مراتب الهداية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الطلاق الناجح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          فضل العلم والتعليم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الإيمان بالقضاء والقدر: أهميته ومراتبه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          فخامة الاستدلال بأقوال السلف على معاني القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          عبادة الحمد والشكر على نعم الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5425 - عددالزوار : 2843997 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5037 - عددالزوار : 2173869 )           »          الإعراض عن الله عين الخسران (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 96 )           »          في ذكر البسملة وفضائلها العظيمة وفوائدها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 88 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم يوم أمس, 12:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,792
الدولة : Egypt
افتراضي مراتب الهداية

مراتب الهداية

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آلِ عِمْرَانَ:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النِّسَاءِ:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الْأَحْزَابِ: 70 - 71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: حِينَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَلْقَ هَدَاهُمْ؛ فَبِهِدَايَتِهِ سُبْحَانَهُ يَرْعَوْنَ مَصَالِحَهُمْ، وَيَعِيشُونَ دُنْيَاهُمْ، وَيَقْضُونَ حَيَاتَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَرَاتِبَ أَرْبَعًا لِلْهِدَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ لِلْخَلْقِ؛ «قَالَ: فَأَمَّا مَرَاتِبُ الْهُدَى فَأَرْبَعٌ: إِحْدَاهَا: الْهُدَى الْعَامُّ؛ وَهُوَ هِدَايَةُ كُلِّ نَفْسٍ إِلَى مَصَالِحِ مَعَاشِهَا وَمَا يُقِيمُهَا، وَهَذَا أَعَمُّ مَرَاتِبِهِ، الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْهُدَى بِمَعْنَى الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى مَصَالِحِ الْعَبْدِ فِي مَعَادِهِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِالْمُكَلَّفِينَ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ أَخَصُّ مِنَ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَأَعَمُّ مِنَ الثَّالِثَةِ، الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الْهِدَايَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِدَاءِ، وَهِيَ هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ، وَمَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الْهِدَايَةُ، وَخَلْقُهُ دَوَاعِيَ الْهُدَى وَإِرَادَتَهُ وَالْقُدْرَةَ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ، وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْهِدَايَةُ يَوْمَ الْمَعَادِ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ».

فَالْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الْهُدَى الْعَامُّ، وَهُوَ هِدَايَةُ كُلِّ نَفْسٍ إِلَى مَصَالِحِ مَعَاشِهَا وَمَا يُقِيمُهَا وَهَذَا أَعَمُّ مَرَاتِبِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ لَمْ يُضَيِّعْهُمْ، وَإِنَّمَا هَدَاهُمْ لِمَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ طَلَبِ مَا بِهِ حَيَاتُهُمْ مِنَ الْمَاءِ وَالْغِذَاءِ وَالْمَأْوَى، وَمَا يَضُرُّهُمْ وَيُهْلِكُهُمْ لِاجْتِنَابِهِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ، وَهِيَ هِدَايَةٌ تَشْمَلُ كُلَّ حَيٍّ حَتَّى الْحَيَوَانَاتِ وَالطَّيْرَ وَالْحَشَرَاتِ، وَفِي هَذِهِ الْهِدَايَةِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، مِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ ‌سَبِّحِ ‌اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ [الْأَعْلَى: 1-3]، وَهِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى فِرْعَوْنَ: ﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي ‌أَعْطَى ‌كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 49-50]، «‌فَهَدَى ‌كُلَّ ‌نَفْسٍ ‌لِجَلْبِ مَا يُصْلِحُهَا وَيَنْفَعُهَا، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهَا وَيُفْسِدُهَا»، وَمِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ أَمَّنْ ‌يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [النَّمْلِ: 63]، وَمِنْ هَذِهِ الْهِدَايَةِ الْتِقَامُ الطِّفْلِ ثَدْيَ أُمِّهِ لِلرَّضَاعَةِ، وَهِدَايَةُ الْحَيَوَانِ وَالْوَحْشِ لِلْعَطْفِ عَلَى مَوْلُودِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ، وَهِدَايَةُ دَوَابِّ الْأَرْضِ لِلْبَحْثِ عَنْ أَرْزَاقِهَا، وَبِنَاءِ بُيُوتِهَا وَأَوْكَارِهَا وَأَعْشَاشِهَا، وَدَفْعِ الْخَطَرِ وَالضَّرَرِ عَنْهَا، وَهُرُوبِهَا مِمَّنْ يُرِيدُ اصْطِيَادَهَا أَوْ إِهْلَاكَهَا، فَمَنْ هَدَاهَا لِذَلِكَ سِوَى خَالِقِهَا وَمُدَبِّرِهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، «وَقِيلَ لِرَجُلٍ: مَنْ عَلَّمَكَ الْبُكُورَ فِي حَوَائِجِكَ أَوَّلَ النَّهَارِ لَا تُخِلُّ بِهِ؟ قَالَ: مَنْ عَلَّمَ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا كُلَّ بُكْرَةٍ فِي طَلَبِ أَقْوَاتِهَا عَلَى قُرْبِهَا وَبُعْدِهَا، لَا تَسْأَمُ ذَلِكَ، وَلَا تَخَافُ مَا يَعْرِضُ لَهَا فِي الْجَوِّ وَالْأَرْضِ»، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ ‌بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 38]؛ أَيْ: خَلَقَهَا كَمَا خَلَقَكُمْ، وَرَزَقَهَا كَمَا رَزَقَكُمْ، وَدَبَّرَهَا كَمَا دَبَّرَكُمْ، وَعَلَّمَهَا مَا يُصْلِحُ عَيْشَهَا كَمَا عَلَّمَكُمْ، فَهَذِهِ الْهِدَايَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ.

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: هِدَايَةُ الْمُكَلَّفِينَ لِمَا كُلِّفُوا بِهِ مِنْ حَمْلِ دِينِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، وَتَبْلِيغِهِ، وَهِيَ هِدَايَةٌ خَاصَّةٌ بِالثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَعَامَّةٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا هِدَايَةُ كُلِّ الْمُكَلَّفِينَ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ يَهْتَدِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَضِلُّ، وَمِنْهَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى ‌يُبَيِّنَ ‌لَهُمْ ‌مَا يَتَّقُونَ ﴾ [التَّوْبَةِ: 115]، «فَهَدَاهُمْ هُدَى الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ فَلَمْ يَهْتَدُوا، فَأَضَلَّهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى تَرْكِ الِاهْتِدَاءِ أَوَّلًا، بَعْدَ أَنْ عَرَفُوا الْهُدَى فَأَعْرَضُوا عَنْهُ، فَأَعْمَاهُمْ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ أَرَاهُمُوهُ»؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ ‌كَيْفَ ‌يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 86]، وَقَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ ‌فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ [فُصِّلَتْ: 17]، وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ يَمْلِكُهَا الْخَلْقُ، وَهِيَ الَّتِي جَاءَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بِهَا؛ فَهَدَوُا النَّاسَ إِلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؛ أَيْ: دَلُّوهُمْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ إِدْخَالَ قَبُولِ الْحَقِّ فِي قُلُوبِهِمْ، وَبِهَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَإِنَّكَ ‌لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشُّورَى: 52].

وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ يَمْلِكُهَا الْعُلَمَاءُ وَالدُّعَاةُ وَعَامَّةُ النَّاسِ، بَلْ حَتَّى الْكُفَّارُ قَدْ يَهْدِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَوْ لَمْ يَهْتَدِ هُوَ فِي نَفْسِهِ؛ كَمَا لَوْ دَعَا غَيْرَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ أَهْدَاهُ نُسْخَةً مِنْ تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ أَخَذَهُ إِلَى مُحَاضَرَةٍ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَاهْتَدَى صَاحِبُهُ بِذَلِكَ وَهُوَ لَمْ يَهْتَدِ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنَّ شَيْطَانًا هَدَى أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ قَبْلَ النَّوْمِ وَقَالَ لَهُ: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ ‌الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ ‌حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ ‌شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ ‌شَيْطَانٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ لِقَبُولِ الْحَقِّ، وَلَا يَمْلِكُهَا غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا حَرَصَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِسْلَامِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُطِعْهُ عَمُّهُ، بَلْ مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ، فَحَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَخَاطَبَهُ رَبُّهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّكَ ‌لَا ‌تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [الْقَصَصِ: 56]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ ‌لَيْسَ ‌عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 272]، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ؛ ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ‌هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ ‌هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 43]، وَحِينَ يَتَلَاوَمُ الْكُفَّارُ فِي النَّارِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿ لَوْ ‌هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 21].

وَالْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْهِدَايَةُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكَافِرِينَ: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصَّافَّاتِ: 22-23]، وَقَالَ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ [مُحَمَّدٍ: 4-5].

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمَنَا، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 131-132].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: حِينَ يَرَى الْعَبْدُ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِ الْخَلْقِ وَهِدَايَتِهِمْ لِمَا يُصْلِحُهُمْ؛ يَزِيدُهُ ذَلِكَ إِيمَانًا وَيَقِينًا وَتَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ، وَبِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ عُلُومٍ وَمَعَارِفَ وَمُكْتَشَفَاتٍ وَمُخْتَرَعَاتٍ، وَتَقَدُّمٍ عِلْمِيٍّ هَائِلٍ؛ هُمْ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَحْصُوا مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَهَذِهِ الْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا يَرْزُقُهَا رَبُّهَا سُبْحَانَهُ، وَيُعَلِّمُهَا مَا فِيهِ صَلَاحُ مَعَاشِهَا، وَبَقَاءُ حَيَاتِهَا، وَكُلُّ مَخْلُوقٍ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَا يُصْلِحُ عَيْشَهُ؛ فَيَطْلُبُ مَا بِهِ حَيَاتُهُ، وَيَفِرُّ مِنْ أَسْبَابِ هَلَاكِهِ، وَلَوْلَا وُجُودُ هَذِهِ الْهِدَايَةِ فِي الْخَلْقِ لَهَلَكُوا؛ فَالْإِنْسَانُ يَرَى الطُّيُورَ تُنْشِئُ أَوْكَارَهَا وَأَعْشَاشَهَا، وَيَرَى النَّحْلَ تَبْنِي بُيُوتَهَا، وَيَرَى النَّمْلَ تَتَّخِذُ مَسَاكِنَهَا، وَلَهَا نِظَامٌ بَدِيعٌ فِي جَمَاعَتِهَا، يَعْرِفُ الْمُرَاقِبُونَ لَهَا شَيْئًا مِنْهُ، وَيَخْفَى عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ أَوْ حَشَرَةٍ عَلَّمَهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ كَيْفَ يَبْنِي بَيْتَهُ، وَيَرْعَى أَطْفَالَهُ، وَيَعِيشُ حَيَاتَهُ.

وَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَفَّقَهُ لِهُدَاهُ، وَيَسَّرَ لَهُ طَرِيقَ رِضَاهُ، وَرَزَقَهُ جَنَّةَ الدُّنْيَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِيَصِلَ بِهَا إِلَى جَنَّةِ الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَقُودَهُ إِلَى حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَشُكْرِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى هَذِهِ الْهِدَايَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي ضَلَّ عَنْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ؛ ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا ‌هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 185]، ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا ‌هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 198].

وَيَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْهِدَايَةَ هِيَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ، وَأَتَمُّ مِنَّةٍ؛ فَيَتَشَبَّثُ بِهَا، وَيَثْبُتُ عَلَيْهَا، وَيَأْتِي بِأَسْبَابِ نَمَائِهَا وَزِيَادَتِهَا، وَيَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ فِقْدَانِهَا؛ لِأَنَّهَا الْهِدَايَةُ الَّتِي تَقُودُ إِلَى السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ، كَمَا أَنَّ ضِدَّهَا يَقُودُ إِلَى الشَّقَاءِ الْأَبَدِيِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ يَدْعُو فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يُصَلِّيهَا طَالِباً مِنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْهِدَايَةَ فَيَقْرَأُ؛ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ‌نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الْفَاتِحَةِ: 5-7].

وَعَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي هِدَايَةِ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ؛ لِيُنْقِذَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَيَكُونَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنِ اهْتَدَوْا عَلَى يَدَيْهِ، وَتَرَكُوا الْكُفْرَ أَوِ الْبِدَعَ أَوِ الْمَعَاصِيَ بِسَبَبِهِ، فَيَعْظُمُ أَجْرُهُ، وَيُشْكَرُ سَعْيُهُ، وَيَجِدُ ذَلِكَ ذُخْرًا عِنْدَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 80.52 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.80 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]