قصة زينب وأبي العاص - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحديث Android 17 يسبب مشكلة 5G لبعض هواتف Pixel.. وحل مؤقت يعيد الاتصال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          احتيال جديد يستهدف مستخدمى آيفون.. رسائل مزيفة تدّعى اختراق حسابات أبل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          واتساب يختبر ميزة فقاعات الرسائل المتحركة الجديدة على أجهزة آيفون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          اكتشاف إضافات برمجية خبيثة تسرق مفاتيح الذكاء الاصطناعي للمطورين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          ثغرة أمنية حرجة تهدد البوابات المركزية لخدمات الذكاء الاصطناعي للشركات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          واتساب يختبر مؤشرا جديدا للمتصلين بالإنترنت وميزة لإدارة النسخ الاحتياطية على أندرويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          اكتشاف ثغرة أمنية غير قابلة للإصلاح تؤثر على عدد من إصدارات أيفون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          خلل فى Android 17 يعطل بعض تطبيقات جوجل على هواتف Pixel عند الاتصال بـWi-Fi (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          Siri AI يجعل ساعة Apple Watch جهازًا ذكيًا متكاملًا يعمل بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          وضع محاكاة الطيران فى Google Earth أصبح متاحًا الآن فى متصفحك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 13-07-2026, 08:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,674
الدولة : Egypt
افتراضي قصة زينب وأبي العاص

قصة زينب وأبي العاص

د. سعود بن غندور الميموني
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الوَصِيَّةَ المَبْذُولَةَ لِي وَلَكُمْ- عِبَادَ اللَّهِ- هِيَ تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ إِذْ هِيَ الأُنْسُ عِنْدَ الوَحْشَةِ، وَالقُوَّةُ عِنْدَ الضَّعْفِ، وَالبَرَكَةُ عِنْدَ المَحْقِ، وَالعِلْمُ عِنْدَ الجَهْلِ: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الفُضَلَاءُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَدَبَّرُ فِي سِيرِ الصَّالِحِينَ، وَأَبْلَغِ مَا تُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الدُّرُوسُ وَالعِبَرُ، قِصَّةَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَوْجِهَا أَبِي العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تِلْكَ القِصَّةُ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الحُبُّ وَالوَفَاءُ، وَالإِيمَانُ وَالصَّبْرُ، وَالرُّجُولَةُ وَالمُرُوءَةُ.

أَيُّهَا المُحِبُّونَ لِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُبْرَى بَنَاتِهِ مِنْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، تِلْكَ المَرْأَةُ التِي نَشَأَتْ فِي بَيْتٍ طَاهِرٍ لَمْ تَعْرِفِ الإِنْسَانِيَّةُ مِثْلَهُ طُهْرًا وَلَا شَرَفًا، بَيْتٍ تَنَزَّلُ فِيهِ الوَحْيُ، وَتُرَبَّى فِيهِ النُّفُوسُ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ قَبْلَ نُزُولِ التَّشْرِيعِ.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، كَانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَوْضِعَ عِنَايَةِ أَبِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، وَتَقَدَّمَ لَهَا ابْنُ خَالَتِهَا أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، مُحِبًّا لَهَا حُبًّا صَادِقًا لَا تُشُوبُهُ مَصْلَحَةٌ وَلَا تُكَدِّرُهُ غَايَةٌ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ يَسْأَلُهُ يَدَهَا.

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا بَأْسَ، وَلَكِنْ دَعْنِي أَسْتَشِيرهَا" فَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ وَسَأَلَهَا، فسَكَتَتْ حَيَاءً، حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهَا، فَفَهِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُغَةَ القَلْبِ، وَأَمْضَى الزَّوَاجَ، وَأَهْدَتْ إِلَيْهَا أُمُّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِقْدًا كَانَتْ تَتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاقْتَرَنَتْ زَيْنَبُ بِأَبِي العَاصِ عَلَى مِيثَاقِ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

وَمَضَتِ الأَيَّامُ، وَبَدَأَتْ حَيَاتُهُمَا تَسِيرُ فِي دُرُوبِ الأُلْفَةِ، وَكَانَ أَبُو العَاصِ تَاجِرًا ذَا شَأْنٍ، فَكَانَ مِمَّنْ يَتَّجِرُ إِلَى الشَّامِ وَاليَمَنِ، وَعِنْدَمَا ذَهَبَ لِلتِّجَارَةَ إِلَى الشَّامِ، بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآمَنَ مَنْ حَوْلَهُ، وَمِمَّنْ آمَنَ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

وعِنْدَمَا رَجَعَ أَبُو العَاصِ مِنَ الشَّامِ، اسْتَقْبَلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا العَاصِ، إِنَّ أَبِي مِنَ الرِّجَالِ، وإَنَّهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، أَفَلَا تُسْلِمُ؟ فَغَضِبَ. وقَالَ: "أَوَلَمْ تَسْتَأْذِنِينِي؟ قَالَتْ: مَا أَسْتَأْذِنُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. قَالَ: لَا رَغْبَةَ لِي فِي الإِسْلَامِ". وَلَمْ يُجْبِرْهَا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، بَلْ رَعَاهَا خَيْرَ رِعَايَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ؛ فَلَمْ يَظْلِمْهَا، وَلَمْ يَضْرِبْهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا، وَلَمْ يَقْطَعْهَا عَنْ أَبِيهَا...وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَهَبَتْ زَيْنَبُ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَتْ: أَسْتَأْذِنُكَ أَنْ أُقِيمَ مَعَ زَوْجِي وَأَبْنَائِي فِي مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَكَّةُ يَوْمَئِذٍ كُلُّهَا شِرْكًا...وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِقَةً بِأَبِي العَاصِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى رُجُولَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ، أَنْ يَحْفَظَهَا وَيَدْفَعَ عَنْهَا أَذَى قُرَيْشٍ، فَبَقِيَ مُحَافِظًا عَلَى عَهْدِهِ، مُكْرِمًا لَهَا.

وقَبْلَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، كَانَتْ قُرَيْشٌ تُضَايِقُهُ وَتُصِرُّ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ زَيْنَبَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ، إِنَّهَا زَوْجَتِي، وَظَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَخَرَجَ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ مَعَ قَوْمِهِ حَمِيَّةً فِيهِمْ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَتْ تِلْكَ المَعْرَكَةُ المَعْرُوفَةُ.

وَكَانَ مِمَّنْ أُسِرَ يَوْمَئِذٍ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَ لِكُلِّ أَسِيرٍ فِدَاءٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا العَاصِ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَفْدِيهِ؛ إِذْ كَانَ مَوْقِفُهُ مِنْ دَعْوَةِ قُرَيْشٍ مَحَلَّ غَضَبٍ لَدَيْهِمْ بِسَبَبِ إِبْقَائِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَقَامَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَنَزَعَتِ العِقْدَ الَّذِي أَهْدَتْهُ إِلَيْهَا أُمُّهَا، وَأَرْسَلَتْهُ فِدَاءً لِزَوْجِهَا مَعَ أَخِيهِ. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الفِدَاءُ يَقُولُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيَقُولُ: أَطْلِقُوهُ، حَتَّى مَرَّ بِعِقْدِ خَدِيجَةَ، فَعَرَفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا قِلَادَتَهَا فَافْعَلُوا" فَفَعَلُوا، فَأُطْلِقَ سَرَاحُهُ، وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: إِذًا رُدَّ عَلَيَّ ابْنَتِي، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وَمُشْرِكٍ، فَرَجَعَ أَبُو العَاصِ، ووَقَعَ الفِرَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَكَانَ ذَلِكَ الفِرَاقُ أَشَدَّ مِنْ كُلِّ فِرَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ كُرْهٍ، بَلْ عَنْ امْتِثَالٍ.

وَأَرْسَلَ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بِزَيْنَبَ فِي الهَوْدَجِ مَعَ أَخِيهِ، عَلَى أَنْ تُرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا مُكَرَّمَةً مَصُونَةً كَمَا أُخِذَتْ، فَاعْتَرَضَهَا رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: تُرْسَلُ إِلَى أَبِيهَا وَقَدْ قَتَلَ مِنَّا مَنْ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ! وَاللَّهِ لَا تَخْرُجُ. فَنَثَرَ عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْمَى قُرَيْشًا، وَلَا يَقْتَرِبُ أَحَدٌ مِنَ الهَوْدَجِ إِلَّا رَمَيْتُهُ، فَخَرَجَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: وَيْلَكُمْ! أَشُجْعَانٌ عِنْدَ النِّسَاءِ جُبَنَاءُ عِنْدَ اللِّقَاءِ؟! فوَصَلَتْ زَيَنْبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِلَى أَبِيهَا مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً، وَمَرَّتِ السُّنُونَ، وَظَلَّ فِي قَلْبِ أَبِي العَاصِ شَيْءٌ لَا يَزُولُ، وَظَلَّتْ زَيْنَبُ عَلَى عَهْدِ الوَفَاءِ، تَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ، لَا تَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إِلَى الإِسْلَامِ.

ثُمَّ خَرَجَ أَبُو العَاصِ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَاعْتَرَضَهُ المُسْلِمُونَ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ، فَأُسِرَتِ القَافِلَةُ وَفَرَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ لَيْلًا، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ زَيْنَبَ، فَأَجَارَتْهُ فِي لَحْظَةٍ لَا تُقَاسُ بِالقَرَارَاتِ، بَلْ بِالمُرُوءَاتِ، وَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي المَسْجِدِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَالَتْ: "إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا العَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ". فَأَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِوَارَهَا، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: "لَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ"...فأَعَادَ المُسْلِمُونَ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُ، وعَادَ بِقَافِلَتِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَرَدَّ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ قَوْمِهِ وَقَالَ: "هَلْ وَفَّيْتُكُمْ؟ هَلْ أَدَّيْتُ الأَمَانَةَ؟" قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: "فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ مُسْلِمًا، لَا طَمَعًا وَلَا خَوْفًا، بَلِ اخْتِيَارًا بَعْدَ طُولِ اخْتِبَارٍ، فَقَبِلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ زَيْنَبَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.

فَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ بَعْدَ فِرَاقٍ طَوِيلٍ، وَلَكِنْ لَمْ تَدُمِ السَّعَادَةُ طَوِيلًا، إِذْ مَا لَبِثَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ لَقِيَتْ رَبَّهَا، فَانْهَارَ قَلْبُ أَبِي العَاصِ حُزْنًا، وَكَأَنَّمَا انْتُزِعَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ رُوحِهِ، وَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهَا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَحِقَ بِهَا، وَكَأَنَّ القَدَرَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمَا لِقَاءً أَخِيرًا، فِي دَارٍ لَا فِرَاقَ فِيهَا وَلَا أَلَمَ.

الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ فِي هَذِهِ القِصَّةِ مَعَادِنُ تُكْشَفُ، وَأَرْوَاحًا تُقَاسُ، لَا بِالدِّينِ فَقَطْ، وَلكِنْ بِالأَخْلَاقِ وَالوَفَاءِ، مَعْدِنُ الزَّوْجِ الَّذِي وَفَى، وَصَدَقَ، وَحَفِظَ العِشْرَةَ، وَقَاتَلَ دُونَ زَوْجَتِهِ...وَمَعْدِنُ الزَّوْجَةِ المُؤْمِنَةِ، إِيمَانٌ لَمْ يُلْغِ العَاطِفَةَ، وَوَفَاءٌ لَمْ يُضِعِ الدِّينَ، وَصَبْرٌ لَا يَنْهَارُ أَمَامَ الفِرَاقِ.

فَلْيَسْمَعِ الأَزْوَاجُ، وَلْيَسْمَعِ الآبَاءُ، وَلْتَسْمَعِ النِّسَاءُ عَنْ هَذَا الصِّدْقِ وَالرُّجُولَةِ وَالوَفَاءِ..

فأَيْنَ أَنْتُمْ- مَعَاشِرَ الأَزْوَاجِ- عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ وَالمَكَارِمِ العَلِيَّةِ؟ وَمَحَاكِمُنَا مَمْلُوءَةٌ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ وَعَدَمِ الاحْتِرَامِ.. أَيْنَ هَؤُلَاءِ عَنْ هَذِهِ الحَقَائِقِ؟

أَيْنَ أَنْتُمْ عَنِ التَّغَافُلِ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَعَنْ حُسْنِ الظَّنِّ، وَعَنِ الصَّبْرِ الَّذِي بِهِ تَدُومُ العِشْرَةُ؟ كُونُوا سَكَنًا كَمَا أُمِرْتُمْ، وَكُونُوا رَحْمَةً كَمَا وُصِفْتُمْ، فَإِنَّمَا تُحْفَظُ البُيُوتُ بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِدْقَ الوَفَاءِ، وَثَبَاتَ الإِيمَانِ، وَحُسْنَ الخُلُقِ، وَاجْمَعْنَا بِأَحِبَّتِنَا فِي دَارِ كَرَامَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا...اللَّهُمَّ أَمِّنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، وَزِدْهُم تَوْفِيقًا وَصَلاحًا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 73.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 72.08 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.33%)]