المسؤولية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         صناعة الأعراس.. اقتصاد الليلة الواحدة! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          كيف تجعل شريك حياتك يتربع على عرش اهتمامك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          نفحات قرآنية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 20 - عددالزوار : 6232 )           »          التأصيل الفقهي لتصحيح العقود: مشروعية تصحيح العقود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 6 )           »          من آداب زائر المريض أن يُبشره ولا يُقنِّطه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الغسل يجزئ عن الوضوء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          أرجى أوقات إجابة الدعاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          ليس من الأدب التنكر لمن صنع إليك معروفا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          ادع لوالدك وتصدق عنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          اليقين لا يزول بالشك في الطهارة وفي غيرها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 28-09-2026, 02:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,454
الدولة : Egypt
افتراضي المسؤولية

المسؤولية

مروان محمد أبو بكر






الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
كلمات في مفهوم المسؤولية:
المسؤولية: مصدر صناعي من كلمة (مسؤول)، مثل الوطنية: مصدر صناعي من كلمة وطن، والقومية: مصدر صناعي من كلمة قوم[1].

وبما أن المسؤولية مصدر من مسؤول، فلا يتصور فاللفظ المتداول لمفهوم المسؤولية عند السابقين هو "أهلية مسؤول من غير سؤال يُسأل عنه، وعليه فأركان المسؤولية: سؤال ومسؤول وسائل، ولذا فإن هذا التعريف اللغوي يلزم منه أن كل ما يسأل عنه ويحاسب المرء عليه في الدنيا أو الآخرة أو في كليهما هو مسؤولية.

ولم ترد كلمة مسؤولية فيما وقفتُ عليه من كتب الأقدمين بالمعنى الذي استُعملت فيه حديثًا، وإن كان معناها شائعًا عندهم.الأداء"، وهي: صلاحية الإنسان لأن تعتبر أقواله وأفعاله، قال السرخسي -رحمه الله- في أهلية الأداء: "هذه الأهلية نوعان: قاصرة وكاملة؛ فالقاصرة: باعتبار قوة البدن وذلك ما يكون للصبي المميز قبل أن يبلغ أو المعتوه بعد البلوغ؛ فإنه بمنزلة الصبي من حيث إن له أصلَ العقل وقوة العمل بالبدن، وليس له صفة الكمال في ذلك حقيقة ولا حكمًا، والكاملة: تبتنى على قدرتين قدرة فهم الخطاب وذلك يكون بالعقل وقدرة العمل به وذلك بالبدن. ثم يبتنى على الأهلية القاصرة صحة الأداء، وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجه الخطاب به؛ لأن الله تعالى قال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 256] وقبل التمييز والتمكن من الأداء لا وجه لإثبات التكليف بالأداء لأنه تكليف ما لا يطاق وقد نفى الله تعالى ذلك بهذه الآية" [أصول السرخسي: 2/340].

فيفهم من قول السرخسي: "ثم يبتنى على الأهلية القاصرة صحة الأداء وعلى الكاملة وجوب الأداء وتوجه الخطاب به" أن الطفل غير المكلف بالمسؤولية -أي من ليست له أهلية أداء- قد يقوم بالمسؤولية على أتم وجه، وهذا كثير مشاهد، وهو ما لا تمنعه الشريعة، ولكن لا توجبه عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر" [أخرجه أبو داود، 2/544، (4398)، والترمذي، 4/32، (1423)، والنسائي: 6/156،(3432)، وصححه الألباني].

كما أن أناسًا وجب عليهم القيام بالمسؤولية فضيعوها ولم يؤدوا الواجب الذي أداه بعض من لم يكلف به.

ومن التعريف السابق للمسؤولية -المتعارف عليها بأهلية الأداء- نرى أن من تصرف كما ينبغي أن يتصرف من أناط بهم الشارع المسؤولية (أهلية الأداء) -بأن اعتبر أقوالهم وأفعالهم وأنفذ أثرها- فقد تصرف بمسؤولية، ومن لم يتصرف كما ينبغي أن يتصرف من أناط بهم الشارع أهلية الأداء فقد تصرف بغير مسؤولية.

ويفهم أن من تصرف بغير مسؤولية مع إناطتها به فإنه محاسب على تخليه عن المسؤولية وسوء تصرفه فيها؛ لأن تركه للمسؤولية وتفريطه فيها لا يعفيه منها.

وكما أن المسؤوليات الواجب أداؤها شرعًا قسمان، قسم عيني وقسم كفائي أو مجتمعي، وذلك أن الفرد مكلف بمسؤوليات يجب عليه القيام بها بصفته الشخصية، ومسؤوليات يجب عليه أداؤها مع بقية أفراد المجتمع، فيلزم من هذا أن المجتمع مسؤول وعليه ما يجب القيام به.

المسؤولية في القرآن والسنة:
لم ترد كلمة مسؤولية في القرآن والسنة بهذا اللفظ، ولكن ورودها في القرآن بمعناها كثير جدًّا، بل المسؤولية من أكثر المعاني تكررًا في القرآن على الإطلاق، فالشرع الحنيف يعد كل ما يجب على العبد أداؤه تجاه خالقه، أو ما يجب عليه أداؤه تجاه نفسه، أو ما يجب عليه أداؤه تجاه بني جنسه، بل ما يجب عليه أداؤه تجاه غير بني جنسه من الدواب وغيرها - مسؤولية.

بعض الأمثلة لورود المسؤولية في القرآن:
1- وردت المسؤولية بلفظ الأمانة؛ قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72]. فهذه الآية تدل على المسؤولية بمعناها العريض، فقد جاءت عبارة الأمانة في هذه الآية بمعنى المسؤولية تماما.
2- قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. وفي هذه الآية سمى الله تعالى التقصير في تحمل المسؤولية –الأمانة- بالخيانة وهذا كالاستعمال في الآية السابقة.
3- قال الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]، ورد في هذه الآية التصريح بمسؤولية الإنسان عن جوارحه، فهو محاسب على ما اجترح بها
4- قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]، هذه الآية تدل على مسؤولية الإنسان عما يقطعه على نفسه من العهود ويلزم به نفسه من المواثيق مع الآخرين.
5- قال الله تعالى: {وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93]، وفي سورة يوسف: {وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} [يوسف: 72]، فهذا المؤذن الذي انبعث إلى إخوة يوسف يخبرهم أنه فقد صواع الملك وأنه يتهمهم بسرقته، ثم بين لهم أن رده من مسؤولياته التي لا يصح أن يفرط فيها.
6 - قال الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، قال السدي: "فلنسألن الأمم: ما عملوا فيما جاءت به الرسل؟ ولنسألن الرسل: هل بلغوا ما أرسلوا به؟"[تفسير الطبري: 5/430]. فهذه الآية تدل على أن المحاسبة على المسؤوليات تعم الرسل والمرسل إليهم كل حسب ما ألقي عليه من التبعات والمسؤوليات.

وقد سبقت الإشارة إلى أن المسؤولية من أكثر المعاني تكرارًا في القرآن، فما ذكر ما هو إلا أمثلة لورود معنى المسؤولية في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وورد معنى المسؤولية في السنة النبوية على نحو ما وردت به في القرآن الكريم فقد صورت لنا الأحاديث النبوية أن المسؤولية لا يخلو منها مكلف، وأنها تشمل جميع مناحي الحياة، ونكتفي هنا بحديث واحد أحاط بالمسؤولية من جوانبها وجلاها؛ فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته"، قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحسب النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" [البخاري، 2/848، (2278)، مسلم،3/1459،(1829)].

قال ابن حجر رحمه الله: "قوله (كلكم راع) يعم جميع الناس فيدخل فيه المرعي أيضًا، فالجواب أنه مرعي باعتبار راع باعتبار، حتى ولو لم يكن له أحد كان راعيًا لجوارحه وحواسه؛ لأنه يجب عليه أن يقوم بحق الله وحق عباده" [فتح الباري، 2/381].

فالمسؤولية أمر لا يخلو منه مكلف أبدًا، بل التكليف أصلا عبارة عن المسؤوليات، وهذا ما يقرره الحديث السابق.

من صور المسؤولية:
المسؤولية -كما سبق- تشمل كل جوانب الحياة، ولذا فإن حصرها لا يتأتى، وقد أشار حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- إلى بعض صورها، فبيان الصور التي أشار إليها الحديث وغيرها من الصور المهمة التي نعرضها ليس للحصر بل لأنها من أهم صور المسؤولية.

مسؤولية الإمام تجاه الرعية ومسؤولية الرعية تجاه الإمام:
مسؤولية الإمام تجاه الرعية والرعية تجاه الإمام تأتي في مقدمة المسؤوليات، ولذا فقد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم أولا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما المذكور آنفا فقال: "الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته".

وقد بينت آيات الكتاب الكريم حقوق الراعي وحقوق الرعية، ففي حقوق الراعي قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

فبين أن من أوجب الواجبات تجاه الإمام طاعته في المعروف، قال الطبري رحمه الله في تفسيره: "فإذ كان معلومًا أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم}، بطاعة ذوي أمرنا، كان معلومًا أن الذين أمر بطاعتهم تعالى ذكره من ذوي أمرنا هم الأئمة ومن ولَّوه المسلمين دون غيرهم من الناس) [تفسير الطبري: 4/149].

وفي البخاري "باب السمع والطاعة للإمام" وأورد فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" [البخاري، 3/1079].

من المسؤوليات تجاه الإمام النصح له وإعانته:
عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل رضي لكم ثلاثًا وكره لكم ثلاثًا؛ رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تنصحوا لمن ولاه الله أمركم، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" [أحمد: 2/360، (8703)].

من مسؤوليات الإمام تجاه رعيته:
قال شيخ الإسلام: "الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم" [السياسة الشرعية: 1/37].

فمتى ما قام كل من الأمراء والرعايا بالمسؤوليات الموكلة لهم صلح الأمر واستقام.

مسؤولية الرجل في بيته:
من المسؤوليات العظيمة مسؤولية الرجل في بيته، وعلى أهله وهي تلي مسؤولية الحاكم في رعيته، ولذا عقب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذه المسؤولية بعد مسؤولية الإمام: "والرجل في بيته راع وهو مسؤول عن رعيته"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" [المستدرك، 4/545، (8526)].

فعلى الأب تقع مسؤولية رعاية الأبناء رعاية مادية ومعنوية، ومتى قصر في ذلك فقد ضيع المسؤولية وخانها.

وقد ذكر الله تعالى خبر لقمان عليه السلام وقيامه بمسؤوليته تجاه ابنه ليقتدى به في نصحه وإرشاده.

فمسؤولية الوالد تجاه أولاده مسؤولية عظيمة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]، قال الطبري رحمه الله: "يقيهم؛ أن يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله يأمرهم به ويساعدهم عليه فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها"[تفسير الطبري: 12/156].

وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الوالدين بإرشاد أبنائهم وتوجيههم وحمّلهم هذه المسؤولية فقال: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع" [أخرجه أحمد،2/187، (6756)، قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن].

مسؤولية المرأة في بيت زوجها:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها"، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن مسؤولية المرأة: حفظ الرجل، والقيام على أولاده إرشادًا وتوجيها وتربية، وحفظ ماله، وصون عرضه، وهذه من أعظم المهام والمسؤوليات؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "ألا أخبرك بخير ما يكنز؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سرته، و إذا أمرها أطاعته، و إذا غاب عنها حفظته" [المستدرك: 1/576، (1487)، قال الذهبي في التلخيص: على شرط الصحيحين].

فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب مشوق لعمر رضي الله عنه مسؤولية المرأة تجاه زوجها وأسرتها، فأولها إدخال السرور على البيت وتقوية عوامل السكينة فيه، وثانيها حفظ نفسها ومن في يدها من أبنائها ورعايتهم ماديا ومعنويا.

نماذج مشرقة:
لم ينضب معين الأمة ولم تزل أرحام نسائها تخرج الأفذاذ رجال ونساء من الذين يعرفون للمسؤولية قدرها ويؤدونها على أحسن وجه وأتمه ومن أولئك من حكى عنها أنس رضي الله عنه فقال: "مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه قال فجاء فقربت إليه عشاء فأكل وشرب فقال ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم ؟ قال لا قالت فاحتسب ابنك قال فغضب وقال تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله لكما في غابر ليلتكما قال فحملت قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا فدنوا من المدينة فضربها المخاض فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول أبو طلحة إنك لتعلم يا رب إنه ليعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى قال تقول أم سليم يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد انطلق فانطلقنا قال وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما فقالت لي أمي يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصادفته ومعه ميسم فلما رآني قال لعل أم سليم ولدت ؟ قلت نعم فوضع الميسم قال وجئت به فوضعته في حجره ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجوة من عجوة المدينة فلاكها في فيه حتى ذابت ثم قذفها في في الصبي فجعل الصبي يتلمظها قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا إلى حب الأنصار للتمر قال فمسح وجهه وسماه عبدالله [رواه مسلم، 4/1908،(2144)].

فانظر إلى حرصها على القيام بمسؤوليتها في إسعاد زوجها وتخفيف أحزانه في أحلك الأزمات وأشد الابتلاءات.

ومن النماذج الحية لتحمل المسؤولية تحمل خديجة رضي الله عنها لواجباتها وقيامها بمسؤولياتها خير قيام من نصرة زوجها صلى الله عليه وسلم وتثبيته وقد كانت كلماتها الخالدة لزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عائد من غار حراء يرتجف فؤاده "كلا والله ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق"[البخاري، 1/4، (3)، ومسلم، 1/139، (160)].

خير معين له في ذلك الموقف الحرج، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لها قيامها بحقه فعن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء قالت فغرت يوما فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيرا منها قال ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء"[أحمد،6/117،24908]

مسؤولية المعلم:
من المسؤوليات العظام مسؤولية المعلم، فهو المربي الذي على يده تتخرج الأجيال، وعلى يده يبنى مستقبل الأمة.
أرأيت أشرفَ أو أجلَّ من الذي يبني وينشئ أنفسًا وعقولا
فعلى المعلم أن يبذل علمه وألا يبخل به على طلابه، وبذا يكون قد أدى الأمانة وقام بالمسؤولية، وما أحسن ما قاله الشافعي رحمه الله:
ومن منح الجهال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
فترك تعليم المستحقين ظلم وخيانة للمسؤولية واستهتار بها.

وكان علي رضي الله عنه يستشعر مسؤولية التعليم فيقول: "هاه! إن هاهنا -وأشار بيده إلى صدره- علمًا لو أصبت له حملة" [حلية الأولياء: 1/80].

كما أن على المعلم أن يقوم بواجب التربية، وأن يعلم أنها من الأهمية بالمكان الذي لا يجهل، وأن مسؤوليته ليست قاصرة على إعطاء المعلومات للطالب فقط بل لا بد من تربيته.

وقد كان السلف يهتمون بأمر السلوك والتهذيب جدا، وكان المعلم يدرك أن من أول مسؤولياته أن يتمثل الخلق الرفيع ليدل الطلبة بعمله على الأدب، وقد كان بعض الطلاب يجالسون مالكًا ليتعلموا منه الأدب والسمت.

مسؤولية رجال الإعلام:
الإعلام يقوم بدور كبير في توجيه الرأي العام، وفي ترسيخ القناعات حسنها وقبيحها، وعلى أهل الإعلام أن يعوا هذا الخطر العظيم، وأن يعرفوا أن على عاتقهم مسؤولية عظيمة، إن لم يقوموا بها حق القيام فإن كثيرًا من المبادئ ستتزعزع في نفوس بعض المسلمين بسبب الإعلام المضاد.

لقد كان الشعر هو أقوى وسيلة إعلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذا فقد تفرغ من وهبه الله تعالى ملكة نظم الشعر لجهاد الكافرين باللسان كحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير رضي الله عنهم.

وقد كان الإعلام الإسلامي المتمثل في أولئك الشعراء وسيلة فاتكة؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اهجوا قريشًا؛ فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: اهجهم فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل؛ فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي، فأتاه حسان ثم رجع فقال يا رسول الله قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين، قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله" [مسلم،4/1935].

فعلى رجال الإعلام أن ينافحوا عن الإسلام في زمن سخر فيه الأعداء من تعاليمه وهجوا نبيه وحاولوا تشويه صورته ولهم في حسان بن ثابت وكعب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم أسوة حسنة.

كما أن من القيام بالمسؤولية تجويد الأداء وابتكار ما يشد المشاهد والسامع، وقد كان الإعلام الإسلامي إعلامًا منافسًا، بل كان يتفوق على إعلام الآخرين.

ولما قدم وفد تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا المفاخرة قام خطيبهم فافتخر، ثم قام ثابت بن قيس رضي الله عنه وهو خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب خطبة بليغة جزلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد
أتيناك كيما يعرف الناسُ فضلَنا إذا خالفونا عند ذكر المكارمِ
وإنا رؤوسُ الناس من كل معشر وأن ليس في أرض الحجاز كدارمِ
وإن لنا المرباعَ في كل غارة تكون بنجد أو بأرض التهائمِ
فقام حسان فقال:
بني دارم لا تفخروا إن فخرَكم يعود وبالا عند ذكر المكارمِ
هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خَوَل من بين ظِئر وخادمِ؟!
في أبيات لهما، فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا [انظر تفسير القرطبي، 16/257].


وعلى أصحاب الأقلام أن يعلموا أنهم مسؤولون عما يكتبون ومحاسبون على ما يخطون، وما أحسن قول القائل:
وما من كاتب إلا سيفنى ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء يسرك في القيامة أن تراه
فالكلمة والمقالة مسؤولية عظيمة؛ لأنها تؤثر في القراء وتوجههم، فإن استعملت في الخير كانت سلاحًا ماضيا يقيم الحق وينصر العدل، وإن استعملت في الشر كانت معول هدم ودمار.

يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 114.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 112.96 كيلو بايت... تم توفير 1.68 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]