|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
العقود المشتَمِلة على الربا د. نايف بن محمد اليحيى الربا في اللغة: أصله الزيادة، «رَبَا الشيءُ يربو ربوًا ورباء: زاد ونما، وأربيتُه: نمَّيْتُه[1]، وأربى الرجلُ وأرمى، أي: عَامَلَ بالربا[2]، وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾[3]. وفي الاصطلاح: اختلف الفقهاء في ضابط تعريفه، فعرَّفَه الحنفية بأنه: «الفضل الخالي عن العِوَض المشروط في البيع»[4]. وعرَّفه ابن العربي من المالكية بأنه: «كل زيادة لم يقابلها عِوَضٌ»[5]. وعرَّفه الشافعية بأنه: «عقد على عوض مخصوص، غير معلوم التماثل في معيار الشرع حالةَ العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما»[6]. وعرَّفه الحنابلة بأنه: «تفاضُل في أشياء، ونَساء في أشياء، مختصّ بأشياء، وَرَدَ الشرعُ بتحريمها»[7]. والربا من أعظم الكبائر وأشدها تحريمًا، وجاءت نصوص الوحيين مؤكِّدة على النهي عنه، وأخبَر اللهُ عن حال التخبط لأكَلَتِه في الآخرة: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾[8]. قال قتادة: «تلك علامة أهل الربا يوم القيامة؛ يُبعثون وبهم خَبَل»[9]. «وأخبر أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إمَّا بأن يُذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ﴾[10]»[11]. قال ابن جرير الطبري: «وهذا نظير الخبر الذي رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ))[12]»[13]. وتوعَّد اللهُ أصحابَ الربا بأشدِّ الوعيدِ فقال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ﴾[14]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أي استيقِنوا بحرب من الله ورسوله»، وعنه أنه قال أيضًا: «يقال يوم القيامة لآكِل الربا: خُذْ سِلَاحَكَ للحرب، ثم قرأ الآية...»[15]. وجاء رجل إلى الإمام مالك فقال: «يا أبا عبد الله، إني رأيتُ رجلًا سكرانًا يتعاقر، يريد أن يأخذ القمر، فقلتُ: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحتُ كتابَ الله وسُنَّة نبيه فلم أر شيئًا أشرَّ من الربا؛ لأن الله أَذِنَ فيه بالحرب»[16]. ونَقلَ في أسهل المدارك أنه: «كبيرة بلا نزاع»[17]. وكان عمر رضي الله عنه يؤكد على الباعة في معرفة أحكام البيوع؛ لئلا يقعوا في الربا والمحرَّمات، فكان يقول: «لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ»[18]، وروي عنه بلفظ: «لاَ يَتَّجِر فِي سُوقِنَا إِلاَّ مَنْ فَقهَ، وَإِلَّا أَكَل الرِّبَا»[19]. ويروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «الْفِقْهُ قَبْلَ التِّجَارَةِ، إِنَّهُ مَنْ تَجرَ قَبلَ أَنْ يَفْقَهَ ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا ثُمَّ ارْتَطَمَ»[20]؛ أي: وقع فيه وارتبك ونشب[21]. وأجمع العلماء على تحريمه، ونقل الإجماعَ عددٌ؛ منهم: ابن قدامة[22]، والنووي حيث قال: «وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا في الجملة، وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه»[23]. وقال الزيلعي: «وأجمعت الأمةُ على تحريمه، حتى يكفر جاحده»[24]. ونقل الماوردي أنه قيل: «إن الله تعالى ما أحل الزنا ولا الربا في شريعة قطُّ، وهو معنى قوله: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ﴾[25]، يعني: في الكتب السالفة»[26]. وذكر أهل العلم بعض الحِكم من تحريمه، وممن اعتنى بذكر هذه الحكم ابن تيمية، فقد تكلَّم عنها في مواضع من كتبه، وأطال الحديث عنها، ومما قال: «وهو يسد طريق المعروف والإحسان إلى الناس؛ فإنه متى جوز لصاحب المال الربا، لم يكن أحد يفعل معروفًا من قرض ونحوه، إذا أمكنه أن يبذل له كما يبذل القروض مع أخذ فضل له؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾[27]، فجعل الربا نقيض الصدقة؛ لأن الْمُرْبِي يأخذ فضلًا في ظاهر الأمر يزيد به ماله، والمتصدق ينقص ماله في الظاهر، لكن يمحق الله الربا ويُرْبِي الصدقاتِ، فكما أن الشارع أوجب الصدقة التي فيها الإعطاء للمحتاجين، حرَّم الربا الذي فيه أخذ المال من المحتاجين، ثم رأيتُ هذا المعنى مأثورًا على علي بن موسى الرضى رضي الله عنه وعن آبائه أنه سئل: لِمَ حرَّم اللهُ الربا؟ فقال: لئلا يتمانع الناسُ المعروفَ، فهذا في الجملة ينبِّه على بعض عِلَل الربا»[28]. وقال أيضًا: «والتحقيق أن الربا نوعان: جليّ وخفيّ، فالجلي حرم لِمَا فيه من الضرر والظلم، والخفي حُرِّم لأنه ذريعة إلى الجلي»[29]. وجاء لفظ الربا في القرآن شاملًا لأنواعه، وأشار ابن تيمية في كلامه عن شمولية ألفاظ القرآن في المناهي لعموم أنواعها، فقال بعد أن ذَكَرَ شمولَ الخمر والغرر لأنواعه: «لفظ الْمَيْسِر في كتاب الله تعالى يتناول هذا كلَّه... ومن هذا الباب لفظ الربا، فإنه يتناول كلَّ ما نهي عنه من ربا النَّساء، وربا الفضل، والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك، فالنص متناوِل لهذا كله، لكن يحتاج في معرفة دخول الأنواع والأعيان في النص إلى ما يستدل به على ذلك، وهذا الذي يسمَّى: تحقيق المناط»[30]. وقد فصَّل أهلُ العلم مسائل الربا، وأحكامه وأقسامه في باب مستقل من أبواب البيوع، وذهَب بعضُهم في حصر تقسيمه إلى قسمين، وبعضهم إلى ثلاثة أقسام، واختلافهم من باب ضبط التقسيم لا من جهة المعنى، فهم متفقون في الجملة عليها[31]. المطلب الأول: رِبَا الفضل: الفضل في اللغة: الزيادة عن الاقتصاد، والفَضل إذا استُعمل لزيادة أحد الشيئين على الآخَر فعلى ثلاثة أضرب: فضل من حيث الجنس؛ كفضل جنس الحيوان على جنس النبات. وفضل من حيث النوع؛ كفضل الإنسان على غيره من الحيوان، وعلى هذا النحو قولُه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ تَفْضِيلا ﴾[32]. وفضل من حيث الذَّات، كفضل رجل على آخر[33]. وفي الاصطلاح: عرَّفه الحنفية: «زيادة عين مال، شرطت في عقد البيع على المعيار الشرعي، وهو الكيل أو الوزن»[34]. وعرَّفه بعض المالكية: «الزيادة في نفس الشيء، أو في عِوَضه المقابل له»[35]. وعرَّفه الشافعية: «زيادة أحد العوضين على الآخر في القَدْر»[36]. وعرَّفه بعض الحنابلة: «بيع مال ربوي بجنسه متفاضلًا»[37]. وقد جاءت النصوص مؤكدةً على تحريم ربا الفضل، ووجوب التماثُل والتقابُض في المبيع الربوي إذا بيع بجنسه، وضابِطُه: «أنه متى استوى العوضانِ جنسًا وعلةً، كبُرّ ببُرّ، أو ذهب بذهب، اشترط ثلاثة شروط: • التساوي. • وعلمهما به يقينًا عند العقد والحلول. • والتقابض قبل التفرق. ومتى اختلفا جنسًا واتحدَا علةً، كبُرٍّ بشعيرٍ، أو ذهب بفضة، اشتُرط شرطان: • الحلول. • والتقابض، وجاز التفاضل. • ومتى اختلفا جنسًا وعلةً، كبُرٍّ بذهب أو ثوب، لم يُشترط شيء من هذه الثلاثة»[38]. والقول بحرمة ربا الفضل مذهب عامة العلماء، بل نقل بعضُ أهل العلم أنه استقر الإجماعُ عليه. قال ابن رشد: «أجمع العلماء على أن التفاضل والنَّساء مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها»[39]. وقال ابن قدامة: «والربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمَع أهلُ العلم على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة؛ فحُكي عن ابن عباس، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، وابن الزبير، أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة، والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرمُ بإسناده، وقاله الترمذي، وابن المنذر»[40]. قال الترمذي بعد أن ذكر رجوع ابن عباس رضي الله عنهما: «والعمل على هذا عند أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن ابن المبارك أنه قال: ليس في الصرف اختلاف»[41]. وقال في المبدع: «وأجمعوا على جريان الربا في الأعيان الستة، ثم اختلفوا: هل هو لمعنى فيها، أو لأعيانها؟ وهل عرف ذلك المعنى أم لا؟»[42]. وأما من جهة فساد العقد إذا اشتمل على ربا الفضل فقد نقل ابن المنذر الإجماعَ على فسخ البيع، ولزوم الفسخ دليل الفساد. قال في الإشراف: «وقد أجمع عوامُّ علماء الأمصار، منهم: مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري ومَنْ وافَقَه من أهل العراق، والأوزاعي ومن قال لقوله من أهل الشام، والشافعي وأصحابه، وأحمد، والنعمان: على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بُرّ ببُرّ، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر، ولا ملح بملح، متفاضلًا يدًا بيد، ولا نسيئةً، وإن مَنْ فَعَلَ ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ»[43]. ومستند الإجماع نصوص النهي عن الربا في القرآن والسُّنَّة، وقد عَقَدَ في المجموع فصلًا جمع فيه: «الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل»، ونقل حديث عشرين من الصحابة رضي الله عنهم في تحريمه والنهي عنه[44]. وذكر الطحاوي أن الآثار في ذلك بلغت حدَّ التواتر[45]. وسأذكر منها الأحاديث التي تدل على فسخ العقد في ربا الفضل، وقد تتبعتُها فوجدتُها ستةَ أحاديث حسب ما وقفتُ عليه، ولها روايات أُخَر لم أذكرها اكتفاءً بذكر أصلها: 1- عن أبي نضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرٍ، فَقَالَ: ((مَا هَذَا التَّمْرُ مِنْ تَمْرِنَا))، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِعْنَا تَمْرَنَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ مِنْ هَذَا[46]، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((هذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا))[47]. 2- عن حيان بن عبيد الله العدوي قال: سألتُ أبا مجلز عن الصرف فقال: «كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا، يعني يدًا بيد، فكان يقول: إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ، فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ إِلَى مَتَى تُؤَكِّلُ النَّاسَ الرِّبَا؟ أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ -وَهُوَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ-: ((إِنِّي لَأَشْتَهِي تَمْرَ عَجْوَةٍ))، فَبَعَثَتْ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَدَلَ صَاعَيْنِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ عَجْوَةٍ، فَقَامَتْ فَقَدَّمَتْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ أَعْجَبَهُ، فَتَنَاوَلَ تَمْرَةً، ثُمَّ أَمْسَكَ، فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا؟)) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: بَعَثْتُ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَانَا بَدَلَ صَاعَيْنِ هَذَا الصَّاعُ الْوَاحِدُ، وَهَا هُوَ كُلْ، فَأَلْقَى التَّمْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: ((رُدُّوهُ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، التَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، يَدًا بِيَدٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ رِبًا)) ثُمَّ قَالَ: ((كَذَلِكَ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ أَيْضًا))، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَزَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ الْجَنَّةَ، فَإِنَّكَ ذَكَّرْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ نَسِيتُهُ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ[48]. 3- عن بلال رضي الله عنه قال: «كَانَ عِنْدِي مُدُّ تَمْرٍ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدْتُ أَطْيَبَ مِنْهُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ. فَأَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا يَا بِلَالُ؟)) قُلْتُ: اشْتَرَيْتُ صَاعًا بِصَاعَيْنِ، قَالَ: ((رُدَّهُ، وَرُدَّ عَلَيْنَا تَمْرَنَا))[49]. وفي المسند أنه قال له: ((رُدَّ عَلَيْنَا تَمْرَنَا))[50]. 4- عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: «أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ مَنِيعٍ: فِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّقَةٌ بِذَهَبٍ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لَا حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ))، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا))، قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مُيِّزَ بَيْنَهُمَا»[51]. 5- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه قال: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنَ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَبَاعَا كُلَّ ثَلَاثَةٍ بِأَرْبَعَةٍ عَيْنًا، أَوْ كُلَّ أَرْبَعَةٍ بِثَلَاثَةٍ عَيْنًا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «((أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا))»[52]. 6- عن أنس رضي الله عنه قال: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرِ الرَّيَّانِ فَقَالَ: ((أَنَّى لَكُمْ هَذَا التَّمْرُ؟)) قَالُوا: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرًا بَعْلًا فَبِعْنَاهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((رُدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ))[53]. والبخاري وإن لم يُخَرِّج روايةَ الأمر بالرد التي أَخْرَجَها مسلمٌ، إلا أنه بوَّب على حديث أبي سعيد: (باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعُه مردودٌ)[54]. وقد استشكل بعضُ أهل العلم عدم ذِكْر الفسخ في أغلب الأحاديث، وأجاب عن ذلك ابن عبد البر، وذكر قبلَها إجماعاتٍ للعلماء في عدة مسائل من ربا الفضل، ولأهمية كلامه سأنقل بعضَ ما ذكره بنصه حيث قال: «وهو أمر مجتمَع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كلٌّ يقول على أصله: إن ما داخَلَه الربا في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل، لا في كيل ولا في وزن، والكيل والوزن عندهم في ذلك سواء، إلا أن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلًا، وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنًا، وما كان أصله الكيل فبيع وزنًا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك، وأما ما كان موزونًا فلا يجوز أن يباع كيلًا عند جميعهم؛ لأن المماثَلَة لا تُدرك بالكيل إلا فيما كان كيلًا لا وزنا، وأما سكوت مَنْ سكَت من المحدثين في الحديث عن ذِكْر فَسْخ البيع الذي باعَه العاملُ على خيبر؛ فلأنه معروف في الأصول: أن ما ورَد التحريمُ به لم يجز العقدُ عليه، ولا بد من فسخه، وقد جاء الفسخ فيه منصوصًا في هذا الحديث»[55]. المطلب الثاني: ربا النسيئة: وهو في اللغة: التأخير، ونسأت الشيء: أخرته، ونسأته: بعته بتأخير، والاسم: النسيئة[56]. والنسيء الذي ذكره الله في كتابه هو تأخير الشهور بعضها إلى بعض، وانتسأت عنه: تأخرت وتباعدت، ويقال: إن لي عنك لَمُنْتَسأ، أي: منتأى وسعة. وأنسأه الدَّيْن والبيع: أخَّره به، أي: جعله مؤخرًا[57]. وفي الاصطلاح: اختلف الفقهاء في تحديده تبعًا لاختلافهم في علة ربا الفضل[58]. وقد عرَّفَه الحنفيةُ أنه: «فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدَّيْن في المكيلينِ أو الموزونينِ عند اختلاف الجنس، أو في غير المكيلينِ أو الموزونينِ عند اتحاد الجنس»[59]. وعرَّفَه المالكيةُ أنه: «بيع شيء من الأصناف الربوية بمثله مؤخرًا»[60]. وعرَّفَه الشافعية: «هو أن يبيع مالًا بمال نسيئة، سواء كان من جنسه أو من جنس غيره»[61]. وعرَّفَه الحنابلة أنه: «بيع شيئين ليس أحدهما ثمنًا، اتفَقا في علة ربا الفضل، مع تأخير قبضهما، أو قبض أحدهما[62]. وربا النسيئة أعمُّ من ربا الفضل، قال ابن قدامة: «وكل ما حُرِّم فيه التفاضل حُرِّم فيه النَّساء، بغير خلاف نعلمه، ويحرم التفرق قبل القبض... ولأن تحريم النَّساء آكَدُ، ولذلك جرى في الجنسين المختلفين، فإذا حرم التفاضل، فالنَّساء أولى بالتحريم»[63]. وقد نقل جماعة من العلماء الإجماع على حرمته. قال الماوردي: «وأما النَّساء: فهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل، وهو المعهود من ربا الجاهلية، والذي قد أجمَع على تحريمه جميعُ الأمة»[64]. ونقل بعضُ العلماءِ الإجماعَ على فسخ العقد، منهم ابن المنذر كما سبق النقل عنه من قوله: «وقد أجمع عوامُّ علماء الأمصار على أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بُرّ ببُرّ متفاضلًا يدًا بيد، ولا نسيئةً، وأن من فعل ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ»[65]. وقال ابن عبد البر: «والسُّنة المجتَمَع عليها أنه: لا يباع شيء من الذهب، عينًا كان أو تبرًا، أو مصوغًا أو نقرًا، أو جيدًا أو رديئًا، بشيء من الذهب إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، وكذلك الفضة، عينها ومصوغها وتبرها، والسوداء منها والبيضاء، والجيدة والرديئة، سواء لا يباع بعضها ببعض، إلا مثلًا بمثل، يدًا بيد، مَنْ زادَ أو نقَص في شيء من ذلك كله، أو أدخله نظرة فقد أكل الربا، وإن تأخَّر قبضُ بعضِ ذلك بطَل البيعُ في جميعه»[66]. وقال ابن تيمية: «التحقيق في عقود الربا، أنه إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد، وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطَل العقدُ، فهو بطلان ما لم يتم، ببطلان ما تم»[67]. ونقل كذلك بعضُ العلماءِ الإجماعَ على فساد عقد الصرف إذا تفرقا قبل التقابض؛ لِمَا فيه من النَّسأ، وعدم تحقيق القبض في مجلس العقد. قال الباجي: «فأما التفرق قبل القبض، فلا خلاف بين الفقهاء نعلمه في أنه يُفسد العقدَ»[68]. وقال ابن المنذر: «وأجمَع كلُّ مَنْ أحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفينِ إذا افترَقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد»[69]. وقال الجصَّاص مبيِّنًا أن من شرط صحته حصول التقابض: «ثبَت بالسُّنة واتفاق الأمة أن مِنْ شرطِ صحة عقد الصرف افتراقهما عن مجلس العقد عن قبض صحيح»[70]. وذكر ابن قدامة أنه بغير خلاف[71]. وقد سبَق أن آيات الربا تدل على حرمة جميع أنواع الربا، وقد ورَدَت أحاديثُ في خصوص تحريم ربا النسيئة، والذي يتعلَّق بسياق البحث من الأحاديث ما يدل منها على فساد العقد إذا اشتمل على ربا النسيئة، فقد ورَد فيه حديثٌ في صحيح البخاري، عن سليمان بن أبي مسلم قال: «سَأَلْتُ أَبَا المِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ))[72]، وفي رواية: ((فَرُدُّوهُ))»[73]. قال ابن حجر: «((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ))؛ أي: ما وقع لكم فيه التقابضُ في المجلس فهو صحيح فأَمْضُوه، وما لم يقع لكم فيه التقابضُ فليس بصحيح فاتركوه، ولا يلزم من ذلك أن يكونا جميعًا في عقد واحد»[74]. وأختم الكلام عن ربا الفضل والنسيئة بفائدة ذَكَرَها في المجموع حيث قال: «قاعدة: العقود بالنسبة إلى التقابض على أربعة أقسام: منها: ما يجب فيه التقابض قبل التفرق بالإجماع؛ وهو الصرف. ومنها: ما لا يجب بالإجماع؛ كبيع المطعومات وغيرها من العروض بالنقدين الذهب والفضة. ومنها: ما يُشترط عندنا وعند مالك وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة، وهو بيع الطعام بالطعام. ومنها: ما يُشترط عندنا وعند أبي حنيفة، خلافًا لمالك، ولا يُشترط عندَه فيه قبض رأس المال في المجلس»[75]. المطلب الثالث: ربا القروض: أصل القرض في اللغة: القطع، ومنه أُخِذَ المقراضُ، وأقرضته، أي: قطعتُ له قطعة يجازَى عليها[76]. والقرض الذي يدفعه المقرض إلى الرجل الذي يستقرضه مأخوذ من القطع؛ لأن المقرِض يجعله مقروضًا من ماله للمستقرِض، أي: يجعله مقطوعًا[77]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |