زوجات الأنبياء والفاحشة... أين دليل الاستحالة؟ قراءة في القرآن وأقوال المفسرين وحادثة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         صناعة جيل النصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          محنة النقد الآثم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          أثر الإسلام في تغيير مفهوم العالم لمعنى الرحلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          دردشة على فنجان قهوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          سر اختيار الجزيرة العربية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 17 )           »          في رحيل فقيد العربية أبي العلامة مازن المبارك (pdf) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          المرأة في فضاء «السوشيال ميديا».. بين التمكين والاستغلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          كيف نؤمن مستقبل الأرملة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          دور المرأة المسلمة في نهضة المجتمعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          المفاهيم النسوية والتحولات الاجتماعية.. رؤية نقدية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم يوم أمس, 12:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,188
الدولة : Egypt
افتراضي زوجات الأنبياء والفاحشة... أين دليل الاستحالة؟ قراءة في القرآن وأقوال المفسرين وحادثة

زوجات الأنبياء والفاحشة... أين دليل الاستحالة؟

قراءة في القرآن وأقوال المفسرين وحادثة الإفك

سيد السقا

من المسائل التي اشتهرت في كتب التفسير أن نساء الأنبياء قد يقع منهن الكفر والخيانة في الدين، ولكن لا تقع منهن الخيانة الزوجية بمعنى الزنا.

ويُذكر في ذلك ما نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما: «ما بغت امرأة نبي قط»، كما يذكر المفسرون عند قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ [التحريم: 10] أن الخيانة هنا ليست خيانة الفراش، وإنما خيانة في الدين والرسالة.

ويُعلَّل ذلك أحيانًا بأن الخيانة الزوجية تمس عرض النبي وكرامته، وتنتقص من مكانته بين الناس، وقد تكون سببًا في تنفيرهم منه؛ ولذلك عصم الله أنبياءه من أن تكون زوجاتهم قد وقعن في مثل ذلك، لكن هذا التعليل يثير عندي عددًا من الأسئلة التي أراها جديرة بالتأمل، ولست في هذا المقال بصدد نسبة الفاحشة إلى امرأة نبي، حاشا لله، ولا أقرر أن واحدة منهن وقعت فيها؛ وإنما السؤال الذي أبحث عنه أدق من ذلك:
هل لدينا نص من القرآن أو السنة يقرر استحالة وقوع الفاحشة من زوجة نبي؟ أم أنَّ القول بالاستحالة بُني على تفسير وتعليل اجتهادي ينبغي أن يبقى قابلًا للبحث والمناقشة؟

أولًا: تحرير محل النزاع
قبل مناقشة الأدلة، لا بد من التفريق بين قضيتين مختلفتين: أن نقول: لم يثبت أن امرأة نبي وقعت في الفاحشة، وأن نقول: يستحيل أن تقع امرأة نبي في الفاحشة.

فالأولى حديث عن الوقائع وما ثبت منها، أمَّا الثانية فهي تقرير لقاعدة عامة تقول: إن وقوع ذلك ممتنع أصلًا في حق زوجات الأنبياء.

والفرق بين الأمرين كبير؛ لأن عدم ثبوت وقوع شيء لا يعني بالضرورة استحالة وقوعه.

ومن هنا ينحصر السؤال في هذا المقال في أمر واحد: ما الدليل على الاستحالة؟

ثانيًا: إذا كان الكفر ممكنًا، فلماذا تكون الفاحشة مستحيلة؟
من أبرز ما يقال في تعليل استحالة وقوع الزنا من امرأة نبي أن ذلك يمس عرض النبي وكرامته، ويكون شديد النكاية به أمام قومه، وربما كان سببًا في تنفير الناس منه، لكن هذا التعليل نفسه يحتاج- في تقديري- إلى شيء من التأمل؛ لأنه قد يكون متأثرًا، إلى حد ما، بالنظرة الاجتماعية والثقافة السائدة في بعض البيئات التي ترى الخيانة الجنسية للزوجة أشد ما يمكن أن يلحق الرجل من عار، ثم يُنقل هذا التصور الاجتماعي إلى مقام النبوة، فيقال: لا يمكن أن تقع زوجة نبي في الزنا؛ لأن ذلك يُنفِّر الناس منه.

وقد نبهتُ في مواضع أخرى إلى ضرورة الحذر من أن نقرأ النصوص من خلال ثقافة اجتماعية معينة، ثم نحول ما استقر في هذه الثقافة من تصورات إلى قواعد دينية عامة.

ولو نظرنا إلى المسألة من زاوية أخرى، لانقلب السؤال: أيهما يمكن أن يكون أشد تنفيرًا للناس من النبي: أن تخونه زوجته في عرضها، أم أن تكفر به وتكذبه في أصل نبوَّته ورسالته؟

فالخيانة الجنسية- مع فحشها وقبحها- فعل يتعلق بالمرأة نفسها، وقد تكون له دوافعه النفسية والشهوانية، ولا يلزم منه في ذاته أن زوجها كاذب أو أن دعوته باطلة.

أما أن تعيش المرأة مع النبي في بيته، وتعرفه عن قرب، ثم تكذبه في أصل دعوته، وترفض الإيمان برسالته، وتقف في صف مخالفيه، فهذه- من زاوية نظر الناس إلى صدق الدعوة- قد تكون أشدَّ وقعًا؛ إذ قد يقول قائل: إذا كانت زوجته، وهي من أعرف الناس به وأقربهم إليه، لم تُصدِّقه، فلماذا نُصدِّقه نحن؟
ومع ذلك، فقد أخبرنا القرآن بوقوع الكفر والخيانة في الدين من زوجات بعض الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾ [التحريم: 10].

ولعل مما يستأنس به هنا أن القرآن نفسه عرض لنا، في الآية التالية مباشرة، الصورة المقابلة تمامًا؛ فكما ضرب مثلًا للذين كفروا بامرأتي نوح ولوط، وهما زوجتا نبيِّين صالحين، ضرب مثلًا للذين آمنوا بامرأة فرعون، وهي زوجة رجل بلغ من الكفر والطغيان ما بلغ، ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11].

وهذا التقابل القرآني لافت: نبيان صالحان وزوجتاهما كافرتان، وفي الجهة المقابلة رجل من أعتى أهل الكفر والطغيان وزوجته مؤمنة صالحة.

فلم يجعل القرآن صلاح الزوج ضامنًا لصلاح زوجته، كما لم يجعل كفر الزوج وطغيانه قدحًا في إيمان زوجته وكرامتها عند الله.

وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن الآيتين وردتا أصلًا للحديث عن مسألة الزنا أو لإثبات إمكان وقوعه من زوجات الأنبياء؛ فليس هذا محل الاستدلال.

وإنما وجه الاستئناس هنا أضيق من ذلك: أن القرآن نفسه يقرر بوضوح استقلال الإنسان في إيمانه وكفره ومسؤوليته عن عمله، حتى داخل العلاقة الزوجية.

ومن هنا يبرز السؤال: إذا كان كفر الزوجة وتكذيبها لزوجها النبي لم يجعلا وقوع ذلك مستحيلًا صيانةً لمقام النبوة، فما الذي يجعلنا نقرر أن معصية أخرى دون الكفر يستحيل وقوعها لمجرد أنها- وفق تصور اجتماعي معين- أشد عارًا على الزوج؟

بل إن النظر إلى المسألة من زاوية الدعوة نفسها يجعل التعليل أكثر قابلية للنقاش؛ لأن تكذيب زوجة النبي له يمكن- من حيث تصور الناس- أن يكون شديد التأثير في دعوته: فهي تعيش معه، وتعرفه في خاصة أمره، ثم لا تؤمن به. أما انحرافها الجنسي- على فحشه وقبحه- فهو فعل منها لا يستلزم في ذاته تكذيب نبوَّته أو الطعن في صدق رسالته.

ولذلك فليس المقصود أن نجزم بأن كفر الزوجة أشد تنفيرًا من زناها، أو أن زناها أشد من كفرها؛ فمثل هذه الموازنات قد تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات والأعراف.

وإنما المقصود أمر أدق: أن مقدار العار الاجتماعي أو التنفير الذي نتصوره في كل صورة ليس معيارًا شرعيًّا ثابتًا يمكن أن نبني عليه وحده حكمًا بالاستحالة.

فإذا كان القولُ باستحالة وقوع الزنا من زوجة النبي حكمًا شرعيًّا، فإن السؤال ينبغي أن يعود من التقديرات الاجتماعية والثقافية إلى الدليل: ما النص الذي دل على هذه الاستحالة؟

ثالثًا: امرأة لوط... مفارقة في التفسير تستحق التأمل
وهنا تظهر مسألة لافتة في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾ [التحريم: 10].

فالقرآن لم يُبيِّن لنا بالتفصيل صورة خيانة امرأة لوط، لكن نُقل عن بعض السلف، وتناقل المفسِّرون، أنها كانت تدل قومها على ضيوف زوجها وتخبرهم بوجود الرجال عنده.

وفي الوقت نفسه نُقل في كتب التفسير نفي البغاء عن نساء الأنبياء، ومن العبارات المشهورة في ذلك: «ما بغت امرأة نبيٍّ قطُّ».

وهنا تحديدًا تستوقفني مفارقة تستحق التأمُّل؛ لقد حرص المفسرون على نفي البغاء والزنا عن امرأة لوط، وقيل: إن مثل ذلك لا يليق ببيت النبي ومقام النبوَّة؛ لكنهم نسبوا إليها في الوقت نفسه فعلًا لا يخرج عن دائرة الفاحشة من جهة الدلالة عليها والإعانة عليها وتيسيرها للآخرين؛ إذ قالوا: إنها كانت تدل قوم لوط على الرجال الذين ينزلون ضيوفًا في بيت زوجها، وهي تعلم من هم قومها، وتعلم ماذا يريدون من هؤلاء الرجال.

وبعبارة أوضح: لقد نفوا عنها أن تقع في الفاحشة بنفسها، ثم نسبوا إليها أنها كانت تدل غيرها على الفاحشة وتُعينهم على الوصول إلى من يريدون فعلها بهم.

والأمر هنا- بحسب هذا التفسير- ليس مجرد إعانة على أي معصية، ولا مجرد الدلالة على علاقة محرمة بين رجل وامرأة؛ وإنما الحديث عن قوم وصف القرآن فعلهم بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الشعراء: 165].

وقال سبحانه في شأن مجيئهم إلى ضيوف لوط: ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 78].

أي إننا- بحسب هذا التفسير- أمام امرأة تعلم طبيعة قومها وما يريدونه من الرجال، ثم تدلهم على الرجال الذين نزلوا ضيوفًا في بيت زوجها!

وهنا يحق لنا أن نسأل: ماذا يُسمَّى مثل هذا الفعل في لغتنا المعاصرة؟ ثم الأهم: كيف ننفي عنها فعلًا بدعوى أنه من القبح بحيث لا يليق ببيت نبي، ثم ننسب إليها فعلًا آخر هو- من حيث آثاره وما فيه من إعانة الآخرين على الفاحشة- أشد وأشنع؟

فالمرأة التي تزني ترتكب الفاحشة في نفسها، أما المرأة التي تدل أهل الفاحشة على غيرها، وتُسهِّل لهم الوصول إلى ضيوف زوجها وهي تعلم ما يريدونه منهم، فإن شر فعلها يتجاوز نفسها إلى الآخرين.

فقد تجاوز الأمر هنا مجرد ارتكاب الفاحشة في النفس إلى الدلالة على الفاحشة، والإعانة عليها، وتيسير الوصول إلى الآخرين من أجلها.

وفوق ذلك، فإن هؤلاء الرجال هم ضيوف زوجها، وفي بيته، وتحت حمايته.

فإذا كان مناط استبعاد الزنا عن امرأة النبي هو أن مثل هذا الفعل لا يليق ببيت النبوة؛ لما فيه من مساس بعرض النبي وكرامته ومكانته بين الناس، فإن الإشكال يعود إلى التعليل نفسه: كيف نُفي عنها الزنا لهذا السبب، ثم نُسب إليها في الوقت نفسه فعل أشد وأشنع من الجهة نفسها التي من أجلها نُفي عنها الزنا؟

وهذه هي المفارقة التي تستحق الوقوف عندها.

فنحن هنا لا نزعم أن القرآن أثبت لامرأة لوط شيئًا غير ما ذكره المفسرون، ولا نبحث أصلًا في إعادة تفسير قوله تعالى: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾، وإنما ننظر في اتساق التعليل الذي قدَّمَه المفسِّرون أنفسهم: نُفي عنها الزنا لأنه- بحسب تعليلهم- لا يليق ببيت نبي ويمس عرضه ومقامه، ثم نُسب إليها أنها كانت تدل أهل الفاحشة على الرجال الذين ينزلون ضيوفًا في بيت زوجها، مع علمها بما يريدونه منهم.

فالإشكال هنا ليس في النص، وإنما في التعليل الذي بُني عليه القول بالاستحالة.

رابعًا: ماذا قال القرآن لنساء النبي صلى الله عليه وسلم؟
هنا نصل إلى نص أراه من أهم النصوص في هذه المسألة؛ يقول الله تعالى مخاطبًا نساء النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [الأحزاب: 30].

وهنا يبرز السؤال: ما المقصود بـ«فاحشة مبينة»؟
قد يقال: إن الفاحشة هنا تشمل المعصية الظاهرة ولا تختص بالزنا. وهذا قول موجود في التفسير، لكن اللافت أن الإمام الطبري ذهب في تفسير الآية نفسها إلى معنى واضح جدًّا، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الأحزاب: 30]: «من يزنِ منكن الزنا المعروف الذي أوجب الله عليه الحدَّ». وهذه العبارة تستحق التوقف عندها، فنحن هنا لسنا أمام مجرد احتمال لغوي نقول فيه: إن الزنا قد يدخل في معنى الفاحشة، بل أمام إمام من كبار أئمة التفسير فهم خطاب الله لنساء النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على أن المقصود بالفاحشة المبينة هو الزنا المعروف.

وهنا يعود السؤال بصورة أوضح: إذا كان وقوع الزنا من زوجة النبي مستحيلًا أصلًا، فكيف نفهم خطاب الله لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب، وكيف نفهم تفسير إمام كالطبري له بقوله: «من يزن منكن الزنا المعروف»؟

مرة أخرى: هذا لا يعني أن الآية تخبرنا بأن ذلك وقع من واحدة منهن، فالحديث هنا ليس عن الوقوع، إنما الحديث عن دعوى الاستحالة.


خامسًا: «الفاحشة المبينة» في مواضع أخرى من القرآن
ويزداد السؤال وضوحًا عندما ننظر إلى استعمال القرآن لعبارة «الفاحشة المبيِّنة» في مواضع أخرى تتعلق بالنساء والحياة الزوجية، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ [النساء: 19]، وقال سبحانه في أحكام الطلاق: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ [الطلاق: 1].

وقد نقل الطبري عند تفسير آية الطلاق اختلاف أهل التأويل في معنى الفاحشة المبينة، وكان من الأقوال التي نقلها: أن المراد بها الزنا، ونقل عن الحسن في تفسيرها: «الزنا، قال فتخرج ليقام عليها الحد»، وذكر المفسِّرون إلى جانب ذلك أقوالًا أخرى، منها البذاء والنشوز وكل معصية ظاهرة.

ولذلك لسنا بحاجة إلى القول إن عبارة «الفاحشة المبينة» لا يمكن أن تعني إلا الزنا.

يكفينا هنا إثبات أمر واحد: أن الزنا معنى معتبر لهذه العبارة عند طائفة من السلف وأئمة التفسير.

فإذا كان الأمر كذلك، ثم خاطب الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ"، فمن أين جاء القطع بأن هذه الصورة بالذات مستحيلة الوقوع أصلًا في حقهن؟

سادسًا: هل الشرط يعني إمكان الوقوع؟
قد يعترض معترض هنا فيقول: إن قول الله تعالى: ﴿ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ [الأحزاب: 30] لا يدل بالضرورة على إمكان وقوعها؛ لأن الشرط لا يقتضي الوقوع، وهذا معنى ذكره بعض المفسرين، واستدلوا له بخطاب الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [الزمر: 65].

فليس معنى ورود الشرط أن الشرك يمكن أن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا اعتراض معتبر، ولكنه يجيب عن سؤال غير السؤال الذي نطرحه، فنحن لا نقول: إن ورود الشرط في الآية يثبت أن الفاحشة لا بُدَّ أن تقع، أو أنها وقعت بالفعل، بل نقول: ما الدليل على أنها مستحيلة؟

فالقول: إن «الشرط لا يقتضي الوقوع» ينفي الاستدلال بالآية على وقوع الفعل، لكنه لا يثبت وحده أن الفعل مستحيل الوقوع، فعدم دلالة الشرط على الوقوع شيء، وإثبات الاستحالة شيء آخر، وإذا كانت الاستحالة قاعدة مستقلة، فإنها تحتاج إلى دليل مستقل عليها، وهنا نعود مرة أخرى إلى أصل السؤال: أين الدليل على الاستحالة؟

سابعًا: حادثة الإفك وسؤال الاستحالة
ثم تأتي حادثة الإفك، ولعلها من أكثر الوقائع التي تستحق التأمل عند مناقشة هذه المسألة.

لقد رمى أهل الإفك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأعظم ما تُرمى به امرأة في عرضها، وقد تولَّى الله سبحانه براءتها في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

فبراءة عائشة رضي الله عنها ليست محل نقاش، ولا مجال أصلًا للحديث فيها بعد حكم الله سبحانه، لكن الذي يعنينا هنا هو ما حدث قبل نزول الوحي بالبراءة.

لقد تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قيل، واستشار بعض أصحابه، وسأل واستثبت، وانتظر الوحي، ثم قال لعائشة رضي الله عنها: «يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه...».

وهنا يبرز سؤال أراه جديرًا بالتأمُّل: لو كان وقوع الفاحشة من زوجة النبي مستحيلًا في ذاته، وكانت هذه الاستحالة معلومة للنبي صلى الله عليه وسلم لمجرد أنها زوجة نبي، فكيف نفهم ما جرى في حادثة الإفك قبل نزول البراءة؟

لماذا الانتظار؟ ولماذا الاستشارة؟ ولماذا الاستثبات؟ ولماذا يقول لها صلى الله عليه وسلم: «فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه»؟

وحاشا أن يكون في هذا السؤال أدنى مساس بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فالقرآن برأها، وانتهى الأمر؛ إنما السؤال موجه إلى القاعدة نفسها: هل كان هناك أصل شرعي معلوم يقول: إن زوجة النبي يستحيل عليها الوقوع في الفاحشة؟

فإن كان ذلك معلومًا ابتداءً، فكيف نفهم موقف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قبل نزول الوحي؟

ثامنًا: بين «لم يقع» و«يستحيل أن يقع»
وهنا نصل إلى ما أراه جوهر المسألة كلها؛ هناك فرق كبير بين قولنا: «لم يثبت أن امرأة نبي وقعت في الفاحشة»، وبين قولنا: «يستحيل أن تقع امرأة نبي في الفاحشة».

فعدم ثبوت شيء تاريخيًّا لا يعني استحالته شرعًا أو عقلًا؛ ولذلك فإن نقل قول: «ما بغت امرأة نبي قط»- على فرض ثبوته وصحة الاستدلال به- يمكن أن يُفهم منه الإخبار عن عدم وقوع ذلك، لكن الانتقال من عدم الوقوع إلى استحالة الوقوع يحتاج إلى خطوة أخرى ودليل آخر؛ وهذا هو الدليل الذي نبحث عنه.

تاسعًا: النص شيء والتعليل شيء آخر
ليس المقصود من هذه الأسئلة الانتقاص من علمائنا ومفسرينا، فلهم فضلهم وعلمهم ومكانتهم، وهم الذين حفظوا لنا قدرًا عظيمًا من العلم والفهم والتراث، ولكن احترام العلماء شيء، وتحويل كل اجتهاد أو تفسير أو تعليل قالوه إلى نص غير قابل للمناقشة شيء آخر.

فالقرآن أخبرنا أن امرأة نوح وامرأة لوط: ﴿ فَخَانَتَاهُمَا ﴾، والقرآن قال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾، والطبري نفسه فسرها بقوله: «من يزن منكن الزنا المعروف الذي أوجب الله عليه الحد».

والسيرة الصحيحة تخبرنا بما جرى في حادثة الإفك، وكيف تعامَلَ النبي صلى الله عليه وسلم مع الأمر قبل نزول البراءة.

أما القول بعد ذلك: إن وقوع الفاحشة من زوجة النبي مستحيل أصلًا، فهو حكم يحتاج إلى دليله.

وهنا ينبغي أن يبقى الفرق واضحًا: النص الإلهي معصوم، أما فهم البشر للنص وتعليلاتهم له فليست معصومة.

الخلاصة:
هذا المقال لا يقول: إنَّ امرأة من نساء الأنبياء وقعت في الفاحشة، ولا يطعن في عرض واحدة منهن، فضلًا عن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وإنما يطرح سؤالًا محددًا: ما الدليل على أن وقوع الفاحشة من زوجة النبي مستحيل شرعًا؟

فإن كان هناك نص صحيح صريح يدل على هذه الاستحالة، فالنص هو الحجة، وبه ينتهي البحث.

أما إذا كان الدليل هو أن ذلك أشد عارًا على النبي بين الناس ولا يليق بمقام النبوة، فإن هذا التعليل يحتاج في ذاته إلى النظر، فمثل هذه الموازنة قد تكون متأثرة بالنظرة الاجتماعية والثقافية لما يعد عارًا على الرجل، بل يمكن- من زاوية أخرى- أن يكون تكذيب الزوجة لنبوَّة زوجها أشدَّ تأثيرًا في نظر الناس من انحرافها الجنسي؛ لأنها تعيش معه وتعرفه عن قرب ثم لا تُصدِّقه، ومع ذلك أخبرنا القرآن بوقوع ذلك.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا بالتقابل الذي عرضه القرآن بين امرأتي نوح ولوط من جهة، وامرأة فرعون من جهة أخرى: زوجتان لنبيين صالحين كافرتان، وزوجة لأحد أعتى أهل الكفر مؤمنة صالحة. فلا صلاح أحد الزوجين يوجب صلاح الآخر، ولا انحراف أحدهما يلزم أن يكون قدحًا في الآخر.

ثم إن بعض المفسرين نفى عن امرأة لوط الزنا، ثم نسب إليها في تفسير خيانتها أنها كانت تدل أهل الفاحشة على الرجال الذين يحلُّون ضيوفًا في بيت زوجها، وهي تعلم طبيعة قومها وما يريدونه من هؤلاء الرجال؛ وهي صورة- من حيث ما فيها من دلالة على الفاحشة وإعانة عليها وتعدي شرها إلى الآخرين- أشد وأشنع من مجرد وقوع المرأة في الفاحشة في نفسها.

ثم إن القرآن خاطب نساء النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾، بل إن إمامًا كالطبري فسَّر الفاحشة هنا صراحة بقوله: «من يزن منكن الزنا المعروف الذي أوجب الله عليه الحد».

ثم تأتي حادثة الإفك لتطرح سؤالًا آخر عن مفهوم الاستحالة المعلومة سلفًا، وكيف نفهم في ضوئها تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأمر قبل نزول الوحي ببراءة عائشة رضي الله عنها.

وقد يقال إن الشرط لا يقتضي الوقوع.

ونقول: نعم، الشرط لا يقتضي الوقوع، ولكن عدم اقتضائه الوقوع لا يعني أنه أثبت الاستحالة، وهكذا يبقى الفرق الجوهري بين عبارتين: «لم يثبت أن امرأة نبي وقعت في الفاحشة»، و«يستحيل أن تقع امرأة نبي في الفاحشة».

الأولى حديث عن الوقائع والنصوص، أما الثانية فهي دعوى أوسع، تحتاج إلى دليل مستقل على الاستحالة نفسها.

ومن هنا يبقى السؤال الذي بدأ به هذا البحث قائمًا: أين الدليل؟





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 89.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 87.42 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.93%)]