|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ... ﴾ سعيد مصطفى دياب قوله تَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النِّسَاءِ: 11]. جمعَ اللهُ تَعَالَى عِلْمَ الْفَرَائِضِ في ثلاثِ آياتٍ من كتابهِ، هَذِهِ الْآيَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا وَآخرِ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ، وهذا من إعجازِ القرآنِ الْكَرِيمِ، معَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عن رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولخطر عِلْمِ الْفَرَائِضِ وعظيمِ شأنِه، ولأنه أول علم يفقد، ورد الأمر بتعلمه، ومن ذلك ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا، فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي»[1]. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا»[2]. وَعَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَاللَّحْنَ وَالسُّنَنَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ»[3]. سَبَبُ نزولِ الآيةِ: سَبَبُ نزولِ هذِهِ الآيةِ ما رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: عَادَنِي رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلمَةَ مَاشِيَيْنِ، فوجَدَني النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَعْقِلُ شَيْئًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَش عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ﴾[4]. ومما ورد في سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الْآيَةِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، قَالَ: «يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ» فَنَزَلَتْ: آيَةُ المِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَمِّهِمَا، فَقَالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ»[5]. مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا: مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَحْكَامَ الْمِيرَاثِ في قولِه تَعَالَى: ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ [النِّسَاءِ: 7]، ذكرًا مجملًا، ثم ذكرَ في هذه الآية بيان ما وردَ مجملًا قبلها. وأمر اللهُ تَعَالَى في الآيات السابقة بِإِعْطَاءِ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ إِلَّا مَنْ كَانَ سَفِيهًا، وَنَهَى عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَبْطَلَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الناسُ في الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَوْرِيثِ الصِّغَارِ وَالْإِنَاثِ، فَنَاسَبَ أَنْ يُبَيِّنَ بَعْدَه أَحْكَامَ الْمِيرَاثِ. ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾. الْوَصِيَّةُ هِيَ: مَا يَعْهَدُ بِهِ الإنسانُ إِلَى غَيْرِهِ بِمَا يَعْمَلُه فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُقْتَرِنًا بِوَعْظٍ. وَالْخِطَابُ فِي الْآيَةِ عَامٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ التَّرِكَةَ وَيُنَفِّذُونَ الْوَصِيَّةَ. وَفِي الكلامِ حَذْفٌ تقديره: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِ منْ ماتَ منكم؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطَبَ الْحَيُّ بِقِسْمَةِ مالهِ حال حياته. والمراد بقوله تَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ.... ﴾؛ أَيْ: يَعْهَدُ إِلَيْكُمْ ويَفْرِضُ عَلَيْكُمْ، وَالْوَصِيَّةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تفيدُ الإيجاب؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾[6]. وذكر الله تعالى لَفْظَ الْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ، وأَبْلَغُ وَأخفُّ على النُّفُوسِ في هذا الموطنِ من الأَمرِ؛ لذلك يحتفي الإنسانُ بوصيةِ مَنْ أوصَاهُ أكثرَ من تنفيذِ أمرِ مَنْ أمَرَهُ، يقول: أوصاني فلان أن أحضر له كذا وكذا. كان أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَوَارَثُونَ بالنَّسَبِ، وَبالْعَهْدِ، أَمَّا النَّسَبُ فكَانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الصِّغَارَ، وَيَقُولُونَ لَا يَرِثُ إِلَّا مَنْ طَاعَنَ بِالرِّمَاحِ وَذَادَ عَنِ الْحَوْزَةِ وَحَازَ الْغَنِيمَةَ. وَمن التوارثِ بالْعَهْدِ: الْحِلْفُ، وهو أن يقولَ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: دَمِي دَمُكَ، وَهَدْمِي هَدْمُكَ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، فمَنْ مَاتَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، ورثه الآخرُ وله ما يشترطُ مِنْ مَالِه. وَمن التوارثِ بالْعَهْدِ: التَّبَنِّي، كانَ الرَّجُلُ يَتَبَنَّى ابْنَ غَيْرِهِ فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ مِنَ النَّسَبِ وَيَرِثُهُ، وهو نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُعَاهَدَةِ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبطلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وبين أَنَّ أَسْبَابَ الميراثِ في الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةٌ وهِي: النَّسَبُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْوَلَاءُ. ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾: بَدَأَ اللهُ تَعَالَى بِذِكْرِ مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْإِنْسَانِ بِوَلَدِهِ أَشَدُّ من تَعَلُّقِهِ بغيره، وفِي الآيةِ دَليلٌ على أَنَّهُ تَعَالَى أَرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ؛ فإنَّهُ تَعَالَى أَوْصَى الْوَالِدَيْنِ بِأَوْلَادِهِمْ؛ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ» قُلْنَا: لاَ، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»[7]. وقوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ... ﴾، عام مخصوص بما رواه البخاري ومسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَرِثُ الْمُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ الكَافِرُ الْمُسْلِمَ»[8]. ومخصوصٌ بما رواه أبو داود والنسائي والدارقطني بسندٍ حسن عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ»[9]. قال الإمام الرحبي: وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنْ الْمِيرَاثِ ![]() وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاثِ ![]() رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِينِ ![]() فَافْهَمْ فَلَيْسَ الشَّكُّ كالْيَقِينِ ![]() ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.... ﴾: الْأَوْلَادُ جَمْعُ وَلَدٍ، وَالْوَلَدُ اسْمٌ لِلِابْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كَانَ المَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ»[10]. الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ نَصِيبَ الْمَرْأَةِ نِصْفَ نَصِيبِ الرَّجُلِ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أوجب النفقةَ لها على أبيها بنتًا، وعلى زَوْجَهَا زوجةً، وعلى ابنها أمًّا. وَتَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ حكمُ اللَّهِ تَعَالَى، الذي يعْلَمُ مَصَالِحَ خَلْقِهِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]. قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ: تَفْضِيلُهُ الذَّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النساء: 176]. وَقَدْ صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ يُبَيِّنُ لِخَلْقِهِ هَذَا الْبَيَانَ الَّذِي مِنْ جُمْلَتِهِ تَفْضِيلُ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ لِئَلَّا يَضِلُّوا، فَمِنْ سَوَّى بَيْنِهِمَا فِيهِ فَهُوَ ضَالٌّ قَطْعًا. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى: أَنَّ الْمَرْأَةَ الْأُولَى خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، فَأَصْلُهَا جُزْءٌ مِنْهُ، فَإِذَا عَرَفَتْ مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ: أَنَّ الْأُنُوثَةَ نَقْصٌ خِلْقِيٌّ، وَضَعْفٌ طَبِيعِيٌّ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّحِيحَ الَّذِي يُدْرِكُ الْحِكَمَ وَالْأَسْرَارَ، يَقْضِي بِأَنَّ النَّاقِصَ الضَّعِيفَ بِخِلْقَتِهِ وَطَبِيعَتِهِ، يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَحْتَ نَظَرِ الْكَامِلِ فِي خِلْقَتِهِ، الْقَوِيِّ بِطَبِيعَتِهِ; لِيَجْلِبَ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى جَلْبِهِ مِنَ النَّفْعِ، وَيَدْفَعَ عَنْهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ مِنَ الضُّرِّ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ [النساء: 34]. وَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الضَّعِيفُ النَّاقِصُ مُقَوَّمًا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْقَوِيِّ الْكَامِلِ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُلْزَمًا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نِسَائِهِ، وَالْقِيَامِ بِجَمِيعِ لَوَازِمِهِنَّ فِي الْحَيَاةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ [النِّسَاءِ: 34]، وَمَالُ الْمِيرَاثِ مَا مَسَحَا فِي تَحْصِيلِهِ عَرَقًا، وَلَا تَسَبَّبَا فِيهِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكٌ مِنَ اللَّهِ مَلَّكَهُمَا إِيَّاهُ تَمْلِيكًا جَبْرِيًّا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْحَكِيمِ الْخَبِيرِ أَنْ يُؤْثِرَ الرَّجُلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الْمِيرَاثِ وَإِنْ أَدْلَيَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ; لِأَنَّ الرَّجُلَ مُتَرَقِّبٌ لِلنَّقْصِ دَائِمًا بِالْإِنْفَاقِ عَلَى نِسَائِهِ، وَبِذْلِ الْمُهُورِ لَهُنَّ، وَالْبَذْلِ فِي نَوَائِبِ الدَّهْرِ، وَالْمَرْأَةُ مُتَرَقِّبَةٌ لِلزِّيَادَةِ بِدَفْعِ الرَّجُلِ لَهَا الْمَهْرَ، وَإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا وَقِيَامِهِ بِشُئُونِهَا، وَإِيثَارُ مُتَرَقِّبُ النَّقْصِ دَائِمًا عَلَى مُتَرَقِّبِ الزِّيَادَةِ دَائِمًا لِجَبْرِ بَعْضِ نَقْصِهِ الْمُتَرَقِّبِ، حِكْمَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَاضِحَةٌ، لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا مَنْ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي[11]. وقوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ... ﴾، حَالَ اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَأَمَّا حَالَ الِانْفِرَادِ: فَلِلذَّكَرِ جَمِيعُ الْمِيرَاثِ، وَلِلْأُنْثَى النِّصْفُ، وَلِلِاثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ؛ لأنهن لَهُنَّ فَرْضٌ مُسَمًّى كما سيأتي بيانه، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعَ الْأَوْلَادِ مَنْ لَهُ فَرْضٌ مُسَمًّى أُعْطِيهِ، وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، لما ثبتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[12]. قوله: ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾: في الكلام حذفٌ تقديره: فَإِنْ كُنَّ الْأَوْلَادُ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ. بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ النِّسَاءَ إِنْ كُنَّ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ، وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الْبِنْتَيْنِ بِالْقَوْلِ الصَّرِيحِ، فقالَ ابْنِ عَبَّاسٍ: الثُّلُثَانِ فَرْضُ الثَّلَاثِ مِنَ الْبَنَاتِ فَصَاعِدًا، وَأَمَّا فَرْضُ الْبِنْتَيْنِ فَهُوَ النِّصْفُ، وقيلَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ. وقَالَ بَعْضُهم: قَوْلُهُ: ﴿ فَوْقَ ﴾، زَائِدَةٌ وَتَقْدِيرُهُ: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً اثْنَتَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ﴾ [الأنفال: 12][13]. وَهَذَا الكلام باطلٌ؛ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ زَائِدٌ، وكلام الله تعالى منزه عن ذكر لفظ يخلو عن قصد معنى صحيح، ومما يدل على فساد هذا القول بالزيادة أنه تعالى قال: ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾، ولو كانت ﴿ فَوْقَ ﴾، زَائِدَةٌ لَقَالَ: فَلَهُمَا ثُلُثَا مَا تَرَكَ. وَاسْتُفِيدَ كَوْنُ الثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ مِنْ حُكْمِ الْأُخْتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْأَخِيرَةِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ فِيهَا لِلْأُخْتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ؛ قَالَ تعالى فِي بيانِ مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ: ﴿ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ ﴾ [النِّسَاءِ: 176]، وَإِذَا وَرِثَ الْأُخْتَانِ الثُّلُثَيْنِ فَلَأَنْ يَرِثَ الْبِنْتَانِ الثُّلُثَيْنِ بِطْرِيقِ الْأَولَى. فذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُكْمَ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْبَنَاتِ وَحُكْمَ الثَّلَاثِ فَمَا فَوْقَهُنَّ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْبِنْتَينِ، وذَكَرَ في الآيةِ الآخيرة مِيرَاثَ الْأُخْتِ الْوَاحِدَةِ وَالْأُخْتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِيرَاثَ الْأَخَوَاتِ الْكَثِيرَةِ، فَصَارَت كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مُجْمَلَةً مِنْ وَجْهٍ وَمُبَيَّنَةً مِنْ وَجْهٍ. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا مِنْ سَعْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، قَالَ: «يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ» فَنَزَلَتْ: آيَةُ المِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَمِّهِمَا، فَقَالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ»[14]. ﴿ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾: إذا انفردت البنتُ الْوَاحِدَةُ فَلَهَا نِصْفُ الميراثِ؛ عنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيل، قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ المُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِلاِبْنَةِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ»، فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لاَ تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الحَبْرُ فِيكُمْ[15]. قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ﴾، أَيْ: لأَبَوَيِ الْمَيِّتِ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مِنَ السِّيَاقِ، والنسبة دائمًا في الميراث تكون للْمَيِّتِ، ﴿ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ ﴾، يتساويان في ذلك ولَا يَتَفَاضَلَانِ كَمَا يَتَفَاضَلُ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ مِنَ الْأَوْلَادِ، وَالْإِخْوَةِ، وَالْأَزْوَاجِ، لِعِظَمِ مَقَامِ الْأُمِّ، ولأنها تُسَاوِي الْأَبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَلَدِهِمَا. وجعل الله تعالى نصيبَ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْميرَاثِ أَقَلَّ مِنْ نصيبِ الْأَوْلَادِ; لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ فِي الْغَالِبِ أَقَلَّ حَاجَةً مِنَ الْأَوْلَادِ إِمَّا لِكِبَرِهِمَا، وَإِمَّا لِاسْتِقْلَالِهِمَا، وَإِمَّا لِوُجُودِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ عليهما مِنْ أَوْلَادِهِمَا، وَأَمَّا الْأَوْلَادُ فيَكُونُوا فِي الْغَالِبِ صِغَارًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَسْبِ. لِلْأَبَوَيْنِ فِي الْمِيرَاثِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يَجْتَمِعَا مَعَ الْأَوْلَادِ، وهَذِهِ الْحَالَةُ لها ثَلَاثَةُ صورٍ: الْأُولَى: أَنْ يكُونَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَيُفْرَضُ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ. وَالثَّانِيةُ: أَنْ يكُونَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ بِنتَانِ أوْ أكثرُ، فَيُفْرَضُ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ أيضًا. وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يكُونَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ فَيُفْرَضُ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلْأَبِ السُّدُسُ بنصِ هَذِهِ الْآيَةِ، ويعطى الأبُ السُّدُسَ الْبَاقِي تَعْصِيبًا. الْحَالَةُ الثَّانِيةُ: أَنْ يَنْفَرِدَ الْأَبَوَانِ بِالْمِيرَاثِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ ﴾. فَيُفْرَضُ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَيَأْخُذُ الْأَبُ الْبَاقِي تَعْصِيبًا، فَيَكُونُ لهُ ضَعْفَيِ مَا لِلْأُمِّ، وَهُوَ الثُّلُثَانِ. أَمَّا إِذَا وَرِثَهُ أَبَوَاهُ مَعَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ فيأخذُ الزَّوْجُ النِّصْفَ وَالزَّوْجَةُ الرُّبُعَ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: مَا تَأْخُذُ الْأُمُّ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَوْلُ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وهو الراجحُ، وتلقبُ بالْعُمَرِيَّتَينِ؛ نسبة إلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا رُفِعَتَا إلَيه فَجَعَلَ لِلْأُمِّ ثُلُثَ مَا يَبْقَى بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجَيْنِ، وهو أول من قضى للأم بثلث الباقي فيهما، وَبِالْغَرَّاوَيْنِ، لِشُهْرَتِهِمَا وَوُضُوحِهِمَا، وَبِالْغَرِيبَتَيْنِ، لِغَرَابَتِهِمَا، وَعَدَمِ النَّظِيرِ لَهُمَا بَيْنَ مَسَائِل الْفَرَائِضِ، وَبالْغَرِيمَتَينِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ ﴾، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، نَحْوُهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَأْخُذُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجَةِ، وَتَأْخُذُ ثُلُثَ الْبَاقِي فِي مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ؛ لِئَلَّا تَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَبِ لَوْ أَخَذَتْ ثُلُثَ الْمَالِ. الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يكُونَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ إِخْوَةٌ، سَوَاءٌ كانوا من الأبوين، أو من الْأَبِ، أَوْ مِنَ الْأُمِّ، فيَحْجُبُونَ الْأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ حجبَ نقصانٍ، ويحجبهم الْأَبُ حجبَ حرمانٍ فلَا يَرِثُونَ مَعَ وجودِ الْأَبِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَاهَا وَسِوَى الْأَبِ أَخَذَتِ الْأُمُّ السُّدُسَ وَأَخَذَ الْأَبُ الْبَاقِي. ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾: أمر الله تعالى بقسمة الميراث على النحو الذي بينه الله تعالى بَعْدِ قَضَاءِ دَيْنِ الْمَيِّتِ الَّذِي مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَإِنْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ تَرِكَتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ إذا كانت في حدود الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى الثُّلُثِ فَالورَثَةُ بالْخِيَارِ فِي إِجَازَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ رَدِّهِ إِلَى وَرَثَتِهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ في حُدودِ الثُّلُثِ فَهُوَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ، وعلى هذا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ، وأَجْمَعَوا على أن الدَّيْنَ مقدمٌ على الْوَصِيَّةِ؛ لقضاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك؛ فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء: 12]. «وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ، وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلَّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ»[16]. قال الترمذي: وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ. وَلقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]. قال البخاري: فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الوَصِيَّةِ. ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾: هذا جملةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ذِكْرِ الْوَارِثِينَ وَأَنْصِبَائِهِمْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾، لبيانِ أَنَّ الْقِسْمَةَ على تِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ هي الأنفعُ وَالأَصْلَحُ للعبادِ، ولا يجوز تركها لما تَسْتَحْسِنُهُ العُقُولُ إِلَى مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ الطَّبْعُ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ عَلَى الْوَرَثَةِ، فلا يدري العبادُ أَيُّهُمْ أَدْنَى وَأَكثرُ نَفْعًا لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ الْآبَاءُ أو الْأَبْنَاءُ. ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ﴾؛ أي: قسمة مقدرة، وحكم لازم مِنَ اللَّهِ تعالى، لا تحلُ مخالفته، بل يجبُ الِانْقِيَادِ لِهَذِهِ الْقِسْمَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا الشَّرْعُ. ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾: اللَّهُ عَلِيمٌ مَا يَسْتَحِقُّهُ كل أحدٍ مِنَ الْقِسْمَةِ، وَهُوَ حَكِيمٌ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بالْأَصْلَحِ والْأَنفعِ لعبادهِ، فيَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا. الأَسَالِيبُ البَلَاغِيةُ: من الأساليبِ البلاغيةِ في الآية: الْعُدُولُ عَنْ صِيغَةِ الأَمْرِ إِلَى صِيغَةِ الْإِيصَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الِاهْتِمَامِ، وأَبْلَغُ وَأخفُّ على النُّفُوسِ. والطِّبَاقُ فِي لَفْظِ: (لِلذَّكَرِ)، و(الْأُنْثَيَيْنِ) من قوله: ﴿ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾، وبين لفظ: (آبَاؤُكُمْ)، وَ (أَبْنَاؤُكُمْ)، من قوله: ﴿ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾. وَجِنَاسُ الاشْتِقَاقِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَصِيَّةٍ يُوصِي ﴾: وصيغةُ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، لبيانِ أنه لا يعزبُ عن علمِهِ شيءٌ، ولا يُشَّرِعُ تشريعًا إلا لحكمةٍ بالغةٍ. [1] رواه ابن ماجه- كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 2719، والحاكم في مستدركه- كِتَابُ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 7948، والدارقطني- كِتَابُ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 4059، والطبراني في الأوسط- حديث رقم: 5293، بسند ضعيف. [2] رواه الحاكم في مستدركه، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 7951، والدارمي، المقدمة، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِالْعُلَمَاءِ، حديث رقم: 227، والطبراني في الكبير- حديث رقم: 8926. [3] رواه الدارمي، وَمِنْ كِتَابِ الْفَرَائِضِ، بَابُ: فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 2892، وسعيد ابن منصور موقوفًا، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 1، بسند صحيح. [4] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: 11]، حديث رقم: 4577، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ مِيرَاثِ الْكَلَالَةِ، حديث رقم: 1616. [5] رواه أحمد، حديث رقم: 14798، والترمذي، أَبْوَابُ الْفَرَائِضِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ البَنَاتِ، حديث رقم: 2092، وابن ماجه، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ فَرَائِضِ الصُّلْبِ، حديث رقم: 2720، بسندٍ حسن. [6] سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الآية/ 151 [7] رواه البخاري، كِتَابُ الأَدَبِ، بَابُ رَحْمَةِ الوَلَدِ وَتَقْبِيلِهِ وَمُعَانَقَتِهِ، حديث رقم: 5999، ومسلم، كتاب التَّوْبَةِ، بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ، حديث رقم: 2754. [8] رواه البخاري، كِتَابُ الفَرَائِضِ، بَابٌ: لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ، كتاب التَّوْبَةِ، حديث رقم: 6764، ومسلم، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 1614. [9] رواه أبو داود، كِتَاب الدِّيَاتِ، بَابُ دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ، حديث رقم: 4564، والنسائي ي السنن الكبرى، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، تَوْرِيثُ الْقَاتِلِ، حديث رقم: 6333، والدارقطني، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، حديث رقم: 4148، الطبراني في الأوسط، حديث رقم: 884، بسند حسن. [10] رواه البخاري، كِتَابُ الوَصَايَا، بَابٌ: لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، حديث رقم: 2747. [11] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (3/ 24، 25). [12] رواه البخاري، كِتَابُ الفَرَائِضِ، بَابُ مِيرَاثِ الوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، حديث رقم: 6732، مسلم، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، حديث رقم: 1615. [13] سُورةُ الْأَنْفَالِ: الآية/ 12 [14] رواه أحمد، حديث رقم: 14798، والترمذي، أَبْوَابُ الْفَرَائِضِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ البَنَاتِ، حديث رقم: 2092، وابن ماجه، كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ فَرَائِضِ الصُّلْبِ، حديث رقم: 2720، بسند حسن، وتقدَّم. [15] رواه البخاري- كِتَابُ الفَرَائِضِ، بَابُ مِيرَاثِ ابْنَةِ الِابْنِ مَعَ بِنْتٍ، حديث رقم: 6763 [16] رواه أحمد- حديث رقم: 1222، والترمذي- أَبْوَابُ الْفَرَائِضِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَابُ مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الإِخْوَةِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ، حديث رقم: 2094، والبيهقي في السنن الصغرى- كِتَابُ الْفَرَائِضِ، بَابُ تَبْدِيَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ، حديث رقم: 2327، بسند حسن.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |