|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
معركة القلب وسرُّ النجاة د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: هناك في أعماق كل إنسان ساحة معركة لا تهدأ؛ جندُ الوحي ينيرون الطريق، وجندُ الهوى يُزيِّنون العقبات، وبينهما يقف القلب؛ الملكُ الذي إن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كلُّه. ولأنَّ الله عزَّ وجلَّ خلق الإنسان ليُختَبَر ويُبْتلى، فقد جعل للعبد عدوًّا لا يملُّ، هو إبليس- لعنه الله- الذي أقسم أن يقعد للناس صراطهم المستقيم، وأُعطي من الوسائل ما يُمتحَن به صدق العبد وثباته. وفي زمنٍ تتداخل فيه الأصوات، وتتشابه فيه المسالك، وتُقَدَّم فيه الشهوات والشُّبُهات في ثوب الحق، صار الحديث عن الوحي والهوى ضرورةً لحفظ دين الفرد وطمأنينة قلبه. القلب… موضع نظر الله وسرُّ صلاح الإنسان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ»؛ أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599). وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]. قال ابن القيم (التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (ص 526)): "فإنَّ "القلب" مَلِكُ سائر الأعضاء، وهي جنودٌ له وخَدَمٌ، فإذا صَلَح "القلب" صَلَحت جنوده، وإذا فَسَدَ فَسَدَت"، فصلاح القلب ليس ترفًا روحيًّا، بل هو أصل النجاة. إن أحبَّ القلب شيئًا اندفعت الجوارح نحوه بلا كلفة، وإن أبغض شيئًا نَفَر منه بلا تكلُّف؛ ولهذا كانت أعظم المعارك: أن يكون القلب تابعًا للوحي، لا أسيرًا للهوى. بين الوحي والهوى… طريقان لا يلتقيان: يقرر القرآن بوضوح أن الناس في واحد من طريقين: طريق الوحي والاتباع، أو طريق الهوى والانقياد للنفس، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]، وقال سبحانه: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]؛ ولهذا كانت وصية الله عز وجل لداود عليه السلام: ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26]، فالهوى أصل كل بدعة، ومادَّة كل معصية، فأنت في كل موقف- مهما ظننت بساطته- تقف أمام خيار: وحي أو هوى. منارات الوحي… وبوصلة السير إلى الله: حين أكمل الله الدين، لم يترك للناس مجالًا يتيهون فيه، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، فالمسلم- قبل أن يُقْدِم على قول أو عمل- يسأل نفسه: هل يُرضي الله عز وجل؟ هل له أصلٌ من الوحي؟ هل يوافق فهم الصحابة الذين نزل القرآن فيهم؟ عن عَبدِاللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه أنَّه قال: "اتَّبِعوا ولا تَبْتَدِعوا؛ فقد كُفْيتُم"؛ رواه الطبراني (9/154) (8770)، والدارمي (205). وعنِ ابنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه قال: "الاقتِصادُ في السُّنَّةِ أحسَنُ من الاجتِهادِ في البِدْعةِ"؛ أخرجه الدارمي (217) باختلاف يسير، والحاكم (353)، والبيهقي (4933) واللَّفظُ لهما. وعن عَبدِاللهِ بنِ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عنهما قال: "كُلُّ بدعةٍ ضَلالةٌ وإن رَآها النَّاسُ حَسَنةً"؛ رواه ابن بطة في ((الإبانة الكبرى)) (205)، والبيهقي في ((المدخل إلى السنن الكبرى)) (191). وقال ابن مسعود رضي الله عنه: أنت الجماعةُ ولو كنتَ وحدَك. فمع أنَّ الجماعة في ظاهرها اجتماعُ عددٍ من الناس، إلا أنَّ ميزانها الحقيقي هو الثبات على الحق، فمن لزم الهدى، ووقف في صفِّ الحقِّ، فهو الجماعةُ بعينها، وإن لم يوافقه أحد. كيف يخدع الهوى الإنسان؟ أخطر مكائد الهوى أنه لا يواجه الإنسان مواجهة صريحة، بل يُزيِّن له ما يحب، ويُبعِد عنه ما يكره، حتى يصير المرء ينتقي من الدين ما يوافق رغبته. ومن صور ذلك في حياتنا المعاصرة: انتقاء الأحكام الدينية وفق المزاج: كم من شخص يسمع حكمًا شرعيًّا لا يعجبه، فيترك الدليل، ويبدأ في نقد القائل! وإذا غلب الهوى وقع النزاع وضاع الدليل. تلقي الدين من الإعلام لا من العلماء: من يجعل برامج «التوك شو» منبره الشرعي، فقد فتح على قلبه بابًا من أبواب الفتنة، وأدار ظهره لصفاء الوحي ومصادره النقية. الخلط في القضايا الاقتصادية والمعاملات: كثير من الناس حين يسمع حكمًا فقهيًّا في مسائل البنوك أو القروض، لا يراجع الدليل، بل يراجع مصلحته! فينقسم المستمعون- كما يشهد الواقع- إلى من يسلِّم، وإلى من يجادل، وإلى من يبحث عن فتوى تشبه هواه. مسؤولية العلماء والمربين: غشُّ الطالب أو المصلِّين أو عموم الناس ليست رحمة، قال صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والرَّجُلُ في أهْلِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والمَرْأَةُ في بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وهي مَسْؤُولَةٌ عن رَعِيَّتِهَا، والخَادِمُ في مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وهو مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ"؛ أخرجه البخاري (2409) ومسلم (1829). فإذا رأى المربِّي خللًا في العقيدة، أو في العبادة، أو في الولاء والبراء، وسكت، فقد خان الأمانة. والداعية الصادق لا يقدِّم للناس دينًا مخفَّفًا يناسب رغباتهم، بل يقدِّم لهم ما أنزل الله، برحمةٍ وبيانٍ وحكمةٍ. ليس كل مخاطَب يطيق الكلام الذي ينفعه، لكن ترك البيان خوفًا من ردود الأفعال تضييع للدين والناس معًا. الدنيا ليست دار جزاء: من أخطاء العصر تَعَلُّق الناس بالآثار الدنيوية للطاعة أكثر من حقيقتها؛ بعضهم يتصدَّق منتظرًا مالًا مضاعفًا فورًا، أو يظن أن الطاعة ستفتح عليه أبواب الرزق مباشرة، لكن القرآن يقرر أنَّ الدنيا امتحان: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ [الأنبياء: 35]، المؤمن يعبد الله على بصيرة، لا على اشتراطات، ويرضى بقدر الله في المنع والعطاء، فكلاهما ابتلاءان لا يُنجي منهما إلا صدق الإيمان. الثبات… زاد الطريق ووصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: عن شهر بن حوشب قال: قُلتُ لأمِّ سلمةَ: يا أمَّ المؤمنينَ، ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: "يا مُقلِّبَ القلوبِ، ثبِّت قلبي على دينِكَ"، قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما أكثرُ دعاءكَ: يا مقلِّبَ القلوبِ، ثبِّت قلبي على دينِكَ! قالَ: "يا أمَّ سلمةَ، إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ"، فتلا معاذٌ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8]؛ أخرجه الترمذي (3522) بلفظه، وأحمد (26679)، وأبو يعلى (6986). فإذا كان قلب خير البشر يتقلَّب ويحتاج إلى تثبيت، فما بال قلوبنا؟ وما بال زمانٍ تكاثرت فيه الشبهات والشهوات، وتزيَّنت فيه طرق الانحراف؟ الثبات نعمة، والهداية توفيق، ولا يملكها إلا الله، فما أحوجنا إلى تضرّعٍ دائم، وخوفٍ من الزيغ، ومحافظةٍ على منابع الطاعة! الخاتمة: إنَّ معركة الهوى والوحي ليست معركة معلومات، بل معركة قلب، ومعركة اتباع، ومعركة صدقٍ في طلب الحق. ونجاة القلب رهنٌ بأن يكون الوحي إمامه، والهوى خادمه لا قائده. فاللهم يا مقلب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك، وألهمنا رشدنا، واصرف عنا الأهواء، واجعلنا من أهل البصيرة والاستقامة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |