أعمال المستشرقين مصدرا من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مدارس الخطاب الفقهي للأقليات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          باب في التقى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الثبات على الحق في زمن التذبذب والتلون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الإعجاز القرآني بريء من نظرية التسعة عشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          قراءة في كتاب "السنن الإلهية في الأمم والأفراد في القرآن الكريم" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5399 - عددالزوار : 2807293 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5011 - عددالزوار : 2134527 )           »          فصول في ظلال السيرة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 1899 )           »          تفسير سورة آل عمران (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 7 - عددالزوار : 4558 )           »          الحصول على الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 21-08-2026, 10:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,893
الدولة : Egypt
افتراضي أعمال المستشرقين مصدرا من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين



أعمال المستشرقين

مصدرا من مصادر المعلومات عن الإسلام والمسلمين

أ. د. علي بن إبراهيم النملة

المدخل:
الاستشراق ظاهرة تمثل الاهتمام بعلوم الشرق بعامة وبعلوم المسلمين بخاصة، ولم يقتصر اهتمامها على العلوم فحسب، بل امتد الاهتمام إلى الثقافة والآداب والعادات والتقاليد والأساطير ونحوها. وقد كان لهذه الظاهرة في الآونة الأخير أثرها في الدراسات الإسلامية منذ بدأت حركة التأليف الجادة في المحيط العربي الحديث بعد الصحوة من سيطرة الاستعمار، فقد تنبه العرب والمسلمون على إسهامات المستشرقين في تراث المسلمين، وكان هذا التنبُّه قد جاء في وقت كان المسلمون فيه قد وصلوا إلى مرحلة خطيرة من التقهقر السياسي والاجتماعي والاقتصادي نتيجة للبعد عن الدين نفسه مما أثر في جزء غير قليل منهم في ثقتهم بانتمائهم لهذا الدين، فكان أن انبهر جزء كبير منهم بهؤلاء المستشرقين وهم ينتمون إلى ثقافة غير الثقافة الإسلامية فيتحدثون عن القرآن الكريم وعن سيرة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - وسنته وعن التاريخ الإسلامي وسير رجاله عائدين في توثيق أحاديثهم إلى أمهات الكتب والمصادر الإسلامية لعلوم المسلمين[1].

ومع وصول المسلمين إلى مرحلة خطيرة من التقهقر كانت هناك فئة منهم تمسكت بدينها على أصوله الصحيحة. فلم يثق هؤلاء بالمستشرقين وهم يتحدثون عن الإسلام وتراث المسلمين، لأن هذه الفئة المتنبهة أدركت أنه لن يخدم الإسلام والمسلمين إلا أهل الإسلام وأبناء المسلمين، وبنت هذا الإدراك على استقراء آيات القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودَ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم}[2] وعلى استقراء التاريخ ومواقف اليهود والنصارى من الإسلام والمسلمين منذ بعثة محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد بدأت السبئية تضرب أطنابها في المجتمع المسلم منذ سنيه الأولى[3]. وقد عرف في التاريخ الموثق أن اليهود سمّوا الرسول – صلى الله عليه وسلم –[4] وأن لهم ضلعاً في فتنة مقتل عثمان – رضي الله عنه –، وأن كيدهم استمر مع استمرار هذا الدين مما يوحي بالاستمرار في هذا الخبث لأن هذا الدين مستمر {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسلاَمُ}[5].

ولم يكن موقف النصارى من الإسلام والمسلمين بأقل من موقف اليهود خبثاً، وإن لم يبد هذا ظاهراً إلا إبان الحروب الصليبية التي امتدت سنين عديدة[6]. فكان أن عد هؤلاء المتنبهون من المسلمين إسهامات المستشرقين داخلة في هذا الصراع، إذ أدركوا أن هذا المستشرق أو ذاك ممن يتحدث عن الإسلام والمسلمين قد نشأ وتربى على هذه الخلفية المعادية للإسلام والمسلمين، فعرّفوا المستشرق على أنه ((أعجمي ناشيء في لسان أمته وتعليم بلاده، ومغروس في آدابها وثقافتها (ألماني أو إنجليزي أو فرنسي)، متى استوى رجلاً في العشرين من عمره أو الخامسة والعشرين فهو قادر، أو مفترض أنه قادر، تمام المقدرة على التفكير والنظر، ومؤهل، أو مفترض أنه مؤهل أن ينزل في ثقافته ميدان ((المنهج)) و((ما قبل المنهج)) بقدم ثانية. نعم، هذا ممكن أن يكون كذلك. ولكن هذا الفتى يتحول فجأة عن سلوك هذا الطريق ليبدأ في تعلم لغة أخرى[7]، مفارقة كل المفارقة للسان الذي نشأ فيه صغيراً، ولثقافته التي ارتضع لبانها يافعاً ((يدخل قسم)) اللغات الشرقية في جامعة من جامعات الأعاجم، فيبتدي تعلم ألف باء تاء ثاء، أو أبجد هوز في العربية، ويتلقى العربية نحوها وصرفها وبلاغتها وشعرها وسائر آدابها وتواريخها من أعجمي مثله، وبلسان غير عربي، ثم يستمع إلى محاضرين في آداب العرب أو أشعارها أو تاريخها أو دينها أو سياستها بلسان غير عربي، ويقضي في ذلك بضع سنوات قلائل، ثم يتخرج لنا ((مستشرقاً)) يفتي في اللسان العربي والتاريخ العربي والدين العربي))[8] فهو هنا يتحدث عن ثقافة لا يؤمن بها، ولا يعمل بها، ولا ينتمي إليها، وتلك هي أعمدة الثقافة الثلاثة وأركانها (الإيمان والعمل والإنتماء) لا يكون لها وجود ظاهر إلاّ بها[9].

وبين هذين الموقفين كان أخذ ورد، وهجوم ودفاع، وتكريم وتشهير، حتى تخطى الإنتاج الفكري في هذا المجال ألفي عمل بين كتاب ومقالة ومحاضرة وحديث في المجلات الثقافية السيارة في اللغة العربي فقط[10] ولم يتفق المثقفون العرب (والكاتبون بالعربية من غير العرب) على تحديد موقف إزاء هذه الظاهرة، فكان أن أوصلها البعض إلى علم له نظريته ومنهجه، وله وصفه وأهدافه وغاياته، وأوقفها البعض عند مجرد الظاهرة المؤثرة في المجتمع المسلم المثقف وغير المثقف، مثلها في هذا مثل التنصير والاستعمار، فجعلها معولاً من معاول الهدم وجناحاً من أجنحة المكر[11] ولم يتفق المثقفون العرب (والكاتبون بالعربية من غير العرب) على تعريف لمفهوم الاستشراق، كما لم يتفقوا على بداياته الأولى. فهناك أربعة مفهومات حول الاستشراق تبدأ من المفهوم الأعم إلى المفهوم الأخص، كما أن هناك أكثر من اثنى عشر رأياً حول انطلاقة الاستشراق وبداياته.

فالتعريف الأعم للاستشراق هو دراسة الشرق، ثقافاته ومعتقداته وآدابه وعاداته وتقاليده وأساطيره وتاريخه من قبل علماء ومؤسسات غربية[12] وبين الأعم والأخص عام وخاص. والتعريف الأخص – عندي – هو دراسة العلوم الإسلامية وآداب المسلمين وعقائدهم وثقافاتهم وتراثهم وأساطيرهم من علماء غير مسلمين ومؤسسات غير مسلمة. وواضح أن هذا التعريف الأخص يخرج أولئك الذين يدرسون ثقافات شرقية غير إسلامية، كما يدخل أولئك العرب غير المسلمين ممن لهم إسهامات مباشرة في علوم المسلمين. ومثل هذا التعريف يحدث شيئاً من اللبس ناتج عن غموض فكرة الاستشراق.

والبدايات الأولى للاستشراق عند الباحثين العرب (والباحثين بالعربية من غير العرب) تختلف إلى مدى قد يصل إلى أكثر من ستمائة (600) سنة. فالبداية عند البعض تعود إلى غزوة مؤته على عهد النبي – صلى الله عليه وسلم –[13] وهي عند البعض من علماء المسلمين ومثقفيهم تبدأ رسمياً سنة 1312 ميلادية مع صدور قرار مجمع ((فيّنا)) الكنسي بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية وغيرها من اللغات في عدد من الجامعات الأوربية[14]. وبين تلك وهذه يبرز العالم النصراني ((يوحنا الدمشقي))[15] الذي كتب لإخوانه في النصرانية مما كتب (محاورة مع مسلم) وكتاب (إرشاد النصارى في جدل المسلمين) وكان هذا في القرن الأول الهجري/ نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي[16].

ولست بصدد التوسع في هذه الوقفات، فليرجع إليها في مظانها، ولكنها على أي حال تفتح لنا المجال لنغوص في الإسهامات نفسها لنرى مدى المنهجية في التعامل مع الثقافة الإسلامية والتراث الإسلامي من هذه الفئة التي لم تقتصر إسهاماتها على التراث فحسب، بل هي لا تزال تبحث في الواقع الذي نعيشه اليوم، تقدم حوله الدراسات التي يعتمد عليها في القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والعلمي. وإنني أحمّل المستشرقين جزءاً غير يسير مما وصلنا إليه اليوم فيما قبل الأزمة وما بعدها[17] بل إنني أرى أن لهم قصب السبق في توجيه دفة تلك القرارات[18].
وكما اختلف في المفهوم والبدايات اختلف كذلك في الدوافع والغايات. ويؤكد أحد الباحثين أن الدوافع والأهداف مهما اختلفت وتنوعت فإنها لا تخرج عن غايتين يمكن تلخيصهما بأنهما حماية الإنسان الغربي من أن يرى نور الإسلام فيؤمن به ويحمل رايته أولاً، ثم معرفة الشرق ودراسة أرضه ومياهه وطقسه وجغرافيته ورجاله وتراثه قصداً إلى الوصول إليه ثانياً[19].

ولكنه لن يصل إليه ما دام هذا الشرق قد تمثل الثقافة بأعمدتها الثلاثة، الإيمان والعمل والإنتماء، فكان لابد من السعي إلى زعزعة هذه الأركان الثلاثة أو بعضها بحيث تصبح الثقافة ((مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق متفككة لا يجمع بينها جامع ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك))[20]. ويمكن أن تتزعزع هذه الأركان الثلاثة عندما يتمكن الاستشراق من إبعاد سلطان الدين عن النفوس. وتلك محاولة صرح بها ((هاملتون جب))[21] في كتابه (وجهة الإسلام)[22] حيث يقول عن العمل الاستشراقي: "كانت النتيجة الخالصة لهذه الحركة التعليمية (على الطريقة الغربية) أنها حررت – بقدر ما كان لها من تأثير – نزعة الشعوب الإسلامية من سلطان الدين دون أن تحس الشعوب بذلك غالباً، وهذا تقريباً هو جوهر كل نزعة غربية فعالة في العالم الإسلامي"[23].
ويقول كذلك في الكتاب نفسه: "تحاول الدراسات الاستشراقية الحديثة التركيز على أهمية القوانين الوضعية وتطبيقها على المسلمين بدلاً من شريعة القرآن"[24].

ولا يستطيع المستشرقون – أو غيرهم – أن ينزعوا العلم من صدور الناس، كما لا يستطيعون إبعاد سلطان الدين عن النفوس إلا بتقويض الأعمدة الثلاثة للثقافة. فنحن ندرك أن التحول لا يكون سريعاً، ولكن العلم يتضاءل من الصدور، فيكثر الخلط والجهل، وتهتز الثقة، فيكون البحث عن البديل فيخرج في الأمة من يتمثل فيه ذلك، فيدعو إلى نبذ الماضي، وإعادة التشكيل الثقافي وفق النمط الغربي، والتقليل من قيمة الميراث الثقافي أو قراءته بأبجدية النسق الغربي[25] وإن لم يكن ذلك ممكناً فلا بأس من الانتقاء من التراث الديني والأدبي والثقافي نقاطاً تهز الثقة، مرت عبر التاريخ الحافل بكل شيء حسن في معظمه، سيء في بعض مواضع منه، ولا بأس من وأد اللغة الأم وجعلها مقصورة على المعابد، وجعل لغات أخرى هي لغة المعاهد، فالفرنسية في المغرب، والانجليزية في المشرق، وربما الروسية بينهما، حتى تصل لغة المعابد إلى مستوى غير مفهومة فيه، خاضعة للترديد دون إدراك للمعنى مع إدخال اللهجات فيها حتى يتم إحلالها محلها، فتتفكك الرابطة، ويصبح العربي في بلاده وأهله غريب اليد واللسان، وإن لم يكن غريب الوجه، ويصبح لزاماً عليه أن يسير مع الركب وإلا صدقت عليه إدعاءات التخلف والرجعية، والتقوقع على الذات دون الإفادة من الثقافات الأخرى المحيطة بالمجتمع المسلم قديمه وحديثه. فأدى الخوف من الوصم بالتخلف والرجعية والتقوقع إلى أن يتبنى بعض أبناء المسلمين الثقافات الغربية عليهم وعلى مجتمعهم، واستدعى هذا التبني محاولة الانسلاخ من الماضي بإهانته والتقليل من شأنه وحصر آثاره على الوقت الذي ظهرت فيه هذه الآثار دون امتداد إلى المستقبل مما يستدعي – في نظر هؤلاء المنبهرين بالثقافة الغربية – السير في ((ثقافة عالمية)) قادمة من الغرب أو من الشرق.
وتلك ربما تكون نتيجة من نتائج إبعاد سلطان الدين من النفوس التي تأتي نتيجة من نتائج الفعل الاستشراقي.

وإذا سلمنا بأن العلم والثقافة لا تنتزع من الصدور انتزاعاً – ونحن مسلِّمون بهذا – سلمنا بأن الوقت عامل مهم في تحقيق ذلك، ومع الوقت تأتي الجهود في تحقيق الهدف أو الغاية التي تدخل في الغاية الثانية التي مر ذكرها آنفاً، وذكر أنها تسعى في النهاية إلى السيطرة على هذا الشرق سيطرة قد لا تكون بالضرورة مباشرة. وهذا متحقق إذا مانزع العلم من الصدور[26].

مشكلة البحث:

ومن أبرز الجهود على الساحة العلمية والثقافية الإسلامية اليوم قبل الأمس ولوج المستشرقين التراث والكتابة عنه دراسة وتحقيقاً ونشراً وتبويباً وتصنيفاً وتكشيفاً، حيث وصلت مؤلفاتهم في فترة مائة وخمسين سنة (1800 – 1950م) إلى ما يربو على ستين ألفاً بين كتاب ومقالة في الفلسفة والتاريخ والتصوف وتاريخ الأدب واللغة العربية[27].

ونحن بحاجة اليوم إلى إحصاء ما كتبوه في النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي[28]. وهو عمل أسهل بكثير من إحصاء الناتج الفكري في الفترة السابقة، حيث تطورت أدوات الحصر الوراقي (الببليوجرافي) وانتشرت المعرفة بحكم تقنية المعلومات[29].

ويضاف إلى هذا إصدار أكثر من خمسمائة (500) دورية ذات علاقة بالاستشراق، وإصدار أكثر من ثلاثمائة (300) دورية متخصصة به[30]. ومنها ما يحمل عنوانات لها جاذبية للمسلمين أنفسهم. أما المعاهد والمراكز التي تهتم بالاستشراق والدراسات العربية والإسلامية فهي اليوم تعد بالمئات في آسيا وأوربا واستراليا وأمريكا[31]. ونحن بحاجة إلى مزيد من التقويم الموضوعي لهذه المعاهد من خلال إسهاماتها، إذ لا يكفي أن نتخذ موقف المدافع الذي يترقب سهماً فيحتمي دونه، أو رصاصة فيهرب منها، أو صاروخاً فيطلق عليه آخر مضاداً له! ولكننا في الحق لا ندري كيف نبدأ. هل نبدأ بتصحيح الأخطاء التي وقع بها المستشرقون عمداً أو عن غير قصد؟ إذاً لا نكون قد خرجنا عن موقف الدفاع. هل نتهجم على المستشرقين ونطلق عليهم عبارات بعيدة عن الروح العلمية القادرة على المواجهة والإقناع؟ إذاً نحن نغالط أنفسنا، لأن القوم مستمرون في طريقهم، ولا تصلهم رشاقتنا، هل نفتح باباً للحوار المباشر وننشر لهم أعمالهم ونعقد المؤتمرات معهم في ديارهم وفي ديارنا؟ وهنا نقف عاجزين إذا ما قابلناهم بالشعور أنهم متفوقون علينا، وتكون نظراتنا له نظرات المستجدي الذي يطلب من الطرف المتفوق عليه سماع ما لديه، ليس فقط الاستماع له من طرف واحد، وهنا تبرز أمامنا مشكلة الثقة، كما تبرز أمامنا مشاعر مختلطة قوامها أن القوم ضدنا، فهم يريدون التأثير علينا لا التأثر بنا. ويبدو أن المجال هنا غير محدد في مدى السماع منهم ولهم، ويبدو أن معظمهم قد حددوا موقفهم منا، فيقربون منها من يسير على نهجهم ويبدو عليه تأثيرهم، كما يبدو عليه شيء من القدرة على أن يسهم في هذا النهج[32]. ولذا نراهم أبعدوا من دائرتهم ذلك الباحث الذي كتب رسالة الماجستير عن أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن – كتابة إسلامية، فلم يتيحوا له الاستمرار في الدراسة ناصحين إياه أن يتوجه إلى (الأزهر) إذا كان سينظر إلى موضوعات الدراسة هذه النظرة[33]. وكانوا يتوقعون منه أن يسهم في شيء يغير فيه النظرة – ولو قليلاً – حول زوجات الرسول – عليه السلام – ؛ وبخاصة منهن من كان لها التأثير القوي على المجتمع المسلم إلى اليوم مثل ((عائشة بنت أبي بكر الصديق))، و((خديجة بنت خويلد)) – رضي الله عنهما – ومن كان لهن إسهام في رواية الحديث، فما استطاعوا أن يملوا على الباحث الكفيف وجهة نظرهم في هذا المجال. ولم يستطيعوا تشكيله ثقافياً في ضوء رؤيتهم المحدودة ولم يتمكنوا من أن يملوا عليه وجهة نظرهم بشكل أو بآخر[34].

وإذ لم يوفقوا إلى كثير من التلاميذ العرب والمسلمين فإن هذا يعد عندهم هدفاً ثانوياً وإن كان يدخل – أيضاً – في الغاية الثانية المذكورة سلفاً، ومع هذا فالأدبيات حول الاستشراق تتحدث عن التلاميذ وتذكرهم بالاسم، وتبين مدى تأثرهم بأساتيذهم من المستشرقين[35].

وإذ لم يوفقوا إلى كثير من التلاميذ العرب والمسلمين فقد نجحوا في التأثير على مجتمعاتهم فيما يتعلق بالنظرة إلى الإسلام وإلى نظام الإسلام في الحياة. وكان التأثير منطلقاً للنظرة إلى المجتمع المسلم المعاصر، حيث يبرز تأثر المثقفين العرب تأثراً غير مباشر بهؤلاء المستشرقين، وإنما التأثر ينصب على الأفكار التي جاء بها المستشرقون فساحت وانتشرت آخذة سبلاً وقنوات عدة في هذا التأثير، وكان هذا أسهل بكثير من التلقي المباشر لهذه الأفكار على أيدي المستشرقين وفي معاهدهم، فكان أن أسهموا في الفجوة بين المسلم وثقافته. وهذا واضح في كثير من الإسهامات التي اعتمدت على دراسات المستشرقين مراجع لها في مادتها العلمية.

وذكر أسماء مؤلفات بعينها متأثرة بهذه الدراسات قد يعني الحصر أو يوحي به، والحصر غير ممكن. وبالإمكان إعادة قراءة إسهامات ((طه حسين)) في السيرة والخلفاء الراشدين والوعد الحق، وإسهامات ((أحمد أمين)) في فجر الإسلام وضحاه وظهره ويومه، وغيرها كثير جداً إلى أن نصل إلى الأكثر منها سطحية مع بروزه – سياسياً – على الساحة وهو إسهام الكاتب المسلم الأصل الهندي المولد البريطاني الجنسية ((سلمان رشدي)) في روايته (آيات شيطانية). فهذا نموذج بارز وواضح التأثر، وإن كان التأثر قد صيغ بشكل غال جداً، ولكنه يذكر دائماً بأعمال المستشرق البريطاني ((مونتغمري وات)) عن النبي – صلى الله عليه وسلم – (محمد في مكة) و(محمد في المدينة) و(محمد النبي القائد). بل ربما ذهب الزعم إلى حد أن عنوان الرواية نفسه مستقى من فصل من فصول كتاب (محمد في مكة) إذ يأتي الفصل الخامس من الكتاب متحدثاً عن تنامي المعارضة للرسول – عليه السلام –، وكل فصل من الكتاب مقسم إلى مباحث، والمبحث الأول من الفصل الخامس يركز على بدايات المعارضة The Beginning of Opposition وفي هذا المبحث مما يتبع العنوان عبارة هي نفسها عنوان الرواية ((The Satanic Veصلى الله عليه وسلمses )) ويتحدث فيها ((مونتغمري وات)) عن قصة الغرانيق[36].

أسئلة البحث:

وحيث فشا الاعتماد على إسهامات المستشرقين في مجالات عدة كالدراسات والتحقيق والنشر والتكشيف والفهرسة، فإن السؤال هنا ماهو مدى الاعتماد على هذه الإسهامات في الكتابة عن الإسلام والمسلمين؟ وما مدى عملية إسهامات المستشرقين في الحديث عن الثقافة الإسلامية؟ وهل يمكن الاعتماد على هذه الإسهامات مصدراً موثوقاً من مصادر المعلومات عن الإسلام وعن تراث المسلمين؟ وهل تكتسب الأعمال العلمية التي يقوم باحثون مسلمون علمية أكثر إذا ما اقتبست من أعمال المستشرقين أو استشهدت بآرائهم؟ وهل بالإمكان قبول اقتباسات المستشرقين واستشهاداتهم من أمهات الكتب العربية دون التوثيق أولاً، اعتماداً على أن منهجيتهم في البحث والدراسة قد أملت عليهم قسطاً كبيراً من التجرد والموضوعية؟ ثم هل يمكن الاستغناء عن إسهامات بعض هؤلاء المستشرقين في هذا المجال بعد أن يتبين للباحثين والدارسين المسلمين أخطاء كثيرة وقع فيها المستشرقون تحول دون قبول ما وصلوا إليه من نتائج؟ وهل يمكن تصحيح هذه الأخطاء من خلال حوار مباشر أو غير مباشر مع المستشرقين بعامة يُدَعون فيه إلى مزيد من الموضوعية ومن العلمية والتجرد؟ وهل المستشرقون قابلون لهذا الحوار ولديهم الرغبة في تصحيح الأخطاء التي وقع فيها أترابهم؟ أو عندهم الرغبة في عدم الوقوع فيها من خلال نقلهم عن أترابهم؟.

ولا يتوقع لهذه الوقفة أن تجيب إجابة شافية ومقنعة عن جميع هذه الأسئلة. ولعله يكتفى منها بإثارة الأسئلة والتدليل على إمكان الإجابة عن جزء منها سعياً إلى الاستمرار في الإجابة على جزء كبير منها، مع التأكيد على أن جهوداً للمستشرقين تدخل في جانب الإسهامات المحمودة التي لا ينبغي إغفالها أو تناسيها، فلم تكن إسهامات المستشرقين كلهم سيئة أو متحاملة على تراث المسلمين وثقافتهم، وهذا في النهاية يؤدي إلى عدم القدرة على تعميم النتائج على ظاهرة الاستشراق. ولعل هذا سر من أسرار عدم الاتفاق بين الباحثين والدارسين والمفكرين والعلماء المسلمين على موقف موحد تجاه المستشرقين قدمائهم ومحدثيهم.

مصادر المعلومات عن التراث:

ومنذ انطلاقة التدوين، في بداية البعثة المحمدية ثم التجميع في عهد الخلفاء الراشدين ثم التصنيف والتبويب في القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) إلى نهاية القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، والمسلمون في رصد مستمر للتراث في أعمال موسوعية أو موضوعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والطبية والرياضية وسائر المعارف. ومنذ انطلاقة التدوين من قرطبة غرباً إلى سمرقند شرقاً والمكتبات الإسلامية مجال للتنافس بين الولاة والأمراء[37] وهناك مظاهر كثيرة ذكرها دارسو التراث حول مجالات التنافس.

وليس الغرض من هذه الوقفة استعراض الجهود العلمية للمسلمين، إذ سيدخل هذا في الجانب الدفاعي والاعتذاري الذي لجأ إليه بعض المتحمسين للثقافة الإسلامية عندما أرادوا أن يلفتوا أنظار الآخرين لها[38]. ولكن الغرض من هذه الوقفة التأكيد على أن المعلومات التراثية كانت موضع اهتمام المسلمين أنفسهم، على أقل تقدير في القرون الثمانية التي حددت بين القرنين الثاني والتاسع الهجريين، ومعظم الأعمال التي جاءت بعد القرن التاسع الهجري أخذت طابع الشروح والتعليقات والتلخيصات[39] وكل ما يدور حول مصادر المعلومات عن التراث، إلى الوصول إلى التحقيق والنشر في القرنين الأخيرين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين، مع عدم إغفال الجهود العلمية التي ابتُدئت ابتداءاً، ولكن الطابع العام في هذه القرون التالية كان يهمس إلى الدارسين والمؤلفين أنهم بطريقة أو بأخرى عالة على علماء السلف.

ولا يعني هذا أن الخلف لم يكونوا على مستوى التفكير وتأليف الأعمال العلمية ابتداءاً، ولو كان هذا المقصود لوقعنا في محظور هو مجرد ردة فعل لأولئك المتعلقين بالثقافات الحديثة على حساب الماضي. ولكننا نقدر هنا أن بعض الأعمال العلمية ذات الصبغة التراثية تستمد معلوماتها من مصادر التراث التي ألفها السلف في زمن النهضة العلمية، ثم أُخضع شيء منها للشرح أو الاختصار أو التعليق في زمن الشروح والاختصارات[40]. فيأتي زمننا – وهو المعد زمن العودة إلى النهضة فيبتدئ أعمالاً علمية تقر بالفضل لما أسهم به علماء السلف فتكون امتداداً لهذه الإسهامات.
ومع أن هذه الوقفة مع مصادر المعلومات عن التراث تحاول التأكيد على وجود الأساس، وهو المصادر إلا أنها لا تملك إلا أن تذكر للمستشرقين جهودهم في إظهار شيء من هذه المصادر خاصة في مجال النشر أو الطبع الابتدائي دون تحقيق[41].
إلا أن هذه الجهود تحتاج إلى تمحيص ودراسة متأنية يبين فيها مدى هذه الجهود ونوعية التركيز على المجالات. وفيما يلي من الصفحات إشارات سريعة إلى مثل هذا. وفيها وقفات على نماذج محدودة جداً من الدراسات ثم النشر والتحقيق فالترتيب والتكشيف، وعينات محدودة جداً كذلك من المنشور أريد منها التمثيل فقط. ولم يرد من هذا التعميم، ولكنها وقفات تفتح المجال إلى مزيد منها في سبيل الوصول إلى حكم قابل للتعميم مما يحتاج معه إلى مزيد من البحث والغوص والتحليل.

مصدرية الاستشراق:

والمقصود هنا هو مناقشة أعمال المستشرقين للنظر في مدى الاعتماد عليها مصدراً من مصادر المعلومات في الدراسات العربية والإسلامية. وهل تصل هذه الأعمال إلى درجة من الثقة يمكن معها الاستشهاد بها؟
وقد ذكرت أن قسطاً من الإسهامات العربية في مجالات التراث قد بدا عليها التأثر غير المباشر، وكان لهذا التأثر أثره في الفجوة بين المسلم وثقافته. هذه الفجوة التي حفرها المستشرقون بالغوص في معلومات التاريخ ينقلونها من مصادر معلومات عربية معتمدة عندنا على أنها من ((أمهات الكتب)) ولكنهم بغوصهم هذا يعتمدون سوء النقل وسوء الاقتباس وسوء الاستشهاد ضاربين صفحاً عن مفهومات علمية كالأمانة والدقة والتجرد والموضوعية.

وهم بهذا يلجأون إلى المعلومات الغربية غير الموثقة في أمهات الكتب العربية فيتكئون عليها. وتراهم يحيلونك إلى المصادر التي يستشهدون بها أو يقتبسون منها ببياناتها الوراقية (الببليوجرافية) التامة، فتعود إلى هذه الإحالات في هذه المصادر فلا تجد لها أثراً فيها، أو ربما يتبين لك عندما تعود للموضع المستشهد به أو النص المقتبس منه أنه على خلاف تام ومناقض للمقصود من الاستشهاد أو الاقتباس. أو ربما يتبين أن في الأمر تحريفاً أو تصحيفاً مع الرجوع إلى المصادر العربية التي تترك عند القاريء أثراً بأن المستشرقين قد اعتمدوا على مصادرنا في تعضيد أفكارهم التي يسعون إلى الإتيان بها. أو تراهم من وجه رابع يسعون إلى تفسير بعض المعلومات بما يؤمنون به هم أو بما يريدونه من المتلقين أن يؤمنوا به إزاء معلومات حول حادثة تاريخية لها مساس بالثقافة والخلفية الفكرية والعلمية التي يتبناها المسلم في حياته. وكل هذه الأساليب لها أمثلة في الإنتاج الفكري للمستشرقين، وتساق لها أمثلة هنا. وربما دعا الأمر إلى الوقوف على كل أسلوب على حده ودراسته واسعة والخروج بالنتيجة التي تمليها الدراسة وتجيب على سؤال من أسئلة البحث، فيصدق السؤال البحثي، أو تثبت عدم صحته. وهذه نماذج لما ينبغي أن تكون عليه الدراسة أو لما يتوقع أن تكون عليه الدراسة.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 164.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 162.41 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.05%)]