|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (مناظرة في العقيدة الواسطية) سائد بن جمال دياربكرلي سبب كتابة المناظرة قال - رحمه الله تعالى -: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 1 - 4] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا معين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين. أما بعد: فقد سُئلتُ غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد. فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشايخ، ممن له حرمة وبه اعتداد. وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة. فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك[1]. الاعتقاد يؤخذ عن الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم. وأما الكتب، فما كتبت إلى أحدٍ كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني: من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زوّر عليَّ كتابًا إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرَّفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب. وكان يرد عليَّ من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره، فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين: أن يكتب، فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل. وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، ونهى عن المعصية وكرهها. والعبد فاعل حقيقة، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلِّد في النار من أهل الإيمان أحدًا، وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ومن قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وذكرت هذا أو نحوه، فإني الآن قد بَعُدَ عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كُتب إذ ذاك. ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ، كما قد كذبوا عليَّ غير مرة. وإن أمليت الاعتقاد من حفظي، ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام[2]. وصف الإمام للواسطية والسبب في كتابتها هذه كان سبب كتابتها: أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - شيخ يقال له (رضي الدين الواسطي) من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته. فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر، والعراق، وغيرهما. فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها، ويورد المورد منهم ما شاء، ويعارض فيما شاء، والأمير أيضًا: يسأل عن مواضع فيها. وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك[3]. لما سُمِّي الإمام أحمد إمام أهل السنة وقلت أيضًا: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد - رحمه الله - لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره. وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء - قال: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل. يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض[4]. بيان ما اعترض به المتنازعون بعد قراءة الواسطية وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون، بعد انقضاء قراءة جميعها والبحث فيها، عن أربعة أسئلة: الأول: قولنا: ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار. وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين. وأما الأسئلة الثلاثة: وهي التي كانت عمدتهم، فأوردوها على قولنا، وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسول الله، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، علي على خلقه، وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد: 4]. وليس معنى قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر، وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. السؤال الثاني: قال بعضهم: نقر باللفظ الوارد، مثل حديث العباس، حديث الأوعال، والله فوق العرش، ولا نقول فوق السموات، ولا نقول على العرش. وقالوا أيضا: نقول: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، ولا نقول الله على العرش استوى، ولا نقول مستو، وأعادوا هذا المعنى مرارا، أي أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه، ولا يفهم له معنى أصلا. ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلا، ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. السؤال الثالث: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء. السؤال الرابع: قالوا: قولك حق على حقيقته، الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة. فأجبتهم عن الأسئلة بأن قولي: اعتقاد الفرقة الناجية، هي الفرقة التي وصفها النبي بالنجاة، حيث قال: (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )). فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي وأصحابه رضي الله عنهم، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة، لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لما يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: من صمت نجا. وأما السؤال الثاني: فأجبتهم أولا بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي، مثل لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش وفوق العرش، وقلت: اكتبوا الجواب. فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة: قد طال المجلس اليوم، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس. فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض. فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك. وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثيرٍ من الناس أمورٌ لما يحدث في المجلس الثاني، وأخذوا في تلك الأيام يتأملونها ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد، مثل المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية وغيرها[5]. اعتراف المخالفين للشيخ بالصواب وحدَّثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس، أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس. فقال: ما لفلان ذنب ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه، فظننته سأل عن شيء آخر. وقال: قلت لهم: أنتم ما لكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري. وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها، وفيها قول ترك التأويل. قال الحاكي لي: فقلت له: بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس - لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة - لا تكتبوا عني نفيًا ولا إثباتًا، فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول. والثاني: لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي، فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم، فسكت عن الطائفتين[6]. الكلام على لفظ "الوجود" وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظمه لفظ الحقيقة، فقرءوه عليه؛ فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ، فحسنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف؛ ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريب أن الله موجود، والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواء كان مقولًا عليهما بطريق الاشتراك اللفظي فقط، أو بطريق التواطؤ المتضمن للاشتراك لفظًا ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطؤ. فعلى كل قول: فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أرجح في ذلك المقام قولًا من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضي تحصل على كل مقصودي. وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني، اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم، ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف، أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن، من أنه الحق، حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية - وقد اجتمع بي -: لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك لانقطع النزاع[7]. حكاية الشيخ علم الدين للمناظرة في العقيدة الواسطية نقل الشيخ علم الدين: أن الشيخ - قدس الله روحه - قال: - في مجلس نائب السلطنة الأفرم - لما سأله عن اعتقاده، وكان الشيخ أحضر عقيدته "الواسطية"، قال: هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام؛ فقرئت في المجلس. ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال: كان سبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من أهل الخير والدين شكا ما الناس فيه - ببلادهم في دولة التتر - من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم؛ وسألني أن أكتب له "عقيدة"، فقلت له: قد كتب الناس عقائد أئمة السنة؛ فألح في السؤال، وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة - وأنا قاعد بعد العصر - فأشار الأمير لكاتبه، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، فاعترض بعضهم على قولي فيها: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبًا وإما جوازًا. جواب الإمام عن ورقة أرسلت له في السجن مبينًا الحكمة من الابتلاء وأن النصر لا يكون إلا بعد الامتحان قال الإمام أبو العباس - أحمد ابن تيمية - في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة: الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا. أما بعد: قد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين، العالمين الناسكين، القدوتين. أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعلهم ممن ينصر به السلطان: سلطان العلم والحجة والبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصر بالسنان والأعوان. وجعلهم من أوليائه المتقين، وجنده الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن أئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان؛ والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن. لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يخلص الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان؛ إذ قد دل كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكل من الداعي إلى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان. قال الله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]. فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله، فقال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14] إلى قوله ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15]. وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا. قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [الحج: 11] الآية، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]. وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]. وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين؛ فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين، فقال: ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54] الآية، وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148]. فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر، كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيرًا له؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له )). والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه. ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشَرِّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي إلى قبيح المآل؛ فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان. فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. والله هو المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم عليكم نعمه الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذي أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين. وأنتم فأبشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في الصدور. وشأن هذه القضية وما يتعلق بها أكبر مما يظنه من لا يراعي إلا جزئيات الأمور. ولهذا كان فيما خاطبت به أمين الرسول علاء الدين الطيبرسي أن قلت: هذه القضية ليس الحق فيها لي، بل لله ولرسوله وللمؤمنين من شرق الأرض إلى مغربها؛ وأنا لا يمكنني أن أبدل الدين، ولا أنكس راية المسلمين. ولا أرتد عن دين الإسلام لأجل فلان وفلان. نعم، يمكنني أن لا أنتصر لنفسي، ولا أجازي من أساء إلي وافترى علي، ولا أطلب حظي، ولا أقصد إيذاء أحد بحقي، وهذا كله مبذول مني، ولله الحمد، ونفسي طيبة بذلك. وكنت قد قلت له: الضرر في هذه القضية ليس علي؛ بل عليكم. فإن الذين أثاروها من أعداء الإسلام الذين يبغضونه ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه، ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم. وهم دبروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم، وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار، وبعضهم مقيم بالشام وغيره؛ ولهذه القضية أسرار لا يمكنني أن أذكرها، ولا أسمي من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان، فإن أذن في ذلك ذكرت لك ذلك، وإلا فلا يقال ذلك له. وما أقوله فاكشفوه أنتم. فاستعجب من ذلك وقال: يا مولانا، ألا تسمي لي أنت أحدًا؟ فقلت: وأنا لا أفعل ذلك، فإن هذا لا يصلح. لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم ودنياكم. وجعلوني إمامًا تسترًا؛ لعلمهم بأني أواليكم وأسعى في صلاح دينكم ودنياكم، وسوف إن شاء الله ينكشف الأمر. قلت له: وإلا فأنا على أي شيء أخاف؟ إن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وكان عليَّ الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة، وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا والعذاب في الآخرة، ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله أني إن قتلت لأجل دين الله، وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم الله علي. ووالله ما أطيق أن أشكر نعمة الله علي في هذا الحبس، وليس لي ما أخاف الناس عليه: لا أقطاعي، ولا مدرستي، ولا مالي، ولا رياستي وجاهي. وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال، وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا والآخرة. وهذا كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة. وقلت: هؤلاء الذين بمصر من الأمراء والقضاة والمشايخ إخواني وأصحابي؛ أنا ما أسأت إلى أحد منهم قط، وما زلت محسنًا إليهم، فأي شيء بيني وبينهم؟ ولكن لبَّس عليهم المنافقون أعداء الإسلام. وأنا أقول لكم - لكن لم يتفق أني قلت هذا له - إن في المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم؛ وإن لم يكن منافقًا، كما قال تعالى: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 47]، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ [الأحزاب: 48]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |