|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التوازن بين العبادة والراحة أثناء الحج عدنان بن سلمان الدريويش قبل أن يصل الحاجُّ إلى مكة، تمتلئ روحه بالشوق، ويشعر أن كل لحظة ستكون في الحرم أو في المناسك كنزٌ لا ينبغي أن يُضيَّع، فتجد بعض الناس يندفعون إلى العبادة اندفاعًا يرهقون الأجساد ويُتعبون النفوس؛ طواف طويل، وسهر متواصل، وقلة نوم، حتى تتحوَّل العبادة التي جاءت رحمةً وسكينةً إلى مشقةٍ تثقل القلب والنفس والجسد، وهنا تظهر حكمة الإسلام العظيمة في تحقيق التوازن في حياة المسلم؛ فالدين لا يريد من الحاج أن يُنْهِك نفسه، بل أن يعبد الله بقلبٍ حاضرٍ ونفسٍ مطمئنةٍ، قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 125]، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ هذا الدينَ يسرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبهُ، فسدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا ويسِّروا"؛ رواه البخاري، فالإسلام دينُ التوازن، لا الإفراط ولا التفريط. أيها الحاجُّ، كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي طاقة النفس والجسد، ويُعلِّم أصحابه أن للبدن حقًّا، جاء في حديث سلمان مع أبي ذَرٍّ رضي الله عنهما: "إنَّ لنَفْسِكَ عليكَ حقًّا، ولِرَبِّكَ عليكَ حقًّا، ولِضَيْفِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لِأهلِكَ عليكَ حقًّا؛ فأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فأَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فذكَرَا ذلكَ، فقال له: صَدَقَ سَلمانُ"؛ رواه البخاري، فالحاجُّ الذي يُرهِق نفسه منذ الأيام الأولى قد يفقد نشاطه في أعظم المواطن، وربما دخلت العبادة عليه وهو متعبٌ مشتتٌ، لا يشعر بحلاوة الذكر ولا حضور الدعاء. يا أخي، يُروى أن حاجًّا كان يطوف معظم الليل، ويُقلِّل من النوم والطعام، فلما جاءت أيام المشاعر اشتدَّ عليه التعب حتى عجز عن التركيز في الدعاء بعرفة، وبالمقابل كان معه رجلٌ آخر أكثر توازنًا؛ يعبد الله بنشاط، ويأخذ من الراحة ما يعينه، ويحافظ على هدوئه وذكره، فلما عادوا قال الأول: ظننت أن كثرة الحركة هي العبادة، ثم اكتشفت أن العبادة الحقيقية تحتاج إلى قلب حاضر لا جسد منهك، فالراحة تكون عبادةً إذا صلحت النية؛ لأن الراحة في الحج ليست تقصيرًا إذا كانت لأجل التقوِّي على الطاعة، فالنوم الذي يعينك على قيامٍ بخشوعٍ، والطعام الذي يقوِّي جسدك للطواف والسعي، والهدوء الذي يحفظ أعصابك في الزحام، كلها قد تتحوَّل إلى عبادة بالنية الصالحة، جاء عن بعض السلف يقول: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي". أيها المبارك، حين يرهق الإنسان نفسه، يضيق صدره سريعًا، ويغضب من الزحام، وربما أساء لمن حوله دون أن يشعر، أما الحاجُّ المتوازن، فإنه أهدأ نَفْسًا، وأحْسَن خُلُقًا، وأكثر قدرةً على الصبر والابتسامة وخدمة الآخرين، وهذا من أعظم مقاصد الحج والعمرة؛ فالحج ليس بكثرة الأعمال فقط، بل هو تهذيبُ أخلاق، وتربيةُ روح، وحتى يحقق الحاج والمعتمر توازنه، عليه: أن ينظم أوقات عبادته وراحته، وأن يقدِّم الفرائض والواجبات على النوافل المرهقة، وأن يحرص على النوم الكافي خاصة قبل أيام المشاعر، وأن يشرب الماء الكافي ويتغذَّى جيدًا ليحفظ قوته، وأن يبتعد عن التكلُّف والمبالغة التي تؤدي للإنهاك، وأن يتذكَّر أن أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإنْ قَلَّ. يا ضيف الرحمن، لا تجعل همَّك كثرة الحركة، بل صدق الحضور مع الله، فقد يسبقك إلى القبول رجلٌ أقل منك عملًا، لكنه أهدأ قلبًا، وأحسن خُلُقًا، وأكثر توازنًا، فخذ من الراحة ما يعينك، ومن الذكر ما يحيي قلبك، ومن الصحبة الصالحة ما يثبتك، فالحجُّ رحلةُ عبادة، لكن العبادة الموفقة هي التي تبني الإنسان ولا تُنْهِكه.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |