|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الاستعداد النفسي لمواجهة الزحام في مكة عدنان بن سلمان الدريويش حين يتهيَّأ الحاج والمعتمر لزيارة بيت الله، يظنُّ كثيرٌ منهم أن الاستعداد يقتصر على تجهيز الحقائب وترتيب الرحلة، وينسى أن أعظم ما يُحمَل في هذه الرحلة ليس في اليد، بل في القلب؛ وهو زادُ الصبر، فالزحام في المشاعر ليس عارضًا طارئًا، بل هو جزءٌ من المشهد الإيماني الذي تُختبر فيه النفوس، وتُمحَّص فيه الأخلاق، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ﴾ [البقرة: 125]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"؛ رواه البخاري. أيها الحاج، عند الطواف، وفي السعي، وعند رمي الجمرات، تتقارب الأجساد، وتضيق المساحات، وتختلف الطباع، هناك قد يُدفَع الإنسان، أو يُؤخَّر، أو يُمنع مما يشتهي، وهنا يظهر السؤال الحقيقي: كيف يتصرف قلبك قبل جسدك؟ قال الله تعالى: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 197]، إنها وصيةٌ إلهيةٌ بأن يكون الحاج في أعلى درجات الانضباط الأخلاقي، خاصة في مواطن الاحتكاك، فليس الصبر مجرد تحمُّلٍ صامتٍ، بل هو عبادةٌ عظيمة، كما قال الله عنها: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، ففي الزحام، تتحوَّل اللحظات الصغيرة إلى فرصٍ كبيرةٍ: بأن تكفَّ أذاك عن غيرك، وأن تعذر الجاهل والمتعب، وأن تبتسم بدل أن تغضب، وأن تؤثر غيرك على نفسك. يا أخي، يُحكى أن رجلًا حجَّ، وكان سريع الغضب، فلما اشتد الزحام عند الطواف، دفعه أحد الناس دون قصد، فالتفت غاضبًا وكاد أن يصرخ، ثم تذكَّر أنه في عبادة، فقال في نفسه: "إن كنت لا أصبر هنا، فأين أصبر؟"، فابتسم، وقال: "اللهم كما جمعتنا في هذا المكان، فاجمع قلوبنا على طاعتك"، يقول بعد عودته: "كان ذلك الموقف بداية تغيُّرٍ في حياتي، تعلَّمت فيه أن أملك نفسي قبل أن أطلب من الآخرين أن يراعوني"، وجاء في السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان مثالًا للصبر والرفق، فقد أُتي بأسئلة كثيرة يوم النحر من أصحابه، فكان الناس يقولون: فعلتُ كذا قبل كذا، فما كان منه إلا أن قال: "افعَلْ ولا حَرَجَ"؛ رواه البخاري، فقد كان صلى الله عليه وسلم ييسِّر ولا يُعسِّر، ويُعلِّم الأمة أن روح العبادة تقوم على السكينة، لا على التوتر والتشدد. أيها المبارك، توقَّع الزحام، حتى لا تتفاجأ به، ثم درِّب نفسك على كظم الغيظ في مواقف الحياة اليومية، واستحضر نية التعبد بالصبر، لا مجرد تحمُّل الواقع، وأكثِر من الذكر، فهو يُسكِّن القلب عند الاضطراب، وتذكَّر أن كل من حولك جاء يرجو ما ترجوه: رحمة الله ومغفرته. فيا ضيف الرحمن، إن الزحام الذي تراه بعينك، هو في حقيقته اختبارٌ لما في قلبك، فإذا ضاق صدرك، فأوسع أفق إيمانك، وقل: هذه لحظة أُربِّي فيها نفسي لله، ولا تنسَ أن تُحسِّن خُلقك في الزحام، فقد يكون أعظم أجرًا من كثيرٍ من الأعمال الظاهرة، وتذكر أن صبرك في الزحام ليس ضعفًا، بل قوةٌ داخليةٌ، وعبادةٌ راقيةٌ، وعلامةُ نضجٍ إيماني.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |