|
|||||||
| ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
وقفة للتأمل د. عوض بن حمد الحسني الصورة الذهنية (البرادايم) وخطورتها إيجابًا وسلبًا: الصورة الذهنية – أو ما يُعرف بالبرادايم – التي يصنعها الآخرون عن شخص ما أو جهة ما، قد تتشكل إما نتيجة تعامل حقيقيٍّ سابق، إيجابًا كان أو سلبًا، أو نتيجة مجرد السماع والنقل والتلقي من الآخرين، فتُرسم تلك الصورة في مخيِّلة المتلقي، وتترسخ في عقله الباطن حتى تتحول إلى "حقيقة" يُبنى عليها الحُكم، ويحدد على أساسها نمط التعامل، قبل أن يقع التعامل الحقيقي فعلًا، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ تصبح الصورة الذهنية هي الحاكم على الطرف الآخر، إيجابًا أو سلبًا، حتى وإن كانت حقيقة ذلك الطرف على خلاف ما رُسم له في أذهان الناس، وتزداد هذه الخطورة حين تعمَّم تلك الصورة، وتُغذى لدى الجمهور أو الرأي العام، فتُضلِّل الآخرين، خاصة إذا غاب الوعي النقدي في التلقي والتمييز، وفي سورة يوسف عليه السلام نموذج بالغ الدلالة على خطورة "البرادايم"؛ فقد تحاكم إخوة يوسف عليه السلام معه في موقفين مختلفين، وهم يجهلون حقيقته القائمة أمامهم، إذ كانوا يظنون أنهم قد تخلصوا منه، وأنه من المستحيل أن يكون هذا الرجل هو يوسف عليه السلام، فتحاكموا إلى الصورة الذهنية التي صنعوها عنه قديمًا، وعمَّموا حكمها عليه، لا إلى الحقيقة القائمة؛ فعندما أخذ أخوه مقابل صواع الملك، اتهموه بالسرقة، وقالوا: ﴿ إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 77]، وهو اتهام نابع من صورة ذهنية مشوهة، غذَّاها الحسد القديم، رغم زعمهم أنهم قد تخلصوا منه؛ قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: "قالوا ذلك ليبرؤوا أنفسهم من فعله، لأنه ليس من أمِّهم، وأنه إن سرق فقد جذبه عرق أخيه السارق؛ لأن الاشتراك في الأنساب يشاكل في الأخلاق، ومع ذلك، بقيَ يوسف عليه السلام كبيرًا في موقفه، حليمًا في رده، مع قدرته وسلطانه؛ قال تعالى: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 77]، ثم في الموقف ذاته، ومع الشخص نفسه، تغيَّر الحكم تمامًا؛ إذ تشكَّلت صورة ذهنية إيجابية عن "العزيز"، فرأوا فيه الإحسان والخلق؛ فقالوا: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 78]، فما الذي تغير؟ لم تتغير الحقيقة، بل تغيرت الصورة الذهنية (البرادايم)؛ ومن هنا، يتعين على العقلاء أن يجرِّدوا عقولهم من الأحكام المسبقة، وألَّا يبنوا صورًا ذهنية عن الآخرين لمجرد السماع، أو مشاهدة فعلٍ لم يُدرَك سياقه ودوافعه؛ فالحكم بلا وعيٍ ظلمٌ، والبرادايم المضلل أخطر من الجهل.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |