|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الأنس بالله تعالى إبراهيم الدميجي الحمد لله أَنِسَ به من عَرَفَه، وفاز بمناجاته من وفّقه، وأفلح بقُربه من أزلفه، ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ﴾ [النحل: 53]، الدنيا موحشةٌ بدون ذكره، مظلمةٌ خلا من عبادته، خرابٌ إلا مِن دينه، هو أنيسُ مَن ذَكره، ومُجيبُ من دعاه، وحبيبُ من عَبَده، ومغيثُ من رفع إليه كُربته، ومُجيرُ من لجأ لحِماه، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدّ، ﴿ مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2]. أما بعد؛ فإنّ الأنس بالله تعالى جَنّةُ الدنيا والدين، ومستراحُ الأولياء والصالحين، وجائزةُ الله تعالى لمُؤمِنيهِ في دار الفانين. وإن كانت في الدنيا جنة؛ فهي جنة الأُنْسِ بالله تعالى، وحلاوة قربه، ولذة مناجاته، وعلى هذه الثمرة كانت قلوب السابقين تغتذي، ولتحصيل المزيد منها كانت مُهَجُهم بضيائها تهتدي، وأرواحهم على عتبات رضوان ربهم قرابين تفتدي. فيذوقون بألسنة قلوبهم شهدًا للأرواح مصفّى، وتبتهج نفوسهم بسعادة من نعيم الجنة، وهي ما عُبّر عنها بحلاوة الإيمان، وهذه حروف مما فتح الله تعالى بها على عبده الفقير إليه، سائلَهُ سبحانه وبحمده المعونة والتسديد والهدى والتوفيق، إنّ ربي سميع قريب. وسأبدأ بالحد والتعريف، ثم أثنّي بالفضل والمنزلة، وبالله التوفيق. التعريف: جاء في معجم المقاييس في مادة أنس: «الهمزة والنون والسين أصلٌ واحد، وهو ظهور الشيء، وكل شيء خالف طريقة التوحُّش. والأُنْس: أَنْسُ الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه، والعرب تقول: كيف ابن إِنْسِك؟ إذا سأله عن نفسه»[1]، وفي معجم التهذيب: «قال ابن الأعرابي: أنِسْتُ بفلان، أي فرحت به، وفي كلام العرب: إذا جاء الليل استأنس كل وحشي، واستوحش كل إنسيِّ»[2]. وفي لسان العرب: «والأُنْسُ والاستئناس هو التأنّس، وقد أنِسْتُ بفلان. والأُنْسُ ضدّ الوحشة، وقد جاء فيه الكسر قليلاً»[3]، وفي القاموس: «الأُنْسُ بالضم وبالتحريك، والأنَسَة محركة: ضد الوحشة، وقد أَنِسَ به مثلثة النون، وآنسَهُ ضد أوحَشَهُ، وما بالدار من أنيس: أي من أحد»[4]. مكانته وفضله وثمراته والطريق إلى تحصيله: لا قرار للروح بلا أُنْس، ولا سكون للنفس بدونه، ولا نعيم للقلب وهو فاقد له، ذلك أن الأنس أمانٌ وراحة وسكينة وطمأنينة وحُبّ وسلام، فكيف إن كان أُنسًا بالله رب العالمين؟! نسأل الله الكريم لنا جميعًا ووالدينا وأحبابنا والمسلمين من واسع فضله، وعميم إنعامه، وأن يؤنسنا في الحياة وبعد الممات. قال ابن القيم ‘: «حياة أهل السعادة والفلاح في الدنيا أطيب الحياة، كذلك في البرزخ، ولهم في الآخرة أفضل الثواب. قال تعالى: ﴿ مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ ﴾ [النحل: 97] فهذا في الدنيا، ثم قال: ﴿ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ﴾ [النحل: 97] فهذا في البرزخ والآخرة. وقال تعالى: ﴿ قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ﴾ [هود:3]. فهذه أربعة مواضع ذكر الله فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاءً في الدنيا وجزاءً في الآخرة. ولو لم يكن إلا ما يُجازى به المحسن من انشراح صدره، وانفساح قلبه، وسروره، ولذته بمعاملة ربه عز وجل، وطاعته، وذكره، ونعيم روحه بمحبته وذكره، وفرحه بربه سبحانه أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه. والإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته، واللَّهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته، ثواب عاجل، وجَنَّةٌ حاضرة، وعيشٌ لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه يقول: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». وقال لي مرّة: «ما يصنع أعدائي بي[5]؟ أنا جنّتي وبستاني في صدري، أين رحْتَ فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة[6] وإخراجي من بلدي سياحة». وكان يقول في محبسه في القلعة: «لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عَدَلَ عندي شكر هذه النعمة»[7]. وكان يقول في سجوده: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»[8] ما شاء الله، وقال لي مرّة: «المحبوس من حُبسَ قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسَرَهُ هواه». ولما أُدخل القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال[9]: ﴿ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13]. وعَلِمَ الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدّها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرَّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوّة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من رَوْحِها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. فمحبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء، والتوكل، والمعاملة؛ بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته، هو جنة الدنيا، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرّة عين المحبين، وحياة العارفين. وإنما تقرّ أعين الناس على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل؛ فمن قرَّت عينه بالله قَرَّت به كل عين، ومن لم تقَرَّ عينه بالله تقطّعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يُصدّق بهذه الأمور من في قلبه حياة، وأما ميت القلب فيوحشك، فاستأنِسْ بغيبته ما أمكنك، فإنه لا يوحشك إلا حضوره عندك، فإذا ابتليت به فأعطه ظاهرك، وترحّل عنه بقلبك وفارقه بسرّك، ولا تشتغل به عما هو أولى بك. واعلم أن الحسرة كلَّ الحسرة الاشتغالُ بمن لا يُجدي عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظّك من الله عز وجل، وانقطاعك عنه، وضياع وقتك عليك، وشتات قلبك عليك، وضعف عزيمتك، وتفرّق همك. فإن بُليت بهذا ــ ولابد لك منه ــ فعامِل الله تعالى فيه، واحتسب عليه ما أمكن، وتقرّب إلى الله بمرضاته فيه، واجتهد أن تأخذه معك وتسير به، فتحمله ولا يحملك، فإن أبى فلا تقف معه، بل اركب الدرب وَدَعْهُ، فإنه قاطع طريق، ولو كان من كان، فانجُ بقلبك، وَضِنَّ بيومك وليلتك، ولا تغرب عليك الشمس قبل وجود المنزلة فتؤخذ، أو يطلع الفجر وأنت في المنزلة فيسير الرفاقُ فتصبح وحدك، وأنَّى لك بلحاقهم»[10]! هذا؛ وأعظم طرق تحصيل الأنس بالله تعالى هو حسن المعتقد أولاً ودوام الذكر ثانيًا، وأعظم الذكر القرآن تلاوة وسماعًا وتدبرًا، ثم الأذكار المادحة المثنية على الله تعالى كالتهليل والتسبيح والتحميد ونحوها، ثم الأدعية والأوراد. كذلك فمن أسباب حصوله تعظيم قدر الصلاة، حتى تكون صلاة المرء كصلاة المقربين فتكون روحه وريحانه، ويجتمع للعبد فيها ما لا يجتمع فيما سواها من العبادات، كذلك فعل الصالحات عمومًا، كالصدقة والصيام وتحصيل العلم النافع والعمل به. قال ابن القيم رحمه الله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الأنس بالله، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186] فاستحضار القلب هذا البر والإحسان واللطف، يوجب قربه من الرب سبحانه وتعالى، وقربه منه يوجب له الأنس، والأنس ثمرة الطاعة والمحبة، فكل مطيع مستأنسٌ، وكل عاصٍ مستوحش، كما قيل: فإن كنت قد أوحشتك الذنوب ![]() فدعها إذا شئت واستأنس ![]() ![]() ![]() والقرب يوجب الأُنس والهيبة والمحبة، والمحب الصادق العامل على مرضاة الله يكون غذاء قلبه بالسماع القرآني، الذي كان غذاء سادات العارفين من هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأصحها أحوالاً، وهم الصحابة رضي الله عنهم، فهو يستأنس بالذكر وأعلاه القرآن طلبًا للاستئناس بالمذكور سبحانه، ويحصل للأذهان الصافية من السماع القرآني معانٍ وإشارات، ومعارف وعلوم تتغذى به القلوب المشرقة بنور الأنس، فيجد بها ولها لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح، وربما فاض حتى وصل إلى الأجسام، فيجد من اللذة ما لم يعهد مثله من اللذات الحسية. وللتغذي بالسماع سرّ لطيف، نذكره للطف موضعه، وهو الذي أوقع كثيرًا من السالكين في إيثار سماع الأبيات لما رأى فيه من غذاء القلب وقوته ونعيمه، فلو جئته بألف آية وألف خبر لما أعطاك شطرًا من إصغائه. اعلم أن الله عز وجل جعل للقلوب نوعين من الغذاء: نوعًا من الطعام والشراب الحسي، وللقلب منه خلاصته وصفوه، ولكل عضو منه بحسب استعداده وقبوله. والثاني: غذاء روحاني، خارج عن الطعام والشراب من السرور والفرح والابتهاج واللذة، والعلوم والمعارف، وبهذا الغذاء كان سماويًّا علويًّا، وبالغذاء المشترك كان أرضيًّا سفليًّا، وقوامه بهذين الغذاءين، وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس، وغذاء يصل إليه منها. فله ارتباط بحاسة اللمس ويصل إليه منها غذاء، وكذلك حاسة الشم، وكذلك حاسة الذوق، وكذلك ارتباطه بحاستي السمع والبصر أشد من ارتباطه بغيرهما، ووصول الغذاء منهما إليه أكمل وأقوى من سائر الحواس، وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما، ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما، بل لا يكاد يُقرن إلا بهما أو بأحدهما. قال الله تعالى: ﴿ وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ﴾ [النحل: 78] وهذا كثير جدًّا في القرآن، فتأثر القلب بالسمع والبصر أشد من تأثره بغيرهما. وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به، ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات، وكذلك في المكروهات سماعًا ورؤية، ورجحت طائفة البصر لكمال مدركها، وامتناع الكذب فيه[11]. وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكمًا حسنًا فقال: المدرك بحاسة السمع أعم وأشمل، والمدرك بحاسة البصر أتم وأكمل، فللسمع: العموم والشمول، والإحاطة بالموجود والمعدوم، والحاضر والغائب، والحسي والمعنوي، وللبصر: التمام والكمال. إذا عرف هذا فهذه الحواس الخمس لها أشباح وأرواح، وأرواحها حظ القلب ونصيبه منها، فمن الناس من ليس لقلبه منها نصيب إلا كنصيب الحيوانات البهيمية منها، فهو بمنزلتها، وبينه وبينها أول درجة الإنسانية، ولهذا شبه الله سبحانه أولئك بالأنعام بل جعلهم أضلّ، فقال تعالى: ﴿ أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 44]، ولهذا نفى الله سبحانه عن الكفار السمع والبصر والعقول؛ إما لعدم انتفاعهم بها فنزّلت منزلة المعدوم، وإما لأن النفي توجّه إلى إسماع قلوبهم وأبصارهم وإدراكها، ولهذا يظهر لهم ذلك عند انكشاف حقائق الأمور. هذا وحصول السمع الحقيقي مبدأ لظهور آثار الحياة الطيبة التي هي أكمل أنواع الحياة في هذا العالم، فإن بها يحصل غذاء القلب ويعتدل، فتتمّ قوّته وحياته وسروره ونعيمه وبهجته، وإذا فقد غذاءه الصالح احتاج إلى أن يعتاض عنه بغذاء قبيح خبيث، وإذا فسد غذاؤه خَبُثَ ونقص من حياته وقوّته وسروره ونعيمه بحسب ما فسد من غذائه، كالبدن إذا فسد غذاؤه نقص. وقد يكون المسموع شديد التأثير في القلب ولا يشعر به القلب لاشتغاله بغيره، فإذا حصل له نوع تجرّد ورياضة ظهرت قوته، وكلّما تجرّدت الروح والقلب وانقطعتا[12] عن علائق البدن كان حظهما من ذلك السماع أوفر، وتأثرهما به أقوى. فإن كان المسموع معنىً شريفًا بصوت لذيذ؛ حصل للقلب حظه ونصيبه من إدراك المعنى، وابتهج به أتم ابتهاج على حسب إدراكه له، وللروح حظها ونصيبُها من لذة الصوت ونغمته وحسنه، فابتهجت به، فتتضاعف اللذة، ويتم الابتهاج، ويحصل الارتياح، حتى ربما فاض على البدن والجوارح، وعلى الجليس. وهذا لا يحصل على الكمال في هذا العالم إلا عند سماع كلام الله؛ فإذا تجردت الروح وكانت مستعدة، وباشر القلب روح المعنى، وأقبل بكليته على المسموع، فألقى السمع وهو شهيد، وساعده طيب صوت القارئ، كاد القلب يُفارق هذا العالم، ويلج عالمًا آخر، ويجد له لذة وحالة لا يعهدها في شيء غيره البتة، وذلك رقيقة من حال أهل الجنة، فيا له من غذاء ما أصلحه وأنفعه. وحرام على قلب تربّى على غذاء السماع الشيطاني أن يجد شيئًا من ذلك في سماع القرآن، بل إن حصل له نوع لذة فهو من قبل الصوت المشترك، لا من قبل المعنى الخاص. وليس في نعيم أهل الجنة أعلى من رؤيتهم وجه الله ومحبوبهم سبحانه وتعالى عيانًا، وسماع كلامه منه. وأكمل السماع؛ سماعُ من يسمع بالله ما هو مسموع من الله وهو كلامه، وهو سماع المحبين المحبوبين، كما في الحديث الذي في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يبطش، وبي يمشي»[13]. والقلب يتأثر بالسماع بحسب ما فيه من المحبة، فإذا امتلأ من محبة الله وسمع كلام محبوبه فله من سماعه هذا شأن، ولغيره شأن آخر»[14]. وفي عوارف المعارف: «وسئل الجنيد عن الأُنس فقال: ارتفاع الحشمة مع وجود الهيبة. وسئل ذو النون عنه فقال: هو انبساط المحب إلى المحبوب. وقيل: معناه قول الخليل عليه السلام: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ ﴾ [البقرة: 260] وقول موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ ﴾ [الأعراف: 143]، وروي أن مطرف بن الشخير كتب إلى عمر بن عبد العزيز: ليكن أُنسك بالله وانقطاعك إليه، فإن لله عبادًا استأنسوا بالله، وكانوا في وحدتهم أشد استئناسًا من الناس في كثرتهم، وأوحش ما يكون آنس ما يكونون، وآنس ما يكون أوحش ما يكونون. وقالت رابعة[15]: كل مطيع مستأنس، وأنشدت: ولقد جعلتُك في الفؤاد مُحَدِّثي ![]() وأبحتُ جسمي من أراد جلوسي ![]() ![]() وقال مالك بن دينار: من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين، فقد قلّ عملُه وعمي قلبُه وضيّع عمره»[16]. وقال أبو حامد رحمه الله: «الأنس معناه استبشار القلب وفرحه بمطالعة الجمال، حتى إذا غلب وتجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه وما يتطرّق إليه من خطر الزوال؛ عظم نعيمه ولذّته»[17]. ومعنى كلامه رحمه الله أن المؤمن إذا استأنس بربه وخلا بمناجاته وتفكر في آلائه وتذكر أسماءه وتأمل صفاته فإن ذلك يملأ قلبه نعيمًا وسرورًا وفرحًا بحيث لا يريد أن يخرج من هذا الحال الإيماني، فهو في رقيقة من رقائق الجنة لا يريد بها بدلاً من الدنيا وما فيها. هذا ولا يمنع الأنس بالله وحلاوة مناجاته من مخالطة الناس في الخير والإحسان، فأعظم الناس أُنسًا بالله تعالى هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مع ذلك فلم يمنعه ذلك من مخالطة الناس واستصلاحهم والإحسان إليهم، بل قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[18]. وقال ابن الجوزي رحمه الله: «لما خرج موسى بأهله من مدينة مَدْيَنَ، انطلق طَلْقُ الطلق بزوجته، فما زال يُكادح المكادح فلم تُورِ[19]، لأن عروس نار الطور لمّا همَّت بالتجلّي، نُوديت النيران بلسان الغيرة من المشاركة: غُضّي، فقام على أقدام التحيُّر، فهتف به أنيسُ ﴿ ءَانَسَ ﴾ [القصص: 29] فَأَنِسَ: يا حارِ[20] إن الرَّكْبَ قد حارُوا ![]() فاذهب تحسَّسْ لمن النارُ ![]() تبدو وتخبو إن خَبَتْ وقفوا ![]() وإن ضَاءَتْ لهم ساروا ![]() فشمَّرَ موسى عن ساق القصد وساق، فلما أتى النادي ﴿ نُودِيَ ﴾ [طه: 11]، فحين ذاق لذة التكليم جرح قلبه نصلُ الشوق، فلم يداوِهِ إلا طبيبُ ﴿ وَوَٰعَدۡنَا ﴾ [الأعراف: 142]. ![]() وإن حديثكم في القلب أحلى ![]() وأطيبُ نغمةً من صوت عُودِ[21] ![]() ولما تمّ ميقات ربه، وأُحضر لحظيرة القدس، فنسي الإنسَ بما آنسَ من الأُنس»[22]. هذا ومن وسائل تحقيق الأنس بالله تعالى التوبة النصوح وإكثار الصالحات وتذكر الآخرة، «فيا مشغولاً بتلفيق ماله عن تحقيق أعماله، مَنْ خَطَر ذكر الرحيل بباله قنع بالبُلَغِ ولم يُباله. ![]() أو لك أن تتخذه ذُخرًا ![]() فلا تكن أعجز الثلاثة ![]() لابد والله من العبور إلى منزل القبور، يَسفي عليك الصَّبا والدَّبور، وأنت تحت الأرض تبور، آهٍ من طول الثبور بعد طيب الحبور. لقد بان للكل أن الدنيا غرور، وتيّقنوا أن تزوير الأمل للخُلْدِ زور، وتفصّلت أعضاؤهم ولا تفصيل لحم الجزور، ودُكّت بهم الأرض ولا كما دُكَّ الطور، وبانت حسباناتهم وفيها قُصور. فإذا انقضت بعده تلك العصور، ونُفخ في الصور، وخرجت أطيار الأرواح من أعجب الوكور، وباتت الأرض تموجُ والسماء تمور، ولقي الكفور نارًا تلتهبُ وتفور. ويحك إن الدنيا تَغرّ ولابد لك منها، فخذ قدر الحاجة على حذر، أما ترى الطائر كيف يختلس قوته؟ هذا العصفور يألف الناس فلا يسكنُ دارًا لا أهل بها، وهو مع هذا الأُنس شديد الحذر ممن جاور. هذا الخُطَّافُ[23] يقطع البحر لطلب الأُنسِ بالإنس، ثم يتخذ وكره في أحصن الأماكن بالبيت، ولا يحمله الأُنسُ بهم على ترك الحذر منهم، بل يُعطي الأُنس حقّه والحزمَ حقّه. أما عرفت أدب الشرع في تناول المطعم، ثلثٌ طعام، وثلث شراب، وثلث نفس. شَرَهُ الحرص يُعبّئ بلاغم البلادة، ولا يقدر على الحمية إلا من تلمّح العافية في العاقبة، شُغْل العقل النظر في العواقب، فأما الهوى فإيثاره لذة قليلة تُعقب ندامة طويلة، فملبّسٌ في قضاياه. المؤمن بين حربٍ ومحراب، وكلاهما مفتقر إلى جمع الهمِّ، طريق المتقين تفتقر إلى رواحل، وإبلُ عزائمكم كلُّها كالٌّ، إنما يصلح للمَلِك قلب فارغ ممن سواه. ![]() ![]() في كل يوم ترهنُ قلبك على ثمن شهوة، فيستعمله المرتهن، فقد أخلَقَ، أنت توقد نار التوبة في المجلس في الحلفاء[24] فإذا أردت منها قبسًا بعد خروجك لم تجد، تبكي ساعة الحضور على الخيانة والمسروق في جيبك! يا مظهرًا من الخير ما ليس فيه لا تبع ما ليس عندك، كم نهاك عن نظرة وتعلم أنه بالحضرة، أفلا تراقب المناظرَ برد الناظر، وكأنك لا تعرف أن الحاضرَ حاضرٌ! وا عجبًا لك! تَعُدُّ التسبيح بسبحة، فهلّا جعلت للمعاصي أخرى؟! يا من يختار الظلام على الضوء! الذباب أعلى همّة منك، متى أظلم البيتُ خرج الذبابُ إلى الضوء، أما ترى الطفل في القِماط[25] يناغي المصباح؟ يا هذا! إن كنت محبًّا فحبيبُك معك في كل حال[26] حتى عند الموت، وفي بطن اللحد. ![]() وأطيبُ الأرض ما للقلبِ فيه هوًى ![]() سَمُّ الخياطِ مع الأحباب ميدانُ ![]() إذا أقفرَ قلبُك من ساكن المحبة والأنس، فتحتِ النفسُ بابًا لعناكب الغفلة، فنسجت في زواياه من لُعَابِ الأملِ طاقات المُنى. اللهم أجرِ القلوب من جَوْر النفوس، يا سلطان القلب نشكوا إليك النازلة»[27]. ألا إن للأنس ثمارًا حلوة، وينابيع عذبة، يتذوقها المؤمن بلسان قلبه، ويُشبعُ بها بطن روحه، فلا كانت الدنيا إذا لم يكن أُنسٌ بالله تعالى. ومن وسائل تحصيل الأنس بالله تعالى الذكر الدائم، ورطوبة اللسان بذلك، ولهجه لربه بدعاء الثناء والمسألة، وصرفُ طاقات الجوارح في مراضي ربه الكريم الوهاب، بالصلاة بعد الصلاة، والقرآن تلاوة وتدبرًا، وبالصدقة، وبالصيام، وبما أطاق من الباقيات الصالحات، فولاية الله مهرُها عسفُ النفوس على مراضيه. وما من رجلٍ حسنت صلاته إلا واستأنس به كل شيء، والرجلُ يكون نائمًا فيحركه من نومه لطفٌ من ربه فيقوم للصلاة منتبهًا من غير تنبيه من الخلائق. وفي قول الله تعالى: ﴿ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4]، «قال أبو علي الجوزجاني: ذلك الفضل هو الأُنس بالله، إذا وجدوا نعمة الأُنس نسوا كلَّ نعمة دونه، ووجدوه نعمةً فوق كل نعمة؛ لأن ربهم نعّمهم في معرفته»[28]، وهذا لبابُ الفضل، فالهداية للعلم النافع والتوفيق للعمل الصالح الذي يورث الأنس بالله هو لعمر الحق من أعظم النعيم. وفي قوله تعالى: ﴿ فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ﴾ [الحجر: 98] قال الشعراوي ‘: «وهكذا يُمكن أن تُذهب عنك أيَّ ضيق بأن تُسبح الله. وإذا ما جافاك البشر أو ضايقك الخلق، فاعلم أنك قادر على الأُنس بالله عن طريق التسبيح، ولن تجد أرحم منه سبحانه، ولذلك قال سبحانه في موضع آخر: ﴿ فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144]، ولذلك إذا ضاق صدرك بالأسباب فاذهب إلى المُسبِّب»[29].
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |