آخر خطبة في العام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4925 - عددالزوار : 2072188 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5322 - عددالزوار : 2723051 )           »          عاشوراء.. حين ينتصر اليقين على الطغيان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 134 )           »          فلذات الأكباد.. بين ميثاق الأمانة ومرافئ النجاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 95 )           »          ضحك النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 82 )           »          حرارة الصيف وسبل الوقاية من حرارة المحشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 79 )           »          مواسم الطاعة في مطلع العام: أجور تنال وبدع تزال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 83 )           »          الثبات على الدين (7) التثبيت بأخبار العلماء الربانيين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 53 )           »          الكسل: أسبابه وعلاجه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 56 )           »          آخر خطبة في العام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 75 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم يوم أمس, 03:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,262
الدولة : Egypt
افتراضي آخر خطبة في العام

آخِرُ خُطْبَةٍ فِي الْعَامِ

أحمد بن عبدالله الحزيمي


ملاحظة: يفضل عدم اختصار المقدمة، وقراءتها كاملة.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، خَالِقِ الْأَنَامِ، وَمُصَرِّفِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَمُقَلِّبِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، الَّذِي لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَارِضَ لِفِعْلِهِ، مُصَرِّفُ الْأَمْرِ بِحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعَدْلِهِ، الْمَلِكُ الْحَقُّ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَاكُ الْأَمْرِ كُلِّهِ، مُقَدِّرُ الْآجَالِ وَالْأَعْمَارِ، فَلَا يَتَأَخَّرُ شَيْءٌ عَنْ مِيقَاتِهِ، وَلَا يَبْرَحُ عَنْ مَحَلِّهِ؛ سُبْحَانَ مُقَدِّرِ الْأَعْمَارِ وَمُؤَقِّتِ الْآجَالِ، سُبْحَانَهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، يَرَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَيَسْمَعُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى تَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي غَيَاهِبِ الظُّلُمَاتِ، لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَلَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛ قَرِيبٌ مَجِيدٌ، رَحِيمٌ وَدُودٌ، لَطِيفٌ خَبِيرٌ، يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سُؤَالَ الْمُحْتَاجِ إِلَى رِزْقِهِ وَفَضْلِهِ، وَسَتْرِهِ وَعَافِيَتِهِ، وَهُوَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ مِنَ اللَّحَظَاتِ فِي شَأْنٍ عَظِيمٍ وَأَمْرٍ جَلِيلٍ، يُحْدِثُ مَا يُحْدِثُ مِنْ أَحْوَالِ هَذَا الْكَوْنِ؛ فَيُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ، وَيَشْفِي وَيُمْرِضُ؛ دُونَ أَنْ يَشْغَلَهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ تَدْبِيرُ الْكَائِنَاتِ، وَتَصْرِيفُ الْأَعْمَارِ وَالْأَوْقَاتِ، وَتَقْلِيبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ وَالسَّنَوَاتِ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْرَفُ مَنْ أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، وَأَكْرَمُ مَنْ أَقَلَّتْهُ الْغَبْرَاءُ، وَأَعْظَمُ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ فَعَبَدَهُ، وَأَصْدَقُ مَنْ دَلَّ الْخَلْقَ عَلَى رَبِّهِ فَهَدَاهُمْ وَأَرْشَدَهُمْ، وَأَصْبَرُ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى فَاحْتَمَلَهُ، وَأَحْلَمُ مَنْ قَابَلَ الْإِسَاءَةَ بِالْعَفْوِ فَسَمَا بِخُلُقِهِ وَرَفَعَهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَنُورًا لِلْمُهْتَدِينَ، وَهُدًى لِلْحَائِرِينَ، فَأَحْيَا بِهِ الْقُلُوبَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَأَنْقَذَ بِهِ الْعُقُولَ مِنْ ضَلَالِهَا، وَأَخْرَجَ بِهِ النَّاسَ مِنْ ظُلُمَاتِ الْجَهْلِ إِلَى نُورِ الْهُدَى وَسُبُلِهِ.

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، مَصَابِيحِ الدُّجَى، وَأَعْلَامِ الْهُدَى، الَّذِينَ سَبَقُوا إِلَى طَاعَتِهِ، وَبَادَرُوا إِلَى نُصْرَتِهِ، وَبَذَلُوا فِي سَبِيلِهِ الْمُهَجَ وَالدِّمَاءَ، وَصَبَرُوا عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْبَلَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

فَهُمُ النُّجُومُ الزَّوَاهِرُ، وَأَعْلَامُ الْهُدَى الظَّاهِرَةُ، وَأَصْحَابُ الْمَنَاقِبِ وَالْمَآثِرِ، الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَثَبَتُوا عِنْدَ الْمِحَنِ، وَبَذَلُوا الْأَرْوَاحَ، وَفَتَحُوا الْقُلُوبَ قَبْلَ الْبِلَادِ، وَنَشَرُوا الْهُدَى فِي الْعِبَادِ، وَتَرَكُوا لِلْأُمَّةِ مِنَ الْمَآثِرِ مَا يَبْقَى عَلَى تَعَاقُبِ الْأَجْيَالِ وَالْآبَادِ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ التَّقْوَى خَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ الْمَعَادِ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
لَوْ سُئِلَ أَحَدُنَا الْيَوْمَ: كَمْ بَقِيَ عَلَى رَمَضَانَ الْقَادِمِ؟ لَأَجَابَ فَوْرًا.

وَلَوْ سُئِلَ: كَمْ بَقِيَ عَلَى الْإِجَازَةِ؟ أَوْ عَلَى مَوْعِدِ سَفَرِهِ؟ أَوْ عَلَى مُنَاسَبَةٍ يَنْتَظِرُهَا؟ لَأَخْرَجَ هَاتِفَهُ وَحَسَبَ الْأَيَّامَ بِدِقَّةٍ.

وَلَكِنْ لَوْ سُئِلَ: كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ؟ لَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَ.

مَعَ أَنَّ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ؛ فَالْعَجِيبُ أَنَّ النَّاسَ يَعْرِفُونَ مَا بَقِيَ مِنْ مَوَاعِيدِهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ.

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ في الله:
نَقِفُ الْيَوْمَ عَلَى أَعْتَابِ عَامٍ يَرْحَلُ، وَعَامٍ يُقْبِلُ، وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى التَّقْوِيمِ وَحْدَهُ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى عُمْرِهِ الَّذِي انْقَضَى، وَإِلَى صَحِيفَتِهِ الَّتِي امْتَلَأَتْ، وَإِلَى أَيَّامِهِ الَّتِي رُفِعَتْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَمَا أَجْمَلَ مَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، فَإِذَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ أَخْطَاءِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ انْقِضَاءَ الْعَامِ مُجَرَّدَ حَدَثٍ زَمَنِيٍّ، وَالْحَقِيقَةُ أَنَّهَا رِسَالَةُ تَنْبِيهٍ تَقُولُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا: اقْتَرَبْتَ خُطْوَةً مِنَ الْوُقُوفِ، بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى.

مَا أَسْرَعَ السِّنِينَ! أَمْسِ كُنَّا نَسْتَقْبِلُ هَذَا الْعَامَ بِالْأَمَانِي، وَالْيَوْمَ نُوَدِّعُهُ بِالذِّكْرَيَاتِ، أَمْسِ كَانَ فِينَا أَقْوَامٌ يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَمْشُونَ بَيْنَنَا، وَيَضْحَكُونَ مَعَنَا، وَالْيَوْمَ هُمْ تَحْتَ الثَّرَى، يُرْتَهَنُونَ بِأَعْمَالِهِمْ.
نَمْضِي بِهِ وَخُطَى الْأَعْمَارِ مُسْرِعَةٌ
وَالنَّاسُ وَالْعُمْرُ وَالتَّذَكُّرُ أَحْلَامُ




عِبَادَ اللَّهِ:
لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْوَقْفَةِ أَنْ نَغْرَقَ فِي الْحُزْنِ، وَلَا أَنْ نُحَوِّلَ نِهَايَةَ الْعَامِ إِلَى مَجْلِسِ نَدَمٍ وَانْكِسَارٍ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ أَنْ نُحْسِنَ فَهْمَ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ.

فَالْحَيَاةُ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ بَعْدَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهَا الْوِعَاءُ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ سَائِرُ النِّعَمِ.

مَا دُمْتَ حَيًّا فَأَبْوَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحَةٌ، وَمَا دُمْتَ حَيًّا فَبَابُ الْإِحْسَانِ مَفْتُوحٌ، وَمَا دُمْتَ حَيًّا فَبَابُ التَّغْيِيرِ وَالْإِصْلَاحِ مَفْتُوحٌ.

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَبْحَثُونَ عَنِ السَّعَادَةِ فِي الْمَفْقُودِ، وَيَغْفُلُونَ عَنِ النِّعَمِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ يَتَذَمَّرُ أَحَدُهُمْ مِنْ طَعَامِهِ، وَغَيْرُهُ يَبْحَثُ عَنْ لُقْمَةٍ يَسُدُّ بِهَا جُوعَهُ.

وَآخَرُ يَشْكُو مِنْ صِحَّتِهِ، وَغَيْرُهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَقُومَ مِنْ سَرِيرِ الْمَرَضِ.

وَيَضِيقُ أَحَدُهُمْ بِحَيَاتِهِ، وَغَيْرُهُ يَتَعَلَّقُ بِخَيْطٍ رَقِيقٍ مِنَ الْحَيَاةِ فِي غُرْفَةِ الْإِنْعَاشِ.

يقول جلا وعلا: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقِفُونَ عِنْدَ نِهَايَةِ الْعَامِ مَوْقِفَ الْمُتَفَرِّجِ؛ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ سُرْعَةِ الْأَيَّامِ، وَتَقَارُبِ الزَّمَانِ، وَتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ يَمْضُونَ كَمَا كَانُوا، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، أَمَّا الْمُؤْمِنُ الفطن، فَإِنَّهُ يَقِفُ عِنْدَ مَحَطَّاتِ الْعُمُرِ وَقْفَةَ الْمُحَاسِبِ لِنَفْسِهِ، الْمُرَاجِعِ لِمَسِيرَتِهِ، الْمُسْتَعِدِّ لِمَا أَمَامَهُ.

أَيُّهَا الْكِرَامُ:
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَسْرِقُ الْأَعْمَارَ أَنْ يَعِيشَ الْإِنْسَانُ مُؤَجِّلًا لِكُلِّ شَيْءٍ.

يُؤَجِّلُ التَّوْبَةَ إِلَى غَدٍ، وَيُؤَجِّلُ حِفْظَ الْقُرْآنِ إِلَى غَدٍ، وَيُؤَجِّلُ إِصْلَاحَ نَفْسِهِ إِلَى غَدٍ، وَيُؤَجِّلُ مَشَارِيعَهُ وَأَهْدَافَهُ إِلَى غَدٍ، حَتَّى يُفَاجِئَهُ يَوْمٌ لَا غَدَ بَعْدَهُ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ".

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
لَا تَنْسَوْا نَصِيبَكُمْ مِنَ الدُّنْيَا الْمُبَاحَةِ؛ فَاسْتَمْتِعُوا بِنِعَمِ اللَّهِ، وَأَدْخِلُوا السُّرُورَ عَلَى أَهْلِيكُمْ، وَاصْنَعُوا الذِّكْرَيَاتِ الْجَمِيلَةَ مَعَ أَبْنَائِكُمْ، وَاجْلِسُوا مَعَ وَالِدَيْكُمْ، وَزُورُوا أَرْحَامَكُمْ، وَتَعَلَّمُوا مَا يَنْفَعُكُمْ، وَازْرَعُوا فِي كُلِّ عَامٍ مَهَارَةً جَدِيدَةً، أَوْ عِلْمًا جَدِيدًا، أَوْ خُلُقًا جَدِيدًا.

فَإِنَّ الْعُمْرَ لَا يُقَاسُ بِعَدَدِ السِّنِينَ، وَإِنَّمَا يُقَاسُ بِمَا امْتَلَأَتْ بِهِ تِلْكَ السِّنُونُ مِنَ الْمَعَانِي وَالْإِنْجَازَاتِ.

وَاللَّهَ الْمَسْؤُولَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْعَامَ عَامَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ، وَنَصْرٍ وَتَمْكِينٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَعَامَ أَمْنٍ وَأَمَانٍ وَعَدْلٍ وَسَلَامٍ، وَأَنْ يَجْمَعَ فِيهِ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ وَالْهُدَى، وَيُوَحِّدَ صُفُوفَهُمْ، وَيُطَهِّرَ مُقَدَّسَاتِهِمْ، وَيَنْصُرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ حَاضِرَنَا خَيْرًا مِنْ مَاضِينَا، وَمُسْتَقْبَلَنَا خَيْرًا مِنْ حَاضِرِنَا، إِنَّهُ خَيْرُ مَسْؤُولٍ، وَأَكْرَمُ مَأْمُولٍ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ:
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، إِذَا كَانَ عَامٌ قَدْ أَسْدَلَ سِتَارَهُ وَمَضَى بِمَا فِيهِ، فَإِنَّ عَامًا جَدِيدًا قَدْ فَتَحَ أَبْوَابَهُ وَأَقْبَلَ بِفُرَصِهِ وَآمَالِهِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ، أَنْ يُمَدَّ فِي أَيَّامِهِ، وَأَنْ يُفْتَحَ لَهُ بَابٌ جَدِيدٌ لِلْعَمَلِ وَالْإِنْجَازِ وَالْإِحْسَانِ.

قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: "لَقَدْ صَحِبْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عِشْرِينَ سَنَةً، صَيْفًا وَشِتَاءً، وَحَرًّا وَبَرْدًا، وَلَيْلًا وَنَهَارًا، فَمَا لَقِيتُهُ فِي يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ زَائِدٌ عَلَى أَمْسِهِ".

فَكَان هذا الإِمامُ يَعِيشُ مَعَ التَّجَدُّدِ الدَّائِمِ فِي الطَّاعَةِ، وَالِارْتِقَاءِ الْمُسْتَمِرِّ فِي الْعِبَادَةِ؛ فَهَكَذَا تَكُونُ حَيَاةُ الْعُظَمَاءِ، لَا يَقِفُونَ عِنْدَ حَدٍّ، وَلَا يَرْضَوْنَ بِمَنْزِلَةٍ، وَلَا يَسْمَحُونَ لِلْأَيَّامِ أَنْ تَمُرَّ دُونَ زِيَادَةٍ فِي الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَإِذَا انْقَضَى عَامٌ سَأَلُوا أَنْفُسَهُمْ: مَا الطَّاعَةُ الَّتِي أَضَفْنَاهَا؟ وَمَا الْخَيْرُ الَّذِي تَعَلَّمْنَاهُ؟ وَمَا الْعَيْبُ الَّذِي تَخَلَّصْنَا مِنْهُ؟ وَمَا الْعِلْمُ الَّذِي ازْدَدْنَا بِهِ بَصِيرَةً؟ وَمَا الْإِنْجَازُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا وَأُسَرِنَا وَأُمَّتِنَا؟ وَمَا الْخُطْوَةُ الَّتِي تَقَدَّمْنَا بِهَا نَحْوَ أَهْدَافِنَا وَطُمُوحَاتِنَا؟

الْمُوَفَّقُونَ لَا يَنْتَظِرُونَ الْأَعْوَامَ لِتُغَيِّرَ أَحْوَالَهُمْ، بَلْ يُفَكِّرُونَ: مَاذَا سَيَعْمَلُونَ؟ وَمَاذَا سَيُنْجِزُونَ؟ وَكَيْفَ سَيَتَقَدَّمُونَ؟ ثُمَّ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَمْضُونَ فِي طَرِيقِ الْبِنَاءِ وَالْإِصْلَاحِ وَالْإِحْسَانِ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
اشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا مَضَى، وَأَحْسِنُوا الْعَمَلَ فِيمَا بَقِيَ، وَاسْتَقْبِلُوا أَيَّامَكُمْ بِالتَّفَاؤُلِ، وَعَمِّرُوا سَاعَاتِكُمْ بِالْعَمَلِ.

فَإِنَّ الْغَدَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَجْمَلُ مِنَ الْيَوْمِ، وَالْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنَ الْأَمْسِ.

وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمْ؛ فَإِنَّ رَبَّكُمْ كَرِيمٌ، وَفَضْلَهُ عَظِيمٌ، وَخَزَائِنُهُ لَا تَنْفَدُ، وَأَبْوَابُهُ لِلتَّائِبِينَ وَالْمُحْسِنِينَ لَا تُغْلَقُ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِنَا خَيْرًا مِمَّا مَضَى، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا وَأَعْمَارِنَا وَأَهْلِينَا وَأَعْمَالِنَا.

اللَّهُمَّ اجْعَلِ الْعَامَ الْمُقْبِلَ عَامَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَأَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَعِزٍّ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا، وَوَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِمْ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالرَّخَاءِ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 79.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 77.57 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.17%)]