|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الحكم على الحديث بالضعف والغرابة والتفرد والقبول والرد ليس لكل من هب ودرج محمد بن عبدالله العبدلي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فمن أعجب ما يُرى أن يتصدَّى بعض الناس للحكم على الأحاديث النبوية تصحيحًا وتضعيفًا، أو قبولًا وردًّا، وهو لم يرسخ قدمُه في هذا الفن، ولم يعرف مناهج أئمة الحديث ونُقَّاده، ثم لا يقف الأمر عند ذلك حتى يتجرأ على رد أحاديث تَلَقَّتْها الأمةُ بالقبول، وربما كانت في الصحيحين، محتجًّا بشُبهات واهية أو استدلالات لم يعرفها المتقدِّمون، وهذا من أعظم أبواب الخَلَل في التعامل مع السُّنَّة النبوية. وإنما نشأ هذا الخَلَل من الجهل بحقيقة هذا العلم، وعدم معرفة مكانة أئمة الحديث ومنزلتهم فيه؛ فإن الحكم على الأحاديث النبوية ليس أمرًا يدرك بالظنون أو بمجرد النظر في بعض النصوص، بل هو من أدقِّ العلوم الشرعية وأعظمها شأنًا. والكلام في الحديث النبوي والحكم بالضعف والغرابة والتفرُّد والقبول والرد ليس لكل من هبَّ ودرج، وإنما يتطلب علمًا واسعًا، وإحاطة تامة بطُرُق الحديث ورواته وأحوالهم، وهناك أسباب تجعل هذا الحكم اختصاصًا لأهل العلم الكبار والحُفَّاظ، بحيث يكون عنده إلمام واسع بأسانيد الحديث وطرقه المختلفة، وتفرّد راوٍ معين بسند أو متابعاته، وهذا يحتاج إلى خبرة كبيرة ورسوخ، ولا بد أن يكون عنده اطلاع واسع على مرويات الرواة والعلل، ومعرفة أحوال الرواة وشيوخهم. ولا بد من النظر في أحكام الأئمة الكبار؛ كشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وابن المديني، وأحمد، وابن معين، والبخاري، فقد كانوا على علم واسع ومنهج راسخ في الحكم على الرجال والأحاديث، بالقبول والرد. ومن ذلك الجُرأة في تعليل الحديث بالتفرُّد والغرابة، ومعلوم أن الحكم بالغرابةِ والتفرُّدِ ليس بمقدور كل أحد، وإنما هو من خصائص كبار الحُفَّاظ؛ لأنَّ الحكم بالغرابة يتضمَّن دعوى الاطلاع على السُّنَّة جميعها، فلا يقوم به إلا من كان أهلًا لمثل هذه الدعوى، قال الإمام مسلم رحمه الله: "وَاعْلَم- رَحِمك الله- أَن صناعَة الحَدِيث وَمَعْرِفَة أَسبَابه من الصَّحِيح والسقيم إنما هِيَ لأهل الحَدِيث خَاصَّة؛ لأنهم الْحُفَّاظ لروايات النَّاس العارفين بهَا دون غَيرهم"[1]. وروى أبو حاتِمٍ بسنده أن أَحْمَد بْن صالح المصري رحمه الله قال: "معرفةُ الحديثِ بمنزلةِ معرفة الذَّهَبِ والشَّبَه؛ فإنَّ الجَوْهَرَ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ أهلُهُ، وَلَيْسَ للبصير فِيهِ حُجَّةٌ إِذَا قِيلَ لَهُ: كيف قلتَ: «إنَّ هَذَا بائنٌ»؟ يعني: الجيِّدَ أو الرديءَ"[2]. ويقول الخطيب البغدادي رحمه الله: "الْمَعْرِفَة بِالْحَدِيثِ لَيْسَتْ تَلْقِينًا وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يُحْدِثُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِعِلْمِ الْحَدِيثِ مَعْرِفَةُ الصَّرْفِ وَنَقْدُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ جَوْدَةَ الدِّينَارِ وَالدَّرَاهِمِ بِلَوْنٍ وَلَا مَسٍّ وَلَا طَرَاوَةٍ وَلَا دَنَسٍ وَلَا نَقْشٍ وَلَا صِفَةٍ تَعُودُ إِلَى صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَلَا إِلَى ضِيقٍ أَوْ سَعَةٍ وَإِنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاقِدُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ فَيَعْرِفُ الْبَهْرَجَ وَالزَّائِفَ وَالْخَالِصَ وَالْمَغْشُوشَ، وَكَذَلِكَ تَمْيِيزُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ عِلْمٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الْمُمَارَسَةِ لَهُ وَالِاعْتِنَاءِ بِهِ"[3]، ثم ذكر آثارًا كثيرة تدل على ما قاله رحمه الله. ويقول أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله: "وأما الغريب والأفراد فلا يمكن الكلام عليها لكل أحد من الناس، إلا من برع في صنعة الحديث"[4]. وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وهو مِن أَغْمضِ أنواعِ علومِ الحديثِ وأدقِّها، ولا يقومُ بهِ إلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللهُ تعالى فَهْمًا ثاقِبًا، وحِفْظًا واسِعًا، ومعرِفةً تامَّةً بمراتِبِ الرُّواةِ، وملَكَةً قويَّةً بالأسانيدِ والمُتونِ؛ ولهذا لم يَتكلم فيهِ إِلَّا القليلُ مِن أَهلِ هذا الشأْنِ؛ كعليِّ بن المَدينيِّ، وأَحمدَ بنِ حنبلٍ، والبُخَارِيّ، ويَعقوبَ بنِ شَيْبةَ، وأَبي حاتمٍ، وأَبي زُرْعَةَ، والدَّارَقُطنيُّ"[5]. ونقل السخاوي رحمه الله عن العلائي رحمه الله قوله عن التفرُّد: "الحكم به من المتأخرين عسير جدًّا، وللنظر فيه مجال، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحُّر في علم الحديث والتوسُّع في حفظه؛ كشعبة والقطان، وابن مهدي ونحوهم، وأصحابهم مثل: أحمد وابن المديني، وابن معين، وابن راهويه، وطائفة، ثم أصحابهم مثل البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي. وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي، ولم يجئ بعدهم مساوٍ لهم، ولا مُقارِب. أفاده العلائي"[6]. وقال الإمام محمد بن إبراهيم الوزير رحمه الله: "الحكم على الحديث بالغرابة أو النَّكارة أو الشُّذوذ مقام وعر تدحض فيه أقدام أئمة الحفَّاظ فكيف بغيرهم، فينبغي من القاصر الاعتراف لأهل الإتقان بالإمامة والتَّقَدُّم في علومهم وكفُّ أكُفِّ الاعتراض على إمامي المحدِّثين: البخاريِّ ومسلم وأمثالهما، ومن وقف على قدح في بعض رواتهما أو تعليل لبعض حديثهما وكان ذلك من النَّادر الذي لم يُتَلَقَّ بالقبول؛ فالذي يقوى عندي وجوب العمل بذلك؛ لأنَّ القدح بذلك محتمل"[7]. ومما سبق يتبين أن الحكم على الأحاديث النبويَّة تصحيحًا وتضعيفًا، وقبولًا وردًّا، ووصفًا لها بالغرابة أو التفرد أو الشذوذ أو النكارة، ليس أمرًا يسيرًا يدرك بمجرد القراءة أو الاطلاع على بعض الكتب، بل هو علم دقيق له أصوله وقواعده، لا يخوض فيه إلا من رزقه الله فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفةً بأحوال الرواة وعلل الأحاديث وطرقها. ولهذا كان أئمة الحديث رضي الله عنهم يتورعون عن إطلاق الأحكام على الأحاديث إلا بعد التثبُّت والنظر الدقيق، مع ما أوتوه من العلم والحفظ والإمامة، فكيف بمن جاء بعدهم ممن لم يبلغ مبلغهم في المعرفة والإتقان؟ فالواجب على المسلم أن يعرف لأهل هذا الشأن قدرهم، وأن يرجع إلى أحكامهم، وألا يتعَجَّل في رد حديث أو تضعيفه أو الاعتراض على أئمة السُّنَّة بغير علم وبرهان؛ فإن الكلام في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخطر أبواب العلم، ومن تكلَّم فيه بغير علم فقد عرَّض نفسه للزَّلَل، وعرَّض دينَه للخطر. فعلى الإنسان أن يعرف قدر نفسه، وألَّا يقحمها في مواطن لا يحسنها؛ فإن المرء إذا تكَلَّم أو كتب عرض عقله على الناس، وقد كان في ستر، وقد قيل: وَفِي الصَّمْتِ سترٌ لِلْعَيِيِّ وَإِنَّمَا ![]() صَحِيفَةُ لُبِّ الْمَرْءِ أَنْ يَتَكَلَّمَا[8] ![]() ![]() ![]() وقيل: "عقول الرجال تحت أقلامها"[9]. فــ "القلم أحد اللسانين. عقول الرجال تحت أسنة أقلامها"[10]. فليعرف العاقل قدر نفسه، وليكفَّ لسانه وقلمه عن الخوض في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بغير علم، وعن الاعتراض على أئمة الحديث ونُقَّاده بغير بيِّنة؛ فإن هذا الشأن له رجاله وأهله الذين أفنوا أعمارهم في خدمة السُّنَّة، وتمييز صحيحها من سقيمها، وحفظها للأمة نقية صافية كما تَلَقَّوْها عمن قبلهم. واعلم أن الطعن في السُّنَّة الثابتة، أو التهوين من شأن أئمتها ونُقَّادها، لا يضُرُّ السُّنَّة وأهلها، وإنما يضُرُّ صاحبه، فالسُّنَّة محفوظة بحفظ الله تعالى، وسيبقى في هذه الأمة من يذبُّ عنها وينصرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن رام إطفاء نورها أو النيل من مكانتها كان كمن يحاول أن يحجب نور الشمس بكَفِّه أو ينفخ فيها ليطفئ ضياءها، وهيهات. ونسأل الله عز وجل أن يرزقنا العلم النافع، والفقه في دينه، وتعظيم سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وأن يُجنِّبنا القول عليه بغير علم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. [1] التمييز (ص: 218). [2] العلل، لابن أبي حاتم (1/ 23)، ت الحميد، وذكره الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 256)، برقم (1776). [3] الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 255). [4] أطراف الغرائب والأفراد (1/ 44). [5] نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ت الرحيلي (ص: 113-114). [6] فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (1/ 313). [7] الروض الباسم في الذبِّ عن سُنَّة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم (1/ 171). [8] البيان والتبيين، للجاحظ (1/ 189)، وعيون الأخبار، لابن قتيبة (2/ 191)، حماسة البحتري (ص:454)، والبيت لمالك بن سلمة العبسي. [9] أدب الكتاب للصولي (ص:67). [10] التمثيل والمحاضرة، للثعالبي (ص:155).
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |