العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي
التعليمـــات التقويم

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 22-08-2026, 10:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,513
الدولة : Egypt
افتراضي العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام

العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام

صالح بن إبراهيم الصنيع
العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام
لدى عينة من طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

ملخص البحث:
هدفت الدراسة الحالية إلى معرفة العلاقة بين التدين والقلق العام لدى عينة من طلاب جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. وقد تكونت عينة الدراسة من مجموعتين من الطلاب، إحداهما طلاب كلية الشريعة وعددهم 119 طالباً متوسط عمرهم 21,40 سنة، و121 طالباً من كلية العلوم الاجتماعية متوسط عمرهم 22,97 سنة، والمجموع الكلي للعينة 240 طالبا. واستخدم مقياس التدين من إعداد صالح الصنيع، وهو مكون من ستين عبارة لكل عبارة ثلاثة خيارات، وحصل على معاملات صدق وثبات جيدة. وكذلك مقياس القلق العام للراشدين من إعداد محمد جمل الليل ومكون من ست وخمسين عبارة لكل عبارة خمسة خيارات، وحصل على معاملات صدق ثبات جيدة.
وانتهت الدراسة إلى نتائج تؤيد العلاقة العكسية بين التدين والقلق العام لدى عينتي الدراسة، كما أن طلاب كلية الشريعة حصلوا على متوسط درجات أعلى من طلاب كلية العلوم الاجتماعية على مقياس التدين، بينما على مقياس القلق العام حصل طلاب كلية العلوم الاجتماعية على متوسط أعلى من طلاب كلية الشريعة.
وانتهى الباحث إلى عدد من التوصيات التي تدعو إلى دعم الجانب الديني لدى الطلاب وزيادة حصة المقررات الشرعية في خطط الأقسام العلمية في الجامعات والمدارس، لما لها من أثر إيجابي على الصحة النفسية للطلاب وإبعادهم عن الاضطرابات النفسية.

المقدمة
الدين أهم أساس من أسس الحياة الدنيا للإنسان بحيث لا يمكن أن يستغني عنه بحال من الأحوال، وعندما يغفل الإنسان الدين في أي جانب من جوانب الحياة تجد هذا الجانب ينحرف عن تحقيق أهدافه التي يجب أن يحققها في هذه الحياة الدنيا.
والدراسات النفسية الغريبة الحديثة لم تعط الدين المكانة التي يستحقها أثناء دراستها للسلوك الإنساني، بل وجد من الدراسات من أهملته كلياً وفريق آخر ربطه بالجوانب السلبية للسلوك (كالاضطرابات النفسية مثل القلق)، والقليل منها بين أثره الإيجابي على السلوك (1، ص ص 187 - 190؛ 2، ص ص 12- 24).
والقلق أشهر الاضطرابات النفسية وأكثرها دراسة وشيوعاً، ففي مجلة الملخصات النفسية الصادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس APA في فترة خمس سنوات (1970 – 1974 م)، نشر حوالي 2064 بحثاً ومقالة وكتابا عن القلق، مما يدل على زيادة الاهتمام بموضوع القلق وأثره على جوانب السلوك الإنساني، وهذا ليس بالأمر الغريب، لأن القلق كما يقول عالم النفس ماي Mayهو العرض السائد في جميع الأمراض النفسجسمية Psychosomatic diseases (3، ص17). ولكن هذه الدراسات تناولت القلق وعلاقته بكثير من الجوانب النفسية وأهملت جانباً هاماً في حياة الإنسان لم ينل ما يستحقه من الدراسة ألا وهو الدين حيث ظل هذا الجانب مهمشاً أو مستبعداً من قبل الباحثين الغربيين لأسباب تعود لتاريخ الدين في المجتمعات الغربية (2؛4). ولكن الأمر المستغرب هو ندوة الدراسات النفسية التي تناولت عامل الدين ضمن متغيراتها في المجتمعات الإسلامية، ويتضح ذلك من الإطلاع على عناوين البحوث، والكتب، والرسائل العلمية التي نشرت في البلاد الإسلامية، وقد يعزى السبب في جانب منه إلى أن الباحثين المسلمين درسوا في غالبهم على باحثين غربيين فساروا على نفس نهجهم. وقد ساعد هذا على تأخير ظهور جهود التأصيل الإسلامي للدارسات النفسية التي أعطت الدين الإسلامي المنزلة التي يستحقها في مجال الدراسة النفسية النظرية والتطبيقية [4]. ولهذا كانت هذه الدراسة مساهمة من الباحث في تلك الجهود.

مشكلة الدراسة:

تتفاوت نظرة الباحثين النفسيين لأثر الدين على صحة الأفراد النفسية تبعاً للموقف الذي يتبناه ذلك الباحث تجاه الدين ودوره في حياة الأفراد، ويمكن تلخيص أبرز الاتجاهات في اتجاهين متضادين لتفسير أثر الدين على حياة الأفراد لدى الباحثين النفسيين.

1- اتجاه العلاقة الطردية (الموقف من الدين إيجابي):

حيث يرى القائلون به أن تمسك الفرد بتعاليم دينه يزيد من مستوى صحته النفسية ويساعده على التغلب على كثير من مشكلاته النفسية، كما أن تركه لتلك التعاليم أو ضعفه في الالتزام بها يؤدي به للوقوع فريسة لكثير من تلك المشكلات. ومن أشهر علماء هذا الاتجاه عالم التحليل النفسي كارل يونج (5)، وصاحب نظرية العلاج بالمعنى فيكتور فرانكل (6)، وزعيم المدرسة الإنسانية إبراهام ماسلو (7).

2- اتجاه العلاقة العكسية (الموقف من الدين سلبي):

حيث يرى القائلون بهذا الاتجاه أن التمسك بتعاليم الدين سبب للإصابة بالمشكلات النفسية، وهذا واضح لدى زعيم مدرسة التحليل النفسي سيجموند فرويد، ومن يقرأ كتابيه" قلق في الحضارة" و"مستقبل وهم" يرى هذا الاتجاه بارزا في ثناياهما. ومفهوم هؤلاء للدين قائم على واقع المجتمعات الغربية التي حرفت فيها الأديان وأدخلت عليها كثير من الانحرافات التي أبعدت الدين عن أصوله الصحيحة، وظهرت فيها الكثير من التناقضات، مما أفقد الناس الثقة في ما يورده رجال الدين. إضافة إلى ما هو معروف عن فرويد من آراء لم تجد القبول لدى السواد الأعظم من الباحثين النفسيين لبعدهما عن العلمية والواقعية (2، ص ص 12 – 19).
والدراسة الحالية يتشابه موقفها مع موقف الاتجاه الأول وترى أنه الصحيح خصوصاً إذا كنا نتحدث عن أن الدين الذي نريد أن نرى أثره هو دين الإسلام الخالد والمحفوظ من التحريف والتغيير. ويمكن صياغة مشكلة الدراسة في التساؤل التالي: ما العلاقة بين مستوى التدين والقلق العام لدى طلاب الجامعة؟ وما نوعها؟ وهل لتخصص الطالب في العلوم الشرعية أو العلوم الاجتماعية علاقة بذلك؟

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية الدراسة الحالية من أهمية المتغيرات المدروسة فيها، حيث يعتبر القلق من أكثر الموضوعات النفسية انتشاراً وأهمية، حيث يربط بكل مشكلة نفسية يتعرض لها الأفراد في حياتهم الدنيا، كما أن الدين أهم ما لدى الإنسان المسلم في هذه الحياة. ولذا لا يخلو جانب من جوانب حياة المسلم إلا وللإسلام أثر فيه، ومن ذلك حياته النفسية. وتبرز أهمية الدراسة في الجانبين التاليين:

1- الأهمية النظرية:

من خلال دراسة علاقة الالتزام بتعاليم الإسلام على الصحة النفسية لدى الطلاب المسلمين، وما يتوقع من أن الطالب الملتزم بتلك التعاليم من أبعد الناس عن الوقوع في الأمراض النفسية ومنها القلق.

2- الأهمية التطبيقية:

وتظهر في محاولة الباحث التعرف على مدى ارتفاع مستوى التدين لدى طلاب الجامعة وعلاقته بمدى انخفاض مستوى القلق لديهم. مما يعزز الدعوة لرفع مستوى التدين لدى الطلاب، لما له من آثار إيجابية على صحتهم النفسية. وهذا من مزايا دين الإسلام الذي جاء بخيري الدنيا والآخرة للبشرية جمعاء متى ما التزمت ما جاء به من شريعة سمحة.
وتسعى الدراسة الحالية لمعرفة العلاقة بين التدين والقلق لدى طلاب الجامعة وأثر تخصص الطالب على هذه العلاقة.

مصطلحات الدراسة:

نعرض في هذه الفقرة أهم مصطلحين في الدراسة وهما التدين والقلق:

1- التدين:

في اللغة ورد في قاموس المنجد: " تدين: أخذ ديناً " (8، ص 231). يعرف التدين لدى الغربيين بأنه صفة للشخصية تعود إلى توجهات عقلية (معرفية) عن الحقيقة الواقعة وراء نطاق الخبرة والمعرفة، وعن علاقة الفرد بهذه الحقيقة. والتوجهات موجهة ضمناً لكي تؤثر على الحياة الدنيوية اليومية للفرد، وذلك بمشاركته في تطبيق الشعائر الدينية " (9، ص 137).
وفي الإسلام حتى يكون الفرد متديناً يجب أن يجمع بين الاعتقاد الصحيح، والقول، والعمل كما قال الله تعالى في محكم التنزيل: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد:19]. قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "قال الماوردي: وفيه: وإن كان الرسول عالماً بالله - ثلاثة أوجه: يعني اعلم أن الله أعلمك أن لا إله إلا الله. والثاني - ما علمته استدلالاً فأعلمه خبراً يقيناً. الثالث - يعني فاذكر أن لا اله إلا الله؛ فعبر عن الذكر بالعلم لحدوثه عنه. وعن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} فأمر بالعمل بعد العلم (10، جـ 16، ص ص 241 - 242).
وعلى هذا نعرف التدين بأنه: التزام المسلم بعقيدة الإيمان الصحيح وظهور ذلك على سلوكه بممارسة ما أمر الله به والانتهاء عن إتيان ما نهى الله عنه.
ويعرف مستوى التدين إجرائياً في هذه الدراسة بأنه: مجموع الدرجات التي يحصل الطالب عليها من خلال إجاباته عن فقرات مقياس التدين المستخدم في الدراسة.

2- القلق:

في اللغة ورد في المعجم الوسط: " قلق الشيء - قلقاً: حركه... والقلق: حالة انفعالية تتميز بالخوف مما قد يحدث " (11، جـ 2، ص 756).
وهناك تعريفات كثيرة للقلق يصعب حصرها ولعلنا نكتفي بما يلي:
- حالة من الخوف الغامض الشديد، الذي يمتلك الإنسان ويسبب له كثيراً من الكدر والضيق.
- شعور عام غامض غير سار مملوء بالتوقع، والخوف، والتحفز، والتوتر، مصحوب عادة ببعض الإحساسات الجسمية، يأتي في نوبات تكرر من نفس الفرد (12، ص ص 57 – 58).
ويعرف القلق العام الذي هو موضوع الدراسة الحالية بأنه: التغيرات الجسمية، والعقلية الانفعالية، السلوكية التي تنشأ عن تعرض الفرد لخطر يهدده داخليا أو خارجياً، سواء أكان الخطر معلوماً أو مجهولاً، مع مصاحبة ذلك بالتشاؤم مع استمرار ذلك مدة لا تقل عن شهر واحد (13، ص 314).
ويعرف مستوى القلق العام إجرائياً في هذه الدراسة بأنه: مجموع الدرجات التي يحصل عليها الطالب بعد تصحيح إجاباته عن مقياس القلق العام المستخدم في الدراسة الحالية.

الإطار النظري:

يتفاوت تعريف الباحثين الغربيين لمفهوم الدين، ولكن يمكن إيراد تعريف للدين تتكرر مفرداته في كثير من تعاريفهم، وهو أن الدين: اعتقاد بوجود قوة عظمى تحكم الكون، كما أنه يوضح علاقة الإنسان الشخصية بهذه القوة (14، ص 147) وهذا على خلاف تعريف المسلمين للدين الذي هو الإيمان بوجود الله وأحقيته بالعبادة دون سواه، وتنفيذ الشريعة التي أرسل بها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم، في كافة جوانب الحياة، لما فيه خير الإنسان في الدنيا والآخرة.
وعلى هذا يجب أن يفهم ما يطرحه الباحثون الغربيون عن أثر الدين في السلوك على أنه جانب جزئي منفصل عن جوانب الحياة الأخرى، وهذا لا يرقى إلى المفهوم الشامل للدين كما هو في المنظور الإسلامي.
والدين الإسلامي هو آخر الأديان السماوية التي أرسل الله بها الرسل لأهل الأرض، ولكونه الدين الخاتم فقد جاء كاملاً شاملا لكل ما يمكن أن يحتاجه الإنسان حتى قيام الساعة، ومن ذلك الاحتياج ما يوجه حياته النفسية نحو سعادتها ووقايتها من الانحرافات السيئة وطرق معالجة المشكلات النفسية التي قد يقع في شيء منها.

وقد تواترت نصوص الكتاب والسنة على تأكيد حقيقة أن الإيمان الصحيح عصمة للمؤمن من سائر ما يمكن أن يصيبه في هذه الحياة الدنيا، قال الله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [الأنعام:82]. قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: " الأمن من المخاوف، والعذاب والشقاء،والهداية إلى الصراط المستقيم. فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقاً، لا بشرك، ولا بمعاصي، حصل لهم الأمن التام والهداية التامة " (15، ص 224). والمؤمن المواظب على ذكر الله وطاعته ودائم التوكل على الله في جميع شؤونه لا يأتيه الخوف والحزن لأنه في حفظ الله ورعايته، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] ، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2]. قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: "أي: يعتمدن في قلوبهم على ربهم، في جلب مصالحهم، ودفع مضارهم الدينية، والدنيوية، ويثقون بأن الله تعالى سيفعل ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به" (15، ص 277).

والعبادات بكافة أنواعها من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وعمرة، وغيرها، سواء ما كان منها فرضاً أو نفلا كلها تفيد في زيادة إيمان المسلم وتعمل على وقايته من الاضطرابات النفسية بكافة أشكالها، والأدلة من القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصى. وعلى سبيل المثال نجد القرآن الكريم يأمر المؤمنين بالاستعانة بالصلاة عند الحاجة للعون من الله، قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153]، وقد كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه أمر من الأمور يلجأ إلى الصلاة فيجد فيها الراحة والطمأنينة. فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رجل من أسلم أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((يا بلال أرحنا بالصلاة)) (16) كما روى الإمام أبو داود في سننه عن حذيفة رضي الله عنه قال: ((كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى)) (17). وهذا فيه دلالة على أن الصلاة تذهب القلق الذي يصيب الإنسان المسلم عندما تشتد عليه مصاعب الحياة اليومية.

وقد اهتم الباحثون الغربيون بالصلاة وأثرها الإيجابي على صحة الإنسان النفسية، ومن ذلك ما قاله ألكسيس كاريل عن أهمية الصلاة حيث يقول: " فالصلاة، كما يجب أن تفهم، ليست مجرد ترديد آلي للطقوس، ولكنها ارتفاع لا يدركه العقل، أنها استغراق الشعور في تأمل مبدأ يخترق عالمنا ويسمو عليه. ومثل هذه الحالة السيكولوجية ليس عقلية. إن الفلاسفة والعلماء لا يفهمونها، كما أنها صعبة المنال عليهم. ولكن يبدو أن الشخص المتجرد من حب متاع الدنيا يشعر بالله بمثل السهولة التي يشعر بها بحرارة الشمس" (18، ص 118). كما يقول عالم النفس سيرل بيرت عن الصلاة: "الصلاة كلمة يستعملها الكتاب الدينيون في معنى اصطلاحي واسع، فهي لا تعني مجرد دعاء لفظي، ولا مجرد تعبير عن الحمد والثناء، فتلك ليست إلا أمثلة محدودة من الحالة العقلية العامة التي تفسرها كلمة الصلاة أما الخاصة الحقيقة فهي إحساس بهيج عن الإشراق الروحي.. والثمرة الرئيسية للصلاة، كما يؤكد المتعبدون أنفسهم، ليست في أن الدعوة الخاصة قد حققت بمعجزة، ولكن في أن المصلى نفسه يحس عزاء وقوة بعد تجربته، فالصلاة - ولو لم تنتج أثراً مادياً - قد تحدث تغييراً روحياً " (19، ص ص 22- 24).

ومعلوم الفرق الكبير بين الصلاة عند الغربيين القائمة على الحضور للكنسية وقت محدد من يوم الأحد كل أسبوع وترديد بعض الأدعية والاستماع لموعظة القسيس وحسب. بينما في الإسلام هي عبادة عظيمة ملازمة للمسلم كل يوم خمس مرات، ومتضمنة لأقوال وأفعال محددة، وهي صلة للمسلم بخالقه حيث يدعوه ويطلب عونه ومساعدته، كما أنها تطهر النفس وتجلب السكون والطمأنينة. ومن هنا يتبين لنا الفرق بين الصلاة عند المسلمين والمسيحيين.
كما أن الزكاة لها أثر إيجابي على نفس المسلم المؤدي لها على العكس من ذلك الذي لا يؤدي الزكاة، وقد وصف القرآن الكريم هذه المقارنة في الايات التالية، قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-10] قال سيد قطب حول تفسير هذه الآيات: "والذي يعطي ويتقي ويتصدق بالحسنى يكون قد بذل أقصى ما في وسعه ليزكي نفسه ويهديها. عندئذ يستحق عون الله وتوفيقه الذي أوجبه - سبحانه - على نفسه بإرادته ومشيئته. والذي بدونه لا يكون شيء، ولا يقدر الإنسان على شيء.
ومن يسره الله لليسرى فقد وصل.. وصل في يسر وفي رفق وفي هوادة.. وصل وهو بعد في هذه الأرض. وعاش في يسر. يفيض اليسر من نفسه على كل ما حوله وعلى كل من حوله. اليسر في خطوه. واليسر في طريقه. واليسر في تناوله للأمور كلها. والتوفيق الهادئ المطمئن في كلياتها وجزئياتها.

... والذي يبخل بنفسه وماله، ويستغني عن ربه وهداه، ويكذب بدعوته ودينه.. يبلغ أقصى ما يبلغه إنسان بنفسه من تعريضها للفساد، ويستحق أن يعسر الله عليه كل شيء، فييسره للعسرى، ويوفقه إلى كل عورة ! ويحرمه كل تيسير! ويجعل في كل خطوة من خطاه مشقة وحرجاً، وينحرف عن طريق الرشاد. ويصعد في طريق الشقاوة (20، جـ 6، ص 3922).
والصيام عبادة عظيمة فيها تزكية وتقوى لنفس الصائم قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. وهكذا المتصدق يذهب عنه العسر والقلق والمشقة التي عادة ما تصاحب المال، فتأتي الصدقة فتدفع عنه كل ذلك.
وللصيام فوائد كثيرة منها ما ذكره نجيب الكيلاني حيث يقول: "من الواضح أن الصوم مدرسة أخلاقية إلى جانب فوائده الصحية المختلفة، لكن الانضباط النفسي والأخلاقي هو الدرس الأول والهام في هذه المدرسة المقدسة.. هناك دور هام يلعبه الصوم بالنسبة للكيان النفسي في الإنسان... ولا شك أن الصائم يعيش في ظل مبادئ وأجواء روحية مريحة، مشبعة بالثقة والإيمان، والتزام الصائم بالامتناع عن الطعام والشراب وشهوات الجسد، يقوى فيه الإرادة، ويجعله صلباً قوياً في مجابهة مشاكل الحياة وصعابها، ومن ثم تمتلئ نفسه باليقين والرضى، وتدريجيا تذهب عن نفسه الوساوس، وتزايله الأوهام، وتنمحي المخاوف والهواجس، ويجد دائماً الله إلى جواره فيركن إليه، ويزداد تشبثاً به، وعندما يستطيع الصائم أن يصل إلى هذه الدرجة، بعبادته وصلاته وقراءته للقرآن، يكون قد وصل إلى بر الأمان " (21، ص ص 41 - 52). فالصيام يجلب لنفس المسلم الراحة، ويبعد عنها القلق والضيق، ويعود النفس على الصبر على ما يقابها من مشاق الحياة مما يجعلها أقدر على التصدي لمسببات القلق مقاومتها وعدم الخضوع لها والوقوع في شراكها.
ولعل في هذه الأمثلة كفاية للدلالة على أهمية العبادات في الصحة النفسية للمسلم وكوقاية له من الاضطرابات النفسية.
ويرى كثير من الباحثين الغربيين أن الدين له أثر إيجابي على صحة الفرد النفسية، ومن ذلك ما ذكره فيكتور فرانكل زعيم مدرسة العلاج بالمعنى عن دور الدين في تخليص الفرد من قلقه واضطراباته حيث يقول: "ويمكن أن نقول أن اهتمام الإنسان بالحياة وقلقه بشأن جدارتها وحتى يأسه منها لا يخرج أحياناً عن كونه ضيقاً معنوياً روحياً وليس بالضرورة أن يكون مرضاً نفسياً بحال من الأحوال. وهنا يكون تفسير هذا الضيق المعنوي أو الروحي على أنه مرض نفسي هو ما يدفع الطبيب إلى أن يدفن اليأس الوجودي عند مريضه تحت كومة من العقاقير المهدئة، ولكن مهمته هي بالأحرى أن يقود المريض من خلال أزماته الوجودية إلى النمو والارتقاء " (6، ص 138). ويقول كذلك: "حينما يكن المريض واقفاً على أرض صلبة من الاعتقاد الديني، فلا يمكن أن يكون هناك اعتراض بشأن الاستفادة من التأثير العلاجي لمعتقداته الدينية مما ينبع من المصادر الروحية ويعتمد عليها " (6، ص 157).

كما أن هناك باحثين آخرين جمعوا عدداً من الدراسات الميدانية التي درست العلاقة بين التدين وبعض الاضطرابات النفسية وخرجوا بنتيجة عامة تفيد الارتباط العكسي بين هذين المتغيرين، ومن ذلك دراسة برسمان pressman، وليونس Lyons، ولارسون Larson، جارتنر Gartner، حيث درسوا عدداً كبيراً من الدراسات الميدانية التي درست العلاقة بين التدين وكل من القلق والخوف من الموت، وخرجوا بنتيجة عامة من خلال نتائج تلك الدراسات تميل إلى تأييد الارتباط العكسي بين التدين وكل من القلق والخوف من الموت (22، ص ص 98 - 105). كما قام يعقوب Jacobs بدراسة استعرض فيها عدداً من الدراسات التي تناولت العلاقة بين ممارسة الشعائر الدينية والصحة النفسية ضمن الثقافات المتعددة الموجودة في المجتمع الأمريكي. وخرج بنتيجة عامة تؤكد الدور الإيجابي لممارسة الشعائر الدينية في تخليص الأفراد من الاضطرابات النفسية مثل القلق والعزلة، وتعزيز مظاهر الصحة النفسية مثل المودة والتعاون (22، ص ص 292- 298).
وقد أجرى العديد من الباحثين المسلمين دراسات ميدانية لعلاقة الالتزام بالإسلام بالقلق. وكانت النتيجة العامة لهذه الدراسات على قسمين. قسم وجد أن الالتزام بتعاليم الإسلام يعالج القلق (1؛ 25). القسم الآخر وجد ارتباطاً عكسياً بين الالتزام بالإسلام والقلق (24 - 28).
ونتائج الدراسة التي ذكرناها تؤيد العلاقة بين التدين والقلق النفسي لدى الأفراد، مما يعني الأثر الايجابي للتدين على صحة الأفراد النفسية، وهذا ما يتوقعه الباحث في دراسته الحالية.

الدراسات السابقة:

هناك الكثير من الدراسات التي أجريت على القلق أو التدين مع متغيرات أخرى، إلا أن ما يهمنا هو الدراسات التي أجريت على التدين وعلاقته بالقلق، سواء كان القلق متغيراً لوحده أو ضمن متغيرات أخرى، وسنقتصر في عرضنا على الدراسات التي أجريت في السنوات العشر الأخيرة (والتي استطاع الباحث الحصول عليها).

أجري روس Ross دراسة حول التدين والاضطراب النفسي على عينة مكونة من 401 فرد من سكان مدينة شيكاغو وما جاورها. وقاس الاضطراب النفسي عن طريق قياس أعراض الاكتئاب والقلق، حيث استخدم مقياس (لانجز) المكون من ثماني عبارات تقيس متغيري الاكتئاب والقلق، أما الدين فتم قياسة في ثلاثة مجالات: الانتساب الديني (الديانة)، وقوة الاعتقاد الديني، ومحتوى الاعتقاد الديني. وأهم ما خرجت به الدراسة أن الأفراد ذوي الاعتقاد الديني القوي كانت مستويات الاضطراب النفسي لديهم منخفضة بوضوح قياساً بالأفراد ذوي الاعتقاد الديني المنخفض الذين ارتفع لديهم مستوى الاضطراب النفسي (23).

قام محمد السيد حوالة بدراسة حول القلق الأخلاقي وعلاقته بالقيم والمفاهيم الدينية، وتكونت عينة الدراسة من 100 طالب من كلية اصول الدين في جامعة الأزهر و100 طالب من كلية التربية في جامعة قناة السويس، وكان مدى أعمار العينة من 22 - 26 سنة. واستخدم الباحث أربعة اختبارات هي: اختبار تحديد القضايا "لقياس النمو الأخلاقي"، واختبار حالة وسمة القلق للكبار، واختبار روتر لتكملة الجمل، واختبار القلق الأخلاقي من إعداد الباحث. ومن أهم نتائج الدراسة وجود علاقة عكسية دالة إحصائياً بين القلق الأخلاقي (الذي يعكس ارتفاعاً في مستوى التدين) وبين قلق الحالة وقلق السمة لدى عينتي الدراسة، كما خرج الباحث بنتيجة مفادها أن دراسة العلوم الدينية "طلاب كلية أصول الدين" تخفض مستوى التوتر النفسي لدى الطالب (24).

درست الباحثة إسعاد عبد العظيم البنا دور الأدعية والأذكار في علاج القلق كإحدى طرق العلاج النفسي الديني. وتكونت عينة الدراسة من 20 طالبة من طالبات كلية التربية بالمنصورة ممن حصلن على أعلى الدرجات على مقياس القلق الصريح لتيلور من عينة أكبر قوامها 149 طالبة. واستخدمت الباحثة برنامجاً علاجياً على شكل جلسات استخدمت فيها قراءة القرآن الكريم وبعض الأدعية والاذكار الدينية. وكان من نتيجة هذا البرنامج انخفاض مستوى القلق لدى عينة الدراسة بفرق دال إحصائياً قبل وبعد تطبيق البرنامج (25).

أجرى محمود غلاب ومحمد الدسوقي دراسة نفسية مقارنة بين بعض المتدينين جوهرياً والمتدينين ظاهرياً في الاتجاه نحو العنف وبعض خصائص الشخصية. وتكونت عينة الدراسة من 454 طالباً وطالبة من جامعتي عين شمس والمنيا، منهم 236 ذكراً و218 أنثى؛ ومن حيث الديانة منهم 273 من المسلمين و181 من المسيحيين، وتراوحت أعمارهم ما بين 18 - 22 سنة بمتوسط عمري مقداره 19,6 سنة واستخدم تسعة مقاييس لقياس التوجه الديني الظاهري، والجوهري لكل ديانة، والاتجاه نحو العنف، وقائمة إيزنك للشخصية، والجمود، والسيطرة، وتأكيد الذات، وروتر لوجهة الضبط، وسمة القلق للكبار. ويهمنا من نتائج الدراسة النتيجة التالية: وجد ارتباط موجب دال إحصائياً بين التوجه الديني الظاهري والقلق لدى عينتي الدراسة، بينما كان هذا الارتباط ضعيفاً وغير دال بين التوجه الديني الجوهري والقلق لدى عينتي الدراسة (26).

أجرى محمد درويش محمد دراسة حول مدى فعالية العلاج الديني في تخفيض القلق لدى طلاب الجامعة، وتكونت العينة من 20 طالباً من كلية التربية بجامعة عين شمس ممن حصلوا على درجات الإرباعي الأعلى على مقياس القلق، وقسموا إلى مجموعتين إحداهما تجريبية (عشرة طلاب) تعرضت للمعالجة الدينية، والأخرى ضابطة (عشرة طلاب) لم تتعرض لأي معالجة، ومتوسط عمر العينة 20,32 سنة. واستخدم مقياس القلق من إعداد الباحث، وطبق برنامج علاجي للمجموعة التجريبية استغرق 150 جلسة طبقت بطريقة فردية. وكانت نتيجة الدراسة وجود فروق دالة إحصائياً في انخفاض درجات القلق بين المجموعتين التجريبية والضابطة بعد انتهاء البرنامج العلاجي لصالح المجموعة التجريبية (1).
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 122.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 120.58 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.41%)]