الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         (الرهن) نموذج تطبيقي لشمول الشريعة الإسلامية والرد على العلمانيين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          عندما يصبح الدين قناعا للسيطرة والمصالح الشخصية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5449 - عددالزوار : 3002623 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5064 - عددالزوار : 2329088 )           »          الأمل بالله لا يموت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          عليكم بحد الصلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          تفسير القرآن الحكيم .. سورة الحجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 66 )           »          تفسير سورة الفيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 64 )           »          الحث على تلاوة القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 63 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم يوم أمس, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,717
الدولة : Egypt
افتراضي الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر

الوقف الإسلامي بين الماضي والحاضر (1)

د. عبدالسلام حمود غالب

مقدمة:
يُعَدُّ الوقفُ الإسلاميُّ واحدًا من أعظم المؤسسات الحضارية التي أنتجتها العبقرية الإسلامية، وأكثرها رسوخًا في وجدان الأمة؛ إذ تمثِّل فيه التكامل بين العقيدة والاقتصاد، وبين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع.

فلم يكن الوقف مجرد صورة من صور التصدق الجاري، بل كان نظامًا تشريعيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا متكاملًا، استطاع أن يتحوَّل إلى رافد دائم للخير، ومصدر مستدام للتنمية، وعمود فقري في بناء الحضارة الإسلامية على امتداد أربعة عشر قرنًا.

لقد ارتبط الوقف في ذاكرة الأمة بالمساجد التي شادت صروحها، والمدارس التي خرَّجت علماءها، والبيمارستانات التي داوَت مرضاها، والقوافل التي سقت عطاشاها، والرباط التي آوت غرباءها، بل تجاوز ذلك إلى تمويل الجيوش، وبناء القناطر، وحفر الآبار، وتزويج الفتيات، وإطعام الجياع، وكسوة العراة، وتحرير الأسرى، ونشر العلم، وتأليف الكتب، واستنساخ المصاحف، وعمارة الأرض.

وفي زمننا المعاصر، حيث تتعاظم التحديات، وتتسع حاجات الناس، وتتطور أدوات الاستثمار، وتتنوع وسائل العطاء، يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن لهذه المؤسسة العريقة أن تستعيد ريادتها وتتكيف مع متغيرات العصر دون أن تفرط في جوهرها وروحها؟ وكيف يمكن توظيف التقنيات الحديثة والمنتجات المالية المعاصرة في خدمة أهداف الوقف النبيلة؟ وكيف يمكن التغلب على المعوقات القانونية والإدارية التي حالت دون تفعيل دور الوقف في كثير من البلدان الإسلامية؟

إن هذا البحث محاولة متواضعة للإجابة عن هذه الأسئلة، من خلال استقراء تاريخ الوقف، وتحليل واقعه، واستشراف مستقبله، مع تقديم نموذج مقترح لعصرنة هذه المؤسسة العريقة، صونًا لها من الجمود، وتنميةً لدورها في تحقيق التنمية المستدامة والتكافل الاجتماعي.

المبحث الأول: التأصيل الشرعي للوقف ومقاصده:
أولًا: تعريف الوقف في اللغة والاصطلاح:
الوقف في اللغة: مصدر وقفَ يَقِفُ وقْفًا، ووَقْفَةً، ووُقُوفًا، وهو في الأصل يدل على الحبس والمنع والإمساك. يقال: وقفت الدابة؛ أي: حبستها عن السير. ومنه الوقوف في الموضع: الثبات وعدم التجاوز.

الوقف في الاصطلاح الشرعي: تعددت تعريفات الفقهاء للوقف بتنوع مذاهبهم، لكنها تجمع على معنى حبس العين وتسبيل المنفعة؛ أي: إبقاء أصل المال الموقوف محبوسًا عن التملُّك أو التصرفات الناقلة للملكية، مع صرف منافعه وريعه في الجهات التي حددها الواقف، على وجه التأبيد أو التأقيت بحسب ما يراه الفقهاء.

وقد عرَّفه الحنفية بأنه: "حبس مال مملوك على حكم ملك الواقف، أو حبس عين مملوكة على ملك الله تعالى، وتسبيل منفعتها على جهة البر".

وعرَّفه المالكية بأنه: "تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة".

وعرَّفه الشافعية بأنه: "تحبيس العين عن التمليك، والتصدُّق بالمنفعة على جهة البر أو الإحسان".

وعرَّفه الحنابلة بأنه: "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة".

وهذه التعريفات وإن اختلفت ألفاظها، فإنها تتفق على الركيزتين الأساسيتين للوقف: حبس الأصل (أي: منع انتقال ملكيته بالبيع أو الهبة أو الإرث أو غيرها من وسائل نقل الملكية)، وتسبيل المنفعة (أي: جعل عوائد الأصل ومنافعه في سبيل الخيرات والقربات، على الوجه الذي شرطه الواقف).

ثانيًا: مشروعية الوقف في الكتاب والسُّنَّة والإجماع:
استقرت مشروعية الوقف في الشريعة الإسلامية بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع، وتطبيق الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين.

1. من الكتاب العزيز:
استدل العلماء على مشروعية الوقف بعموم الآيات القرآنية التي تحث على البذل والعطاء والإنفاق في سبيل الله، وإن لم ترد آية خاصة بالوقف نصًّا، فإن روح القرآن الكريم تأمر بالبر والإحسان وتقديم الخيرات، ومن أبلغ صور ذلك الوقف.

قال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92]، والوقف من أعظم صور الإنفاق مما يحب المرء؛ إذ يبذل ماله ويحبس عينه ويسبل نفعه.

وقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261].

والوقف من أعظم الإنفاق في سبيل الله؛ لما فيه من استمرار الأجر وتكاثر الثواب، وقال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ﴾ [المزمل: 20]، والوقف خير يقدمه المسلم لنفسه، يجد ثوابه مدخرًا عند الله.

2. من السنة النبوية:
وردت أحاديث كثيرة تحثُّ على الوقف، أصرحها حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها، فقال: "يا رسول الله، إني أصبت أرضًا بخيبر لم أصب مالًا قط أنفس عندي منها، فما تأمرني بها؟" قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها" فتصدَّق بها عمر أنها لا تُباع ولا تُوهب ولا تورث، وتصدق بها في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه.

وهذا الحديث الصحيح المتفق عليه يُعَدُّ الأصل الأعظم في مشروعية الوقف، وفيه تحديد لأركانه: حبس الأصل، وتسبيل المنفعة، والتأبيد (إذ قال: لا تُباع ولا تُوهب ولا تُورث)، وتنويع المصارف، وتحديد أحكام النظارة والأكل بالمعروف.

كما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

والوقف من أعظم صور الصدقة الجارية.

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعده". وجاء في رواية: "أو وقفًا وقفه".

3. عمل الصحابة والإجماع:
اتفق الصحابة رضي الله عنهم على مشروعية الوقف وعملوا به، فقد أوقف عمر أرضه بخيبر، وأوقف عثمان بئر رومة، وأوقف طلحة، والزبير، وابن عمر، وعائشة، وأبو طلحة، وغيرهم من الصحابة.

واشتهر عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأصحابه: "دلوني على ما يحبس الأصل وينفق الثمرة".

كما وقف الخلفاء الراشدون من بعدهم، واتسع نطاق الوقف في عهد التابعين وتابعيهم، حتى أصبح ظاهرةً اجتماعيةً وحضاريةً بارزةً في المجتمعات الإسلامية، وأجمع العلماء على مشروعيته، ولم يخالف في مشروعيته أحد من أهل العلم المعتبرين.

ثالثًا: مقاصد الوقف وغاياته العليا:
يتجاوز الوقف كونه عملًا خيريًّا عابرًا، إلى تحقيق مقاصد سامية وغايات عظمى، تشمل:
1. تحقيق التقرب إلى الله ونيل الأجر المستمر: فالوقف من أعظم القربات، وأجزل الصدقات؛ لأنه يبقى أصل المال، ويستمر عطاؤه، ويدوم ثوابه ما دام الوقف قائمًا.

2. إحياء سنة التكافل الاجتماعي: فالوقف نظام متكامل للتضامن بين أفراد المجتمع؛ حيث يسهم الأغنياء في تلبية حاجات الفقراء والضعفاء والمحتاجين بصفة مستمرة ومنتظمة.

3. تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة: فالوقف ليس مجرد إنفاق استهلاكي، بل هو استثمار منتج يحافظ على رأس المال ويُنمِّيه، ويوفر دخلًا مستمرًّا يُصرف في وجوه الخير.

4. استقلال المؤسسات العلمية والدينية: ساعد الوقف في التاريخ الإسلامي على استقلالية المؤسسات التعليمية والدينية عن سلطة الحكام؛ مما حمى العلم والعلماء، وأعطى للمؤسسات قدرًا من الاستقلالية المالية والإدارية.

5. الحفاظ على الثروات وتوجيهها للتنمية: بدلًا من أن تتحول الثروات الفردية إلى تركات تتفتَّت بمرور الزمن، يحافظ الوقف على الأصل ويوجه ريعه للتنمية المجتمعية.

6. تخليد ذكر الواقف: بقاء الوقف واستمرار عطائه يجعل ذكر الواقف حيًّا في المجتمع، وأجره مستمرًّا إلى يوم الدين.

7. بناء الحضارة الإسلامية: لعب الوقف دورًا محوريًّا في بناء الحضارة الإسلامية، بإقامة المدن، وبناء المدارس والمساجد والبيمارستانات، ودعم العلوم والآداب والفنون.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 70.28 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 68.59 كيلو بايت... تم توفير 1.69 كيلو بايت...بمعدل (2.40%)]