دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تفسير قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          تعلم NotebookLM.. حول ملفاتك إلى «دليل دراسي» للمذاكرة أو العمل فى ثوانٍ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          تعلم NotebookLM.. كيف تنشئ أسئلة ومراجعة في ثوانٍ من أى كتاب؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          سلاح رقمى جديد من OpenAI.. ذكاء اصطناعى يرصد الثغرات الإلكترونية بدقة 85.6% (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          ميتا توقف برنامجًا لتدريب الذكاء الاصطناعى بعد تسريب بيانات الموظفين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          ميتا تطرح أدوات إبداعية جديدة لتبسيط إنتاج المحتوى بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          المسافة الآمنة.. أين يجب أن تضع موبايلك قبل النوم؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          لو الجو حر.. 7 نصائح بسيطة لحماية موبايلك من السخونة الزائدة فى الصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          3 مزايا خفية فى Google Workspace قد لا تستخدمها رغم أهميتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          لماذا لا تزال بعض الأجهزة تعتمد على بطاريات aa رغم انتشار الشحن عبر usb؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #5  
قديم 13-05-2026, 05:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,733
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام

دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (5)

د. محمود بن أحمد الدوسري




الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ[1]: وَمِنْ أَهَمِّ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ:
32- التَّذْكِيرُ بِنِعَمِ اللَّهِ يَدْفَعُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ: فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَّرَ قَوْمَهُ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ – قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: ﴿ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 20]؛ أَيْ: اذْكُرُوا بِقُلُوبِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ نِعَمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُمْ؛ فَإِنَّ ذِكْرَهَا دَاعٍ إِلَى الْقِيَامِ بِشُكْرِهِ عَلَيْهَا، وَدَاعٍ إِلَى مَحَبَّتِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمُعِينٌ عَلَى عِبَادَتِهِ سُبْحَانَهُ.

ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ هَذِهِ النِّعَمِ، فَقَالَ: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ يَأْتُونَكُمْ بِوَحْيِهِ، وَيُخْبِرُونَكُمْ بِآيَاتِهِ، حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ[2]، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ﴾؛ أَيْ: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ خَدَمًا وَحَشَمًا، سَخَّرَهُمْ لِيَخْدِمُوكُمْ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: «أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ. قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

﴿ وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾؛ أَيْ: وَمَنَحَكُمْ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، مَا لَمْ يُعْطِهِ لِأَحَدٍ سِوَاكُمْ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكُمْ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الْجَاثِيَةِ: 16][3].

وَمِنْ فَوَائِدِ الْآيَةِ:
أ- أَنَّ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا فَقَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ نِعْمَةً عَظِيمَةً، تَحْتَاجُ إِلَى التَّذَكُّرِ؛ لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، مِنْ خِلَالِ تَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِمْ، وَتَذْكِيرُ النَّاسِ بِالنِّعَمِ يُوجِبُ لَهُمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى.

ب-تَقْدِيمُ مَقَامِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأُمَرَاءِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ﴾، فَبَدَأَ بِالْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُمُ الْأُمَرَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ إِمَّا أَنْيَكُونُوا مِنَ الْمُلُوكِ، أَوْ مِنْ وَرَثَتِهِمْ، أَوْ نُوَّابِهِمْ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

ج-كُلَّمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ بِنِعْمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ مُوسَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، بَعْدَ ذِكْرِ النِّعَمِ مُبَاشَرَةً؛ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ [الْمَائِدَةِ: 21][4].

عِبَادَ اللَّهِ... إِنَّ شُكْرَ النِّعَمِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ:
أ- أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ أَنَّ مَا بِهِ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النَّحْلِ: 53].

ب- أَنْ يُحَدِّثَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ[5]: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضُّحَى: 11]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» صَحِيحٌ – رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ» حَسَنٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ج- أَنْ يَسْتَخْدِمَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ﴾ [الْقَصَصِ: 77].

33- الْكَلَامُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى: قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 143]؛ أَيْ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِلَا وَاسِطَةٍ، وَأَسْمَعَهُ كَلَامَهُ؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النِّسَاءِ: 164]؛ أَيْ: وَخَاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكَلَامِهِ مُوسَى، مُشَافَهَةً مِنْهُ إِلَيْهِ دُونَ وَاسِطَةٍ، بِكَلَامٍ وَاضِحٍ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، سَمِعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى اشْتُهِرَ بِهَذَا عِنْدَ الْعَالَمِينَ فَيُقَالُ: "مُوسَى كَلِيمُ الرَّحْمَنِ"[6].

وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَى وَجْهَيْنِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا ﴾ [مَرْيَمَ: 52]؛ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْمُنَادَاةُ: وَالنِّدَاءُ: يَكُونُ لِلْبَعِيدِ؛ فَيَحْتَاجُ إِلَى صَوْتٍ أَعْلَى. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: الْمُنَاجَاةُ: وَالْمُنَاجَاةُ: تَكُونُ لِلْقَرِيبِ؛ وَالْقَرِيبُ يَكْفِيهِ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ[7].

34- اللَّهُ تَعَالَى لَا يُرَى فِي الدُّنْيَا، وَيُرَى فِي الْآخِرَةِ: (هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَشْرَفِ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ وَأَجَلِّهَا، وَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي شَمَّرَ إِلَيْهَا الْمُشَمِّرُونَ، وَتَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُونَ، وَحُرِمَهَا الَّذِينَ هُمْ عَنْ رَبِّهِمْ مَحْجُوبُونَ)[8].

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ؛ قَالَ: ﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ؛ أَيْ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، أَرِنِي نَفْسَكَ؛ لِأَنْظُرَ إِلَيْكَ، ﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي ﴾؛ أَيْ: قَالَ اللَّهُ مُجِيبًا لِمُوسَى: لَنْ تَقْدِرَ عَلَى رُؤْيَتِي فِي الدُّنْيَا[9]. ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ [الْأَعْرَافِ: 143]؛ أَيْ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ – يَا مُوسَى – فَإِنْ تَجَلَّيْتُ لَهُ، وَثَبَتَ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ مَكَانَهُ – وَهُوَ أَقْوَى مِنْكَ، وَأَشَدُّ صَلَابَةً - فَإِنَّكَ لَنْ تُطِيقَ رُؤْيَتِي مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ فَأَنْتَ أَضْعَفُ مِنْ أَنْ تَتَحَمَّلَ ذَلِكَ[10].

قَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْشَأَ الْخَلْقَ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَلَى نَشْأَةٍ لَا يَقْدِرُونَ بِهَا، وَلَا يَثْبُتُونَ لِرُؤْيَةِ اللَّهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّةِ، فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيَتَمَتَّعُونَ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنَّهُ يُنْشِئُهُمْ نَشْأَةً كَامِلَةً، يَقْدِرُونَ مَعَهَا عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِهَذَا رَتَّبَ اللَّهُ الرُّؤْيَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْجَبَلِ)[11].

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ.. وَمِنَ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ فِي قِصَّةِ مُوسَى:
35- مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ إِهْلَاكُ اللَّهِ لِمُكَذِّبِيهِمْ، وَنَصْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ: قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 65-67]. فَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَلَائِلِ صِدْقِهِمْ؛ كَإِغْرَاقِ اللَّهِ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوهُ، وَكَإِهْلَاكِهِ قَوْمَ عَادٍ بِالرِّيحِ الصَّرْصَرِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ صَالِحٍ بِالصَّيْحَةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وَإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ بِقَلْبِ مَدَائِنِهِمْ، وَرَجْمِهِمْ بِالْحِجَارَةِ، وَكَإِهْلَاكِ قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِالْغَرَقِ.

وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الْقَصَصَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَبَيَّنَ أَنَّهَا مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، كَمَا يَذْكُرُهُ فِي "سُورَةِ الشُّعَرَاءِ" لَمَّا ذَكَرَ قِصَّةَ مُوسَى قَالَ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 67]، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 103]، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ نُوحٍ، وَهُودٍ، وَصَالِحٍ، وَلُوطٍ، وَشُعَيْبٍ[12].

36- إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ مِنْ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: لَمَّا أَخَذَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلِحْيَةِ أَخِيهِ هَارُونَ، وَرَأْسِهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، قَالَ هَارُونُ مُسْتَعْطِفًا أَخَاهُ: ﴿ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ﴾ [طه: 94]؛ أَيْ: يَا ابْنَ أُمَّ، لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي، وَلَا بِشَعْرِ رَأْسِي[13].

فَفِيهِ دَلِيلٌ: عَلَى أَنَّ لِهَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِحْيَةً يُمْكِنُ الْإِمْسَاكُ بِهَا[14].

قَالَ الشِّنْقِيطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِضَمِّهَا مَعَ آيَةِ "الْأَنْعَامِ" تَدُلُّ عَلَى لُزُومِ إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ؛ فَهِيَ دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ عَلَى إِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ وَعَدَمِ حَلْقِهَا. وَآيَةُ الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةُ هِيَ: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ... ﴾ [الْأَنْعَامِ: 84]، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ - بَعْدَ أَنْ عَدَّ الْأَنْبِيَاءَ الْكِرَامَ الْمَذْكُورِينَ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 90]؛ فَدَلَّ ذَلِكَ: عَلَى أَنَّ هَارُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ أُمِرَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَأَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ أَمْرٌ لَنَا؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْقُدْوَةِ أَمْرٌ لِأَتْبَاعِهِ... وَعَلِمْتَ أَنَّ هَارُونَ كَانَ مُوَفِّرًا شَعْرَ لِحْيَتِهِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأَخِيهِ: ﴿ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ﴾؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَالِقًا لَمَا أَرَادَ أَخُوهُ الْأَخْذَ بِلِحْيَتِهِ.


تَبَيَّنَ لَنَا مِنْ ذَلِكَ بِإِيضَاحٍ: أَنَّ إِعْفَاءَ اللِّحْيَةِ مِنَ السَّمْتِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّهُ كَانَ سَمْتَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ)[15].

وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ مُخَالِفٌ لِهَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

[1] هذا هو (الجزء الخامس) من دروس إيمانية من قصة موسى. وقد مَضَى (31 درسًا) في (الجزء الأول) و(الجزء الثاني) و(الجزء الثالث) و(الجزء الرابع).

[2] (تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ) أَيْ: يتوَلَّون أُمورَهم؛ كما تَفعَلُ الأُمراءُ والوُلاةُ بالرَّعية. والسِّياسة: القيامُ على الشيءِ بما يُصلِحُه. يُقال: سُسْتَ الرَّعِيَّةَ سِياسةً؛ أَمَرْتُهَا ونَهَيْتُهَا. انظر: لسان العرب، (6/ 108)؛ فتح المنعم شرح صحيح مسلم، (7/ 461).

[3] انظر: تفسير الطبري، (8/ 277)؛ تفسير ابن كثير، (3/ 72)؛ تفسير السعدي، (ص227).

[4] انظر: تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة، (1/ 257).

[5] يُستحبُّ للإنسان إنْ يُحدِّث بِنِعَمِ الله عليه؛ ما لم يخشَ حسدَ حاسدٍ، أو كيدَ كائدٍ؛ لقول يعقوبَ عليه السلام – لابنِه يوسفَ عليه السلام: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ﴾ [يوسف: 5]، ولقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ؛ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ» رواه البخاري ومسلم.

[6] انظر: تفسير الطبري، (7/ 689)؛ تفسير السعدي، (ص215)؛ تفسير ابن عثيمين – سورة النساء، (2/ 482).

[7] انظر: تفسير ابن عثيمين – سورة النساء، (2/ 483).

[8] شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي (ص189).

[9] انظر: تفسير الطبري، (10/ 418)؛ تفسير القرطبي، (7/ 278).

[10] انظر: تفسير مقاتل بن سليمان، (2/ 61)؛ البسيط، للواحدي (9/ 334)؛ العذب النمير، للشنقيطي (4/ 147).

[11] تفسير السعدي، (ص302).

[12] انظر: الجواب الصحيح، لابن تيمية (6/ 387).

[13] انظر: تفسير الطبري، (16/ 146)؛ الوسيط، للواحدي (3/ 219)؛ تفسير ابن كثير، (5/ 312).

[14] انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، (11/ 126).

[15] أضواء البيان، (4/ 92) باختصار.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 180.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 178.43 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.96%)]