1]. والقراءة أداة للتعلم. 5- فهم النصوص الصحيحة وتدبر معانيها: القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة هما مصدر تلقي الحق والهدى؛ قال الله –تعالى-: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [الإسراء: 9]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) [96]. ولقد تكفل الله –تعالى- بحفظ نصوص كتابه من أن يدخلها تحريف أو تبديل؛ قال الله –تعالى-: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿9﴾﴾ [الحجر: 9]، ويتضمن ذلك حفظ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- التي على الرغم مما دخلها من أحاديث ضعيفة وموضوعة، إلا أن الله –تعالى- هيأ لها أئمة نذروا أنفسهم وأعمارهم في خدمتها وتمييز صحيحها من ضعيفها وموضوعها، ولذا فإنه لابد للحريص على الاتباع الحق للنبي -صلى الله عليه وسلم- من الحرص على صحة النصوص التي يعمل بها، والقيام بفهمها وتدبرها، ومن ثم العمل بموجبها فعلاً وتركًا. يقول الشيخ السعدي في تفسير لقوله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴿24﴾﴾ [محمد: 24] « أي: فهلا يتدبر هؤلاء المعرضون كتاب الله، ويتأملونه حق التأمل، فإنهم لو تدبروه لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية والمواهب الغالية، ولبين لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها، والطريق الموصلة إلى العذاب، وبأي شيء يحذر، ولعرفهم بربهم بأسمائه وصفاته، وإحسانه، ولشوقهم إلى الثواب الجزيل، ورهبهم من العقاب الوبيل. ﴿ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ أي: قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة والاعتراض، وأقفلت فلا يدخلها خير أبداً! هذا هو الواقع » [97]. قلت: والعائد من تدبر النصوص النبوية الصحيحة كالعائد من تدبر النصوص القرآنية؛ لأن كلا منهما مصدر للأحكام، وطريق للاعتصام بالحق، والأمن من الزيغ والضلال. 6- اتباع طريقة السلف في العلم والعمل: بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن خير قرون هذه الأمة وأفضلها: أقربها إليه، فقال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..) [98] وأوضح في حديث الافتراق أن هذه الأمة تفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا ملة واحدة، قيل: (من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) [99]. ولقد بدأ خط الانحراف يدخل في أوساط المسلمين ابتداًء من نهاية دولة الخلافة الراشدة، واستمر يتسع ويزداد، وبالتالي بدأت تقل أعداد المستمسكين بالحق الخالص الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، والداعين إليه، قرنًا بعد قرن وزمانًا بعد آخر، حتى صارالقابض عليه في بعض الأماكن والأزمان كالقابض على الجمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذا فلا طريق لمن أراد أن يستمسك بدينه، ويتبع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اتباعا نقيًا صحيحاً، إلا أن يضبط فهمه للنصوص الصحيحة واستيعابه لها، وعمله على تنفيذها، بالطريقة التي كان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، ومن جاء بعدهم ممن سار على نهجهم، حذو القذة بالقذة؛ نظراً لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي لا ينطق عن الهوى قد حدد أن الحق هو ما كان عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام، ونظرا لقلة العلم وكثرة الأهواء في الأزمنة التي جاءت بعده، فقد ازدادت الحاجة إلى معرفة طريقة السلف والعمل بها. وما أحسن قول عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال: « من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم »[100]. 7- الصحبة الصالحة: صحبة أهل السنة والجماعة الملتزمين بما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من أعظم الأسباب التي تعين على الاتباع والاستمساك بالحق؛ وذلك لأن الصاحب سابح للمرء وقائد ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الرجل على دين خليله، فليننظر أحدكم من يخالل) [101]. وسبب ذلك: أن الخليل يحمل صاحبه على ما هو عليه، فإن كان صاحب سنة واتباع حمله على ذلك، وإن كان صاحب بدعة وفسوق حمله على ذلك، ولذا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة) [102]. ومما يدل على تأثير الصحبة دلالة واقعية قول يوسف بن أسباط: « كان أبي قدريًا، وأخوالي روافض، فأنقذني الله بسفيان » [103]. ولذا استفاضت أقوال السلف في الحث على صحبة أهل الاتباع والسنة وترك صحبة ما سواهم، ومن أقوالهم في ذلك: عن أيوب قال: « إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة » [104]. وعن عبد الله بن شوذب قال: « إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها » [105]. ويقول الملائي: « إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، وإذا رأيته مع أهل البدع فايئس منه؛ فإن الشباب على أول نشوئه » [106]. ويقول ابن عباس -رضي الله عنهما- محذرًا: « لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم ممرضة للقلب » [107]، ويقول أبو قلابة: « لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما تعرفون » [108].
__________________
![]() ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |